في عالم لا يُعرَفُ عنه إلّا أن الأضواء والضباب الفسيفسائي يسيطر على أرجاءه، سكنت غابة بديعة الألوان زاهية المنظر، بأشجارها الشاهقة ومخلوقاتها الفريدة.
كانت آمنة، محتجبةً بنظامٍ بيئي لا يفتقر للتوازن. الأسرار كانت تختبئ أسفل الصخور الألماسية، وفوق التّلال البنفسجية.
كانت وِكرًا تدعوا الرياح الاستوائية المخلوقاتِ للّجوء إليها. كأنها كيانٌ سَإِمَ الوحدة، فهذه الرياح المتحشرجة أصبحت أكثر قوّة مع مرور الأيّام.
وفي جانبٍ أخر من تلك الجزيرة، كل شيء كان معكوسًا، أرض جرداء لا زرع فيها ولا ماء. والدماء حلّت محلّ النسيم العليل.
عانى الإوز، معاناة الفريسة التي تخلّلت حياتها الصيد الجائر.
فما كان منها إلّا أن هاجرت.. “هجرة” كلمة لم يكن قائد الإوز ليتصورها.. فقد توالت الأجيال وكان دأبها أن تستقر في هذا المكان الذي كان سابقًا جنّة على الأرض، بَيْدَ أن الفخاخ النارية كانت كفيلة بأن تغيّر هذا الرأي المُحافِظ.
أعلن الأسبوع التالي عن مغامرةٍ عانقت السماء، وصالت وجالت كل أرض. وأخيرًا، وصل سِرب الإوز إلى ما ظنّوه غابة، ففاجئتهم بالترحيب بهم عبر ألعاب ناريّة خَلت من النار التي عذّبت أرواحهم، إذ كانت عروضًا جميلة تنفثها الأزهار.
تقدّم قائد الإوز، وبِلغة الحيوان للنبات، صاحَ بحماسة:
“بيتنا الجديد…!”
فقاطعه أحد أتباعه:
“لا… صديقنا الجديد!”
حب صريح….
في رُبوع دربٍ ربيعيٍّ، تنزّه زوجٌ وزوجته بين الأطلال البهيّة. وبينما الوقت الحلو يسير، جاء اعتراف من الرجل للمرأة، لم يكن له داعٍ أو مُبَرِّر، لكنه من الجدّيّة بحيث لا يهم الداعي والمبرِّر.
“لن أُضحّي لأجلكِ أبدًا”! وعندما لم يجد جوابًا، تابعَ في رأيه “لماذا إذًا تُغدِقينَني بالحب؟”
لم تفكّر الزوجة في الرد، بل قالت بشكل شبه آلي: “الجوابُ في سؤالك، الصراحة! إنّك صريحٌ وصادق”.
فارتاح الإثنان للتوافق العجيب!
لم يمضِ على تلك النزهة أكثر من يومين حتّى فهمت الزوجة سبب السؤال الغريب، فقد عقد الزوج العزم على هجرها مدّة خمس سنوات للطيش واللهو. وما أدخل هذا الخبر المُريع على قلب امرأة حسّاسة مثلها كان رسالةً ألصقها المُسافر على منضدةٍ قريبةٍ من المَمَر.
كان الحزن شديدًا.. أستُطعِمُ الصراحة طفلها في المهد؟
أستُنقذها الصراحة من الوحدة والفقر؟
هكذا كانت الأفكار تدور في رأسها كالزوبعة، هي أفكار عِتاب ممزوج مع قلق على المصير، وقبل أن تتراكم أفكارٌ أخرى سقطت. سقوط لا علاقة له بالإغماء، بل سقوط الضعف والهَوان أمام الواقع.
وعادت الأفكار… سُمعَتُها! ماذا سيكون رَدُّها أمام من يسألها عنه؟ أتُصارِحُه؟ أتتطبَّعُ بِالطبع الوحيد الجيّد فيه؟ لا! إن المهمة أكبر منها، وإنَّ طاقتها لا تقوى على غير مجالسة البيت. هكذا إذًا الخطة. لا مغادرة للبيت، وبخصوص الزاد فإنّها ستستزيد بخضروات الحديقة!
وقطع حبل أفكارها رنين الهاتف، فهرولت إليه مجيبة، واتضح أنه زوجها: “بصراحة، تم إيقافي لعبور الحدود رفقة محبوبتي الجديدة لعدم حِيازتي لتصريح! هؤلاء الكنديون!
بأي حال، رحلتي مؤقتة وسأعود بعد خمس سنوات، تعرفين ذلك، إلى اللقاء!”.
ولم ينتظر الجواب، فقد علم مسبقًا أنها ضعيفة، ولولا ذلك ما تجرأ على الغدر بها. أمّا هي ففرحت! ستنتظره، وستأكل خضروات الحديقة حتى يأتي الصّريح.
هل ستنتظر وتسامح لأنه صريح أم لأنها خائفة بدونه؟ لم يكن ذلك ذا أهمية في المعادلة.
ضربة بطولة…
تحت تلك السماء الصافية، تواجه الإثنان.
أطلقت الدبابةُ قذيفةً سُرعان ما التقطتها مخالب الحديد، وبِبأسٍ شديد أرجعتها لِموطنها، موطن العِدا والشر.. فجلجلَ ملئ الميدان انفجارٌ أعلن نهاية الحرب، وانتصار البطل وسرباله الآلي.
هزيمة الغِش حرفيًّا…
كان أقصى الغايةِ سِجنُه، جُنحٌ هو ما حفّز الغاية، بخُطًى ثابتةٍ أخذ يقترب، الإقترابُ بِتُؤدةٍ كانَ.
عهدُ التّجارب الخبرة، هكذا تعلّمَّ منذ أن هُزِمَ أوَّلَ المباريات، إذ بعد أن صفعته الهزيمة أمام نظيره في اللعبة، والتي بالكاد يراها كلعبة، راح اليأس يفعل فعله به.
ليس مغلوطًا أنه واجههم فردًا ضدَّ جماعة، بيْد أنَّ القضية ليست قضية طغيانٍ عددي بل غِش.
نعم.. فالمراوغات كانت تُقابِلُ خطط الخصوم وتصدُّ عزمهم، فما أن فرغ عزمهم، لجئوا للغش. ويا ليت الخبرة زاولت مهنتها فيُظْفَرَ بالفوز الأكيد.
لكن اليوم ليس كالغد، أخذ على عاتقه التدريب للتعويض، فأبدل ثغراتِ الضعف قوة. أشرقت الشمس وغربت كثيرًا منذ لحظة التمرين الأوّل.
لِميدانِ المباراة حضر، فإذا بالكرة أمامه تجسّد بها الغش. وَثَبَت الكرة لأعلى ثم استقرت لأسفل قبل أن ترتطم بالسقف بعد أن أعادت الكرّة بينما اللاعب يراقب دون أدنى توتُّر.
كان أقصى الغايةِ سِجنُه، جُنحٌ هو ما حفّز الغاية، بخُطًى ثابتةٍ أخذ يقترب، الإقترابُ بِتُؤدةٍ كانَ.. ما هي إلّا لَحظاتٌ حتّى خطف الكرة من بعد أن عدى عدْي العادية، فأودعها السلّة قافِزًا.
لقد سُجِنَ الغش.. سجنه السلَّةَ والسجّانُ المهارة.

