لا قِبَلَ للعقل أن يستوعب كل العُلوم، فالغَيبُ أحيانًا واقٍ منهُ التّسليمُ؛ كما في قصّة أرني الله لتوفيق الحكيم.

تجري في زمن قديم، حيث هناك أبٌ طيّبٌ حسنُ العريكة وابنه.
إبنه كان طفلًا فرح به وبصحبته، فقد كان أكبر من سنّه فِكرًا ومنطوقًا..

كانا كالصّديقان، لا أبًا وابنًا، بل انقشع فارق السّن وفتصل الزّمن بطريقة أعجبت الوالد، وبطريقة شبّهها الكاتب بستارة الحرير الوهمية.
والحلُ وِفاق وتفاهم وتشارُك في المعارف والمجاهل.

وجاء يوم مدح الأب ابنه فيه بوصفه هبةً من الله له، فساهم ذلك في انفجار لباقة وذلاقة الطفل، فطلب رؤية ذاك الذي وهبه لأبيه، الذي لاحَظَ صغيره أنه أكثَرَ من ذِكر سيرة الله عز وجل.

أرادَ أن يُريه أبوهُ الله!

فذُهِلَ من قيل له يا أبتِ أرني الله، ولم يستطع جوابًا غيرَ “ماذا تقول يا بني؟!”.. واستغرقته لحظات كالتفكير وكرّر مطلب ابنه أمامه بصيغة سؤال.. والحقيقة أنه كان يحاطب نفسه أيضًا.

فأجاب الطفل بتأكيد رغبته، وهي رغبة لم يعتقد الأب بسهولتها إذ هو ذاتُهُ لم يرى الله.

فيسأل الإبن أنْ لماذا لم يُبصِرهُ من قبلُ، فيكشف الأب أن المسألة لم تشغل بالَهُ.

ف… طيب ماذا لو، يقول الإبن، يرحل الأبُ كي يجد لمطلبه رؤية؟

يوافق الأب على ذلك، يكرر فِعلَ أفعَلُ بالتّسويف.
يهيمُ في المدينةُ كي يسترقَ تسويفه، فيسأل السّابلة عن الطريقة لرؤية الله، فلم يلقَ غير السخرية من اولئك المشغولين بتوافه الدنيا عن خالق الدنيا (هذا الإنتقاد يبيّن لنا أهمّية معرفة الله، يتعارض هذا مع رؤية القصّة ككل مع الإبتعاد عن الغيبيات، وبذلك تحدث الموازنة بين العلم وحدوده).

ثم راحَ لرجال الدّين، فلم يرى من مناظراتهم المعتمدة على النصوص المحفوظة طائلًا.

فقنطَ وأوشكَ في سيره على المكروه، أن يعود لابنه خالي الوِفاض، إلى أن التقى بشيخٍ دلّهُ على ناسِكٌ مُسِنٌّ متعبّد دعوته مستجابة، في طرف المدينة.

وذهب الأب للناسك، الذي أخبره الشيخ أن البُغيةَ قد تكون عنده، وفاتحه بسبب مجيئه؛ مطلب ودّ له التّمام.

ولم يخيّبه النّاسِكُ ذو الصوت العميق اللطيف، فقال له بعد رفعه رأسه بأن يعرض حاجته.

وعُرِضت الحاجة التي كانت في نفس الطفل فصارت في نفسه، أن يُرى الله.

وبنفس الإطراق الذي أطرقه الأب عند سماع رغبة ابنه، أطرق النّاسك، مع القبض على لحيته، وسأله سؤالًا كالتّحذير هو معرفته بحقيقة طلبه.

ولا يتردّد الأب، إنّه مُصِرٌّ على رؤية الله!

بنفس الصوت العميق اللطيف، يستلفت انتباهَهُ بِ “أيُّها الرَّجُل”.. ويثقّفه قائلًا بأن رؤية الله لا تتمُّ بأدوات الإنسان البصرية أو الحواس الجسديّة.

ف، مِثالًا استفهاميًّا، الإصبع الثّاقِبة لأعماق الكأس ليست قادرة على ثقبِ أعماق البحر. فالعين قد ترى مخلوقات الله لا الله.

فسأله الرجل عن السبيلِ إذَن، فيأتيه الجواب بأنه بإمكانه رؤية الله لو “تكشَّفَ جلاله للرّوح”.

فيسأل المتشوّق للقاء الله عن الحينِ الذي يتكشّف جلاله للروح، والجواب هو متى ما ظُفِرَ بمحبة الله تبارك وتعالى.

فخرّ الرّجلُ ساجدًا يبتهِلْ، وجبينه على التُّراب، وجذب إليه يد النّاسِكِ الصّالِحِ يسألهُ أن يسألَ مولاهُ قِسطًا من محبّته.

وهذا الطلب، بحسب الناسك الذي أمسك يد الرجل برفق، كثير؛ إذ طلب منه التّواضُع والإكتفاء بقليلِ… القَليل!

فيقرّر الرجل أن يحصر طلبه لمحبّة الله المُبتغاة بمقدار درهم.
فرأى النّاسك في ذلك طمعًا، وكثيرَ الكثير.. فخفض الدّرهم لِرُبعه، فوجد الرّدَّ تواضَعْ تواضَعْ.

واختزلها الأب عندئذٍ لمثقال ذرّة (المثقال هي وحدة قياس عتيقة تساوي أربعة غرامات ونصف).. وهو مقدار قال النّاسك بأنّه لا يُطاق.

وانتهت المناقصة إلى نصف ذرّة، وَدُعِي إلى الله، برأسِ ناسِكٍ مرفوع، بالرّزقِ الوفير!

افرنقَعَ الأب، ومع مرور الأيّام زار النّاسِك زوّار جُدُد، هم أهلُ الأب! قَدِموا إليه يشكون هُجرانَه لهم منذ أن غادَرَ من عند النّاسك إذ يبدو أنّهم عرفوا بالأمر ربّما لأن الأب أخبرهم بالقصّة قبل ارتكابه الهُجران.

والهُجران مجهول المَكان ويعتبر اختفاءً لأنّ صاحبه لم يُطِلَّ.
وانضم إليهم النّاسك الذي قلق من قلقهم، ثم انطلقوا جماعةً ينبشون عن أثرٍ له مستفسرين عنه، فوجدوا ضالّتهم عند رُعاةٍ شَهِدوا اعتكافه للجبال، فأخبروا عن مكانه بعد أن قالوا بأنَّ جُنونًا مَسَّهُ.

فذهبت الجماعة ووجدوا الأب قائمًا على صخرة (يحدوني أن أذكر معلومة، القيّوم من أسماء الله الحُسنى وتعني المكتفي والمُقيم للعدل) متأمِّلًا السّماءَ.

ثمّ سلّموا عليه سلامًا ما رَدَّهُ!
واستلفته النّاسك بحُكمِ المعرفة الفائتة، فلم يُستَلفَت حتّى بعد أن نابَ طفله عن النّاسِك، بصوته الصغير الحنون.. (يا أبتِ، ألا تعرفني؟).

الرّجل جامِد تمامًا! مع ذلك، بل لذلك، إستمرت المحاولات واستحالت صيحات.. ولم يحدث شيء، عندها هزّ النّاسك رأسه إشارة اليأس، وأقرَّ بأنْ لا فائدة تُرجى، ذلك أنّ من اكتنفت قلبه نصف ذرّة من محبة الله يستحيل أن يلتفت لكلام بَشَرْ.
وقال بأنّ منشارًا يحاولون به تقطيع الأب، لن يُفلِحَ في استِلفاتِهِ.

هنا وضع الطفل الملامةَ عليه، في عَويلٍ، لأنّه هو الذي طلب من أبيه رؤية الله.

فاستدارَ إليه النّاسك، ومثل الأبِ سابِقًا، خاطب نفسه فيما خاطَبَهُ، قائلًا بِ “أرأيت؟” المعهود بها تلقين الدُّروس.
والدّرْسُ أنّ نصف ذرّة من النّور الرّبّاني قادرة على تحطيم التّركيب الآدمي وإتلاف الجهاز العقلي.

بهذا تنتهي القصة القصيرة من مجموعة “أرني الله”..
فاللهم ارزقنا من علمك، وأرينا عظيم قُدرتك ورحمتك، واجعلنا من عبادك العلماء الذين لا يُخشى عليهم من العِلمِ.

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x