ثورة قرية فوينتي اوفيخونا

متى ما النّصرُ التّليدُ كانْ، زُهِقَ الباطل. باطِلُ قصّتنا هو النّظام الإقطاعي في اوروبّةَ القرون الوُسطى، تحديدًا في قرية فوينتي أوفيخونا الإسبانيّة.

هي إقطاعيّات أي أراضٍ تُقَسَّمُ بطريقة هرميّة جائرة، ينالُ النُّبلاء والفُرسان أراضي الفلّاحين نظيرَ خدمتهم العسكريّة، أمّا الفلّاحون فيستعبدون داخل هذه الأراضي نظيرَ الحِماية! وكأنّهم يحتاجون لدفع ضريبة مقابل وجودهم المُحتَقَر!
سيطرة الكنيسة وتربُّع الأسياد فوق المَسودين، وهيكل بائس يحقّق أرباحًا زراعيّة دَوْليّة على حِساب البسطاء.

ثورة قرية فوينتي أوفيخونا، الواقعة في قرطبة، 1476، قصّة تراثيّة حقيقيّة بُنِيَت على مسرحيّة باسم القرية.

في البداية، هناكَ خطيبان متحابّان، لورينسيا وفروندوسا.
هذا يمسّد شعرَ تلك، وتلك تستعجِلُ زواجهما.
فروندوسا الوسيم يطيبُ له قُرب الزِّفاف لكنّه يسألها عن سرّ تلك العجلة.

فتبيّنُ لورينسيا أن الرَّباحَ خير، والأحسَنُ أن تتزوّج قبل أن يشتهيها قائد منطقتهم العربيد، الّذي وكّل حاشيته بإغواءِها بثيابٍ وقلادة فاخرة على أساس أنّها فريسة مادّيّة.
وتُخبِرُ عن بطشِ ذلك العِربيد، الذي قضى وطره من نساء القرية وأهملهن كالعظم المأكول.
وتأسَفُ على أنه لا سبيلَ لصدِّهِ والدّفاع عن شرف القرية، فالجمعُ ضعيف.

حينها يقبض الخطيب ذراع خطيبته ويطمئنها على أنّها آمنة ولن يقدر غاصِب على انتزاعها منه.
وودّت هي، في صيحة، أن يكون ما سمعته صحيحًا.
فمثل هذه الخطابات فارغة إذا ما لم، مثلًا، تصبّ مصلحة مِسكيناتٍ مُغتَصَبات عدّدتهن؛ ماريا، جاسنتا وإينس.

وزادَ عليهن الخطيب، بعد أن أحزنته الضّحايا، زوجة أنطوان.

ولم نعرف من هي هذه، فمباشرةً تتنهّد الخطيبة وتردّد الهَوان، قائلةً أن البطشَ مديدٌ على قريى فوينتي أوفيخونا بالكامِل، وبالنّجاةِ لا آمِل.

في عينِ ذلك اليوم، وفي غضون أسبوع، تقدّم الخطيب بطلب الزواج من والد خطيبته وهو عمدة القرية.
وتمّ الزّفاف بكل زينته في الساحة المكلّلة بالأزاهير والمتجهّزة لبثّ الأغاني.. وحانَت لحظة القَسَم والوفاء بعشّ الزّوجيّة.

لكن حينها، دخلَ السّاحَةَ القائد وحاشيته!
وهذا النّذل ليس فقط عربيدًا بل أيضًا خائنًا لمن أقسم لهم بالولاء؛ فردناند وإيزابيلا، المَلِكان.
فقد “قاتَلَ” جيش البرتغال التابع للعدو ألفونسو، ملك البرتغال الذي كان من المفترض أن يقاتله فأذا به تحالف معه، بل مَكَّنَهُ من مدينة حدودية مفصليّة.

فعل ذلك لأنّه طَمِعَ بأن يُعَيِّنَهُ الملك ألفونسو حاكِمًا لقشتالةَ حالَما يُطيحُ بالعرش الملكي الإسباني.

تلك مكافأة مُشتَهاة، لكنه الآن أيضًا يريد مكافأة نفسه، وهل أنسَبُ من تلك الخطيبة الحسناء؟

وقد هالَ الحُضور، فرمقهم ودعاهم، بصرامة، لكي لا يجبروه على إفساد مناسبتهم، عبر تجنّبهم ايذاءَه؛ وإلّا حُقَّ لهم الفزع.

وفهم العمدة إستيبان الورطة القادِمة، لذا اعتراهُ توتُّر، وأشار للخطيبين بالفِرار، قبل أن يلتفت للقائد ويماطله على الطريقة السِّلميّة مستفسرًا عن نتيجة نصره، وداعيًا إيّاهُ للجلوس وسائلًا عن كيفيّة الإحتفال بالنّصر!

فلم تعجب هذه المراوغةُ القائدَ، فوصفه بالعجوز الأخرق، ومتغابي عن سبب وجوده.
وأوضَحَ سبَبَ وجوده بالتّوجّه بعينيه إلى لورينسيا واستدعاءِها إليه بصفاقة وببسمة ملتوية وشيء من الدلال، فقد وصفها بال”وقحة”، وهو لا يكرهها!

فأخبره العمدة، وقد استعمل لفظة “سيّدي”!، بإن ابنته عروس.
كان رد القائد أن أمر بعزله وانتزاع عصا العمادة منه، فاستقلَّ العمدة عنهم في هذا الأمر، وسلّم عصاه طواعية! ليكسرها القائد على رأسه قائلًا بأنّه، إضافةً إلى حرّيّته في تناولها من يده، حرٌّ في كل شيء.

فازداد خضوع العمدة وأقرّ بأن من أمامه مولاهُ وسيّده!
ولم يَكُن على قدر استغاثة ابنته به، تلك التي فرّقتها الحاشية عن خطيبها واقتيدت إلى الخارج رفقته لكن مفصولةً عنه.

العمدة لم يستسلم نهائيًّا، إذ لم تنقضي الليلة عندما اجتمع مع رجالِ القرية في نفس الساحة التي فَرَغَتِ الآن من التّصفِية.
على عجلٍ تجمّعُهُم كانَ، وبحزنٍ وأنين باحَ العُمدة بهمّه الذي يوشِكُ أن يُجَنِّنَهُ، خطفُ ابنته واحتجازهم لخطيبها في برج القلعة.

فيُرشده أخوهُ إلى أن لا يُجاهِرَ في اجتماعهم السّرّي، لتنفلت قلّة الحيلة وتستحيل همّةً لصنع شيءٍ ما والرد بأي وسيلة على الظُّلم، متمثّلةً بردّ العمدة؛ الذي في غُدُوِّهِ ورواحِهِ على أرض السّاحة قالَ ما هو واضِح، أنَّ الجميع تعرّضوا لتعسُّف ذلك القائد الموصوم بالمتوحّش.

عندها، جاء اقتراحٌ من فلّاحٍ، مفاده إرسالُ “ظلامة” للزوجِ الملكي تحملُ معاناتهم وأملهم بالتّحرّر من طغيان القائد الشّرّير.. وذلك بأن يذهبوا شخصيًّا إلى القلعة ويعرضوا على الزوجَ عريضة مكتوب عليها أسماء المتقدّمين بطلب الحماية.

لكن هذا الإقتراح لم يحظى بإعجاب العمدة، فقد رأى فيه مضيعةً لوقتٍ هو أصلًا ضيّق، فليس فقط أن متّسَعَ الوقت ضيّق، بل أيضًا من الصّعب أن تحوز العريضة على موافقة الملك والملكة، فهما غالبًا سينظران في المسألة كعصيان يستحق الإبادة!

ثم اقترح فلّاحٌ آخر أن يهاجروا للكهوف الجبلية، متزوّدين بطحينهم، فاعترضه نفرٌ ثانٍ، أو فلّاحٌ ثانٍ، معتقدًا بفوات الأوان واستحالة الهجرة لأنّ عمدتهم قد كُسِرَ كما كُسِرَت فوق رأسه عصاه إلى شطرين! لا بل اختطفت ابنته.. فالحاصل من كل ذلك أنّهم اسوأ حالًا من ال”عبيد”.. فلا يمكنهم أن يهربوا ويُمعنوا في هروبهم.

ووسط هذا الرّتح الهَشّ، صدح العمدة بأنّه ما مِن مُخيف (استفهام بلاغي)، وأنّه من الواجِبِ فعل شيء.. أيُّ شيء!

عندئذٍ، ظهرت الإبنة! ويا له من وضعٍ مُزرٍ جعلها، بشعرها الأشعث وكدماتها وجروحه، تترنّح!
فانطلق إليها والدها يستعلم منها عنْ كيفَ فرّت من الطّاغية.

غير أن الإبنة، في شيء من الهستيريا، تبرّت من أبيها! رجعت للوراء وعاتبت ليس فقط بنظرتها بل بلسانها الرِّجالَ.
فقد جَبُنوا وهم يرونها تُخطَفُ وتُقادُ رُغمًا عنها.. واستنكرت تخاذلهم وكأنَّ، تسخَرُ، القائِدَ له من الأرجل والأذرع أكثر من ما لديهم، أو سِحرًا غير عاديّ.

وبشدّةٍ تقول بأنّه محضُ رجلٍ تافه ضعيف، قبل أن تسأل أباها وعمّها إن كانا بالفعلِ أباها وعمّها! وتضيف لأسئلتها المُعاتِبة، إن كانت حالتها المؤسِفة “إهانة” لا لكرامتها بل لهما!

ثم وصفتهم بالجبناء، متبوعين بِيا لكُم الحامِية.
وأرادت السّلاحَ تدافع به منتقمةً، لها ولنساءِ “الطّراطير” الذين اتّخذوا من الجُمود والثرثرة موقِفًا أمام مأساتهنَّ.

وختمت بأن صرّحت أنّ الرّجالَ الجبناء هم من يجب أن يقوموا بأعمال النّساء من قرار في البيت لغزل الصوف والطهي.

فيما الجنس الناعم سيغتالُ القائد وأتباعه، ولن يمانعوا أن يلجأوا، إذا ضاقت السُّبُل، للرّجم بالحِجارة!

وبعد ذلك الإنجاز الطّموك، ستقوم النّساءُ برسم مساحيق التجميل على وجوه الرجال وتلقيبهم بالمخنثين والجبناء، ومن ثمّ توكيلهم بالخياطة!

فانقطع نفسها من الهجوم، ثم أخبرت عن نيّة الطّاغية بشنق خطيبها دون محاكمة، وبعدها تطبيق الحُكم الظّالِم على كل أهالي القرية.

وبدل أن تنوح على خطيبها، أبدت سعادتها المرعبة بشنق نساء القرية العجائز واحتمال عودة عصر “المحاربات الأمازونيّات”! (أسطورة يونانية عن جزيرة تدعى ثيميسكيرا أو الفردوس، فيها محاربات إناث فقط).

وبلغ الحياءُ من أبيها أن خفض صوته ودافع عن فكرة عدم استحقاقه وجماعته كلّ ذلك الهجوم. وتشجّع، فأبدى استعداده لخوض غِمار المواجهة لوحده، ولو اقتضت رحلته أن يُحارِبَهُ العالَمُ.

لكنّه لن يذهب وحيدًا، فقد ارتفعت أصواتُ الإنضمام من طرف الفلّاحين وغيرهم من العازِمين.

فانطلق الموكب وهو يهتف بعبارة “الموت للطاغية”.
تكفّلت لورينسيا بقيادة النّساء، فشجّعتهُنّ على مزاحمة الذكور الذين بدأوا بجمع السّلاح ولم يُستَثنى منهم الصِّبية.
ذلك أنّ السّواد الأعظم من الإجحاف والضّرر لَحِقَ بِهِنَّ بالذّات.

وقد وافق الحشد الأنثوي على تلك الفكرة، غير أنّ الحيرة عصفت بهنّ، فلم يدرينَ ما العمل.

فقالت لورينسيا بأنّ العمل هو مهاجمة القلعة دون الإكتراث لما تترتّب عليه المداهمة.

فسارَ الرّجال وما دونهم بقليل النّساء، إلى قلعة القائد العربيد، يفتكون به حتّى أُردِيَ قتيلًا عن حقّ، وأَسروا حاشيته؛ ولم تتجاوز العمليّة وقتًا قليلًا.

راحت السّكرة وجائت العبرة! سأل رجلٌ عن ماذا يُفعَلُ بعد أن فعلوا ما فعلوا.. فجاءه صوت مرتعد جعل سؤاله منطقيًّا، فقد تخوّفَ من العِقاب الذي سيُسَلَّطُ عليهم من قِبَلِ الزوج الملكي، عِقابٌ حدُّهُ الموت.

تجهّزَ إذ ذاكَ العمدةُ إستيبان للتحقيق الذي لا مفر منه، فالزوج الملكي لن يمرّر مقتل القائد دون تفتيش، فمن المصلحة العامّة التجهيز للحجّة منذ الآن، وللخطاب منذ السّاعة.

والخطاب الذي يَجِبُ أن يُقالَ للمُرافعة هو… أنّ قرية فوينتي أوفيخونا هي المسئولة عن مقتل القائد، لا فلان ولا علّان!
وجاء توضيحه للخِطاب كرد على استفسار الخطيب فروندوسا الذي حُرِّرَ بعد الإستيلاء على القلعة، سِجنُهُ.

ومهم جدًّا أن لا يحدث تردُّد، فهل، يسألُ، مُوافِقٌ الأهلُ على ذلك؟
والأهل مُوَحَّدون في صوتهم لا اعتراضَ عندهم.

حدث المتوقّع، فقد بعث فردناند وإيزابيلا قاضيًا للتحقيق، واستبين من الفلّاحين المُحَقَّقِ معهم إجابة موحّدة، أن قريتهم هي القاتلة! ولم يتزحزحوا عن هذا الإيمان رغم أنّهم سيطوا بالسِّياط!

فرجع القاضي خائيًا لبلاط حاكِميه وقدّم تقريره؛ بعد إجلالِ الملكين وبيان رحلته المأمورة، خابَ الدّليل لإصرار الفلاحين العجيب على سلوك واحد ضبّب كل ملابسة، تصريحهم الموحّد بكون قرية فوينتي أوفيخونا هي الجاني.

وأُكِّدَ في التّقرير أنّ الصّلاحيّات، سواءً كانت التعذيب والإغراءات أو التهديدات، لم تنفع مع اولئك العنيدين.
وعليه، بقي الحكم بالإعدام الجماعي أو الصَّفح، متروكًا لقضاء الملكين..

وآخر جهود القاضي هو أن جمع الأهالي كي يمثلوا أمام المَلِك ويخضعوا لمحاكمة مستفيضة هي أيضًا متروكة للعرش.

وبإيماءة هزِّة الرأس الملكيّة والأمر بالمُثول، دخل إليه أهلُ فوينتي أوفيخونا قلقين.

سألت الملكة، متجوّلةً بعينيها، إن كان الحشدُ قاتِلًا.

والحشد، القاتل، انبرى منه العمدة يستعطف الملكين رغم ظنّه المُسبَق بقسوتهما.. لا شك أنّهُ النصر ومجده الذي يبثُّ في النّفوس الثّقةَ!

فالتمس، نائبًا عن رعاياه، حمايتهما من الشّقاء.
فهم شعبٌ اضطُهِدَ واستُعبِدَ بدستور يقضي بأن تستمر العبودية وأن يرضخ العبيد ل “حظّهم العاثِر” في صمت!

فالخِدمة إذن هي الرأفة وليست المغفرة! الرأفة كي يُبقى عليهم وينعَموا بكرمهم وشرفهم المَسلوب. والمغفرة لا داعي لها لأنّ المجني عليه جنى على نفسه بسرقته للأرض ومحاصيلها واغتصابه الحريمَ وتحجّر قلبه.

ودعم فروندوسا ذلك، وقال بمصيبته التي حلّت على “الفتاة التي جعلته أسعد إنسان في العالم” والتي استرعى جلالة المَلِكان النّظر إليها.. تلك الغادة التي اختلى بها القائد في بيته بعد أن خطفها في عُرسِها.

حينها، أحنى العمدة نفسه، وبيّنَ موقِفَه النّائِبَ عن موقف القرويّين، مسعاةٌ للسّماح وتأكيدٌ على الولاء.
وللولاءِ شعار النّبالة (رمز لممالك قشتالة المتنازع عليها قديمًا بين البرتغال وإسبانيا ضمن حروب الخلافة، ليون أراغون ونافارا… مرسوم عليه أسد زهري وسلاسل ذهبيّة) معلّق على باب مجلس القرية.

وبما أنّ أيًّا من القرويّين لم يعترف، فلا إثباتَ يُدين، فسامحهم الملك، لا سِيَما أن المعاناة تُبَرِّرُ الجُنحَة.

وكذلك الملكة وقفت في صفّ الرّأفة، فاتّفقت مع العمدة وشعبه، فرأت في الفلّاحين بأسًا شديدًا يخوّلهم أن يكونوا جُندًا في الجيش المُحارِبْ للأندلسيّين والمغاربة (الدولة المرابطيّة والموحّديّة؟).

ووسّعت قُطر ذراعيها موجّهةً إيّاهما للقرويّين كإشارة الإلمام، قائلةً بأن المُسامَحة عامّة، والقُرية ستُحال للعين السّاهِرة، وهيّبت بهم أن يتجهّزوا لخدمة الجيش ورايته الإسبانيّة.

فطغت السّعادة على قلوب الأهالي، ورجعوا منتصرين بكل المقاييس لقرية فوينتي أوفيخونا.

Subscribe
Notify of
guest
1 Comment
Newest
Oldest Most Voted

Wave Manipulator
Wave Manipulator
3 months ago

نعم! نعم! الموت للظّالم.
عتبي الوحيد على الأبطال أنّهم تذلّلوا للمُلوك، أبصُقُ على المُلوك.

إذن فلتسخُن البَنادق واتشتدّ عضلات السّواعد لتغتالَ الطُّغاة مثل بيبي نتنياهو.

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x