كحّلتُ عينايَ، عند عتبة المَيتَم، بمنظر حارتنا الحقيرة التي يستحيل أن يندسّ فيها فتّان، وكدت أصير في عِدادِ صرعى الكَرى لولا أن لاحَ لي كلبٌ ضالّ ينهَمُ من قالِبِ القُمامة.
فأشفقتُ عليه وأردت لخلاصه من الجوع رجاءً، لا سِيَما أنّي بهجومي أنا وشلّتي من المقطوعين على ذاتِ القالِب ننبُشُ فيه عن عظم الدّجاج وقشر التّفّاح قد أُخِذنا سببًا في معاناة هذا الكلب المسكين!
وما كدتُ أقوم لأطعم هذا الحيوان الهزيل من فُتاتِ الخبز المبلّل -فالخبز المبلّل وجبة الميتم المفضّلة، لذا هو كثير، ووجبة الأيتام المكروهة، لذا هو كثير، ووجبة يُجبر الجوع الحارق على أكلها، لذا قد أجد فُتاتًا وقد لا- حتّى اقترب منّي ذَلولًا، فكأنّما بِتَحَمْحُمِهِ يستطعمني!
تمنّيتُ لو يَعي هذا الذي لا يعي، فلا يكونُ جُنونًا أن أضمّه وأربّت ليس فقط على رأسه بل على وقود حياته؛ فأطمئنه بأن الوقود كثير، وأبدًا هو ليس بكثير.
رَبَضَ الكلب على العَفَر، وعيناه المنهارتانِ على العَفَر، فحملتُهُ بعيدًا عن العَفَرْ؛ إلى بلاطٍ أجلِسُ إليه.
وكي أكمل معروفي وأُشركه بما أمتلك، هرولتُ لصالة الطّعام حيث لا زالَت طاولتها المهترئة مُزدانة بالخبز المبلّل، فقبضتُ بذراعايَ ما أستطيع، وعدت كقافلة الخير التي أسمع عنها ولا أراها، وألقيتُ الحمولة أمام الكلب.
وأخذ هو يأكل بنهمٍ فاقَ التهامه مخلّفاتِ قالِبِ القُمامة، وأخذتُ أنا أتأمّله بعطفٍ زائد.
ورأيتُ أنّي برّيتُ بالعدالة وعوّضت خطأي، بل ارتأيتُها طالِعًا جيِّدًا من القدر، الذي ساقَ هذا الحيوان من مكبّ نُفاية لخبز مبلول.
لذا عُدتُ لنومي خِشية أن يفوتني الغُروب، فاضطرّ للنوم في الظلام، إذ ميتمُنا حريصٌ كلّ الحِرص على تسديد فواتير الكهرباء؛ وأنا بطبعي أخاف الظّلام، وأستطبّ منه بهذا الغُروب النّيّر.
وما كادت الجفون تنغلق، حتّى سمعتُ صيحةً بشريّةَ المضمون وحشيّةَ الصّوت، لأنّها مفهومة الملافظ مُزَمجِرَةُ النّبرة.
“شوووكراااااننمنمنمنم”
عجبتُ لهذه الصّيحة، وحسبتها -وعيوني لا زالت مغلقة- حلمًا يسبق ذبح طير الحمام… ثم تذكّرتُ أن الكلب لو نطقَ لَشَكَرَ!
وأردت صرفَ النّومِ والإلتفاتَ له، لكنّي تذكّرتُ أيضًا أن الأحلام لها صِلة بما قبلَ المَنام، فعدتُ لعالمي الآمن المُريح لعلّي أجرّبُ طعامًا شهيًّا أو نومة هانئة.
ومن جديد امتدّت الصّيحة لتصير كلامًا.
“جُعتُ دون مأكل لثلاث أسابيع بلياليها… لقد أجحفت بحقّنا القِطط”.
ولأنّي أوشكتُ، إلّا قليلًا، على الإستسلام للنّوم دون أن أغوصَ فيه، أدركتُ أنّ الكلبَ نطق.
لم أستغرب ذلك إلى الحدّ الذي قد يستغربه فردٌ لم ينغمس في كتب الخيال، فأنا طفلٌ خليليَ الوحيد كتب الخيال.
فقلتُ له:
صحّة وعافية، ما حكاية القطط؟
-عذّبتنا بعد أن أطاحَت بقائدنا الذّئب!
وهنا استغربت حقًّا، أن يحكُمَ الكلبَ ذئب! غير أنّ مكمن فضولي كان في حكاية القطط، وأحسبُ، فِراسَةً، أنّها حليفةٌ للذّئب؛ مثلها كمثل حوريّة البحر التي وكّلت سلطعونًا عملاقًا ليقصّ زعنفةَ عدوّةٍ لها.
لذا سألته:
كيف العذاب؟
-إحتكروا التّونة لفصيلتهم، فحصلت مجاعة أهلكت نصفنا!
التّونة! عجب جديد.. كان ظنّي أن التّونة طعامٌ تحبّه الهررة فقط، وتيقّظت لغريبٍ آخر، فقلت:
أولا زادَ لكم غيرُ التّونة؟
-هيييييي…. كان عندنا لحوم وشحوم ودسم لا مسموم، لكن القطط سمّمت الدّسم ولم تترك غير التونة، طعامهم الوحيد المفضّل.
فتوضّحت عندي الصّورة، وأصررت على خوض المغامرة، فانتظرت الكلب حتّى يشبع.
عندما شبع وتجشّأ، سألته:
لما لا تثورون إذن؟
فردّ كالمتخاذل:
السبيل للثّورة مسدود طالما طريق الطعام لبطوننا مسدود!
شددتُ قامتي وتنشّط فؤادي، فقُلتُ في حِمية:
الآن أنت شَبِع، ولستَ تحتاجُ أكثر من أن تكون بيدَقًا!
-يحرّك الثّورة!
-نعم!
-بيدق شَبِع!
-بالتّأكيد
ويبدو أنّه استشعر في حجّتي منطقًا جعله يقوم بدوره، بل ويقف على اثنينِ مثلي، ويشكرني مجدَّدًا قبل أن يُريني عرض أكتافه متجهِّزًا لإشعال الثّورة.
فاستوقفته قائلًا أنّي معه، ولم يجد في ذلك مانِعًا، فخفض لي ظهره ودعاني للركوب.
والذي ردعني عن امتطاء ظهره والإنطلاق إلى مقر حكومة القطط الجائرة، يا للمُصادفة، قط جائع هزيل بدوره لاحَ لي!
وأين؟ عند ذاتِ القالِب، وكأن الوحدة أبَت إلّا أن تصطبغ بالبُؤس.
فنبح الكلب من فوره، ولو امتطيت ظهره لوقعتُ حتمًا، لأنّه ركض صوبَ القط الفقير يريدُ الإعتداء عليه.
ولم أسمح له بالطّبع، فنهرته معتبرًا أنّ لي حقًّا عليه:
الآن اشتغلت ع
واحمرّ خجلًا، وهو لم يصل بعدُ لِرادار القِط، فالقط الجائع نباهته محصورة، عَكَسَ خُطاهُ إلى موضعه الأوّل وربض محملقًا بغيظ لذاك القط.
لا تنسَ أنّه مثلنا، قلتُ له.
-صحيح، قطّ (وقد ثخّن الكلمة) جائع (وقد رقّق الكلمة).
هنا سخرتُ من هذا التّمييز داخِلِيًّا، أيعقل أن تجري التفرقة حتّى في الأزمات؟
بُحتُ:
أوتظنّ الجائع خاضع لحكومته لمجرد أنّها من جَلَدَته؟
فتفكَّر قليلًا، ممرِّرًا كفّه البراثنيّة على رأسه، ووصل للجواب:
كلّا، معك حق.. يعني هذا…
وصحتُ من فوري مكمِلًا:
أنّ الثّوّارَ باتوا الآن ثلاثة!
وانتهى بنا الأمر، راكِبًا ومركوبًا، إلى القِط.. وما هي إلّا دردشة خفيفة معظمها أنين، حتّى حصّلنا الموافقة؛ وانطلقنا وقد باتَ رُكّابُ الكلبِ طفلٌ وقطٌّ جائعان، إلى دربٍ يعلمها الكلب.
وشيئًا فشيئًا تلاشت الأزقّة المحطّمة وبيوت العاج -ليست عاجًا بالفعل، مجرد كناية شبه مُطابِقة لبيوت الأثرياء المشبوهين المُقابِلة لحُطامِ المنكوبين- واقتربنا بسرعة عجيبة إلى حديقة في مركز الحارة!
هناك، عَمَدَت القطط الظّالِمة إلى بناء صناديق عالية كالأبراج، ولفعَنا برج دوّار كالمنارة.
ثوانٍ مرّت ونحن نراقب بصمت دون تطبيق خطّة، والواقع أنّه لم تتمخّض عندنا خطّة.
ولم تَمُرَّ المنارة بلا قطّ عضلنجي دَنا منّا وبمخلبه سيف.. أو مخلبُهُ سيف!
ما ارتعنا قط، إنّما أنا، كوني الورقة الرّابحة، هجمتُ على القط ورفعته من مؤخّر عنقه (وأظنّ لو حُمِلَ هكذا في طفولته لما صارَ في كِبَرِهِ عنيفًا).
وهلَّلَ صديقاي.. وهلّلا أكثر لمّا استسلم الجَمع!
غريبٌ غريب.. إنّهم فيما يظهر لم يملكوا غير هذا العضلنجي، ما أسفهَ قُوّتهم وما أسخَفَ خَوفَنا!
إعتمدتُ على الرّحمة، فصرفتُ القطط وهي الطّليقة، وولّوا الأدبار، وهم يرحلون، أكّدتُ على حرّيّتهم في العودة للحديقة متى ما شائوا، ولستُ أدري إن كان موائهم تهكُّمًا من هذه الرّحمة أو من غَليلِهِم.. لكن لو طَغوا ثانيةً، وُلِدَت ثورة جديدة!
وسادَ السّلام ووُصلَ الوِئام، وصار من القطط التّائبة طُهاة أشبعوا قطّنا الجائع من التّونة والأخطبوط!
فيما رَجِعنا أنا والكلبُ إلى حارتنا، مُشبَعين بالأملِ!
فافترقنا على محبّة:
-صديقك
-أبد الآبِدين!


ههه صخر، أول مرة أقرأ لك قصة هنا، ولم أندم، أعجبني أسلوبك الذي يجمع بين البلاغة والكوميديا الساخرة في نفس الوقت، كما أعجبني عنصر الفانتازيا الذي ادمجته في القصة حين جعلت الكلب ينطق ويفكر ويشعر مثله مثل البشر، محاكيا جوعه وفقره مع جوع وفقر البطل الصغير اليتيم، القصة جميلة تدعو في المجمل للمساواة بين الشعوب والتوزيع العادل للخيرات وتنبذ الظلم والتمييز، ولعل أكثر لحظة أحببتها في قصتك هي حين أراد الكلب أن يهجم منتقماً على قط ضعيف جائع، لكنه أطرق مفكراً أنه جائع مثله ويعيش نفس معاناته ولا يستحق أن يقتل فقط لأنه من جلدة القطط الجائرة،
“بُحتُ:
أوتظنّ الجائع خاضع لحكومته لمجرد أنّها من جَلَدَته؟”
“صحيح، قطّ (وقد ثخّن الكلمة) جائع (وقد رقّق الكلمة).”
حتى تثخين الكلمة وترقيقها تشكّل فارقاً فعلاً، أسلوب ذكي في الوصف، أحب هذا التقديم الروائي الذي يعرض التفاصيل فهي تساعد على تصور الأشياء كما يجب وأخذ نظرة صحيحة عنها، كأنك تشاهدها في فيلم.
تحياتي لك صخر ومزيداً من إبداعك.