قصةوشدت البلابل

جوهرة سرياليّة من مجموعة الحادثة التي جرت لمجيد طوبيا، وشدت البلابل.

تبدأ القصّة بعنوانها خاليًا من واو العطف، فتشدوا، لدهشة الرّاوي، البلابِلُ! فعهده بالحيّ أنْ لا بَلابِل.
نحن إذن أمام شخصية مجهولة في حي مجهول لم يعُد قادرًا على النّوم بعد سماع صفير البلابل..

فتطلّع إلى شرفته، وعرف أن الدّنيا صباح من الخارج والداخل، إذ بالدّاخل تنفذ.. لا بل تفرش أشعة الشّمس.

ثم مضى إلى تلك الشُّرفة يرجو أملًا أن يكون قد عاد.. فمن ذا الذي يرجو ويتسائل عن عودته؟ لقد تيقّن مبهورًا من “أنّه” قد عاد حالَما اطّلع على جانبٍ من الحديقة.

ففتح شيش الشّرفة، فشعر بهواءٍ عبقٍ لا تَشوبه مخلّفات السّيّارات، إلى جانب رؤيته لشجرٍ مُخضرّ ووردٍ مُلَوَّن وصفه بأنّه إبداعُ الطّبيعة في ليلة.

وفرح الرّاوي بالمنظر وبتدرُّجات الألوان البديعة، ويقول بأنه فرح بعودته، وهنا من السّهل معرفة أنّه يقصد فصل الرّبيع.
وكانت عودة الرّبيع بعد فترة طويلة وانقطاع مرير.

وأحسَّ البطل بنقاء يدخل سريرته دفعه للتّأنُّق للحُب! أي حبُّه للرّبيع.

شيء يشبه العنوان الفرعي في نفس الصّفحة هو “منذ سنوات”.. يستخ.م نفس العنوان لافتتاح مضمونه، فمنذ سنوات تنبّه البطل لاختفاء الرّبيع وانعدامه في سنةٍ ما، كان هو الوحيد المتيقّظ لتغيّر المناخ من بين أصحابه، الذين، من خلال مثال انصرافهم لطابور الغذاء، تجاهلوا ملاحظة صاحبهم اليقظ وعاشوا في غفلة.

ولم يختلف العام القادم عن سابقيه، وسابقيه مجموعة لأن تغيّر المناخ استمر، والحالة الغريبة أنّ الفصول بلغت ثلاثًا فقط! يعني الرّبيع مخصيّ.

والفصول الثلاثة؛ الخريف والشتلء والصيف، كلّها متطرّفة وتفتقر للإعتدال الرّبيعي.

يتكرّر، في جو سريالي، تحذير البطل لأصحابه، وتكرر تصرّفهم؛ إلّا أنّهم هذه المرة ضحكوا وقاموا بانشغال آخر؛ ليس طوابير الغذاء بل الكساء!

فجاءت سنة جديدة ربيعها أيضًا مخصي، وخلّف معه حدائق جرداء تفتقر للرّبيع.. ممّا جعل صبر الراوي على بلادة أصدقاءه تنفد.. لا يعقل أن يتحمّل إعراضهم وها هي ذي اثنا عشر شهرًا تمرُّ ولا يأتي معها غير الجرداءِ من الأرض.

لكن كان من بين الأصدقاء صحفي اقترح اقتراحًا يدلُّ على أنّه ليس بجهل الآخرين، أن يقوم صاحبنا الرّاوي بتأليف “رسالة” في “باب” “خرج ولم يعد”! أنواع عتيقة من الكتابة…

المقال أو الرّسالة ساخرة، إذ يتم كتابة أنّ الربيع كالعنوان خرج، من سِنين، ولم يعد.
أمّا غيابه فظروفه غامضة، والسّاخر في الموضوع أن الراوي يجب أن يكتب عنوانه أمام كلّيّة الطّب كي يُبَلّغ عن العثور عليه وينال الكشّافُ جائزة!
وضحك الأصدقاء لهذا الحل، ولم يُعجَبُ الرّاوي به.

صديق آخر هو ضابِط شرطة، أشار لقسمِ مهنته ونصح الراوي بأن يقدّم بلاغًا ويُلقي باللوم على الفصول الثلاثة الباقية في تهمة السّطو على الرّبيع!

بعد أن تحمّلهم الرّاوي قليلًا، قرّر هجرهم قليلًا في أمسياتهم، ممّا ظنّه أمرًا مُحَبَّبًا لهم. مع ذلك استطاع سماع أحاديثهم التي خلت من اختفاء مظاهر الرّبيع المستلبّة، بل لم يشتكوا في مجلسهم من غبارٍ ملوّث تنفثه السّيّارات، أو عفن فوّاح عند بائعِ فول.

سار الزّمن ثقيلًا مُمِلًّا واحتار الراوي هل يبقى ساكِنًا أم يصنع شيئًا.. وتأثّر بهذا التّرنُّح فتباطئت حركته وثَقُلَ كلامُه.

يخبرنا أنّه يرتاد المقهى الكزدحم وحده بعد أن يتثائب، ويعود للمنزل بعدها ولا زالت النّارين تتآكلان؛ نار “رفض الخارج” ونار “خواء المسكن”.

وقد حاول القراءة حتّى سَئِمَها، فاستفحل الفراغ واستحالَ أعصابًا تدفعه لنفض الغبار، المنبعث من الطرق، عن أثاثه؛ وتلميع بندقية والده المتوفّي.

يحدّثنا عن روتينه الصّباحي الذي يسبق الدّوام، وهو تأمُّلُهُ للحديقة بفروعها وأغصانها، يتفرَّسُ فيها كي يجد خضارًا ربيعيًّا فما يجد.

وأيضًا، يلوح له طالبات طب، ف “يمتحن” نفسه كما يمتحنّ أنفسهن في الهيئات التّعليميّة، فينظر لأعينهن لعلّ قلبه يُرفرف، فلا يُرفرِف ويفشل الإمتحان. وخشي هو طبعًا من النّتيجة، الجفاف العاطفي.

وأملى قلق الجفاف العاطفي أو التّبلُّد على صاحِبٍ له هو معلّم، فأطرى له الأخير احتمالًا مشؤومًا “لحبيبة” الرّاوي، مغزاه أنّ تاجرًا من السوق السوداء خزّن الربيع في ثلّاجة ليوزّعه في عبوّات بثمن أعلى.

ثم يخبرنا الراوي أن الأستاذ شفط نفسًا طويلًا من السّيجار لا يُدرى إن كانت الكحّة بعده سُعالًا شديدًا أم ضحكًا.

قبل أن ينتقل لموضوع فُجائي ابتدأه بعنوان جديد أيضًا افتُتِحَ ما أسفَلُهُ بِهِ؛ غير أنّني..

وغير أنّه رأى “إحداهن” منذ يومين، والأرجح أن هذه الإحداهن هي نبتة ما! وفكّر بأنّه واقع بالحب وبأن المحبوب سيبادله الحب، فتبسّم وأقدم على مقابلتها كي يتعرّف عليها.. وقد سُحِرَ أثناء حبّه بالعينين -أو نقول البَتْلَتَين؟- الواسعتين ولون المحبوبة، كُلِّيًّا، الخُمريّ.

ردّت النحبوبة بابتسامة شاحبة لم تُدِمها، لكنّها امتنعت ونظرت لمحطّة الأوتوبيس! ولهذه الخيبة لدى الرّاوي عزاء، هو أنّ ثمّةً احتمالًا بأن يتغيّر مزاج الوردة أو المعشوقة مع حلول الرّبيع وتفتُّح الأزهار.

وما كادت رائحة مشرحة المستشفى تفوح، حتّى اكتئب الرّاوي بعيدًا عن أحلامه الورديّة.

ننتقل في عين السّرد للمساء، حيث كان هناك صاحب من شلّة الرّاوي يعمل موظّفًا في البنك، فاشل في لعبة الشطرنج ويخسر كل مساء بما فيها هذا المساء، قال في نبرة جديّة يهزئ بها ما قاله أنْ لا داعي للقلق، فهم سيجعلون لل”فقيد الغالي” أي الرّبيع عزاء. الأدهي أن هذا رد على عدم استظراف الرّاوي لنكاتهم.

مباشرةً ننتقل لعنوان آخر؛ تهيّأتُ للحُب.
وتهيّأ فعلًا للحُب، ليس لأنّه يعرف محبوبًا بل لأن ثمّةَ إيمانًا يقينيًّا عنده بأنّ القدر خبّأ له موعِدًا ربيعيًّا بين خمائل الورد!
لذا نوى التّأنُّق وحلق ذقنه..

فاكتشف أنّ وجهه الشّاحب انقلب متورّدًا، أمّا نظراته فتأجّجت بينما عانت مُسبَقًا من الجُمود (من بعد شحوب ومن بعد ركود جاءتا كقافية).

فسرح في خيلاءٍ منتعشًا منتشيًا.. خيلاء الرّبيع الذي على حدّ وصفه يرقّق الأحاسيس ويوسّع البسمات وتنضح العيون بِعذبِ القلوب.. هكذا هو الفصلُ الفوّاح.

بعدَ أن فَرَغَ من التّأنّق لموعده الغامض، هبط لعتبة البيت، متغاضيًا عن سخيف الأغاني والدّفّ في محلّات مجاورة.. ويقول في سرده بأنّه رأى السّابلة -رغم بواكير اليوم- مُثقلين بالتّعب مهدودين.. ولم يُحسّنوا ويغيّروا عادتهم في عدم الإلتفات (ربّما القصد التّسليم) لمقابلة، يبوح بسخرية، تعدُّدَ الألوان الذي في حقيقة الأمر تضائل.

والطريق عبوره صعب ويلزمه جهاد جاهده الرّاوي الذي قال بأنّ عوادم السّيّارات زكّمت أنفه وأدمعت عينه، وانتهى جهاده بأن وصل لما سمّاه “أرض الخضرة والطّيور المغرّدة”، التي ساعدته على تهدئة أعصابه واسترخائها، فجعل يُعرّض صدره للفل والياسمين.. فخوّله ذلك لنسيان إزعاجات السّيّارات وضجيج ضرب الطُّبول من بيوت الجيرة بل من أصوات مزعجة لكن لا يُتَبَيَّنُ لها قرار.

ونعود لتلك الواسعة العيون خمريّة اللون، فقد وجدها الرّاوي جالسة بين خميلة (منطقة شجريّة).. ثوبها منقوش وشعرها مسترسل، وعندها حقيبة إسعاف وثوب طبّي!

وقد فطن الراوي، وهو يراقبها من محجِر، لأنّها تنتظره، فتشجّع وبانْ، فنضح وجهها بالبٍشر.
وحصل وئام ودود يوحي بأن الأرواح تصادقت وائتلفت وكما ظهر في النص، التئمت.

ولم يجد شكًّا، بفضل نظرة عذبة من ال… نبتة؟ بأنّ الغرامَ حاصل، وبأن رغبة متأجّجة في اللمس تثبتُ أن هناك لا بُدَّ تواصُل.

وشاركت الحبيبة الفراشات في استنشاق الأريج بعد أن تهادت هي إلى الورود.. تضحك فتكون المقطوعة كأنها أُلّفت بالإشتراك مع البلابل!

وفي هذه الحديقة كان هناك محبّون كالمشجّعين يأتون أفواجًا، شبيهون بالطّير الذي يغرّد مُحَيِّيًا.

رغم ذلك عادت “الأصوات الرتيبة” لتنغّص غليه، على أنّها ضعيفة. ثمّ ذهب الحبيبان إلى مجرى تتلألأ مياهه.. فاتّفقا، يا للشّاعريّة البيولوجيّة، على أنّ هذه المياه تسقي الشجر (شجرنا) الذي بدوره يثمر الورود (ورودنا) فيا لها من ذُرِّيّة!

فتنشّط بدن الرّاوي وذهنه وتعافى، فتفتّحت الأفكار كما عقله.. مشاريع مستقبليّة مع حبيبته!

هي، عندما رآها أو أراد رؤيتها الرّاوي، إلتفتت إليه وهمست بأن لها نيّة، هي وهو، بأن يبتدعا جديدًا..
وارتأى الرّاوي أن ما بعد هذا الخِطاب هو اعترافها بحبّها له! لكنّه لم يستبين من حركة شفاهها شيئًا لأنّ الصّوت الرّتيب بدبيبه المزعج قد لحق بهم للجدول!

فحدثت رجّة، في العنوان الجديد، رجّة مخيفة.. مصدرها ما أبصره الرّاوي عند الرّصيف؛ آلة ضخمة لها كثير من العيون الجاحظة! وقد بدا على الآلة أنّها تتفكّك.

والعجيب أنّها تفكّكت ونتج عن ذلك كائنات غريبة، كائنات شبيهة بالإنسان، كما الآلةُ أعيُنُهم جاحظة، وكما مقصّاتُ العشبِ أيديهم فيها مقصّات.. أو أيديهم مقصّات!

وكانوا جماعةً انفرد أحدها لِبَتْرِ شجيرة ياسمين!
فعاد للرّاوي توتّر الأعصاب، وشنّت الجماعة هجمات لم تُبقي ولا تذر.. منظر عجيب! مقصّات مسنونة وعيون جاحظة هجمت على الورود وقطّعت النّبات بدقّة ومهارة!

وعكّر صوت القصِّ الصّفاءَ والسَّكينة، وصرخت الحبيبة واحتمت بالرّاوي، أمّا الطّيور هربت لأعمدة الإنارة في فزع.
والفراشات تشتّتت والرّاوي هوجِمَ عليه!

والرّاوي يصيح وعلى وجهه اعتراض، فيما المهاجمون فارغوا الوجوه معدومي الملامح.

وقبل هذا وبعد هذا، تكرّرت كلمة “الصّكّات كأنّها ومضة تأبى إلّا أن تضيء بنورها الدّاكِن.

والحبيبة تزعزت، والصمت فجأةً حدث بعد أن أسندها الرّاوي.
والصمت حدث لأن الجماعة انتهت من عملها الذي أبقَت فيه على الشجيرة التي اكتنفها الحبيبان، الفُلّ.

لكن الجماعة لم تهرب، ف”أكثرهم جُحوظًا”، الذي يبدو وكأنّه ينظر لكل جهة، دَنا من العشيقين؛ فحاول الرّاوي بشجاعة مصطنعة أن يردعه.

ومن الإحتدام صوّب المخلوق مقصّه لرقبة البطل، فتضعضع الأخير وتمنّى لو كانت معه بندقيّة الوالد التي كان يلمّعها كي يذود عن نفسه.

وفرّت الحبيبة وتعثّرت أثناء ذلك، وأراد الراوي اللحاق بها لكن دُوارًا منعه عن ذلك (ربّما لأن رأسه قُطِفَ؟).
وابتعد الرّاوي عن موقعه بينما كوّنت الفراشات الكثيرة قوسًا هابِطًا..

ثم انتحر الرّاوي بأن أغرق نفسه في الجدول! وبعدها احتج بغضب ناطقًا بالإعتراض، لكنّه واعٍ كفاية لكي يفهم “الصّكة الأخيرة” وال “صمت النّهائي”.. ومعدوميّةَ فائدةِ احتجاجه ما دام عدوانُ المخلوقات انتهى.

وتلك المخلوقات كانت ترتدي أحذية ثقيلة دكّوا بها الأرضَ، مُغادِرينَ بصفوف منضبطة.

وكما قَدِموا، كآلة قتل جاحظة، غادروا ولامسوا الأسفلت، وغادر معهم دبيبُهم الذي وصفه الرّاوي بال”صارم”.
والمارّة اكتفوا بالتّحديق بآلة القتل تلك قبل أن يكملوا حياتهم بشكل عادي بعد أن أشبعوا فُضولهم!

عنوان جديد يأتي بعدها، والشّمسُ حارِقة.. وبعد الدمار ينعدم الظل والورق.. ويسمع بعدها نُواحَ امرأة، وهذا ليس شيئًا يلتفت له بل هو قد يكون صوت حبيبته الفارّة وصداه الذّهني الذي اجتمع مع رائحة عفن ليسَ كُلُّها عفن بدلًا من الرائحة الطّيّبة السّابِقة.

والمشرحة فاحت منها رائحة هزاء استحالَ لزوجة رطبة خانِقة.
الآن يتم الإلتفات للمرأة النّائحة وهي فيما يبدو ليست الحبيبة.. ويتّضح أنّها أمام المشرحة!
يقلّب الرّاوي أوجه وجودها هناك، فإمّا قريبها مات وإمّا فقط ينتظر وثيقة الدّفن!

وفكّر الرّاوي بقصّ القصّة عند أصحابه في المقهى، إلّا أنّه أحجم عن ذلك لتوقّعه عادتهم..
ويستزيدُ في سخريته منهم بافتراض الأرجح، أنّهم منهمكون في رغيِهم عن الأسعار وفوضى المواصلات إلى جانب المجاري.. هؤلاء الأصحاب ما يلبثون أن يتركوا حديثهم وشكاويهم إذا ما جاءهم خارِجيّ، وإلى أين يتوجّهون؟ للعبة الدّومينو.

وعاد، بل انسحب، الرّاوي لغرفته يغلق كل الزجاج وشيش الشُّرفة على وحدته التي طأطأَ رأسه فيها.
وأنطَقَ المِذياعَ فأخرسَهُ! وفكّر بجريمة تجريد الأمكنة من شجرها وتسائل أنْ لِماذا؟

وسَهِرَ رُغمًا عنه، إذ كُلّما غَفا زاره، كابوسًا أو فِكرًا، “جحوظ العيون” فيتيقّظ لِماذا؟ للظُّلمة المُضَيِّقة.

وزاره كابوس، أو كوابيس، عن الشجر ذو الزّهور السّوداء! ممّا دفعه للتسائل عن شُيوع هذا اللّون في شجر العالم.
وبقي تسائُلَا لا جوابَ له، لكن شبه جواب؛ وهو حتميّة وجود زهر أسود مُناظَرةً لوجود زهر أبيض.

ثمّ سمع الرّاوي صوت عويل مرتفع أيقظه من نومه ومن سؤاله فقد عرف بفضله الجوابَ!

ففي جوٍّ حارٍّ ونهوضٍ لم يدرِ الرّاوي إن كان فعلًا قد نامَ قبله فقد تكون غفوة عند الفجر.
رأى ما تمنّى لو كانَ كابوسًا، فمن شرفته رأى نساءٍ مكتسيات بالأسود يعزّينَ بولولتهم وجلوسهن نادِبات إلى من تتوسّطهن، أيضًا امرأة نادِبة.. فتجلّينَ للرّاوي كوردة سوداء تقوم بما يقمن به.

ويظهر أنّهن في الحديقة، فأحاطتهن مجزرةُ بترِ الزّهور.
وقام الرّيح بحمل الورق المقطوع فوق التّراب، فما كان من الرّاوي إلّا أن اقشعرّ لخشخشة الورق البعيدِ عنه.

بعدها قال الخُلاصة، أن الزهور السوداء موجودة، وإن كان لم يعثُر عليها في الطبيعة فهي في كوامن النّاس بل في كامِنِهِ!

واغرورقت غيناه بالعَبَرات في الوقت الذي “تموّجت زهرة النّائحات برحيق أساها” فيه.
في السّطر التالي يخمّن الكاتب أن وثيقة الدّفن التّابعة لمُرتادِ المِشرحة لم تصدُرْ بعدُ.

وانقضّ عليه كما انقضّت المخلوقاتُ الدُّوارُ، وبعد نُقطتين، يَشرَحُ كيفَ أنّ الأسود كاسمه إذا ضُمّت الألف، مُفترس يفترس ألوان الطّيف والصّيف وبحضوره لا طيف أو لون صيف.

وهذا فأل شر، لأن ألوان الطّيف خير فهي ما تُشَكِّلُ قوس القُزَح بعد المطر الذي هو كذلك خير.. وقوس القزح أيضًا نذير خير فوجوده دلالة على ابتعاد حين طوفان النِّهاية.

استلفتَ الرّاوِيَ جلبة مبعثها الطّريق، فإذا بها آلة القتل تفكّكت وترجّل منها الجاحظون! واولئكَ اعتدوا بقسوة على النّساء!
وانشغلوا بعدها بكنس الأوراق والفروع الجافّة.. وتطهير الجدول من فراشاته المَيّتة!

ثُمَّ، أنزلوا من عرباتهم كراسي صفّوها بانتظام، جعلوها تقابل منصّة للخطابة.. جعلوا فوقها سجّادة مهترئة كبيرة الحجم، جعلوا فوقها بدورها منضدة ومكبّرات صوت، وقد يهمُّنا أنّ الكاتب استخدم لفظة “ترابيزة” للمنضدة ممّا يعني أنّها مُفردة عامّيّة وفُصحى.

بعد ذلك التصقت المخلوقات وعادت لشكلها المُتّحد الجاحظ قبل أن تُغادِرَ لطريقها.

فدخل الرّاوي لغرفته القريبة من الشّرفة وأراد تمضية الوقت بالقراءة فلم يُفلح لحالة عصبيّة ألمّت به وجعلته ينفض الغبار عن أثاث البيت والإنتهاء بتنظيف بندقيّة أبيه كانشغال تامّ.

ثم نأتي لآخر عنوان؛ وبعد الغُروب.
فبعد الغروب، جُلِسَ على تلك الكراسي المنصوبة من قِبَل، مجازيًّا، أصنام(غالبًا النّاس).. تحت أضواء باهرة، يَخطُبُ فيهم خطيب مُنَمَّقُ المنطوق يصوّره التّلفزيون.. وفحوى خطابته هو “طريق وردي” ينتهي إلى “مستقبل كلّه زهور ورياحين”!

وصحيح أنّ ما وراء الخطيب حُجِّبَ بلافتات تحجب المشرحة، غير أنّ الرّاوي عرف بوجودها، وهل سيُكَذِّبُ أنفه؟

هذا النّفاق اشمئزّ منه الراوي وكرهه، فدلف إلى شقّته يتسكّع من غرفة لأخرى حانِقًا..
ولمّا صادف بندقيّة المرحوم والده، أراد التّرويح عن نفسه بإعادة تنطيفها، لكنّه فكّر بأمرٍ ما يَخُصُّها قبل أن يُقدِمَ إليها دون التّفكّر بإمكاناتها.. هو سؤال عنّ له وانتبه له الآن، هل ترك والده رصاصًا صالِحًا؟ ونوى صاحبنا الرّاوي على الطَّلْقات، وكي يجيب عن تسائُلِهِ، بحث في غرض آخر لأبيه، صندوق قديم مغلق.

وتنتهي بذلك هذه القصّة التي تصوّر المعاني بغرائبيّة، لكن ما ليس خِيارًا في أسودِ الزُّهورِ هو الإستسلام، فلنبحث جميعنا عن طَلْقة… نزرَعُها!

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x