أمل دنقل، شاعر مصر و”الغلابى” الكبير، كتب قصيدة عموديّة بعنوان “الخيول”، ناشطة لِحقوقِهم.. إنها فعلًا النّظيرُ الشّاعِري لمذكّرات The Black Beauty، السيرة الروائية لحصان وجد خلاصه بعد شقاءِ جهلِ سيّدته بالعطف وإصرارها على الأناقة المؤلمة، من كتابة آنا سيويل.
في المقطع الأوّل، يقول بأن الخيولَ فَدَتِ الفتوحات بدمها، ووُضِعت الحدود (حدود الممالك) بفضل حوافِرِها!
وكما لا بد للفتح من حرب، لا بد للحرب من حصان؛ ولا بد لِسَرجِ الحصان أن يُهَفهِف.. وأن، إلى جانب ضراوة السيف، يُشارِك في السِّلمِ.
ثم ينتقل لخطابِ الخيلِ، فيَهيبُ بِها أن تركض حُرِّيَّةً لا كما وُصِفت في القرآن وجاء تشبيه المغيرات صبحًا والعاديات ضبحًا مدحًا للخيل (ولست أدري إن كان في هذا تكذيب للقرآن أو قلّة أدب مع الدّين).
فحرّيّتها -كما ينبغي- لن تُمحى مثلما لن يمحى الخضارُ ورُبوعُهُ أمامَها.. بل لن يعيق ركضها، مثلًا، طفلٌ يوقفها كي يتنحّى.
بعدها، يُشارُ لموكب حرس ملكي يدغدغ ذكرياتٍ (الروح المبعوثة) هي في حقيقة الأمر أمجاد الخيل.
ويعود النّداء…
يقول الشاعر للخيل أن اركضي مثل السلاحف صوبَ المتاحف، وصيري تماثيلًا وأراجيحَ وفوارس وحتّى، مجازيًّا، لعبةً طينيّةً للصِّغار الفقراء.
وإلى جانب التماثيل المنصوبة في الميادين والأراجيح الخشبية (لعبة ملاهي)، وفوارس الحلوى في الموسم النبوي، فهي أيضًا وشوم تَجِفُّ مثلما، في تصعيدٍ مفاجئ، يخبرها الكاتب أن هذا (الجفاف) هو عينُ ما حصل للصّهيل في رئتيها! وهذا بالطبع ليس عاديًّا.. فصهيلها لا يفترض به أن يَجِفَّ إلّا لإساءة.
في المقطع الثاني يحدثنا عن هذه الحيوانات ذاتِ الجسد الحر..
فذوات الجسد الحر.. كانت وللأسف كانت، لا يلين ظهرها لمروّض، ولا ينحني لقائد… نفس الشيء بالنسبة لفمها الحر الذي كان لا يُلجَم.
كذلك، إستخدم الشّاعر، أثناءَ هذا الرّتح الحزين، كلمة “بالكاد” بذكاء؛ إذ لم يكن الزّاد بالكاد! (يعني لم علف الخيل قليلًا)..
وهذا كلّه بعد أن بيّن أنّ الخيل لم تختلف عن البشر في امتلاكها للأرض المظلّلة والعشب الغني بالشّمس.. فقد كانت السهول شاهدة على عَدْيِ العادِية الحُر.
ويستطرد قائلًا أنّ حوافر الخيل وأرجلها لم تتعرّض لما يُعيقُها.. فَنَفَسُها الحرية وعُنوانها البَرّيّة.
هنا لم تختفي فكرة تشابه الخيل -فيما مضى- مع النّاس فهم أيضًا يتنفسون حرّيّة، والشَّبَه، لأنه فيما مضى، فهو زمن ذهبي نبيل كما نقول نحن “زمن الطّيّبين”.
عادَ دنقل لدعوته الخيلَ بالرّكض، غير أنّه هذه المرّة يخيّرها بين الإقدام والإحجام.. وهما ضدّان يصفان الزمن المتقاطع الذي انتقل منه حالها من الأوّل للثّاني.
وجاء وصف الزمن المتقاطع بغروب الشمس (تنحدر الشمس) وكذلك الأمر للأمس.
الإنحدار وَصَفَ أيضًا نهاية المنحدرات الجبليّة، وهي “الشُّهُبُ المتفحّمة” ولعلّه يقصد كِنايةً ما عن سوءِ المَآل.
بعدها، يأتي الحديث عن نوعين من الذكريات، تلك التي أعلنت عن حضورها كما يعلن القنفذُ شوكه، وتلك الخجولة التي تلاشت كما تتلاشى البشرة المسلوخة (الخوف هو المسئول عن السَّلخ).
ويبدو أن الكِنايات، وأقولُ كِنايات لأنّنا ابتعدنا عن لفظة الخيل، استمرّت حتّى تشملَ منافسةَ الأنهُرِ على قاعٍ ما..
ونقترب من معنى الخيل، فهي يجب أن تركُضَ لأنّ الينابيع (في نفس سِياق الأنهار) تختفي (وجاء هذا الفِعل وحيدًا) بمجرّد ملامستها للجدول -الذي يبدو أنّه هو القاع-.
ربما يتّضح المعنى أكثر لو أُريدَ الخيلُ من لفظ “وهي… لا تكتفي!” التي تَبِعت كِناية الأنهُرِ والينابيع.
لذلك فالركض -أو التوقف- له نفس الهُوّة؛ مستحيل ينطح مستحيل.
في المقطع الثالث يشبّه أمل الحِصانَ ببساطَ الرّيح.. فالبساط المذكور في حكايات التراث الفارسي يُعَدُّ وسيلة نقل، وهو ما ينطبق على الأحصنة.
على أن الأحصنة قسّمت النّاس ما بين راكب وقائد.
أمّا الخيلُ الذي قُدِّرَ له أن يُقتاد فهو حقيقةً سارَ لِ “هُوّةِ النّسيان” لأن ذُلولَهُ يتناقض مع عَظَمَتِهِ.. إضافةً إلى أنّه وهو ينقُل الرُّكّاب، تركَ إرثَهُ؛ دمعة النّدم الأبدي.
إنّ دمعة الندم الأبدي تلك مُحدِثُها أشباح الماضي على هيئة خيلٍ إخوةٍ، وأشباه (على وزن أشباح) فرسان.. نحن نعرف أن “أشباه” تأتي في محل تحقير لكن هنا على الأرجح معناها ذكرى ضبابيّة.
ثم هنالك المُشاة الذي يقتادون الخيل، إنّهم إلى النّهاية المعلومة يمضون أسفل “ظلال الهوان” (ربما يقصد الشّاعِر أن اثتياد كائنات حرة يعتبر خطيئة، والخطيئة هوان.)
وعاد التّشجيعُ على الرّكض.. ركضٌ إمّا إلى مستقر أو فِرار..
الجدير بالذكر أنّه عند سيرة الفِرار أشارَ الشّاعِر من جديد لثنائيّة الإقدام والإحجام.
ذلك أنّ الإقدام والإحجام تتشاركان نفس الديباجة، لا قَرار.
والزّهيدُ من الأمر، زُهْدٌ متطرِّفٌ حدَّ العَرق، هو المَلَكَةْ.
وحتى ذاك العرق يُبذل في سبيل الذّهب (أي أنه ناتج عن تعب أي عمل أي مصلحة لصاحب العمل).
آها! صاحب العمل هو أيُّ هاوٍ للسلالات العربية.. أو ربّما مُراهِن في الحلبات الدائريّة (قافية؛ عربيّة-دائريّة).
ولما لا يكونون مُلّاكَ عربات سياحيّة تتعب الخيول في جرّها؟
ولا يُنسى لذّة الشراء وتعب الخيل لمجرّد أن يستمتع المُشتري.
وآخر مثال هو سائحة تعتلي ظهر الخيلِ عند أبي الهول..
وتمثال أبو الهول لم يمرّ دون وصف داخل أقواس بأسلوب هذا الذي.. هو أنّ أنف أبو الهول تهشّم بسبب الوقت الطويل… فالزمن على حد الوصف لعنة.
بالحديث عن الزّمن، مباشرةً يقول الشاعر بأنّ المِزولة، أي الساعة الشمسية القديمة (بوصلة تقيس مدى الشمس) مالَت نحوَ الغرب.
وذلك المَيَلان يُصَوّر إردافًا.. فالخيل غَدت ناسًا والعكس صحيح.. والخيلُ لهوّة الصّمتِ يسيرون، والناسُ لهوّةِ الموتِ يمضون.
وتنتهي عندئذ هذه القصيدة التي نُشِرت سنة 1983.

