هل قتالات الأنمي والمانغا تساوي الملحمة؟
أجِدُ أنّ مانغا (قصة مصورة يابانية) كينّيكومان على قدر من الإستحقاقية، وأنّ سمعة القصص المصورة كفن هزلي هي الهزلُ.
لا فرق بين أشعار جلجامش وبطولات آلهة الهندوس وبين رجل العضلات، ملك كوكب كينِّكو، كينِّكومان.
هذا العمل يعتمد على عنصر المصارعة الحرة الخارقة، ويتّخذ منها مِحوَرًا للبطولات وأقواس المغامرات.
فكل معضلة مهما بلغت بها الشّدّة تحلُّها الحلبة، كأنّ ذلك المربّع القتالي هو محكمة يستوي فوقها الجميع ولكن يظفر بها الأقوى.
وككل مانغا، باستثناء ما يعرف بال “ون شوت”، هناك عدة فصول تُشَكِّلُ مجلّدات، والمجلّدات تُكَوِّنُ ال “آرك”.
الآرك هو مجموعة مجلّدات ذات موضوع معيّن، والنزال الذي سنقدّمه نموذجًا يقع في آرك التشوجين الكامِلون.
في ذلك الآرك، هبطت من السّماء فِرقة قوية جدًّا تُعرف بالتشوجين الكاملين أو الفاضلون، بلطجيّة لا تنقصهم ناقصة، وتعدّدت أشكالهم ما بين سمكة مارلين -على شكل إنسان عضلنجي- ومثلُهُ كلب دلماسي، ومخلوق شكله إنسان لكن له قوابس ضخمة مسنّنة تنغلق وتتفتّح، وغيرهم بقيادة القوي بودو، الوحيد السّمين ويذكّر بمصارعي السّومو لكنه أخف وزنًا، ويرتدي خوذة من طراز خُوَذ رياضة الرِّغبي.
وهم في الواقع ليسوا فضائيّين، شخصيات هذه المانغا الخارقة كلّها “تشوجين” أي خوارق، كائنات عجيبة شطر منها إنسان وآخر… زنبرك بأعيُن!
ويختلفون بالهُوُيّات، بعضهم شياطين (أكوما) والبعض بمن فيهم بطل السّلسلة أبطال عدالة والطائفة الثالثة هي المثاليّون.
وقد جرت قديمًا، بجهود تيريمان حليف كينّكومان، معاهدة سلام. صحيح أنّها تمّت بتمثيل الأطراف الثّلاث، إلّا أنّ نبتونمان (لا علاقة له بكوكب نبتون! إنّما هو زميل بودو القوي، وقد هُزِما) لم يأخذ بمشورة زملائه، الذين هبطوا وفتكوا بأبطال العدالة، بمن فيهم كندا مان (لفظة مان تتكرر كثيرًا وهي تأثُّر بالأبطال الغربيّين) ونعم.. جسمه عليه علم كندا! وشخصية إنسان سابق بطل لاحق يزمجر من حنجرته بتردّدات صاعقة.
ولم يقف تيري مان مكتزف اليدين، فبدأ سلسلة النزالات والملحمة بين الأخيار والأشرار.. إلى أن انتهت بشكل غير متوقّع، فقد تدخّلت الشّياطين لمصلحتها الخاصّة!
وانتهى السِّجال بالتّعادُل، وإذ بطاقم جديد هم “السّبعة الجُدد” يُطِلُّ من العدم بقائد جديد “نيمِسِسْ” هو من سلالة كينيكومان (الذي قد هرب من عرشه ليفزع لصديقه تيريمان، وتجدر الإشارة لأنّ هذا العمل من أبكر الأمثلة على قوة الصداقة حيث تتفجّر العزيمة بفضل كلمات وذكريات ودودة).
وهذا الفريق أيضًا له يد بلطجيّة، حتّى على رفاقهم! فهم طائفة تؤمن بالشّرف وأنّ أي عضو يخسر يجب أن ينتحر.
لكن كينيكومان منع نيميسس من تنفيذ حركة إعدام (فعليًّا حركة مصارعة) بأن جعل من جسمه وسادة بشرية امتصّت السّقطة.
وبعدها يدخل أبطال العدالة! (جستِس تشوجين) وقد كانوا في غيبوبة، ومن بينهم بروكِن جونيور يُزامِلُ رامِن مان قاتِلَ أباه (شطره بحركة إخضاع، وتتوطد علاقته بقاتل أبيه لاحِقًا).
وقد تأثّر بروكن، ذو بدلة الجندي الألماني وصاحب مهارة جدار برلين، باعتبار كينيكومان للتشوجين المثالي الذي أوشك نيميسيس على قتله، صديقًا!
هذا هو طرف النّزال الأوّل، أمّا منافسه فهو كْرَشمان، آلة سحق بشرية يرتدي زيًّا بنفسجيًّا وعلى ظهره كمّاشة عملاقة كلّها مسامير، ولم يكن قد لعب مُسبَقًا، فحانت لحظته، وآنَ صِراعٌ بين فكرتين؛ الهيمنة المطلقة وإعادة الهيكلة سعيًا للمثاليّة، وفكرة أبطال العدالة التي تعتبر المصارعة طريقة لفهم الآخر (ما دفعهم لاستنكار انتحار خصومهم بعد هزيمتهم).
تجري المباراة فوق حلبة على هرم يزعم البرفكت تشوجين أن أسلافهم بنوه.. في المجلّد الثّاني والأربعين من أصل متوالية 38-60.
ولو أنّ البداية وانطلاقة المباراة بدأت في أواخر المجلّد الحادي والأربعين.
كْرَشْمان، التشوجين ذو الكبرياء العالي واستنقاصه المستمر للغَيْر، ينتظر بروكن جونيور (جونيور Jr. تعني الإبن، وما دمنا نتعلّم، فإنّ Pride تعني فخر أو كبرياء لدرجة الغُرور)، في الحلبة رقم 2.
فلاحَ له من بوّابة الهرم قبّعة بروكن! واستعجل وهجم عليها اعتقادًا بأن صاحبها يرتديها.. هجم وال Iron Glove (القفّاز الحديدي، مع أنّه ليس قفّازًا بل مجسّات شائكة عريضة، وعندما نريد قول حكم بيد من حديد مجازًا نستخدم العبارة آيرون غلوف)، متفتّح.
وانتبه لأنّ القبعة تطير وحيدة وأنّها تمويه، لأنّ بروكن برز ظلّه وطوّق خصمه بحركة سريعة لم يلاحظها إلّا بعد أن باغته بضربة كتف على هيئة انقضاض الرُّمح (Shoulder tackle) وهو يسخر منه قائلًا بأنهُ الأحمَقُ، أنْ انظُر لمَكاني.
وبعد أن أتمّ المباغتة استدعى قبّعته التي يتّضح أنّها تتحرّك عن بُعد.
فاستشاطَ كْرَشمان غضبًا وهجم بدوره على بروكن، ولولا أن استدرك الأخير وضعه في آخر لحظة، لغرزت الأشواك يده.
لكنّه استَدْرَك! ومرّة أخرى أوجَدَ نفسه خلف الوحش البنفسجي وضربه ضربة كتف أسالتْ دمعةَ ألم! ولعلّها قطرة عرق لأن عين كْرَشمان اليُسرى مغطّاة بالحديد.
ضربة الكتف تلك دفعت بِكْرَشمان وخلقت حيّزًا أراد بروكن أن ينفّذ من خلاله هجمة جديدة، واستشعر تفوّقه الخاص في هذه المباراة؛ فأعزى خفّة الحركة لفترة استشفائه، غير أنّ كْرَشمان لم يسمح بأن يَكمُل افتخارُ خصمه، فقفز بأقدام مفتوحة فوق كتفي بروكِن (Leapfrog)، الذي وصمه بأنّه “دونِيّ”، ليُخضعه لحركة رهيبة لكنها ضعيفة؛ فقد أغلق رُكبتيه على رأس الضابط الألماني، وتقوّس كي يلقف قدميه، فعرقله على وجهه، قبل أن ينهض (والحركة في المانغا تتم عبر ظِلال تختلف في درجة التّظليل).
الحركة ضعيفة لأن بروكن استسخفها ولم تؤثّر به مقدار شعرة، وتشقلب للأمام ليستعيد الوقفة (كل حركة يصاحبها تعليق عبر فقاعة حوار مزدوجة الخطوط).
ثمّ اندفع عليهِ كْرشمان، قائلًا بأنّه من الغباءِ الوقوف في ذاكَ الموضع لأنّه يتقاطع مع نِطاق “قفّازه”.
فماذا فعل بروكن؟ لم يتجنّب النّطاق، بل اندفع هو إلى القفّاز! مدعومًا بفكرته الشجاعة؛ أنّ قفّاز كْرَشمان الحديدي إسمٌ له هيبة (إضافةً لكونها حركة الإنهاء المميتة).. والمعقول أن تُتَجَنّب.. المعقول وليس الشُّجاع! لذا هبّ ووثب إلى الكمّاشة المسنّنة.
مشهد جحيمي حقًّا، إنّ تلك “الزّهرة” والمنطلق نحوها لهي لوحة خارقة من الشجاعة في وجه العُدوان، فقط.. على هيئة مصارعة!
فحصل انغلاق الكمّاشة وأُريقت دِماء، لكنّها….
دِماءُ كْرَشمان!
فما كاد قُفّازه الحديدي ينغلق ويصير كالعذراء الحديدية (تابوت بابه عليه خوازيق)، حتّى لُكِمَ كْرَشمان على وجهه، فلم يستطع لقوّة اللكمة أن يُطيقَ الضّرر ويُغلقَ كمّاشته السّداسيّة.
وبينما اللكمة معلّقة، استطرد بروكن قائلًا أنّ الحركة المميتة المُهيبة ستغدو حركة عاديّة بفضلِ الإقدام والشّجاعة.
وكْرَشمان أي نعم مهزوز لكنّه يستبشر بأنّه سيتناول لحمًا مُحلّى كوجبة عشاء، فها هو خصمه لا يبعد عنه كثيرًا.
فقلق كينّكومان المراقب، لكنه قلق لا داعي له فقد ارتدّ بروكن عن كمّاشة الرجل المُهَشِّم، الذي استردّ عافيته وأغلقها لتقضم الهواء.
فحدث إذ ذاك هجوم من الطرفين ابتدره الشّرّير، وقرّر بروكن أن يبدأ موجة لكمات جديدة..
نجحت واحدة في ذاتِ الصّفحة، إلّا أنّ كْرَشمان أبى أن يقع في عين الحفرة مرّتين، فانكمشت كمّاشته وما استطاعت للقبض على بروكن جونيور سبيلًا.
وركض كْرَشمان إليهِ لمّا هرب من إحكامِهْ وإعدامِهْ، ممّا زاد من همّة بروكن، الذي صرّح بأنّ خصيمه لا يفهمُ بأنّه غيرُ مُستطيعٍ التّهشيمُ، على عكس أوّلِ اسمه “كْرَشْ” أي يُحَطِّم.
موجةُ اللكمات التي لم تنجح بأكملها انفجرت في وجه الشّرّيرِ اللكماتُ، فعلى حد تعبير بروكن استهدافُ الوجه سيترك خصمه بلا دفاع لأنّه يرتكز على مجسّات كمّاشته.
لكمات شديدة القوّة تُعيي وتُدمي، ويتحمّس لها الجمهور، ويرقَبُها “ميت” (Meat) مُرافق كينّيكومان القزم بتعابير جادّة منسجمة.
ونعرف سبب انسجام ميت في الصفحة التالية، فعهدُهُ بأسلوب بروكن المندفع بشكلٍ بحت (مع تعبير الرّأس الذي لا يرى سوى الأحمر كنايةً عن اندفاع الثّيران لكل ما هو أحمر) أنْ كانَ نقطة ضعف، أمّا الآن فقُوّة لا تعتمد كلّيًّا على الدفاع بل على التحليل التكتيكي كذلك.
وابتسم كينّيكومان وأعطى بعض الفضل لكبسولات الإستشفاء، فيما ارتأى تيريمان أنّ الفضل ليس لها بل لتغيّر شخصي إيجابي طرأ على بروكن منذ أن انفصل عن كتيبة الدّم، فِرقة شريرة كان عضوًا فيها بقيادة “كينّكو سولدجر” (شقيق كينّيكومان الأكبر)..
وقته مع الكتيبة، تحديدًا مباراة “عرش كينّيكو” الحاسمة وسرُّ النّجاة، نَمّاهُ.
وككثيرٍ من الصّفحات تأتي صورة فلاشباكيّة للشخصيات المعنيّة وأعلامها وحركاتها مظلّلة قليلًا.
يتأثّر في جُمودٍ خفيف كينِّكومان قبل أن يعود ويُحمّي رفيقه تشجيعًا.
ورفيقه الآن يُمطر كْرَشمان بلكمات حامية بينما يسخر منه ومن ضعفه، ومن مسمّيات ال “تشوجين المثالي” و “عمود الفريق” و ال “رقم الكبير”.. كلّها مسمّيات تثير اشمئزاز بروكن من مُدّعيها، ذلك أنّها غرور ونفخ.
إنتهى سيلُ اللكمات بأن سقط كْرَشمان، وكان المشهد بيّنًا لزميل آخر يلعب في حلبة أخرى في طوف من أطواف نفس الهرم، أكتافه بها تماثيل تنانين فتّاكة؛ وهو مُشبَع بالفِكر التّفوّقي كزملائه، فيتسائل لماذا “تشوجين دنيء” يشكّل عقبة أمام كْرَشمان.
وفي الصفحات القليلة التالية تنشأ مباراة بين زميل كْرَشمان أبو أكتاف تنّينيّة ورامِن مان ذو مظهر أكلة الرّامن مع أن وجهه ورأسه رسمه بسيط ويشبه حبّة الفاصولياء، بجديلة مربوطة، الذي يظهر قافزًا بوضعيّة كونغ فو وابتسامة ثقة.
وما بين ركلاته الدّوّارة وتحرّكات كفّه الإستعراضية، وبسمة الثقة لا تزال، واغتباطه لرؤية بروكن الشاب ينمو، يلحظه ممثّل ألمانيا الغربيّة ويلفظ اسمه (إنّ لفظة الإسم المجرّدة تحمل اهتمامًا لا يُهِمُّ إن قيلَ أم لا).
على الهرم منعطفات فيها حلبات، وكِلا البطلين أسقطا الغريمين، فتضافرت الهُتافات.
ونهضَ كْرَشمان بتثاقُل، فصاح به بروكن سائلًا إيّاه عن ما يجعله مثاليًّا، فهو مجرّد واجهة صفيحُها وكل جهة بها لا تقوى على فعل أي شيء.
ثم، وفي نهاية المجلّد وبالتحديد فصل “إعادة إحياء قوات تشوجين العدالة/العُليا”، يَشُنُّ بروكن انطلاقة على كْرَشمان، مُتَفَوِّهًا بما معناه أن مدّعي الكمال ناقصون ومُعابون ما دام من يستصغرونهم، أي هُم، يُكيلون لهم الويل.
ويمضي ويمضي معه الحَماس، مُهَدِّدًا بكسر الغرور، مدعومًا من كينّكومان، من زاويته، بينما يتناول طبق الغايودِن الذي يعشقه عشقا جمًّا ولطالما تراقص وهو يحمله ويمدحه لبخس ثمنه ولذة طعمه.
لكن كْرَشمان فاهَ بما معناه أن جسد بروكِن ستحصل له حصيلة، وسواءً كانَ هو عاطِلًا كما وُصِفَ أم لا، تبقى إصابةُ بروكن نقيضةً.
وفعلًا، تيريمان الموجود عند صديقه رجل العضلات، يظن بأنّ تشجيع الأخير لبروكن، بما يُفيدُ تسطيح وجه خصمه مثل المرة الفائتة، لا معنى له.
ويشاركه في الإتّجاه ميت، الذي لاحظ بأن المندوحة بين ساقَي بروكن قد تضيّقت بشكل غير مريح، ممّا يعرقل اندفاعه.
ويدخل معهم كْرَشمان في تقريرِ وضعه الصّحّي، فيقول وهو على استعداد لتستقباله بكمّاشته بأنْ لا غرابة في “خسارته مِقدارًا كبيرًا من قدرة التّحمُّل” ما دام قد هاجمه بطريقة لعبة الهوكي الآيرلندية (إستخدم لفظة Hurling وهو اسم الرياضة، وتلعب في ملعب مفتوح).
ووجد الشّرّير أن خصمه صار ذبابة عند شبكةِ عنكبوت، فأماته منطوقًا.
وأغلقَ كمّاشته! لكن من جديد لم يُفلِح في القبض على بروكن، فقد إنحنى ووسّع المندوحة بين ساقيه، ليستهدف ساقَي كْرَشمان مُصَوِّبًا لهُما كامِلَ جِذعه فيما يُسمّى Low tackle لكن هذه النسخة أخفض فيجوز القول Ultra-low tackle.
وَسُرَّ كينيكومان لمعرفته بأنّ هذه هي الخطة منذ البداية.
بروكن، أثناء تنفيذ المسكة، يتهكّم من مفخرة كْرَشمان، الجدار الفولاذي العملاق كما سمّاه.
يفترض أن اعتماده على تلك المفخرة جعل من اليسير عليه، مع صور فلاشباكيّة لضرباته السّابقة، تهشيمَ وجهه دون الحاجة للإبتعاد عنه. فضلًا عن أن ذلك الإعتماد منعه من الرد بشكل جيّد على الهجمات الخلفيّة (من ضمن الصور الفلاشباكيّة اعتراضه بكتفهِ الشِّرّيرَ من وَراءْ).
تِبَعًا لذلك، يقول بروكن وقد أخيرًا لقف ساق كْرَشمان اليمنى، بأنّ خصمه لن يُجاري انقضاضة سفليّة دونَ نطاق رؤيته.
وهنا كانت الصّدمة، كرّر بروكن أسطوانةَ “سواءً كنت مُستحقًّا لقب الكمال أم لا..” لكنه هذه المرّة أشارَ لما قد يجيب عن هذه الإستحقاقية: قوابس عريضة… مثبّتة في كاحِلَيهِ كالجوارب!
حتّى الرِّجلُ بها قوابس، وهذا أمرٌ هالَ له كينيكومان.
وانتفض بروكن متلافيًا يديه المُدمَيَتين، وفي حالة الضعف تلك ركض إليه كْرَشمام هازئًا بانقلاب الأحوال وتضرر يد بروكن التي يستعملها لتنفيذ مهارة “مطر برلين الأحمر” كنايةً عن دمويّة تاريخ العاصمة الجرمانيّة.
وفي هذه الأثناء، أسفل الصفحة، نرى رامِنمان وقد قفز من الحلبة وطار للهرم يرفسه كي يركّز “المحارب الشاب” ويقصد بروكِن، إذ يبدو أنّ قلبه معه.
فارتجّت الحلبة وأفاق بروكِن من خَدَرِ الألم لينتبه للوحش العادي إليه، فاستطاع تجنُّب الجرّافة السّريعة بحركة أسرع.
وبتفس التكتيك القديم يتموضع خلف كْرَشمان، غير أنّ الوحش الذي يظن بروكِن مسكينًا، بقي مركّزًا وأبقى رأسه مُلتفًّا، متيقّنًا أنّ ظهره لم يعد نقطة ضعف.
كيف؟ لقد انتقل من الهجوم للدفاع، وهذه على حد تعبيره ميزة للبرفكت تشوجين.
كيف؟ لقد تكوّرَ! وغدت قوابسه صدفة، أو قُرصًغ؛ فمهترته التي ارتطم بها ببروكِن تُدعى “القُرصَ الحديدي” (Discus تعني قرص وثمّة سمكة تدعى Discus fish).. صدمه بها وقال له بأن هذا ميعادُ نومه! (الحقيقة أن النوم مجلز شائع في الرياضات القتالية.. فينيشر سي إم بانك كان يدعى اذهب للنوم! والخنقة تدعى في المصارعة مسكةُ منوّمة!).
فطار بروكن وتلولَبَ في الهواء، ولأوّل مرّة هوى أرضًا، ولأوّل مرة يهيمن كْرَشمان بالتمام والكمال، ويبقى مُحَلِّقًا في صدفته، وفي جانب الصفحة على شكل مستطيل خلفيته بقع بيضاء وسوداء متباينة الأحجام تُبرِز الهيمنة وهالة القوّة الشّرّيرة.
يسخر من من كانَ طولَ المباراة مُسيطِرًا على الزِّمام، ويستسخف إرث عائلة ومفخرة ألمانيا التي على حد وصفه لا تستحق ذرّة احترام، والتي يعتبر فخرها محضَ إشاعة!
ومن بين قوابسه برز وجهه يُوَضّح باستفهامٍ كلّه شماتة، أنَّ بروكن على قوّة البرفكت تشوجين شهيد، وأنّه أبدًا ليس قديرًا على هدم هاتيكَ القوّة.
وعلى زاوية الحلبة جلس بروكِن منهارًا، أبى، في سبيل تشوجين العدالة والبشرية جمعاء، أن يعترف بأن خصمَهُ “كامِل”!
فَحَسَنٌ، يهجُمُ على بروكِن بِصدفته، هازئًا بفكرة أن جسده يختلف عنه في عناده إذ يبدو أكثر قابليّة للإعتراف بجبروتهم!
وكان كلامه منطقيًّا بعض الشيء، فبروكن بروحه مُقاوِم أمّا جسده فيتشظّى ولسانه يصرخ، فالصدفة تطحن وتدور.
على عكس تيريمان، يرى كْرَشمان، وهو لا يزال يطحن في بطلنا، أنّه لم يتغيّر منذ غادر كتيبة الدم التابعة لكينيكومان سولدجر، وكانت رايتها مرسوم عليها جمجمة.
وأصلًا، كما يدمّرُ نفسيًّا، بروكن كان “كمالة عدد” (إستعمل لفظة مُدَفّئ المِقعد!) على عكس الأعضاء الآخرين.
فأحسَّ بروكن بالمَهانة لشتيمة مدفّئ المِقعَد، لذا فأخبر خصمه أن “يعُضَّ لسانه” أي يسحب كلامه، ثم تحامَلَ على إصاباته، بينَها يداهُ المتشقّقتان، ودفع بباطِنِها الكرةَ التي أنهكته، وأغرقَها بِسواطير وكُفوف.. بينما يرُدُّ على تصريحات كْرَشمان بأنّه جاهِلٌ بكتيبة الدّم، بل حتّى لو كان له علم فلا حقّ لديه في التّدخّل.
لكن لحظة! تلك الضربات أو ال chops.. أليست هي ضربته القاضية، مطر برلين الأحمر؟ هذا ما تلحّظه كينيكومان، ويشرَحُ ميت صحّة الفَرَض، ويشوبُهُ أنَّ يد بروكِن مصابة، وهذه اليد المصابة أصلًا تستهدف الكمّاشة الفولاذيّة، فهي إذن ليست ضربة قاضية وإنّما منديل مبلّل!
ويضيف تيريمان أن أداءَ بروكن أوّلًا كانَ شتاتًا عن الآن، فالأداء الأوّل كان هدفه تجنُّب الإضطرار لأداء الآن.
أمّا كينيكومان فلا يبدو عليه الاطمئنان.
وصلت الجلبة إلى رامن مان من طوق الهرم الثّاني، إنّهُ يخاطب نفسه بحكم يودُّ أن يتلوها على بروكِن، فالشّبابُ لن يُحدِثَ النّجاحَ من اندفاع واحد، وما هو سور الصين العظيم قبل أن يصير سورًا عظيمًا؟ مجرد صخور تافهة.
فجاءه خصمه باسِطًا ذراعَ الضّربِ الدّوّارة، منزعجًا من التفاتِ رامِنمان عنه.. والتفت إليه رامِنمان يَصُدُّ ذراعه بركلة عُلويّة أو للدّقّة رفعة لقدمه ارتطم بها كفُّ الخصم.
واستعانَ خصمه عندئذٍ بمهارة “نهوض التّنّين”، فانطلق رأسا تنّينان من كتفيه وعضّا ساق رامِنمان! ورفعاه وسطَ سخرية الخصم من مكانته المزعومة، قبل أن يُسقطه بالطّول، ضاحِكًا، على ركبته التي فردها في الصفحة السّابقة، لِيتهاوى رامِنمان.
وفي ذات الصفحة، تحت، يظهر بروكِن وهو يعاني في استمراره بضربات الكفّ العموديّة.. وانتهى أمر يده بأن نُسِفَت وقطرت دمًا كثيرًا.
فضحك كْرَشمان بال “غِغياغيا” وافترض أن بروكن يصيح أو يبكي حزنًا على يُمناه الحبيبة -فهو معزول داخل كمّاشته لا يدري-.
يقول هذا وساقاه، لِعَجَب كينيكومان وتيريمان، أُبرِزَتا من الكمّاشة! بعدها جرى إلى بروكن الرّاكع. بتوقيت مثالي، أدارَ رِجلَهُ اليُسرى وركل ذقن بروكن! شقلبة وركلة، هذه هي حركة somersault الجمبازية، انقلاب بدرجة 360⁰.
وبينما بروكِن في الجو، تهيّأ كْرَشمان وفتح كمّاشته، وحَرِصَ على مخاطبة غريمه وإعطاءه حقّه من الثّناء، مع النّقيض، إخباره بأن سمعته في كونه هاوِيًا يفتقر للنُّضج صحيحة.
بلا حركة لا يزال بروكن في الهواء يبصق الدّم، إلى أن سقط في الكمّاشة.. أو كما يجوز التّعبير، “النّخلة”..
هذه هي أعنف لقطة ومشهد، مهارة النّخلة الكاملة (حتّى اسم الحركة يتّصف بالكمال)، وهي تسمية فرعيّة للأساس؛ القفّاز الحديدي، فقد بدا كسَعَفِ النّخل من فوق.
إفترسه كْرَشمان بِشَرّ خالص وتعطُّش للدماء ووحشيّة عارِمة عَصَرت بروكن واستخرجت منه شلّالَ دِماء نفَذَ من ثغرات النّخلة وطارَ إلى الجمهور المرعوب، يشتركون في رعبهم مع الثّنائي كينكومان وتيريمان.
ويتجلّى ذلك أكثرَ ما يتجلّى في الفصل التالي من نفس المجلّد 42، روحُ (بمعنى همّة روحيّة أو طيف روحي) نسلِ بروكن.
وانهمر سَيْلٌ من الدم أمام مرأى رامِنمان الطّريح (من أثر ركبة الخصم)، فقلق عليه، وصارَ يُقلَقُ عليه عندما اكتملت هيمنة البرفكت تشوجين واقترب منه خصمه، يعطي بروكن حقّه؛ فهو لضعفه وكونه “هابِطًا” استطاع مجاراة الأعلَوْن! ويجزم بأن كْرَشمان دمّره رغم ذلك.
وهذا قبل أن يُطبِقَ ضغطة جانبية بين الفِخذَين مع شدّ ذراع رامنمان.. بمهارة أطبَقَها، ففي أعلى الصّفحة كان موجّهًا بصره لأعلى الهرم وبدا كأنّه يلعب بقدمه، فإذا بأسفل الصفحة أعلنت إطباقَ حركة “ضغطة المثلث الجانبيّة”.
والشرير المُطبِق يُقِرُّ بأنّ رامنمان سيلحق بِبروكِن!
ثمّ نأتي لكْرَشمان وهو، بقدرة ما، يُحلّق في الجو، يُعبّر عن استثنائيّة لذّته بتحطيم تشوجين من طبقة عالية، ولكن ليسَ مستثنًى من الدّونيّة، فهو فقط أعلى شأنًا من بُسَطاء حطّمهم مُسبَقًا. ولا تزال نخلته منكمشة.. وأخذت تتفتّح وتتكشّفُ عن لمعان عينه، ثمّ تراخَت بينما صاحبها يخاطب الجمهور البشري واصفًا إيّاهم بال “عُضَيّات الواطِية” أنِ انظُروا بطلكم كيفَ صارَ لحمًا مفرومًا.
فيُذعَرون ويُذعَرُ كينِّكومان!
ويتحرّر بروكن من الكمّاشة لأنّ صاحبها فتحها وبسط ذراعيه في استعراض، ويخاطب البطل الألماني المدَمّر عن بِكرة أبيه، أو بالأحرى يُخاطِبُ عنه، زاعِمًا أنَّ الإشاعة المٌفيدة بكونه متهوّرًا (شجاعة لا تعي الحدود) وأبدًا طُفولي لم تتغيّر قَطْ.
يتداعى من أثر الطّعنات وتتطاير قبّعته وتستقرّ فوق الزّاوية (Turnbuckle) فيما استقر هو، مُتَدلِّيًا من قدمه، فوق الحبال.
وكان لاستقرار كل منهما زاوية صغيرة في يسار الصفحة.
وقبل الإستقرار تصرّف كْرَشمان بعنصريّة مقيتة ورمى بِبروكِن الهامِد الخالي من كل إشارة حياة، لأنّه “لطّخ بجسدِهِ الدّنيء جَسَدَهُ الطّاهِر بما فيه الكفاية!”.
وفي الصفحة التالية يتدلّى من الحبال مستسلمًا خاضعًا لمصيره، يراه رامِنمان الذي لا يزال مخنوقًا بين فِخذَي غريمه مارفِلوس.
ولولا الحبل لسقط لِهُوّةِ الموت.
ويبسُمُ ابتسامَةَ المهزوم، ويوافق، من فرط ما اختلجه من خيبة، على شتائم خصمه! (بشأن كونه متهوِّرًا غِرًّا).
ويغلق عيناه ويخبو الأمل، يناجي والده الميت (الذي يظهر في صورة فلتشباكيّة وهو يتدرّب رفقته) بإعلانه ما يعرف؛ أنه ولو مهما مرّ الزّمن لن يصبِح رَجُلًا! (بنبرة أوليس كذلك يا أبتِ؟).
ويُبدي إعجابه بل اقتدائه بالعِظام، من قبيل قاتل والده رامِنمان أو كابتن سولدجر ذو البدلة العسكرية وقناع يماثل قناع كينيكومان (عليه شكل كزعنفة القرش).. وهذا أيضًا يتم بصور خلفيّة للشخصيات والمُلاحَظ أن رامِنمان كان يرتدي بزّة مكشوفة الأكمام عليها شِعار تنّين الفولكلور الصّيني.
فقد حَسِبَ التّفرّج عليهم سَيُحْكِمُهُ، لكنّهُ؛ وفي مشهد انتقالي تحت الصفحة حيث يتعمشَقُ على الهرم مدحورًا، أدرك غباءه في ذلك الظّنّ، فهو لم يتعلّم أي شيء، فيما خَلا درسًا جديدًا؛ أنّ البرفكت تشوجين يحلّقون في سماء القوة ويستحيل أن يُضاهيهم طفوليٌّ مثله.
ويزيدُ قائلًا أنّ رامِنمان نفسه في ورطة ويعاني أمامهم، وهو القُدوة.
ورامِنمان فعلًا يُعاني لكنّه يستقوي ويشجّع بروكن على تعليم مدّعي الكمال الحقيقة المرّة: الكمالُ في الدُّنيا مُحال.
فلكز جانِبَ معدة خصمه بكوعه، ليتحرّر من المثلّث الجانبيّ مُحاطًا بانبهار بروكن الذي ساوى ورطة رامِنمان مع نهوضه المفاجئ.
أمّا ذلك النهوض المفاجئ فأراد مارفِلوس ردعه بنهوض آخر؛ نهوض التّنّين!
فلم يسمح رامِنمان لتلك التنانين المنبعثة من الأكتاف بالفتك به مرّة ثانية، فوثبَ عنها وأدخل قدمه اليُسرى في فم إحدى التّنانين (إصطناعيّة، وعلى كل حال رامِنمان كان يصارع النّمور فلديه خِبرة).. ثم أدار جسده كالبلبل في حركة “لفّة فم الوحش الهائج”!
وتأمّلها بروكن مشدوهًا، لأنّها، كما يظهر في الصورة الفلاشباكيّة، نفس الحركة التي استعملها رامِنمان ضد والده بروكنمان.. وكينيكومان مع تيريمان مشدوهان.
وأنهضَ رامنمان خصمه من قرنٍ في مؤخّر رأسه، ليلقّمَهُ وابِلًا من ضراتِ الكفّ المفتوحة، فتشابهت الصورة، لدى بروكن، مع نفس الأسلوب القتالي الذي قاتل به رامنمان أباه بروكنمان في مبارة قتل فيها الأوّلُ الثّانِيَ.
ثم باحَ رامنمان بمحاضرة عن كيف أنَّ التّغيير صعب (بطريقة أبلغ ترجمتها سهلٌ لِلا رَجُلٍ، وهذه الترجمة الحرفية صالحة للإنجليزية وليس العربيّة).
فَ، يقولُ بينما يستمر العِراك، قدْ، كانَ في شبابه عنيفًا قاتِلًا وأدّى ذلك لخطيئة جسيمة تمثّلت بقتله بروكنمان.
لكنّهُ، وقد بدأ الرّكل بِحَمِيّة، يرى من الحكمة أن لا يُنكَرَ الماضي.
ويضيف ما يعزّز هذه الرؤية، فالماضي تتخلّلهُ انتصارات ومحطّات مُعيقة، فلو تعلّم المرئُ منها وتعامل معها برصانة وتخطّاها، لنضج.
حِكمة جعلت بروكن يلفظ اسمه في شيء من الخشوع.
ومضى رامِنمان في معركته وفي محاضرته، فأخبر بروكن أنّه مميّز وبحكم كونه سليلَ “أعظم منافسيه” فمن المفترض أنّه نضج بشكل أسرع وأفضل، وأنّه وُلِدَ خبيرًا.
تأثّر بروكن لسماع أنّ رامِنمان يعتبرُ أباهُ أعظم المُنافسين (مع صورة تظهر تفوّق بروكنمان في لقطة من مباراته التي توفّي فيها).
وزاده قدوته صِدقًا، فهو لو لم يعتمد على أسلوب قتالي عنيف دموي لا يرحم، لما استطاع لمسايرة بروكِنمان سبيلًا!
ويستطرد، بصورته التي تتداخل مع صورة بروكن المنهدل حتّى ليكاد يُشَكُّ بأنّه دنا منه، قائلًا بأنّ آخر واجِب يُستَوجَبُ هو وضع بروكن يده على صدره والنّبش داخل أغوار ذاته.
وختم بتشجيعه إيّاهُ للمُضِيِّ (go forth, وهذا المصطلح بعكس ما قد يُغلَطْ لا يرمز لجهة)، ويُقرن تشجيعه بمناداته بابنِ أعظم المنافسين.. بينما لاويزال يتعارك مع مارفلوس.
فارتاح بروكِن ومن جديد أغمض الجفون، لكن هذه المرةُ للصُّعَداءِ، أو لقهقهة خفيفة.
وفتح الجفون! فصرّحَ بأنّ قدوته، بعد التفكير، محق.
وفي الصفحة التالية يُشرِقُ بتفكيره، مُحِبًّا لامتلاكه حياته الخاصّة، التي أعانه فيها شُركاء وقورون.
وفي الخلفية، طبعًا، صورة فلاشباكيّة تتضمّنُ خسارته أمام رامِنمان بإخضاع Romero special (لعب رامنمان ضد بروكن في الفصول المبكّرة وفاز عليه وأخبره بأن سر تقدّمه يكمن في نسيان أمر والده)، ودفاعه عن وولفمان المتخصص بفن السومو من خصم جعل من ساقيه مِثقابًا! ونحو ذلك من الشُّخوص ورافعي سارِية الأعلام.. وكذا صورة له بعد انضمامه لفرقة العدالة وهو يقتادُ رامنمان المُقعد، الذي يسلّم على كينّيكومان الحامل لِصُرّةِ الهُجران.
في أسفل الصفحة، يعود الخطر؛ إنّه كرَشمان ضاقَ ذَرعًا بِرَمَقِ بروكِن الطّويل!
وبروكن البريء، الطفولي على أُهبةِ الإستعداد، فهو نطقَ مخاطبًا خصمه بأنّه قد نجح في تثبيط عزيمته حدّ الكسر.
ليثأر لتلك العزيمة، ويقومَ بحركة منجنيقيّة تُعاند الفزياء!
يا للهول! الصفحة القادمة انقلبت بها الموازين بشكل إعجازي!
بروكن حرفيًّا مطَّطَ الحبل ليسترجع تفوّقه ومن أين؟ من الهواء وبأي حال؟ مستدعِيًا قبّعته عن بُعدُ مُعتمِرًا إيّاها! متفوّهًا بأن تعذيبَ عزيمته سينتهي.
وَصُعِقَ كْرَشمان لأنّ قُفّازه الحديدي الذي “حطّمَ” بروكِن لم يمنعه عن هذه الشّرارة وانقضاضه الأسطوري على مدارْ رادارْ البرفكت تشوجين أوّلًا… وقفّازه ثانيًا!
بروكن استردّ ليس فقط عافيته بل ثقته كذلك، زاعِمًا أنّ خطّة بروكن المُثلى قد يكون لها نجاعة.. لكن ليس عليه هو!
ويُعيدُ ضرباته على قفّاز كْرَشمان وكلّه ثقة متفجّرة.. فهو يثق بأنّه سيّدٌ كُتِبَ على تكتيكات خصمه الفشل أمامه. وضرباته منتظمة؛ تنزل كُفوفه على القوابِسِ العُليا كالنّيزَك، ثمّ وبسرعة ينتقل للقوابس الوُسطى بضربات جانبيّة، ويُعيد الكَرّة.
هذا وكمّاشةُ خصمه أصلًا مفتوحة! يعني لم يستهدف صدره المكشوف أو وجهه، لا لا… إنّه ينوي على الإضرار بالسِّلاحِ المِثاليّ!
وكْرَشمان يلتمس في هذا حماقةً! أن تُضربَ قوابسه لا لتتفتّح بل لتُدَمّر، هذا إن كان مُمكِنًا قهرُها.
وبروكن “آخر همّه”، بشراسة يهوي وينتقد مدّعي المثالية من التشوجين، إذ يهزئون ويقلّلون من خصومهم، إلى أن يتهوّروا فيوصمون من قِبَلِهِمْ بالحَماقة.
وأيضًا، يقول بروكن إن “التّهور” هو حقيقةً أسلوبه القتالي القتالي وأداةُ فوزه المتجذّرة في حياته الخاصّة، فهي تمثِّلُ قيمةَ الإيفاء بالواجبات المُلقاة على العاتِقِ في منأًى عن العقبات والصُّعوبات.
فقهقه كْرَشمان قهقهة غريبة (غيغياغيا) وأخذ بروكن “على قد عقله” فهدّده بفضحِ فراغِ صيحاتِ افتخارِهْ، بل وشلِّهِ كَ “غيرونيمو” (صديقه الإنسان الذي اعتدى عليه وحطّمه بقفّازه).
واغتاظَ بروكن لتلك الوقاحة، فتهوّر كعادته وانطلق كالسّهم إلى كْرَشمان مفتوحُ الكمّاشة! وهو يشتعلُ كما تشتعل روح عائلة بروكن (في مانغا فرعيّة عن الجيل الجديد، بروكن هو أبُ جيد؛ درّاج) في صميمِ قلبه! وبِمقارعتهِ لِكْرَشمان، فإنّ الأخير سيندم على هُراءِهِ.
يا له من مشهد انتحاري! القفّاز يتطاول إلى بروكن المنطلق نحوه يريد ابتلاعه.. يعاتبه الأصحاب (بلا مبالغة فهم يدركون إتيكيت الرّياضة)، في استفهام بلاغي، للإقدام على الإنتحار!
آه ولكن! بروكن، ونراه أسفل الصّفحة من وجهة نظر كْرَشمان (POV)، جعلَ زاويةً حادّة متساوية لدى كل من ذِراعيه، وبَسَطَ الكُفوف، تهيُّئًا لضربة صاعقة مزلزلة مُهَدِّمة مُخَدِّرة رهيبة ظهرت في الصّفحة التّالية.
تحت تهديد الأسنان ونِطاق الضّغط الهائل، نفّذ بروكن “ضربة توماهاوك”.. وهي Chop مزدوجة.. أمّا توماهاوك فكانَ نوعًا من الفؤوس لا يختلف كثيرًا عن فؤوس اليوم استعمله الهنود الحُمر، وهو كذلك اسم لصاروخ أمريكي.. (جزئيّة hawk تعني الباز).
وكانت الضربة أو الصفعة بِحَزِّ الكَفّ المزدوجة على رقبة كْرَشمان.. فنزلت منه قطرة عرق الألم.
غير أنَّ كْرَشمان لم ينهار، بل استغَلّ قُرْبَ غريمه ليغلق عليه كمّاشته ويحطّمه.
فما كان من بروكن إلّا أن استغلّ بدوره قُرْبَ قوابسها وتشبّث بإحداها، وكان لم تمسّ قدماهُ الأرضَ بعد، ليجعل منها مقلاعًا يقذف نفسه به بأن شدّه لأسفل كي يستخلص ردّة الفعل.
فطار ليس للجوّ بل لِوَراءِ كْرَشمان، مُمَدِّدًا القابِسَ بالاتّجاهِ المُعاكِس.
وعدّلَ هو وضعه كي.. يا للعجب! يُخضِعَ القابس لل “كامِل كْلَتش” مسكة الجمل التي فازَ بها رامِنمان على والده وقتله بها! جعل من أذرعه حرفَ X في زاوية صغيرة من الصّفحة و، أسفلها في الشّطر الأعظم الذي أُعلِنَ فيه بخط داكن اسمُ الإخضاع، كَسَرَ القابِسَ نهائيًّا، ممّا آلَمَ كْرَشمان بالطّبع، وجعله يأِنُّ بال “غيغاه!”
وبروكن قفز عاليًا وألقى بعظمة كْرَشمان المكسورة، ثم عقد العزمَ على حركة من إرث عائلته (في هذه المانغا تُعامل الحركات معاملة الكنوز المكنونة، فالبطل الرئيسي كينِّكومان عائلته لديها 48 حركة منها دِفاع بسيط بالمِعصَمَين).. حركة مُثَمَّنة.
غيثُ بِرلينَ الأحمَرُ! هوى بِيُمناه المُشتدّة على رأس كْرَشمان فشطره… ليسَ نِصفين إنّما شقّهُ وقضى عليه كُلِّيًا.. وليس شقًّا مُتَساوِيًا فعينهُ اليُسرى أكلت الضربة كما جانبه الأيسر بالخُصوص، ولفظ ال “غيغياه” الإحتضاريّة بالكاد.
إذن فبروكن لم يكسر القابِسَ عَبَثًا، لقد أرادَ مساحةً كافية ليتصدّع رأسُ خصمِه.. وقد بلغت ضربته أحشاءَ كْرَشمان!
واستحالت ال “غيغياه” “رِيااااااااه”.
والبطل ممثّل ألمانيا (بالمناسبة في بداية المجلد الأوّل يُخكى أنّ العالم اتّحد دون شرقٍ أو غرب، إنّما بروكنمان كان ممثّلًا لألمانيا الغربيّة وكانت له هُوِيّة نازيّة) يقبض باليُسرى بعيدًا ويُشرِّحُ باليُمنى حوضَ كْرَشمان، فيخلق صدعًا يُرى منه وجهه وهو يفتح فمه ليصرخ صرخة الهجمة المنتصرة!
وتنفصل اليد عن ضحيّتها، وينهارُ كْرَشمان، مُبقِيًا قدمًا واحدةً ثابتة ما لبثت ثابتة.
وكانت النتيجة تدعم اسم الحركة، فبروكِن، مثنيُّ المفاصل بيدِهِ المبسوطة المهاجمة، هجل عليه شلّال نابع من صدر كْرَشمان!
وابتهج الصديقان كينيكومان وتيريمان لمشاهدة تلك المهارة الرائعة كمن يرون حيوانًا نادِرًا.. ورامنمان، الذي سيركز الفصل على مباراته وصراعه الشخصي مع ماضيه الدموي (على شكل استبزاز من مارفلوس) لاحِقًا، صارمُ الملامح يتأكّد، بفضلِ الدّم، من إنّ المباراة انتهت.. وربما مكمن صرامة ملامحه أنّه لم يدرِ من غلب من!
هذا بعد أن لكمَ مارفِلوس.
ها قد تهاوى كْرَشمان على الآخِر، وسقط وتشظّى قفّازه الحديد.. بينما بروكن مبتسم، على الأرضِ هبط، ويدهُ السِّندانُ كما عَمِلَت جامِدة! وأمّا عنين كْرَشمان فصارَ “غيغراااه!”.
لم يجد الحكّام، وهم من فصيلة كينِّكو، بُدًّا من قرع الجرس، وهم ليسوا معصومينَ من الغِبطة أو الذُّهول.
في الصفحة القادمة تظهر لوحة نتائج تظهر فوز أبطال العدالة على البرفكت تشوجين في أوّل مباريات النِّزاع.. (دائرة صغيرة مملوءة).
وتركّز الصفحة على تقريب صورة بروكن وهو باسم الثّغر ممزّقُ البنطال قليلًا، دامِيًا، لا تزال يده كالفأس. وقبّعته مزيّنة بدبّوس شيطاني في ضحكته ورمز نسر.
هذه المباراة ساعدته على النُّضوج، رغم أنّه ليس سيّئًا منذُ البدء، فكينّيكومان وثق بأنه رجلٌ لا ينكثُ بِمَهَمّة أو يخنع لعقبة، كما أكّد تيريمان على ذلك، فهو “سيّدُ الرِّجال” (رجلُ رَجُل، يُريدُ هذا الشّبلُ من ذاكَ الأسد).
وكرّسَ، أو أهدى، بروكِنْ فوزه لوالده المتوفّى ولأصدثائه الذين على حد تعبيره الباسم الآمل، وقفوا إلى جانبه وهو عديمُ القيمة!
الإنسان غيرونيمو وروبن ماسك (نبيل إنجليزي لديه بروتوكولات قتالية، كان شريرًا فانقلب خيّرًا) والثنائي.
وبتعابير وجه أكثر صرامة ووقار، يُهديه إلى أفئدة معلّميه (سولدجرمان ورامِنمان)..
هذا بينما هو واقف، إلى أن استلفته أنين وعنين كْرَشمان (غيغا غيغا).
فقد قال الشّرّير الكامل، بصعوبة، بتحسّره على جهله بمصير تفكُّكِ قفّازه (مفردة clamping، وتعني أيضًا الشّحذ أو الإبزيم، وتستخدم في علم الحاسوب لتوسيط القِيَمْ).. فلو درى لما خَسِرَ.
وكْرَشمان الطّريح يعتقد بأن هذه النتيجة نقيصةٌ منه ولا تليق ببرفكت تشوجين، فالمعنى إذن أنّه لا-مهاريّ (مهم أنّه قال بأنّه “لا زال” غير مهاريّ، فوضعه ليس غريبًا عن رحلة نضوج بروكِن جونيور).
وبروكن، لأنّه بطل نبيل، يحرص على مواساة وتقدير حتّى شرّير مثله، فيخبره بأنّ كمّاشته فعلت فِعلها.. وأثناء مواساته له يترنّحُ ويسقُط! فيثبت وجهة نظره.
ولأنّه سقط، فكْرَشمان يشير لهذا الإثبات، زاعِمًا أنّه دليل على قُربِ الفوز من المَنال!
ثم ينهض متثاقلًا، وينفض عنه النّدم، فهو آخِرَ الأمرِ قد دُحِرَ.
وعليه، لا مناصَ من قتل نفسه إكرامًا لقوانين البرفكت تشوجين (كان من عُصبة البرفكت تشوجين مصارع يدعى بيكا بو مثل تلك اللعبة التي يفاجئبها الأطفال بعينِ العبارة.. رفض الإنتحار وأنقذه كينيكومان الذي كان قد سبق وفاز عليه. فالأفكار إذن في عِراك بدورِها).
وأظهرت تقسيمات الصفحة لقطةً لقلبه! المربوط بصمّام حديدي..
نهض بأعجوبة وهمَّ بانتزاع قلبه وسط استنكار وذُهول كينيكومان وتيريمان.
كينيكومان لم يدرِ ماذا يصنعُ ذاكَ الشرير، أمّا تيريمان فطن لنيّة الإنتحار.
ففزع تيريمان باستدعاءِ المُسعِفين، لأن المبدأ النّبيل ينصُّ على أنّ مصارعة التشوجين ينبغي أن تُصان عن الوفيات اللا داعي لها.
ورامنمان تبيّن الأمر بالكامل -ويبدو أنّه مرتاح من خصمه- وصمت صمتًا وقورًا.
كْرَشمان الذي يعاني الحنظل، يردّد ديباجةَ البرفكت تشوجين عن اولئك المهزومين.. فالمهزومين كُتِبَ على أنفسهم أن تقتلها.
قالَ بروكِن يا كرَشمان! فلم يُنصِت كرشمان لهذا الذي، في عنف، وصفه بالتشوجين الدّنيء! حتّى في موته مغرور.
ولمّا أخبره بأنّه لا يحتاج شفقته، كان ملحميًّا الذي حدث، فقد أظخل يده المعرقة إلى قلبه فتناثرت لذلك البراغي.
ثم قبض على قلبه حتى سحقه! فتراجع إلى الحبل العُلوي، وسقط من الهرم إلى أسفله.. تشيّع جثّته نظرات رامنمان (في مباراته التي ترجّحت كفّتها والتي سيفوز بها لاحقًا بإسقاطة من فوق كتفيه بعد حركة إعصاريّة) وبروكن القَلِقَتان.
فتهشّمَ تمامًا وفارقته الحياة.
قال رامنمان يا كْرَشمان! وكْرَشمان جثّة تفيضُ دِماءً.
والمسؤول عن البطولة أوقف المُسعِفين أو “حُماةَ الحياة”، فلا جدوى من إسعافهم إذ يستحيلُ أن يبقى كْرَشمان حيًّا يُرزَق بالهواء، فيأمرهم بدلًا من ذلك بأن يُبعِدوا جثّته عن مقرّهم! (أمام الهرم، الشرير فعلًا كحشرة أمام الحلبات!).
هنا تنتهي التّسوية الدّمويّة، وتظهر جثّة كْرَشمان في صفحةٍ لاحِقةٍ محمولةً على الحمّالة.
أمّا ما بعد هذه الصفحة بالتحديد فهي مباراة بين القادة، نيميسِس وكيفن ماسك.. حيث ينتصر نيميسس بحركةٍ تشبه السوبلكس الألماني (German Suplex) لكن مع تغيير مِحوره.. ويدفنُ روبنماسك في قبر من الرِّمال!
لم أجد خيرًا من هذا المقطع لتلخيص النّزال، وأرجو ملاحظة أنّه يحتوي على موسيقى، ففي حالة وجود حَرَج ديني نرجوا فضلًا إطفاءَ الصّوت.


المقال يجنن تحفه بجد 🌹🌹
🌹 اتمنى لك التقدم اكثر واكثر….
اول تعليق لي هنا ، هههه ، ماذا بكم ياكتاب كابوس ، اصبحتم مميزين للغاية اكثر من اي وقت مضي ، مباراة فنية جميلة للغاية ، للاسف خسرت الالة ، البرمجة احيانا قد لا تؤتي ثمارها ، كل المخلوقات والمصنعات تحتاج عقلا للتفرد والقوة ، بخلاف ذلك ، ومثل كيروشمان ، ستكون خاسرا..عمتم مساءا
جبّار! لو أنّ في جانِبِ اليد شفرات مثل مخالب وولفرين، وكانت من القوة بمقدار شطر دبّابة صهيونيّة.
البطولة أعظم ما في الوجود، وتستوي مع العاطفة والخير.
فلينطلق إذن الأبطال بالموجات، ويصنعوا المعجزات، ولتنفجر من قلوبهم الصيحات ومن عقولهم الإبداعات، وليكُ ضيّ القمر وضحك النّهر وشمس النّهار على ثمراتهم أشهاد!