فجأةً تُجوهِلَ ال”تايمز سكوير” بكلّ مباهجه وعماراته وشاشاته الضّخمة، وسارَت الأنظار إلى حيثُما أشغَلَ العُقول دون أن تنفرج عن تفسير منطقي.

في لحظة واحدة صَمَتَ الجَمْع، ولم يبقَ من المتحدّثين غيرُ رَجُلٍ مشهورٍ يُرَوِّجُ لِمُزيل العَرَق على شاشةٍ دِعائيَّةٍ. ولكنّهُ كان معهم، يشاهد الكابوسَ ويتعرَّقُ فَرَقًا.

وقد تشجّعَت مُصَوِّراتُ الصّحافةِ وتسابَقَت للسَّبْقِ، على أنَّ السِّرْبَ المُخيف ومع تقلُّص فارِق المكان، وتضخُّم عوامل الحجم والأوزان، أرهَبَ المُصَوِّران.

ورغم أنّهم بوغِتوا، إلّا أنَّ وِكالة المخابرات المركزيّة، كالنَّطِفِ، نصَبَت الدّبّابات ومدافع اللّيزر الأوتوماتيكيّة، والآليّات الطَّمِرة.

وصارت الأمتار عشرة، فخمسة فَشِبرًا.
وبشكلٍ خارِقٍ لقوانين الفيزياء، إختفى السِّرب.

  • * * * * * * *

طَقْطَقَ المُساعِدُ أرضيّةَ المَخْبَر، مُطْرِقًا معه ثُلّة من مُساعديه؛ فالمَخبَرُ رَحْب، وحتّى الفَرّاشُ ينبغي أن يساعده مُساعد فَقيه في أُصول الموادّ الّتي تتفاعل مع الكلور والصّابون.

فأدناهُ إليهِ المَخْبَرِيُّ وأذاعَ فيه:
في حَمْأَةِ ماذا ذاكَ البَرق؟ فضائيّون متسلّلون؟ “غْلِتش” في محاكاة الحياة الحاسوبيّة؟ وحوش انشَقَّت من السَّماء فَسَحَبَتها كي.. لا أدري ربّما هي عُضَيّ يُزَمِّلُ الكوكَبَ كَوَزغ راكِد على الزُّجاج، وعاقلةً أو غيرَ عاقِلة جذبت إليها الوحوش أو ربّما.. تقيَّئتها؟ يا للهول هل السّماء وحش!
أَمَا هي شجرة تتغذّى على نور الشّمس وتحمينا بدرع الأوزون من ضارِّهِ؟

وَحَدى بِهِ الجُموحُ إلى أن يلتصق مستلقيًا بِماكينة توليد روابط قاعديّة من الأنتيماتِر، وأن يمضي متسائلًا إن كان فوقَ السَّماء حوريّات جاثمة تُنادي، عبر ما لا يعلمه سِوى خالقها، للتّزاوج. فَتَنْسَحِبُ بِمفاتنها المُنَزَّلة، مُتَحَرِّكَةً مع الغمامة إذا ما لم تعرفه!

لكنّ مساعده الأكثر رزانة كَشَفَ له المَجاهِل:
لا هذا ولا ذاك، إنّها، الحقُّ أقولُ لك، فايروسات.

وكانت نظريّة الحوريّات العَوانِس بل خطأُ الكون في تحديد مَوْلِدِ الذّرّات الحديثة، أو ظهور ال “بيج بانج” داخل الأرض كهمسة مُحتَضِرَة، سائغةً للمخبريّ أكثرْ.

-فايروسااااات.. ممممننلا أظُنّ..
-إنّها قد اختفت كُلِّيًّا.
-الفايروسات لا “تختفي” فهي خُلِقَت مختفية.
-ألا يمشي معك أنّها كَبُرَت كي تقوى على الهجوم؟
-لو تطوّرت وتحوّرت، لَمَرَّت حَتْمًا بِمَراحل صُغرى.
-لكنّها ولمجهولٍ ما انتقَلَت فورًا للمرحلة الكُبرى.
-ما تُراهُ يكون؟
-كُلُّ ما نعرفه، بفضل عدسات الشّبكات الإخباريّة، أنّه فايروس. تِلكَ الأشواك لا اخطِئُها.. ولا يخطئ ذهني في إبصارِ غريزتها التّطفُّليّة.
-لستُ أحسَبُها غريزة، الغريزة لا بُدَّ لها من مُقَوِّمات حيّة.
-ولا شيء حيّ بِخُصوصِهِ.
-فهو منزوعٌ من الرّمز.
-والرّمزُ هُنا يُحيى فقط لو هزمناها.
-رمز انتصار الحيّ على مُزَعزِعِ الحياة!
-فلتمتلئ عواهِنُنا بالهِمّة، وليرتوي ظمأُها بماءِ الإصلاح!
-فالإصلاح غاية ما دونها غايات، كونُها الشّرطَ البيئيَّ لتلبية غيرها.
-غدًا ظُهرًا نقصِدُ التّايمز سكوير ونتبيّنُ الجَريرة.

  • * * * * * * *

في ظهيرة اليوم التّالي كان الرّجُلان قد وصلا للوُجهة المنشودة، بسيّارة خاصّة بِمختبرهم، الّتي تَفي بأضعاف سعر المختبر لَوْلا تَمَسُّكُ المَخبَرِيِّ بِها.

المخبري: أفي حُسبانِكَ أنّها ظاهِرة بعد خَفاء؟
المساعد: إنَّ ظُهورَها ظاهِرة، آمُلُ أن تتكرَّرْ.
المخبري: فعلًا ما لنا غيرُ الإنتِظار حتّى يعودَ المَسارْ.

(يضّجعان فوق السّيّارة)

المخبري: (مسترخِيًا) أشعة الشّمس هذه لَتُدَفّئني حتّى أتمنّى أن أكونَ نَسْمَةً تحتَها.
المساعد: همممم… هل النّسمةُ كيانٌ مادِّيٌّ على نحوِ تأثيرها العاطِفِيّ؟
المخبري: الفيلُ في مسألتكَ اعتقادُكَ بأنّ التّأثير العاطفيّ كيانٌ ما. إنّها كلمة مُريحة نُطلِقُها على ما لا نعرفه، جازِمينَ بِهَيكَلَتِهِ مِنَ الخارِجِ، دونَ التّفَقُّهِ بِهيكله المعنويّ. فلذلكَ تَفَكُّهْ.

المساعد: أوليس التّفقُّهُ عَكْسَ الشُّعورْ؟
المخبري: (يتمطّى) أنا لا أدري يا رفيق، الملل طاغية.. اشعُر وتفقَّه أو أيًّا يَكُن المهم أن تكون نفسك ربّما..

وحالَ بينَهُما تَرَقُّبٌ وصمتٌ، وانتِعاشٌ بِمُثَلَّجاتِ العَصير والمُحَمَّر والمشمّر.

وفجأةً، ثانِيَةً فجأةً، أطَلّت الفايروسات كَنُجومٍ نقّالةٍ.

“هو الفرج!” صاحَ الزّميلان في حَماسٍ، ثم تبادلا التّعليمات:
المخبري: (يشبك أصابعه بسرعة لكن على هُدًى) نحتجز عيّنات بواسطة الشّفط الضّوئي.
المساعد: (مرتبكًا وشابِكًا لأصابعه على غير هُدًى) هكذا؟
المخبري: أحضِر الشّفّاطة وحسب.
المساعد: (وقد سُرَّ لِبساطة التّكليف لكنّه يتكلّفُ الإعتياد) حالًا.

فجيءَ بالشّفّاطَةِ، وبدقّة محسوبة لم تترك للفايروسات محالًا للتّواري عن أنابيبها، احتَجَزَت قليلًا.

وإلى الآن، كانت الفايروسات مَحْضَ كُتلة نائية عن الحياة.

  • * * * * * * *

حَمَلَ المخبريّ حُزمَةَ الشّفّاطة كأنّها عُربونُ نصر، فقد كانت كذلك حقًّا في عينه. وَتَبَخْتَرَ في المَخْبَرِ استِبشارًا في أن يُخْبَرَ عن جريرة الخلاص.

خلاص عظيم ولا شكّ، وقد تراءى له أخيرًا “الرّمز” الرّامز له الفِيْروس.

فهو يرمز لتحدّيات البشريّة المتجدّدة تجدُّدَ فصائله وزُمراته… والخلاص، يكمن في التّخلُّص منه!

وما كادَ المِسلاطُ يُعَرِّضُ العَيِّنَةَ لإشعاعات غاما اختِبارًا لِفاعِلِيَّتِها ومُحَاولةً لهزيمة الفايروس في آنٍ واحِد، حتّى نَطَقَ الفايروس!

فقامَ وتمايَلَ بأشواكِهِ السّيقانْ، وَمَكَثَ هُنَيهاتٍ أعزى صبره الضّيّق عليها للمكافأة المتمثّلة بردّة فعل الرّجُلَين!

وما خابَ صبرُهُ! وبرحت إلى ثغره غيرِ المرئي بسمة.

الفايروس: (بتهكّم) هل أكل القِطُّ ألسِنَتَكُما؟ أم أنّكما لم تريا قَطُّ فايروسًا ناطِقًا واعِيًا؟

المخبري والمساعد: (جامِدان لا يُحيرانِ رَدًّا، وقد ذُهِلا حَدَّ النُّخاع)…………….
الفايروس: (يركُلُ صُندوقًا كانَ قد وُضِعَ فيه) وهذا الصّندوق التّافه، أحسبتموه سيأسُرُني؟

المخبري والمُساعِد: (ترتجف شِفاهُهُم)…..
الفايروس: لا طاقة لكم على التَّشَهُّدِ حَتّى، ومع ذلك تُرغِمونَ مخلوقاتِ الله على التّطهير.

المخبري: (مُنتَفِضًا) لَسْتَ علينا بِمَخلوق!
الفايروس: لهذا أنتَ علينا بِمُسَيطِر؟
المخبري: الضّرر منك، لا في تطهيرك.
الفايروس: أتفَهَّمُ مَرماك، نعم أنا لا أعيشُ بِغَيْرِ سَلْبِ واستِعبادِ خَلايا المُضيف..
المُساعد: (مُضيفًا بعد أن زال عنه الوَجَل لِذَوْقِ الفايروس) وبحجمك هذا ستستعبد الإنسان لا خلاياه.

الفايروس: (مُكْمِلًا حُجَّتَهُ ويَرُدُّ على المُساعد بنفس الوقت) أوليسَ في طاقَتِكُم، وقد بلغتُم من التّلاعُب الجينيّ والهندسة الوراثيّة مبلَغًا جَزيلًا، إيجادُ بقرة أُفرِغُ فيها نزواتي؟

المخبري: نحن نرفُضُ التِماسَكَ، فأنتَ فايروس وضيع يرمُزُ للشّرّ، ولن نُمِدَّكَ بِرَمْزِ الخير ألا وهو البقر.

المُساعِد: فشتّانَ منافِعُهُ للنّاسِ، حليبه، وحضرة جنابَك!
الفايروس: تلك طبيعتي.
المخبري: هذه جَريرة وعُذْرٌ كَيْ تعيشَ بِلا عَتَبْ، وحُقَّ لك ذلك، لا كي نتركك تسرح وتمرح على أهواءك!
الفايروس: ممتاز! تعذِلونَني وتقهرونني على ما ليسَ عندي بِهِ سُلطان!

المخبري: إذن فَوِّض نفسك للموت الرّحيم وامتَلِك، لو كان لك عقل حقًّا، القرار العادِل، وامثُل لأشعة الغاما.

الفِيْروس: (غاضِبًا ومزمجِرًا) لي رمزُ القوّة والبأس كذلك!
فلتُسَلِّموا لي أنتُم خلاياكم! لكنّي لن ألطُفَ بِكُم.

في تلك اللّحظة جَزِعَ الزّميلان وتشهّدا بِسَلاسة، واستعدّا لِدَفع ثَمَن عدم التّفاوُض مع ذلك المِسخ.

لكن وكَنَبْتَةٍ استَجارَت الغيومَ المَطَرَ فأُجييَت، تَذَكَّرَ المَخبَرِيُّ وُجودَ زِرٍّ مُثَبَّتٍ لِتَحْرير بيئةٍ صِناعيّةٍ تحريبيّةٍ من شأنِها مُحاكاةُ الأبعاد المُوازِيَة.

فتصلَّبَ وتلدَّنَ، غير أنَّ الصّلابةَ واللّدانةَ لن تُفيداهُ في شيء أمامَ الفايروس الذي اقترب شيئًا فشيئًا حتّى صارَ المِتْرُ شِبْرًا.

فإذ بِمُساعِدِهِ الشُّجاع يصرعه، مُعطِيًا زميله فرصةَ النّجدة:
أستطيعُ تثبيتَهُ بما فيه الكِفاية، أسرِع!

وأسرع المخبريّ، وبقفزة رشيقة هجم على الزّرّ، وهنا سُحِبَ الفايروس لِجِدارٍ مُغْلَق كالحَجْرِ الصِّحّي، مليء بِما يُزَكِّمُ ويحرق.

وعاوَنَ زميلَهُ على النُّهوض، ونصحه بأن يغتسل طهارةً من الفايروس، ففعل، كي يختلي بِهِ:
ها أنتَ ذا حبيس، هذا القفص يحاكي الأبعادَ المُوازِية، بمعنى أنّ كلّ احتِمالٍ لِتَحَوُّرِكَ أو فرصةٍ لِهُروبِكَ تُحْسَبُ كُمومِيًّا فَتُلغى. تُلغى ببساطة، لأنّك لم تعد فايروسًا، أو على الأقل حُصِرَ معناكَ على الحواسيب. فالفأرة صارت قادرةً على منع طفراتِ بروتيناتك.

ومضى لشؤونه، تارِكًا الرّمز يُصْعَقُ ويتشتّت.

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x