هكذا تكلم ابو كبير

المادّيّات هي المادّة.. أو هل هي؟ إنّها في الواقع زينة، والكمال كمالُ الفِكر المهم، لا المادّة.
من خلال قصة “هكذا تكلّم أبو كبير” لمجيد طوبيا، نتعرّف على رجل تعلّم درسًا قيّمًا عن معادلة الحياة المادّيّة.

يبدأ النّصّ بالتعريف بأبو كبير وفِكرِه، فاسمه مصطفى إذا ما تغاضينا عن تدليل زوجته له بِ “صافي” أو مداعبة اصدقائه له باسم “درش”.. أو لقب الأسرة المنسوب لاسم القرية؛ أبو كبير.

أمّا فكره، فهو أن زينة الحياة الدُّنيا ثالوث؛ مال وفير وزوجة محبّة وبنون ظرفاء.

وقد منّ عليه الرّب بالزوجة، منذ تسع سنوات، والبنين من أنثى فذكر جعله يشعر بالمسئوليّة فجأة.

هذا الثالوث هو عقيدته في مراهقته، وفي تلك الفترة أراد أن يحصل على اللذة الثالثة، المال الوفير.

لذا بعد أن رُزِقَ بالإبن الذكر، إستغل ثقة رئيسه؛ وكيل نيابة أجنبية اسمه محروس، يعمل في ترويج السِّلَع.

فقد اعتاد محروس، في سفره، أن يُوَكّل مساعده مصطفى، الذي يريد أقصر الطرق للثراء كي يُعيلَ أُسرته.

فما كان منه إلّا أن أطاح به بخدعة غير معروفة، لعلّها مقاضاة له في سفره، المُهُمُّ أنّه لم يَعُد نائبًا بل وكيلًا!
فدُرَّت إليه الأموال من البنك.

والمتعة التي هي جزء من الثالوث؛ البنون، زادت بابنة جديدة لم يغتبط لها رغم لطافتها، ربّما لأنّه جاهِلِيّ.

يأتي بعدها السّرد عن فرحته العارِمة التي وصلت حدّ عدم التّصديق، وحتّى التّصديق بمثل “السّعد وعد”.. فالسّعد فجأةً مرّ به وزاد رصيده البنكيّ لربع مليون جنيه!

ومع مبلغ كهذا لا بد من هواجس تعصف، مثلًا، سُخريةً، أن هناكَ أُناسًا ممّن هم ليسوا أنقياء السّريرة مثله سيستغلّونه من أجل ثروته! وبذلك تروح الثروة بنفس السرعة التي أتت بها.

فاستحالَ القلق إلى مرض عسر الهضم وحموضة المعدة، فلم يجد الطبيب بُدًّا من أن يحرمه من أطعمة دسمة يحبّها.

ثم يُستَحضرُ كلام دون سياق واضح، إذ لا ندري لمن تحدّث إليهِ به؛ غالبًا طبيب.. لكن الهدف منه هو بيان معاناة الماضي.

مغزى الحديث أنّ حقيبة أبو كبير كان بها عدّة أدوية لاصفرار وجهه وهزال جسده.. ومن الأعراض التي تخلّص منها فيما بعد بقدرة قادر هي “هواجس شيطانيّة” فتئت تهيمن عليه.

وقد ساعدت عادة جيّدة، عادةٌ أدمنها، في خلاصه من الأعراض، هي عادة ليليّة لا تكتمل إلّا بعد اطفاء الأنوار.

فقبل أن يغلبه النُّعاس، يتضرّع لله بدعواتِ حفظ النّعمة والرّعاية.
دعواتٌ تدخّل فيها تأنيب الضّمير في فاتحةِ العادة، فالذنوب من قبيل استغلاله لرئيسه الوكيل بل مجهولينَ آخرين ردّته عن إكمال الدّعوات.

لكنّه في أمسيةٍ قائظةٍ قرّر الهُروبَ من التخبّط بين الدعاء وتأنيب الضمير عبر جلوسه إلى الشرفةِ وتأمُّل تفكيري طال السماء المُنجِمة وسلسلة القوة المتمثلة بكلب يلاحق قطّة ضالّة، ويزداد عُمق تفكيره مع كل منظر.

فحلّت سكينةُ الليل على الشّارع، وأثّرت فيه، فاعتبر أنّه يقسو على نفسه بلا داعي، ذلك أنّه ما من مرّة أذنب من فراغ.. الحق على “زحمة الأحداث”!
أمّا الوكيل المخدوع والمغدور فبلغ به العُمرُ مدَدًا، ستّة عقود، ويكفيه ما له من ثروة.

وفي هذا الظّرف الزّمني القصير، تصالح مع ضميره! فعاد قريرَ العين مرتاح الخاطِر لسريره، لتتبلور عنده عادة الدعاء قبل النوم وقد هدأ البال.

وكان هناك قروش تافهة تمتلئ بها جيبه، جعل له عادةً أن يتصدّق بها على المساكين.

بذلك، إختفت الأعراض واحمرّ الوجه من بعد اصفراره، وعوّض وزنه الذي أنقصه المرض بعادة غذائيّة أسمَنَتهُ بما فاقَ التّعويض.

بقي السُّكّري تتباينُ نِسبته في دَمِهِ، مثلما، كما جاء في القصّة، تتذبذب هواجسه.
فمثلما ترتفع وتنخفض نسبة السكر، يغزو الرَّجُلَ هاجِس جديد.. هو الحسد.

ولِوضع العود في عين الحسود اشتكى علنًا ارتفاع الأسعار، كما ظهرزاهِدًا في ملبسه؛ وتحاشى رغبة زوجته بسيّارة جديدة!

غير أنّه آخر الأمر، ولحسن الحظ، تثقّف بشأن كون الحسد خُرافة.
ولهذا قصّة نكتشفها تحت فِقرات متّصلة بِسَطرَين يعرضان اكتشافه لكون الحسد خُرافة، والمشترك بين الصِّنفَين هو أن عامِلًا أنيقًا رآهُ ذاتَ مرّة.

فعندما أبصره عامِلٌ عنده، وكان تحت شمسٍ ينتظر سيارة أجرة، عرض عليه توصيلةً لم يرفُضها أبو كبير.
ومن بداهةِ العامل أنه أثناء التوصيلة سأله عن سيّارته، وعمّا إذا كانت عند الميكانيكي أو زوجته!

في النص جاءت السخرية بطريقة الإجابة، فمصطفى “إختارَ” أن تكون السيارة عند زوجته لأنه لا يقوى حياءً على الإدلاء بخوفه من الحسد.

وجاء الليل وتكرّرت ديباجة التأمُّل من على عَلٍ بكلبٍ يطارد القطة وسماءْ.
فاستنبط العِبرة: أنّ المظهر -وهو عامِل مهم يفيد في ارتفاع الثّقة وبالتالي في سوق المال- لا يكتمل بلا سيّارة.

ودعم توجُّهَهُ الفِكري بقول مأثور (أصلك فلوسك، وجنسك لُبوسَك).

فهذا ممّا لا يُنكَر ولا يُفَوّت، فنعمة الرّب، يسائل نفسه، يُحدّث بها ولا يُنكَر.

بعدها إستخدم الرّاوي اسم مداعبة أصدقائه له، درش، مكرّرًا أنْ هكذا تحدّث إلى نفسه.
وفي نفس الموضع، تتوالى الأيّام على درش ويحوز رخصة قيادة ساعدها في الفوز بها صحبه وهدايًا ربّما هي رشوة أو تدريبات.
فأتقن السّواقة قبل اقتنائه لسيّارته المنشودة وبالضرورة فاخرة.
وعلّق على مرآتها مِسبحة فضّة وتميمة مانعة للحسد (كف خمسة وخميسة).

هذه المرآة الأماميّة، أمّا الزُّجاج الخلفيّ فشارك في مضاعفة المناعة ضد الحسد! فبمقربة منها كان هناك “قطّيفة” حمراء فخمة تحفظ داخلها القرآن الكريم.

فركنها عند البيت.. ولم يعُد بيتًا بل شِقّة شاسِعة، ناظرها أبناءُهُ من الشُّرفة فيما سارعت الزوجة، التي أمطرتها التّهاني، لإعلام الأهل عبر الهاتف ليس فقط للإعلام بل للإغاظة، فمنهم أُناسٌ غيّورون.

هذه السيارة الجديدة، اللذة الجديدة، تزيّنت الزوجة وركبتها لاحِقًا، وتزاحم الأبناء لمقاعدها، فحدثت النُّزهة عند القاهرة.

وأطلقَ، تلبيةً لمُنى أبناءه، الزّمّور.. دون أن يأخذ بالحُسبان إزعاج الأنام فهم، يفترض، فرحون له!

وبما أنّه صار الآن سائقًا، فقد أدمن عادة جديدة هي الشّكوى من دراما المرور والعُبور، ومنها، فوضى السائقين المزعجين قليلي الذّوق، وكأنّه لم يضرب البوق منذ قليل!

هذه تجربته في المراهقة، والمراهقة كثيرة الخطأ الذي يُتَعَلَّمُ منه، فتعلّم بأنّ مُتَعَ الحياة رُباع ما ثالوث، فانضم للزوجة والمال والبنون.. سيّارة جيّدة!

لكن حدث ذات مرّة أن أدرك خطأ تفكيره، فقد عَطِشَ وركن السيارة بمقربة من محل للعصائر، ولمّا استلفت بالزّمّور العامِلَ هناك، ما كاد يَخدِمُ حتّى مالَ العامِل لسيّارة أخرى!

فغضب الرجل لهذا التّجاهل، ولم يفهم، بعكس زوجته؛ التي عرفت أنّ في انحراف العامِل للسيارة الأخرى طمعًا في بقشيش أكثر يُتَوَقَّعُ من صاحب سيّارة فارهة، فارهة أكثر حتّى من سيّارة مصطفى.

فغارَ العَطِش، مؤمنًا بمقولة أخرى هي أن العبرة بالمال لا الرِّجال.
ونظر شزرًا للسيّارة التي هرع لها العامِل، وانتبه إلى أنّ زجاجها مغلق لاحتوائها مكيّفًا، فقاده هذا لأن ينتبه لأنّ سيّارته متواضعة قِياسًا بسيّارات العاصمة، وهي فُضلى فقط عند حيّه وشارعه.

هذه السيارة التي جعلته يستنقص من امرأته، تعرّضت لملاحظتها بأنها فعلًا ليست الأفخم بين السّيّارات.. وهذه ملاحظة شاركها بها أصحاب زوجها.

ونأتي من جديد لعبارة: هكذا حدّث، هذه المرّة “صافي” نفسه.. وما حدّث نفسه به هو عجيبة من عجائب الدنيا.. أن زوجته انتقمت من سيّارته! طبعًا دون علمها، فالزوجة لم تعرف أن مصطفى استنقص منها لامتلاكه سيّارة ظنّ أنّها خليقة بزوجة أفضل!

تكرّرت كلمة “شهر” في موضعين، الموضع الأوّل مرتبط بالمحادثة النّفسيّة حيث كان فحوى الحديث بعد شراء السّيّارة بشهر.

والموضع الثاني هو ما حدث بعد شهر وله صلة بحديث النّفس في الفِقرة التّالية..

فبعد أن تمّت البَيعَة، عاد للمنزل بالسيارة ذاتَ عصر مُسالِم..
فإذا بغادة يافِعة استوقفته بإشارة جعلته يتوقف ويدعها تلحقُ به، تغنّجت في مشيتها وركبت السّيّارة! وفاح منها عطر زكي ممزوج بعرق خفيف..

ولم يستطع، لإثارة اللحظة، الترحيب بها دون أن ينعقد لسانه.
أمّا هي فلسانها متحرّر، وصوته عذبٌ رجى أن لا يُستاءَ من تطفُّلها، قبل أن تتأوّه من الزحمة وذروة حركة المرور..
وأخذت راحتها في العبث بالمسبحة الفضّيّة المعلّقة على المرآة.

ولمّا صادف مصطفى إشارةً حمراء، تفرّس بتلك الغادة وإذ بها جمال فوق جمال.. هنا، الصوت المحبوس الذي ذُكِر سابقًا كردّة فعل منعته من الترحيب، تحرَّرَ ورحّب! بل صرّح بأنه هو وسيّارته في خدمة الغادة.

فعشق الإثنان بعضهما -كالسّينما-.. والمرأة تأقلمت مع حبّها ودلّلته باسم “صفصف”.. دلالٌ خلب قلب الرجل.. حتّى نشأت “سحابة حزينة” تأمّله الدنيا عبرها بعينيه الذابلتين.. بالأحرى حكمة من حِكَمِها باحَ بها؛ المصادقة على استحالة دوام الحال، وأنّ الدنيا دوّراة كالطّاحونة، ذلك أنّ حرمه أهملت زينتها وَرَعتها الأقمشة والمشدّات لتغطّي على شيئ من جمالها الزّائل.
وهي ليست تُمانِعُ أن يحملق في صدرها -حملقة كالإغماء- المراهقون.

هذا الحديث الداخلي لم يتحدثه مصطفى أو أبو كبير، إنّما صفصف! الذي، في ذلك الوقت، إمتلك مفتاح الشّقّة التي دعاها الجنّة، فهي مفروشة.. وأطيب الأوقات، تلك التي توهِمُ بالأهمّيّة وبأنّ المرئَ مرغوب، هي تلك التي يقضيها مع الغادة في جنّته.
وثقته بنفسه تضاعفت.. ممّا تُرجِمَ إلى نجاح في التِّجارة، فهذه الأخرى أيضًا تضاعفت.

وهذا أيضًا تُرجِمَ إلى إهداء وإغداق كَثُرَ حتّى سُئِمَ منه.
مع ذلكَ الإهداء والإغداق، حَكَّمَ عقله؛ فلم ينسَ أهله.
هو زبونٌ عند زوجته، والزبون دومًا على حق، فما بالُكَ بالزوجة الطّاهية للّذيذ والكاوِية للّباس والمنظّمة للبيت النّظيف؟
فلا يحقّ له إهمالُها، ومن مزاياها الحِكمة.

ثم نتلمّسُ جانِبًا من حكمتها، فهي لم تَحفَل، أو ادّعت أنّها لم تحفَل، بمفتاح الشّقّة ضمن تجميعة مفاتيحه.
وتبادل هو معها هذه ال “غطرشة”.. والحق أن هذا أسلوب مُتَّبَع مع عشيقته! فهو يدّعي تصديقه لأعذارها الواهية في تأخّرها عنه، ثم انتقل لمرحلة لا يريد فيها، من فرط ثقته، أي عُذر!

ولم يُهمِل، كذلك، حمد النّعمة ليلًا؛ والنّعم، مُدرِكًا، خمسة لا أربعة.
خامِسهُا العشيقة النّضرة، التي ليست فقط جالبة للسّعادة بل تجعل من الزوجة صديقة لها أوجُهُ العصبيّة في بعض الحين لكنّها جيّدة بشكل عام.

فمن حسن الطّالِع أن “الحادثة التي جرت” وهي عنوان المجموعة القصصية حيث قصّتنا هذه هي الثّانية فيها، أي حادثة عامِل محل العصائر الّذي فتح عيناه على أنّ أيًّا من مَلَكاتِهِ ليست الأعظم، حدثت.

وإلّا كيف يعي أن السّيّارة هي حلقة في سلسلة اللا-قناعة؟ كيف كان ليدرك أن عشيقته ليست الأجمل، أو ليتذكّر بأن النّصف والواحد صحيح أكبر من الرّبع، ثروته.

فوسوس شيطان الطّمع، ليس بالتّأكيد طمعًا أو حقدًا بمئات الملايين أو على أصحابها.. ذلك أنّ ذوي المائات المليونيّة ليسوا من طرازه بل هم طراز آخر متأصّلون بالمال.. وينطبق عليهم المثل القائل: عظام الكبير في القبر تجرح وفي الحياة تذبح.

مكمن غيرته هم المليونيرات من الدّرك الأُحاديّ، إذ هل هم أمهر منه وأذكى؟

في إطار حدث وقع في نفس الأسبوع، يُعطي مصطفى سيارته للزوجة بينما اقتنى هو سيّارة أمريكانيّة فخمة.

تلك ليست سيارة بل صيّادة! وشاركت في تطوير السلسلة بأن صادت عشيقة جديدة جعلته يرمي العشيقة القديمة هي ومفتاح الشّقّة.

وتلك أيضًا سيّارة مكيّفة سمّاها كما سمّا الشّقّة لكن باسم تطوُّري يليق بها: الفِردَوس! ففهم من خلال السيّارة أن في التّنويع خير وفي الجُمود ضَيْر!

هذا التفكير التّجديدي دعاهُ لاعتبار تنويع تجارته، ويقول الكاتب لِمَ لا؟ فالحياة، ويأتي هذا الوصف كهَبّة ريح تضرب مجون البطل، كالدومينو قطعة تنطح قطعة إلى أن تنتهي سلسلة التّفاعُل وتنتهي معها اللعبة، وما الحياة إلّا لُعبة.

ومرّت السّنوات وأُدرِجَ الأبناءُ للمدارس، واستمرّت المفاتيح تتعاقب في جيب مصطفى، إلى أن اصطدم بالواقع وبالمأثور، أنّ الدّنيا دوّارة كالطّاحونة.

فأخيرًا تولّد لديه هَمٌّ؛ الحيل الرخيصة والسّبيل السّريع للثراء.. والمواعيد والهدايا بعطورها إلى آخره…

وتضاعفت الهموم إذا ما كبرت الإبنة وهُوِست بالكُتُب.
والكتب! هو ووالدته المرحومة يؤمنان بأن الكُتب تستحضر الفئران والصّراصير ولا يمنعها حتّى المكان الرّاقي.

فضلًا عن أن القراءة مضرّة بالعين وتفسد كُلًّا من الجِنسَين، والويل والتّركيز لو كانت القارئة أنثى.

فنصحها نَصوحًا يَنُمُّ عن خبرة، فتُعرِضُ عن نصيحته محتجّةً، في برود، بأن القراءة هي الفيصل بين الإنسان والحيوان.

لأنّه جاهل، إستغرب، ولأنّ السّكّري يعود بالضّغط، أُصيب بارتفاع السُّكّر ودُوار اضّطره لتناول الحبوب المهدّئة.

فانفرد بزاوية مظلمة من غرفته لا يحرّك ساكِنًا، كي يرتاح أخيرًا ويعود للتفكير في المصيبة، الجنس النّاعم، والذي للمفارقة كان يهيمُ به سابِقًا عبر العشيقة والشريكة.

فكل الإحتمالات واردة، كال”تُّخمة” أو ضغط السّوق، وقد يكون السُّكَّرُ المستفحل في الدَّم.

ولعلّه فقط يخاف على ابنته التي دخلت توّها طور المراهقة، وتسائل إجمالًا إن كانت معاناته مشتركة مع أصحابه.. ثم نُعاود للإحتمالات.. فالإحتمال الأخير هو الكِبَر وانحسار الحيويّة.

بقي مُنزويًا مُطرِقًا، فزاره حل! أن يزوّج الإبنة حالَما تصل للسّنّ القانونيّة كي يرتاح منها وينتقل الهم لزوجها، ولن يبخل عليها في تكاليف العُرس وتجهيزات الزّواج.

ففرح بهذا الحل، لكن انحناء الظهر وغمامة الحزن عادا له لمّا فكّر بأن ترفض ابنته فكرة الزواج، فقراءة الكتب ستساعدها على التّمرُّد و”تَعلّم الخبث”.

فانتابته الحيرة والإختناق الذي لم يجد بُدًّا من معالجته، فلبس وتسكّع بسيّارته دون هدف.. ولم يترك التفكير أثناء هذا التسكّع في طرقات الحي الهادئة، على أنّ الحيرة كذلك لم تتركه.

وصادف متعجِّبًا شارعًا مزدحمًا قلّما يزدحم، ولمّا اكتشف أنّه قريب من مسجد الحي، عمد دامع المآقي مشرق الوجه للصّلاة، بأملٍ دَخيل.

ويبدو أن أعصابه متقلّبة، إذ أنّه غضب وتضايق لأنّه لم يجد مكانًا يركن سيّارته فيه، وتسائل ساخرًا عن نوعيّات المفاتيح الموجودة لدى أصحابها.. بعدها تضائل الغضب وحمد الله على نعمتهم.. فالسيارات الكثيرة تعني ناسًا كثيرين يعتكفون المسجد وهذه نعمة.

وجد رُكنًا بعيدًا لسيّارته، وأخرج منها مسبحته الفضية.. وأكمل مظهر التّدَيُّن بتصدّقه على مِسكين.
ودخل للمسجد بعد خلعه لحذاءه.

في السّطور التّالية نعرف عن خروجه من المسجد هادئ النّفس قرير البال، إذ فيما يبدو جلسته التي لم تُذكَر بالتّفصيل كانت تطهيرًا للسّواد.

وتعلّم درسًا مختلفًا عن دروسه السّابقة.

فمصطفى أو سمّه درش أو سمّه صافي أو سمّه صفصف أو سمّه أبو كبير ناجى نفسه بأنّ النّعم الرّبّانيّة عددها ستّة.
فإضافةً للثروة والزوجة والبنين والسّيارة والحبيبة الجيّدة، ضميرٌ مرتاحٌ.

ومناجاته مختومة بحمده الله على فضله، وخصّ بالذِّكر، مُكَرِّرًا التّخصيص، راحة البال!

وهكذا انتهت قصّة هذا العدّاد!

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x