بقلم : Wave Manipulator

كتاب مجلس العدل يلثُمُ بين صفحاته ثلاثة مسرحيّات بيّنَ كاتبها توفيق الحكيم أنّ مغزاها التِماسُ العدلِ والسّلام أرضًا وفضاءً! فالأرض لوّثتها الدّماء والظُّلم، ما كَنَقاءِ القمرِ!
الذي يَرْهَبُ -لكن يرجو- أن يُقبِلَ إليهِ الإنسان! فهل سَيُخَلَّدُ نقاءُ القمرِ أم لا عذارة؟
نترك هذا للخيال، وهو ليس خيالًا علميًّا بقدر كونه إنسانيًّا أو فضائيًّا، فالإنسانيّة قالِب، من كان له قلب قَبِلَهُ القالِبْ.

الجدير بالإلتفات أنَّ مسرحيّات هذا الكتاب تُفتَتَحُ بخواطر وسرد روائي لا إرشادي.

تقرير قمري، مثلًا، يتخيّلُ بداعي التّساؤل عن عَقلانيّة فضائيّين قمريّين أذكياء بِنيل آرمسترونج وباز ألدرين، وعن منشأهم ومُجمَلِ معقَلِهِم.. يعني يريدون تقريرًا!
ونتشوّق لوجود تقرير فعلي! منه تجلّى حوار الكائنات الفضائيّة وفطنتها لمجيء البشريّين كممثّلين للإنسانيّة، براياتهم التي اعتبروها كبرياءَ غرورٍ لم يتعلّموا الإنحدار عنه.

وفي مجلس العدل تكون الفاتحة أكثر عفويّة، فيكتفي الكاتب بمشابهة “المجلس” على المجالس الدّوليّة، فيخبرنا بكون النّص مستلهمًا من حدّوتة شعبيّة شفهيّة، غامضة التّاريخ، وهي عن فرّان وقاضي تربطهما المصلحة.

العنوان الثّالث، شاعِر على القمر، أكثرُ ما يبدو في أوّله كمسرحيّة.

مكتب مدير عمليّات غزو الفضاء! مُترَعٌ هو بالشّاشات والملفّات..
والمدير مشغول مرّة بالتلفزيون، ومرّة بالتّليفون! فلمّا قَرّبَ منهُ السّمّاعة، من انهماكِهِ لم يتهاتف بها بل وضعها واتّجهَ بيده لملفّ يتصفّحه على عَجَلْ، وإذ ذاكَ تأتيه السّكرتيرة، لتخبر عن إصرارِ شخصٍ ما على أن يُسْتَمَعَ له، فيرفض بالمستحيل -كما قيل- المدير.

والسّكرتيرة تتلمّسُ في ما حدّثَ به ذلك الشّخص معقولًا.
لكن المدير يرى ذاك المعقول بعيدًا عنه رغم قُربه من سكرتيرته.

وتدافع السّكرتيرة مُحاوِلَةً الإقناع، بنزعها رداء الضّرر عن مناقشة مطلب الشّخص، دون أن تتسلَّطَ.
والمدير يقولُ بانشغاله عن المجانين، فوقته ثمين!

فتحاشيه السّكرتيرةُ الجُنونَ، ليردّ مديرها بكلمة واحدة فيها من التّهكُّم مِصداقًا لقوله، شاعِر!
وتؤكّد الأولى على ذلك كأنّما لا عارْ، وتزيدهُ النُّبوغَ.

فسخر المدير من نُبغِهِ، أو إطراءِ المرأةِ له، قائلًا أنّهُ ولا ريب كتب فيها قصيدة!

والشّاعر، كما تردّ الذّائدة عنه، لم، إلى الآن، يفعَلْ.

يسألُ المدير إن كانَ متزوّجًا أم أعزَبًا، ويتّضح من الجواب أنّهُ متزوّج زواجًا لا تفهمه زوجته فيه، وربّما السّكرتيرة، كما يردّ مديرها بِتَنَدُّر، هي الفاهمة له! والسّكرتيرة تفسّر ظعمها له على أنّه حماسٌ لمكلبه! بعكس زوجته التي تُعارِضُهُ (المدير-سؤال عن موقف زوجته، جواب، قوله بأنّها رَشيدة).

وترجوه سكرتيرته أن يُعيرَهُ إصغاءً، فيستعجب أمرَها وإصرارَها.
تستشهد المرأة بمكانتها وحِيازتها ثقةَ الرَّجل، أملًا في أن تمتدّ الثّقة ويعطى الشّاعِرُ فُرصَةً.

فوافق المدير إذعانًا للإلحاح كتقدير لا امتِعاض، مُدَّةً رغم قِصَرِها امتنّت لها السّكرتيرة، خمس دقائق.
ويُرْسِلُ مَعَها إخطارًا يُفيدُ الشّاعِرُ أنّهُ ليسَ موعودًا بأيِّ وعدٍ، إنصات لا غَيْر. وترتضي هي ذلك.

فخرجت وعادت مع الشّاعِر ذو المظهر الأربعيني، وأصغى إليهِ المُديرُ فاحِصًا.

سلّطَ الشّاعر مقاله على رفضِ طلبه أساسًا، وأراد معرفة الأسباب.
وإنَّ التّبريرَ لِرَفضِ الجُنونِ، ردًّا من المديرْ، للكلماتِ تبذيرْ.
وإنّ الجنون لَظُلْمٌ وَجِزافٌ أن يُلصَقَ بِعَمَلٍ ما في عصرٍ حقَّقَ حتّى الجُنون، غزوُ الفضاء؛ كما يردّ الشّاعر.

ولا يُنكِرُ المديرُ “جنونَ” غزو الفضاء عندما كان مجرّد حُلُم، لكنّه جنون علميّ له أساساته. إستنكارُهُ يكمنُ في إرسال شاعِر للقمر، فعندَها ليسَ عِلْمٌ بل تخريف.

واحتجّ دون احتجاج لسماعه لفظةَ التّخريف، التي جَزَمَ بِها المُدير لِكونِ الشِّعْرِ بِذاتِهِ تخريفًا، ثمّ سأله في انتصار لِحُجّتِهِ عن ماهية الشِّعْر.

واستُغرِبَ جهلُهُ بالشِّعر، فزاد جهله جهلًا بطابع علميّ! وسأل عن نظريّته الّتي بها يقوم، وعن المعمل الّذي تُعالَجُ فيهِ تجاربه، وإلى ما يُفضي كَكُلّ.

ورأى الشّاعِرُ أنَّ الشِّعْرَ إذا ما قيسَ بالمَعْمَل والإفضاء المسدود لا فائدةً منه، ولذا ليسَ يُريدُ تضييعَ وقتِ مُحَدِّثِهِ عن ما تنائى عن النّظريّة العلميّة.

فيرى المدير أنّه حُقَّ لهُ رفضُ بعثِهِ للقمر، الأمر الّذي عَدَّهُ الشّاعِرُ، في المُقابِلِ، حَقًّا له! أو على الأقل مجرّد إصراره على ذلك.

ونبّهَهُ المُديرُ لِعَظَمَةِ السّفر للقمر، فهو، عبر سؤال استنكاري، ليس كطائرة حَلّقت إلى مِصْيَف، وليس النُّزولُ من مركبة الفضاءِ كالنُّزولِ في المِصْيَف للتّغزّل بِغاداتِ المايوهات بالأشعار.

وهنا قال الشّاعر “من يدري؟”! ويحَهُ إنّهُ يستهين ويُهين أو أثّرَ عليهِ شِعرُه!

عايَنَ المُديرُ ساعته، مكتفِيًا بهذا المبلغ من الحِوار.
وصمَّمَ الشّاعِرُ على الرّحلة الآتية، مؤكِّدًا أنّ رغبته سَتَتِمُّ.

هذا التّصميم له عند المدير استِعجاب أكثر منه تهكُّم، يسألُ إن كانت مجرّدُ إرادته كُن فيكون.. فيصحّحهُ قائلًا أنّ إرادته ليست الحاسِمَ بل قرارُ المُدير!

وحالُهُ “تتحدّث عنّي؟” وبدا في الرّدِّ حاطًّا من سُلْطَةِ قَرارِهِ.
والشّاعر يُضيفُ أنّ القرار سَيُسَرْمِدُهُ التّاريخ.

الأمرُ الّذي لا شكَّ فيه عند المدير، أمّا نوعُ التّسجيل القِياسي لذلك الإرث هو أنّهُ سيكون الأوّلَ من وظيفته الذي يزور مشفى المجانين!

وَيُصِرُّ، دائمًا يُصِرُّ، الشّاعِرُ على أنَّ التّاريخُ لا مستشفى المجاذيب. فالتّاريخُ سَيُسَرْمِدْ.

بِجِدّيّة، يسأله المدير عن إعدادات الرّحلة القمريّة وتمارين الرُّوّاد المُضنِيَة، إلى جانب مهامِّهِم التي يَجِبُ لهم لإتمامها اليقظةُ المُطَوَّلَةُ وضبطُ الأحاسيس.. وما يزيد الشّقاءَ كونُهُم في الكَوْنِ.
عدا عن متطلَّبات الخبرة التّكنولوجيّة.

هذه أُمورٌ يدري بها الشّاعر، فيسأله المدير إن كانت درايته تشمل التّكاليفَ المليونيّة والكوارث التي قد تنجُمُ عن أي غلطة بسيطة.

وأيضًا يُبدي الشّاعِرُ علمه بها..
لم تقتصر صعوبة ريادة الفضاء على ذلك وحسب، فانتقاء الرّوّاد يتمّ بِعِناية، ويُخضَعون لاختبارات تختبر دقّتهم التي يجب أن تُساوي دقّة أجهزتهم! والإهمالُ في تلك الوظائف المحدّدة من دواعي حادِثٍ للرِّحلةِ رهيب.

يُتّفق معه بِدِراية وفهم لحجمِ المسؤوليّة، ولذلك يسائله عن ما يدعوه، هو الذي يعيش في الخيال والعاطِل عن أي عمل محدّد مرجوّ، للتّطلُّع للموافقة على سفره.

مواصفات تمثلت به ولا نفي, فيرى وجوبا في أن يسافر رغما عنها! ويبقى المدير على معاييره يريد أساسا وصفة لعملية الارسال. وهذه المرة يجيبه بما وصفه بالأهم والأنبل, فكرة أنه أول البشر المسافرين للقمر. فمن الطبيعي أن يسائل المدير عن “الشخص” الذي أشار هو اليه, والانسان الذي أشار الشاعر اليه. وبلا فخر, يقول أنه هو المسافر, هو “الانسان الأول” ووعاه كالمستصغر اياه, ليس فقط لأنه غير مختص, بل لأن المختصين أصلا عادوا بمعلومات هامة جدا. وقد فهم الشاعر الغاية المبتغاة من البعثات القمرية, فسفه الرحلات لأنها لا ترسل الانسان بل الآلة في صورته, وما هذا الا تأويل عودة الرواد بنفس ما تعود به الآلة.

وتوضيحًا مطلوبًا منه، ومتبوعًا بسخريةِ كونه الإنسان الحقيقيّ، يدّعي أنّه ما من إنسانٍ حقيقيّ وطأ القمر، فكل تلك البعثات، ما هي إلّا آلات!

ببساطة دون خِلاف، لا يشكُّ الشّاعر بأنّه الإنسان الحقيقي، ليسأله المدير عن صنيعه فوق القمر.

ولا يحدِّدُ أمورًا بعينها، كُلُّ ما يميّزه عن الآلة والأجهزة قد يصنعُهُ.
لكن هذا يدفع المدير لسؤال آخر هو مَغْنَمُهُ.

وهو لا يدري عن المادّة، لكنّه يجزمُ بأنّهُ لن يجمعَ المعلومات العلميّة! بل، على ردّ المدير الهازئ، قصيدة شِعريّة!

والقصيدة الشّعريّة، حتّى على افتراضِ الهزئ، ليست هي المهمّة، وإنّما القلب، فهو من يشعر لا الشِّعر، ردَّ الشّاعِرْ.

فالقلب، كما يردُّ على لفظِ اسمِهِ بتعجُّب من المدير، لا ينبض داخل الآلات. (ورد في النّصّ أن القلب اسمًا دون فعل هو ما لا يُستَطاعْ).

فلا يجد المدير غرابةً في أن لا تشعر الأجهزة، وأن تخلو من القلوب، ورغم ذلك يشخّصها كأشياء لا شأن لها بالقلب.

وهذا من دواعي غلبة حجّة الشّاعر! لأنّ معنى ذلك أنّ الإنسان لم يصل للقمر.

فيريدُ المدير اختصارًا، وآخرة دعوته للإعتراف بقُصورِ الإنسان، إلى الآن، في الوُجهة القمريّة.
ولم يَزُلِ الإشكال، هذا يتمنّى أن يُبعَثَ للقمر وذاك في استغرابه.
ويعيد الشّاعر ذريعةَ أنّ الحدث سيسطُرُهُ التّاريخ.

ويبدأ المدير مرحلةَ التّسليمِ الفَرَضِيّ، فيسألُ عن طريقةٍ يُرسَلُ بها للفضاء.

ويوضّح قصدَهُ العمليّ كي يُستَوْعَبَ، فالمعضلةُ هي أن يكونَ من يتحمّل المسؤوليّةَ والتِّبعَةَ للمخاطر التي ترافق الرّحلة.. التّأمين.
فيتحمّلُ مسؤوليّة نفسه ويتعهّد مُكاتَباتِيًّا بذلك.

وأبدى، عندما لم يكتفي المدير بذلك، إستعداده لكل مَشاقٍّ تلزَمُ لريادة الفضاء كالتدريبات وخِلافِها.

واقتنع المدير بإخباره عن الحاجة ترشيحه! ترشيحٌ كرائد فضاء لا شاعر، فامتنّ راضِيًا.
وتكرّم المدير بتسهيلات ومساعدات وكّلَ نفسهُ بها كي يقلّ الحِمْل عن عاتِق الشّاعر اللا متمرّس في علم الفضاء!
هذا القرار ليسَ أكيدًا، فقد خابَ سؤال الشّاعر إن كان المعنى أنّهُ اُختيرَ أم لا، بالتماس المدير فرصةً يتفكّرُ فيها.

آه! ولكن يسأله الشّاعر إن كانَ يُسَلِّكُ له أم أنّه جاد، ولكن أيضًا، يصرّح المدير بجدّيّته، التي صدّقَ بها الشّاعِرْ وصدّقَ كذلك حدسهُ بأنّهُ صادِقٌ كَوَعْدِهِ.

ويشكره ويشكر فضلهُ الذي لن ينساه، بعد أن صادَقَ على تصديقه بمعنى أن أجل صدِّق.

فيصافحه المدير، مادًّا يده دون أن تظهر المصافخة في النّصّ، ليودِّعَهُ اللِّقاءَ.

في المشهد التّالي، تهبط المركبة على تراب القمر، مُحَمّلةً بثلاثة أفراد بِبِزّاتهم، زوجٌ منهم تكفّلَ بإنزال أجهزة صيّادة للعيّنات الصّخريّة، في حينِ انتصبَ الثّالثُ متأمِّلًا بِدَهشة وجُمود!

فيقول الرائد الأوّل لزميله الثّاني أن يدعو الشّاعِرَ للتّحرّك! (مسمّيًا إيّاه صاحبنا)، فلا يجد الثّاني طائلًا من ذلك، فهو ثابتٌ مكانه طولَ الرّحلة، إجابةً للزّميل.

فيلفظ الأوّلُ الحالةَ التي بقي عليها الشّاعر أمدَ الرّحلة، دهشة وذهول. ويُأوّلها الثّاني على أنّها نابعة من ما حولهم، ممّا هو مستغرب لديه، لأنّهم لم يفشلوا في المهمّة!

فهو يحسِب كالروبوت، ويرى استغرابًا في أن يُدْهَشَ لِغيرِ زلّةٍ في نظامهم وخطّتهم المبرمجة!

ويعلّق زميله مؤكّدًا، بقوله إنَّ الأجهزة لم تعطب، وخط السير مستقيم.

ويترك الرّائد الثّاني الشّاعِرَ في سَرَحانه، ويدعو زميله للشُّروع بالخطّة، فيخشى الزّميلُ مرضه، وينفي الثّاني احتمالَ ذلك، ففيه حقًّا ما يُشبه التّعلّق المرضيّ، لكنّه ليس بمرض تامّ.

ويتسائل الرّائد الأوّل عن قبولُ من على شاكلته، فيرد عليه الزّميل بما معناه استخفافٌ بالإستخفاف، فقد بدا الشّاعر طبيعيًّا في تدريباتهم.

وإن كان طبيعيًّا، يدّعي الرّائد الأوّل، لم يَعُد كذلك عندما ارتقت المركبة وتضائلت الكرة الأرضيّةأمام عينيه اللامعتينِ بريقًا.

ومهما يكن من أمر، يقول الرّائد الثّاني، فإنّ الشّاعر زميلٌ لهم لطيف، وبمثل هذا يعتقد زميله، غير أنّه يرجو له الخير وأن يكون بخير.

ثم يقرّر الرّائد الثّاني أن يتركاه كي يستفيق من مرض التّأمُّل ويمضيا هما لأعمالهم!
ويتأكّد الأوّل من الإشارة لقِياسات الحرارة ومعدّات الضّغط الجوّي، والكاميرات؛ ومن ثَمَّ البدءَ ببحثِ الصّخور.

فيذهبانِ مع الآلات وتأتي مكانهم أضواء ملوّنة خافتة وموسيقى رقيقة كي تغمُرَ الشّاعِرَ المتجمّد.. قبل أن يسمَعَ أصوات لطيفة تنتمي لأربَعْ.

هؤلاء الأربع يقولون ومضاتٍ شاعِريّة بالتّرتيب العددي من ١ ل ٤، والإفادة أنّ الشّاعر، دون أن يُذكَر شيئ عن صِنفه، فريدٌ.. ما هو بِجامع حجر شوهِدَ على القمر (قافية الحجر والقمر).. وتساؤُلٌ عنهُ ومُشابهتُهُ، أو شيءٌ ما بِهِ، عليهم.

ويأتي صوت ليُخبِرَ أنّ ذلك الشيء هو الصّفاء، فيعود الصوت ٤ ليسأل عن من يكون وينضم لتساؤل زميله عن قدومه من الأرض أم لا.

نفس من قال بتفرّده، الصّوت واحد، يعود ليقول بأن عين الشّاعر تلوّن الصّخر، ويستطرد في ثناءِهِ الصوت ٢ بقوله أنّ قلبه للنّورِ مِشعاع.

ويصرّح الصّوت ٣ بأنّه لَسميعٌ لهم، قبل أن يعود الصوت ٤ للسؤال عن كينونته.

الصوت ١ انتهج ما انتهجه ٣ في تعبيره، أنّ الشّاعر يُحِسُّ بِهِم، ربّما لتجمّده مكانه، وتراتَبَ ذلك مع إكمال الصّوت ٢ لما يُحَسُّ، صوتُ أجنحتهم المشبّه دون أدوات تشبيه ومشبّه به، الحفيف.

والمِنوال معرفته بهم رغم عدم إبصاره لهم، كما يعتقدون، وسؤالٌ عن الكينونة، وبعد القول بالمعرفة، يُقِرُّ الصّوت ٢ بأنّ ثمّة ما يراهم به الشّاعر، وليس بالضرورة عينيه.. والتي هما أصلًا متفرّدتان مثله كما يُدلي الصّوت ٣.

ومع سؤال ال ٤ عن ما لا شغلةَ له سواه، الكينونة، يتسائل الصّوت ٢ عن كيفيّة الظّهور لمرآه، وهو ردّ على تأكيد الرقم ١ على رغبة الشّاعر برؤيتهم (هو القائل بأنّه لا يراهم رغم معرفته بهم، فلعلَّه استنتج ذلك.. ولغته بسيطة جدًّا تكاد تكونُ تعبيرًا مكرّرًا.) فتنجلي قافية من قول ٣، إكمالًا لفكرة الظهور له، وسجعًا مع سؤال من يكون، بطريقة لا يُجَنُّ بعدها الشّاعر!

فيبقى الصوت ٤ على تساؤله، فلكي يعرف هو وزملائه القمريّون من يكون، تقرِّرُ، مُتابِعةً عن بعضها، تصوير أنفسهم كالمألوفِ من الكائناتِ والمعروفِ من اللُّغات (مألوف ومعروف كقافية).. وحَرِصوا على أن يبدوا المظهر مُحَبَّبًا.

فتذهب الكائنات إلى الشّاعرِ، مُتَراقِصَةً بِصور بشريّة خنثى، وقد سبقهم الظّلام والبرق والضّوء البنفسجي.

وكان ذهابهم إليه اقترابًا لا توجُّهًا.. فتسائل الأوّل في إقصاءٍ لأيّ رادع عن حَبْسِ الشّاعر في بزّته الثّقيلة، حيث يريد هو وجماعته ليس فقط تحريره منها ومن خوذتها، بل أيضًا أن يُغنوهُ عن الأوكسجين! (خوذة الفضاء-هواء).

فبذلك، على زعم الصوت ٤، سيصير فراشةً في حرّيّتها.

وبقدرة عجيبة يحرّرونه من بزّة الفضاء، ليتحرّر بدوره من ما يشبه الغيبوبة أو السُّبات، فيحرّك الأيدي ويتنفّسُ تنفُّس المستفيق من كابوس.

الظّاهر أنّه دخل بُعدًا جديدًا، لأنّه الآن رأى الكائنات، فسأل عنها وعن مكانه هو في لحظتها..
فيبادره الصوت واحد بانطِباعٍ مُسبَق، بإجابته أنّهُم المرغوب رؤيتهم. وهنا يعترف الشّاعر مؤكّدًا أنّهم كانوا في قرارة نفسه.

ويظنُّ الصوت ٢ أنّ صورتهم الحاليّة هي المرتبطة بِرغبة الشّاعر في رؤيتهم.. ويتعرّفُ إذ ذاكَ الشّاعِرُ عليهم!
فلم يُخَيِّب بذلك ثقةَ الصّوت ٣ النّائب عن زملائه، في أن يُعرَفوا منه.. وكذا الأمر بالنّسبة لسماع الأصوات، أيضًا يعرفون بأنّهم مسموعون، بتصريح الرّابع.

وفي استعراضٍ لا كُلفَةَ فيه يصف الشّاعر، بلا شيءَ أكثرَ من هذا التّشبيه، أصواتهم المسموعة كما تصدره حركة أجنحة النّحل فوقَ زهور البرتقال، الهَفيف.

فهذه البلاغة أعجبت الكائن ١، ليسأل إن كانت أصواتهم فعلًا كالهفيف.. فيغيّر رأيه.. لا بل تطغى عليه الشّعوريّة! فيقول إنّ أصواتهم بدت كفراشاتٍ عِنْدَ النّور!

عندها يتسائل الكائن ٢ عن السبب وراء عدم استطاعة من هم دونٌ عن الشّاعِرِ سماعهم.

فيسألُ الرّجل عن المقصودين الذين لا يسمعون، ليجيب الكائن ٣ بأنّهم من، ولا زالوا، يأتون. (الآخرون-عدم السّماع تقصِدون-سؤال عن المقصد يجيئون-الجواب تشكّلُ قافيةً ثُلاثيّة)..

والشّاعر زادهم تصويرًا يُثبِتُ أنّهُ فَهِمَ، فاولئك الذين كانوا ويكونونَ زوّارًا للفضاء يستمعون للأجهزة، التي على حدّ تعبير الكائن أربعة تؤذي السّكون كالسِّكّين.
والكائن ١ و ٢ يشتمان الزّوّار بِعِبارَتي السّفّاكون ولمّامو الصُّخور!

فيقفّيها زميلهم ٣ بما معناه أنّهم يُشبِهونَ في تطفّلّهم الصّقور المفترِسة. وينتقدهم الشّاعر بقوله الذي يحملُ تقديرًا للسَّكينة، مُدَّعِيًا أنّ الآلات أو الزّوّار لا يتذوّقون همساتِ السَّكينَةَ!

ويسأله الكائن ٤ عن الدّافع لقدومه على القمر، لعلّهُ ولتميّزه يُستَغربُ أن يشاطر البقيّةَ الدّافِعَ.
فيجيب الشّاعر بما لا يُحتاجُ بعده براهين على أنّه شاعِر، أنّ بينه وبين القمر صِلة صداقة قديمة!

وإجابةً للكائن الأوّل عن استفساره عن مدى الصِّلة، يجيب الشّاعِرُ بأنّها تأصّلت في مرحلة الطّفةلة فصاعِدًا.. كان يرى للقنر تعابير ومشاعر يُبادِلُهُ إيّاها! وتخيّله كمن يتوارى خلف غيمة، يلعب معه الغُمّيضة ويراوغه فيبرَعُ فيها القمر بولوجه للسُّحُبِ..

إذن فهو يرى القمر ككائن حيّ يلاعبه، ويا مرحَبًا بِألعابِهِ!
يستمر في ألعابه حتّى يجنحَ الليل، بل حتّى في الليل يتمنّى مزيدًا من اللعب، متجاهِلًا أمر أولياءه بالنّوم، فلا يمنعه عن اللعب غير انسحاب “صديقه اللَّعوب”.. (ستائر غَمام لوصف لعبة الغمّيضة، والفعل ينام لِسرد فِعلِ القمر في الليل وانتهاءه من اللعبة، قافية).

ومن روعة الشّهادة يسأله الكائن ٢ عن أحقّيّة هذا.. اللعب مع القمر وهو في الأرض.

فيؤكّد على أمرين، أنّه كان يلعب مع القمر، وأنّه جَهِلَ رُفقته مع الكائنات، ظانًّا به حالَهُ، الوحدةَ، وأنّه وحده من يؤنسه ويلاعبه.

طيّب ماذا عن الآن، بعد أن انكشف الغمام؟ يسائله الكائن ٣، ليعرف أو يَعْرِفُ إن كان شاعِرُهُم لا يزال يراهم أجانِبَ.
لكنّه يقول بأنّ النّظّارَةَ قد عرفهم منذ زمن، وأنّهم جنحوا لأحلامه بنفس صورتهم هذه.
وهو اعتراف متبادل بمبادرة الكائن ٤.

مثلما اعتبرَ الشّاعِرُ القمرَ صديقًا له، يعتبرُ الكائن ١ ممثّلًا البقيّة، أنفسهم كأصدقاء، والشّاعِرُ مثلُ قَمَرِهِ لَهُمْ.

فأراد الشّاعر معرفتهم عن كَثَبٍ مُضاعَف، وكتمهيد سألهم عن كيفيّة حياتهم في بيئتهم، وعلى مبدأ “شوفِة عينك” يُجيبه الكائن ٢، كي “تشوف عين” الشّاعِر ويجيبُ عن نفسه بسؤالٍ، بالهناء والغناء.

وهو ما يؤكّد ديمومتهما الكائن ٣، فيضيف الشّاعر للسُّؤالِ الحُبَّ، والجوابُ من الكائن ٤ بنفسِ السّؤال تأكيدًا كانْ.

فيسألُ الشّاعِرُ عن أيُّهُمِ الجِنْسَيْنِ، ليستغرب الكائن ١ هذا المَقال، فيوضّح الشّاعِرُ مقصد نوعين تُصَنَّف بهِ الأحياء.

وهذين النّوعين تجهلها الكائنات، فيطرح الكائن ٣ فكرةَ وِحْدَةِ نوعهم.

إنّ النّوع الواحد أو الجنس الواحد أذهل الشّاعِرَ، ذُهولٌ لم يرى له الكائن ٤ داعِيًا.. لا لأنّه يعبّر عن ميزة يختصّون بها بل لأنّ إيمانهم يتقبّلُ الوِحدةَ، فالوحدة منخورة عندهم.. لكن الشّاعر ليس إلّا فضوليًّا فلا عتب عليه كما يردُّ.

حينها يخبره الكائن ١ أنّ النّوعين وُجِدا قديمًا، ويدعم الكائن ٢ هذا وسؤال الشّاعِر إن كانا الذّكر والأنثى.

ويأتي الدور على الكائن ٣ ليفيد بما أُفيظ بشاعريّة أعلى تمثّلت بتكرار الفعل “مضى”، واصِفًا وجود الذّكر والأنثى بينهم.
ويبيّن زميله ٤ أنّ انعدام الجنسين حدث منذ آخر مرّة كانَ هُناكْ زَمن! فلمّا كانَ زَمن، كانَ سحيق.

فيستميحهم الشّاعرُ عذرًا أن يسألَ بِعَجب عن مرمى كلامهم، إنعدامُ الزّمن لحظتهم.

الكائن ١ يَعُدُّهُ صديقًا، لذا يمنحه حرّيّة السؤال، فيما الكائن ٢ بنفس النُّسُق يبوحُ بأنّهم سيصارحونه دون توارُب.
ويعذُرُهُ الكائن ٣ لعلمهم بمجيئه من كوكب، على حدّ متابعة الرّابِع، مخيف.

فلا يكون تعليق الشّاعر إلّا على وضعهم الذي لا جنسَ فيه أو زمن.. كي يشرح الكائن ١ عن خلفيّةِ كونهم واحِدْ.
فقد اندمج النوعان في نوعٍ وحيد، خطوة حتّمَتها لِصقَتهم، لأنّهم كانوا يحسدون بعضهم ويختلفونْ.. فبسبب الحسد المتبادل امتزج الحابل بالنّابل.

ومن هناك، يقول الكائن ٢، إنتهى الإختلاف، وعلى النُّسِقَ بلسان الكائن ٣ الخِلافُ، كلمة تقافت مع استكمال المتوالية من طرف الكائن ٤، الإئتلاف.. حيث سادَ.

ثمّ سألهم الشّاعِر عن طريقة تكاثرهم، فيجيبه الكائن ١ بما معناه عدم حاجتهم للتّوالد، لأنّ مفاهيم الحياة والموت كذلك معدومة.
فهم، كما يصرّح الكائن ٣، ليسوا بمخلوقات مادّيّة بل “طاقات” مصدر حياتها الفِكر والشُّعور.. ربّما كان هذا سبب رؤية الشّاعر لهم دونًا عن غيره.

تلك الطّاقات تتج.ّد كالخلايا الميّتة وتتدوّر دون وسيط، كما يستفيضُ شرحُ الكائن ٣.
ويضربُ مثلًا بل شَبَهًا الكائن أربعة، بقوله أنّ الطّاقات المُستَبدَلة كالضوء ونوره.

فزاد الشّاعر التّشبيهَ بيتًا! قائلًا بأنّهم كالرّوح، والتي تقوده لنظريّة كون النّظّارة أرواح البشر -الذين استمدّ من قولهم تشبيهه- الصّاعِدة! ويدعم نظريّته بِحُبِّ تطلُّعِ البشر للقمر، لمنزل أرواحهم الصّاعدة! والبشر لهم مع القمر وكائناته مناجاة، إلهام وغناء!

فلا يزول التّعاطف المتبادل، فها هو الكائن ١ يصف كوكب الأرض بالجميل الذي يتطلّعون إليه، ليكمل عنه الشِّعْرَ الزّميل ٢ بتحديد جماله، وكونه ياقوتةً في مِنديل، مسبوقًا ب “ها هو”.

وإن كان لِصاقًا له الحجم الكبير، فإنّ الكائن ٣ يصوّر اللون؛ زُرقة لا في منديل بل في “كفّ السّحاب!”

ومن هذه الياقوتة يعبّر الكائن ٤ عن خوفهم الذي يخالطه الإعجاب (الإعجاب والسّحاب كسجع).

فيتأمّلُ الجَمْعُ الأرضَ المتألِّقَةَ في الأُفُقِ، ويشعر الشّاعِر قصيدًا عن جمال أرضه، التي تتضمّنُ منزله هو وإخوته البشر، الوادي الأخضر.. ويزيد عليه صورتين تعبيريّتينِ لا صلة لهما بالمنزل، بل أشبهُ بما يحيط ذلك المنزل؛ ماءٌ في السّهول يجري وحقولُ سنابل القمح.

ممّا بدا للكائن ١ شِعرًا لا ينبع إلّا مِن مَن رأى الشّيءَ رؤية العين..
والشّاعر فعلًا كأنّهُ يواجه الأرضَ قريبًا من سنابل قمحها وسُهولِها.. وكلُّ ما خالَفَهُما من مناظر، بل وحتّى زقزقة الطَّيْر.

ثم يُخبر الكائن ٢ عن رؤياهم هم! وهي ليست كالشّاعر جمالًا طبيعيًّا، حسنًا، ما عدا “البِحار” لكنّها ليست من ماء وإنَّما من دم!

أمّا الكائن ٣، وهو كما دائمًا وكالجميع يمثّلون بعضهم، يسمع التّنهّدات من الصُّدورِ الضّائقة.

والكائن أربعة لا يسمع أو يرى، بل يُجفَل! فتخيفه الصرخات، بل ينعت الصرخات بالرّعب.

فيأسف الشّاعر لتلك الحقائق.. ويتمنّى الكائن ١ لو أنّ كل البشر كشاعرهم، الذي يعتقد بوجود من على شاكلته، ليس بالضرورة مُرهَفي الحِسّ بل تكفيهم الطّيبة والبرائة.

ليضطر الكائن ٢ للسؤال عن مُحدِثي البلاء (بلاء تناقض الأبرياء، وشكّلَتا قافية)..ليسأل الكائن ٣ عن المسؤول عن جوع العِباد، وينضم الرّابع، فيقفّي ويسأل عن من وراء الطِّباع الرّديئة المقيتة وضراوةً شابَهَها على ضراوة اللّيث.

فيردّ الشّاعر بلا جديد أوّلًا، الأسف، والجديد ثانِيًا، استعارةُ القلائد لوصف قارّات الأرض، مع وصف شكلها الأساسي المدبّب ووضعها في الأرض بما يدعم كونها عناقيد

هذا مجرّد وصف حيادي لولا الأسف.. لكن الكائن ١ يُشير للّون الأحمر، وكونه -للأسف وللعار- ليس نبيذًا! ولا داعي لأن يفوهَ بأنّه الدَّمُ!

ويُبدي الكائن ٢ استغرابه الذي لا يُصَدِّقُ، تركيبُ الأرض، لا، الياقوتة، لِمُرَكّبات وفُتات.
والكائن ٣ يضيف للتّنديدِ وجود الحدود والسّدود تَحُدُّ وتَسُدُّ الفُتاتَ عن بعضه.

تلك الحدود والسّدود في نظر الكائن أربعة تتوسّعُ لِتَضُمَّ المشاعر السّلبيّة والخطايا كالطّمع والإعتداء والكراهيّة وما هو أقرب لعنوان الكتاب؛ غِيابُ العَدْلِ.

عندئذٍ نظر الشّاعر للجانب المُشرق والنّصف الممتلئ من الكوب، توحُّد القمر ومخالفته بذلك للأرض.
فاستلفتَ هذا سؤالَ الكائن ١ الموجّه للبشريّة، فهي بحكم كونها متفرّقة، يُخشى استفهاميًّا أن تُزيحَ عن القمر وحدته كما فعلوا مع معمورتهم!

وتلك اللّوحة الدّيستوبيّة يوضّحها الكائن ٢، عداوات تنشُبُ بين كل جزء وآخر.. والكائن ٣ بجعله من السّلام شهيدًا بِالسِّكّين.

ويُتابِعُ الكائن ٤ ببيانِ الشّهيد، معروفٌ ومعهودُ الأمد، وافتراض شهيد آخر هو رملُهُم الخالي من صوت الألم الذي لا تخلو منه الأرض، والرّاكد.. فكأنّ الرّكود في موجهم الرّملي يرمُزُ للإستقرار.. المُهَدَّد!

ما لم يمسَّهُ البشر بسوء حتّى الآن يأتي على لِسانَي الكائن ١ و٢، السّطْحُ دون آثار أقدام فوقه، والبراكين التي لا حِمَمٌ بل بردٌ وسلام.

هذا من حيثُ الأمان، أمّا من حيث العطاء فيتمثّلُ بنورٍ بل هالة ذهبيّة تُنيرُ الحُبَّ على الأرض، كما يقول الكائن ٣.
كما أنّها، حَسْبَ ما يُضيفُ الكائن ٤ على هَذِهِ العَظَمَة الشُّعورِيّة، للأحلامِ حائِكْ.

بعدها جرى الإنفجار والتّوحُّد وتنازُلُ تملُّكِ الشّاعِرِ لأعصابه.. فقد فاهَت جميع الكائنات بنفس الوقت بأنّ منزلهم ينظر للأرضِ -بوجهه الواحد- يُخاطِبُها كأنّما يرى تهديدًا، بأنّه راسِخٌ على مبدأ السّلام!
وتأثّرَ الشّاعِرُ واستثقل العِلْمَ المُضافْ، فقال لهم، في صِياح، كفى ثلاثًا.. فيَغمِضُ المسرح بانقِطاعِ النّورِ العائد، ومع عودته انقطعت الكائنات! وعاد مياه الخيال والزّمكانّ لمجاريها.. فإذ بالشّاعر قُرْبَ الرّائدان الذان أتَمّا مَهَمَّتَهُما الموكَلَةَ، وبِحَوْزَتِهِما عيّناتِ الصُّخور.

فلاحظ الأوّلُ عدم تغيّر وقفته الجامدة! وتسائل الثّاني إن -حَدَّ الآن- جافاهُ الإسِتيقاظ.
فتوجّه الأوّل باستعلامِ حالِ الشّاعِرِ مِنْهُ، فأجاب الشّاعر الذي اختفت عنهُ توًّا الكائناتُ بأنّه بِخيرْ.
ليخبره الرّائد ٢، ما دامَ سليمًا، بأنّ موعِدَ الرُّجوعَ قد حانَ، فالتّجَهُّزُ مطلوب.

ويبدو أنّ الرُّجوع هكذا بعد مغامرته الجامدة مُستَغرَبة، فلم يوافق بسرعةٍ على الرّجوع بل أخذ، بإيجاز قصير مبلغه كلمة واحدة، يستغربْ.

واستغرَبَ أيضًا الإيضاحَ من الرّائد الأوّل! وهي الكلمة التي تغنّى بها آنفًا ووصفها بالياقوتة، الأرض.

فيؤكّد الرّائد الثّاني على انتهاء المهمّة، وبالتّالي أُزوفَ موعد العودة، ويُخْبِرُ الثّاني عن حصيلَتِهِم من عُلومٍ مُدْهِشَةٍ.
ومن النّتائج، ليس فقط المعلومات بل حقيقة يُدلي بِها الرّائد الثّاني، كونُ القمر مَكْمَنًا لِلا مُتَناهي الكُنوزِ.

وهذه المرّة، كانت لفظة “كنوز”، هي ما نطق به الشّاعر بسخريةِ القدر، فقبل هنيهاتٍ فقط استشعرَ القمرَ، وها هو الآن يصطدم بأطماعِ استعماره، التي أيضًا كانت جوهَرًا من جواهِرِ خُلاصَةِ لِقاءِهِ بالكائنات.

وظنّ الرّائدان أنّه إعجاب، فصرّح الأوّلُ بأنّهُ اصطادَ ذهبًا على هيئة صخور لمّاعة خالِصة، أمّ صُخور الثّاني فتلمعُ لمعانَ الماس الكريم! طبعًا لا قوافي هنا!

ويقولُ الرّائد الأوّل بتأكيدٍ على أنّ باقي المعادن وفيرة.
وذلك يشمل، حَسْبَما يضيف زميله، اليورانيو والرّاديوم (موادّ مُشِعّة)، وهنّ على الأرض نوادر.. وكذلك، بإشارةٍ من الأوّل، معادن مجهولة تمامًا!

وفي عِدادِ المجهول كذلك ما يداعب خيال الرّائد الثّاني، إحتمال وجود كنوز جديدة أسفل البراكين (براكين البرد والسّلام!) ويقصد الحُفَرَ، وربّما هو مقتنع أنّها براكين لأنّ ما منعهم من اكتشاف الإحتمال هو البركان نفسه.

فيترك الرّائد الأوّل استكشاف البراكين لمن يخلُفُهُمْ، أمّا المهمّ برأيه في حينِها أن يعودوا للأرض ويُذيعوا كنزَهُم.
فيسأل في شبه استنكار زميله عن إن كان الواجب إعلامَ خبر هذه الثّروة العظيمة لدولتهم حصرًا لا العالم بِرُمَّتِهِ.

فيا لها من مهزلة! الرّائد الأوّل عَنى دولتهم، لأنّ قاموسه يختزل العالم لدولته!
ويجزم الرّائد الثّاني أهمّيّةَ كَظْمِ السِّرّ عن المُنافِسين من الأُمَمِ.
فيتّفق زميله الأوّل مع ضرورة التّكتّم، رغم صعوبة بقاء السّرّ دون تسريب.

فيدُلُّ الثّاني على مسؤوليّتهم الشّخصيّة التي يراها كافية لِصَوْنِ السِّرّ، فهو لن يحنث به لزوجته مثلًا.. كي يُحيلَهُم الرّائد الأوّل للقَسَمْ، فيُقْسِمُ الثّاني.

ويستحلِفُ مِنْ ثَمَّ الشّاعِرَ، الذي في سذاجة الطّيّبيت يسألُ عن ماذا القَسَمْ، فيخبره الرّائد الثّاني، الكِتمانْ، ويحصُرُ الكِتمانَ الأوّلُ بما يحفظُهُ عنِ المسؤولين.

فلا هذا ولا ذاكَ، ولا قَسَمَ. الشّاعِر يرفُضُ ويوجِبُ صَوْنَ المنز في قمره لا السّرّ! فيذهل الرّائد الثّاني غير مستوعب ما سمعه، ولا يتردّدُ الشّاعر بإبداء رأيه في أنّ الصخور أي الكنوز التي يحملها الرّائدان ينبغي أن لا تصل للأرض.

وكي يَبطُلَ عَجَبُ الرّائدان، يخبرهم بأنّ التعفُّفَ هو الحلّ للسّلام على قمر.

وما بَطُلَ عَجَبُ الرّائد الثّاني عن فكرة عودتهم خالِيي الوِفاض، لكنّهُ مطلَبٌ عاديّ لدى الشّاعِر.. ولكنّهُ ليسَ عاديًّا للرّائد الأوّل، لذا يتقوّل الشّاعر بأنّهم لن يعودا بصخور أو كنوز بل بِطامّة!

وهو أمرٌ غير معقول لدى الرّائد الثّاني، أن تعتبر الثّروةُ كارثة.
فيجيب الشّاعر بأنّها الكارثة لأنّها في الصّميمِ نارٌ أو وقودٌ لِنارٍ ستحرق هدوء القمر.

فيسأله الرّائد الأوّل في استخفاف إن ظنّهم على قمره الهادئ متنزّهين! أو كاستخفاف زميله، جاءوا كي يتشمّسوا في حمّامات شمسيّة على رمل القمر!

فيقابلهم الشّاعر بظنّه الجادّ، أنّهم مثلُ المستعمر الإنجليزي في الهند الذي كانت شرارة استعماره التّنقيب عن البهارات، والمستعمر الأمريكي الذي كانت شرارة إبادته للهنود الحمر التّنقيب عن الذّهب.

فطمأنه الرّائد الأوّل أيضًا في استهتار، قائلًا بأنّ القمر ما بِهِ من يمكن استعماره أو إبادته!

وصاحب العِلم يسأله عن ما يُدريهم! فالكائنات المفترض أنّها خاليٌ منها القمر آنَسَتْهُ!

لكن الرّائد الثّاني غير عليم، فيسأله عن مرمى قصيده.. فيفترضُ، إمّا لأنّهُ غير واثق من أنّ الكائنات الأربع حقيقيّة وإمّا دُنُوًّا من مستوى إدراك الرّائدين، وجود كائنات عاقِلة ها هُنا على القمر.. ومن ثمّ يُحيلُهم لسؤاله إن كانوا سيكونون في مأمنٍ وسَكَينتهم.

فكالآلة يقول الرّائد الأوّل أن وظيفتهم لا تُحَكِّمُ أن يفترِضوا..
بينما استخَفَّ الرّائد الثّاني من قلقه المبني على ضعضعة راحة كائنات مُتَخَيَّلة.

لكن الشّاعر وبلسانه يعبّر عن خوفه الحقيقي أو الذي له علاقة بإقلاق راحة الكائنات.. أن يحْمَرَّ تُرابُ القمر وهو النّقيُّ عنه.

فسأل الرّائد الأوّل بأداة “أيّ” عن الدّماء، فقد أقرن الشّاعر لفظته مع اللون في جُملَتِهِ السّابِقَةِ.

فيعرّف عنها الشّاعر بقوله إن الدم دم البشر المتناثر من حروبهم على القمر المُستَكْشَف، في سبيل ثروته.

وهذا للرّائد الثّاني خيالٌ رَحْبَ لَهُ.
فيدافع الشّاعر عن فكرته بأنّها ما خيالٌ، بل سيناريو مُستَبصَر يَحْسُنُ التّعامُلُ مع نصّه في ساعتهم.

فيبقى الرّائد الأوّل على برمجته، أنّ التّعامُلَ والتّفكير في ذلك خارِجٌ عن برنامج خطّتهم، التي أتمّوهُ بالبحث عن المعلومات بأجهزتهم.

ولينابز ذلك منابزة الخير، يقول الشّاعر بوظيفته هو المُخالِفة لهم؛ التّفكير والشُّعور.

ليسأله الثّاني، في نفس العقليّة التّابعة، عن المُوَكِّلْ.
والمُوَكِّل والمُكَلِّف لدى الشّاعِر، باعتِرافِ الشّاعِر، هو الشّاعِر!
فيستغرب أو ربّما لا يأخذ على محمل الجِدّ، الرّائد الأوّل التّكليفَ المُستَقِلَّ، والذي يؤكّده الشّاعر بِ “نعم”.

فيصفه الرّائد الثّاني بالجُنون!
فلا يستبعد الشّاعر ذلك كُلِّيًّا، على أنّه وعلى نهج “على الأقل” يقول بأنّهُ إنسانْ.

فينفد صبر الرّائد الأوّل دون ثَوَران، فبشيءٍ طفيف من الأدب يطلب منه أن يُصغي إليه، ويقول بأنّهم صبروا عليه طويلًا -طَوالَ الرِّحلة- وهو يتصرّفُ بما لا يُطاق.. بل إنّهُ سيدخل تقاريرهم بوصفه، من مواقف وجُمود ومعارضات، مُشاغِبًا.
ولن يكون حجر عثرة في طريقهم.

والرّائد الثّاني يدعوه للعودة للأرض رفقتهم، فيَجْمُدُ دون حَراك إلّا لو، كما يشترط، رُمِيَتِ الصُّخورُ التي وصفها بالملعونة!

فيرجوه الرّائد الأوّل بصيغةِ الجمع أن يتعقَّلَ، والرّائد الثّاني أنْ يكون على قدر المسئوليّة ويقدِّرَ حجمها.
فيطلب منهم الشّاعر بدوره أن يقفوا هم موقف تقدير المسئوليّة، مسئوليّة أعظم من هذه الحواسيب.. مسئوليّة الضّمير!

وكي يُعَقِّلَهُ يسأله الرّائد الأوّل مستنكِرًا، أيُحْرِمُ النّاسَ من الكنوز؟
ففاهَ الشّاعر بأنّ هاتيكَ الثّروة ستُحتَكَرْ، وإلّا لما عانَدَهُمْ أصلًا.
يعني غالبيّة البشريّة لن تنال أيَّ ثروة ولن تزدهر وتُمْحَقَ معاناتُهُم. والأدهى أنَّ “بُطونًا” سَتَسْمُنُ، بُطونٌ ولأنّها بُطون سمينة مستبدّة، وهي بسبب الإحتكار ستسيطر وتقوى أزيَدْ.

فيُسألُ عندئذٍ من الرّائد الثّاني، الذي يبدو أنّه بدأ يهتمّ وبدأت تتمرّدُ آدميّتُهُ على الرَّوْبَتَةِ، عن الحلّ.
فلا يأتي الشٍاعِر بِجَديد، فجوهرُ تركِ الكنوز هي أن لا تجشع النُّفوس، وتموتَ روح الشّرّ والعُدوان كي لا يحدُثَ الخَرابْ.
والخطوة الأولى هي التّكاتُفُ من أجلِ العدل والوِئام في الأرض!

ويسأل الرّائد الأوّل عن العمل حتّى تأتي تلك اليوتوبيا.
وهو ليسَ سؤالًا يُرادُ له جواب، لكن الجواب يأتي على كل حال على هيئة سؤال استنكاري من الرّائد الثّاني؛ طَمْرُ الثَّرَوات.

فهذا ما لا يُتَصَوّرُ لدى الشّاعر كما ورد في جُمْلَةِ الرّائِدِ الثّاني.. وإنّما بِدَلْوِهِ الواجِبُ.

وهو واجِبٌ يرفضه الرّائدان، بمبادرة الرّائد الأوّل، ووصف الرّائد الثّاني الرّأيَ بالحماقة، ولذا فالواجب يكمن في رفضه بشدّة.
وينتهج الشّاعِر فِكر حرّيّة الرّأي، مع ما يعنيه بلا أعبد ما تعبدون.

فيقول الرّائد الثّاني تحت بندِ حرّيّة الفرد وربّما لا، بأنّهم سيقصدون المركبة القمريّة بالكنوز في أيديهم.

وفي سِلْمٍ ورُسوخٍ في مبدأ الحرّيّة لا يمنعهم الشّاعر من أن يعودوا للمركبة القمريّة، فيسأله الرّائد الأوّل عنه، وإذ به برسوخٍ آخر على محبّة القمر ومسؤوليّة محبّته، يُحجِم عن العودة معهم.

ليسأل الرّائد الثّاني عن جدّيّةِ اعتكافه فوق القمر. والشّاعر جادّ في صموده الفكريّ..

فلا تستهوي هذه الفكرةُ ولا يعقُلُها الرّائد الأوّل، مفكِّكًا إيّاها؛ إعتكاف، ومغادرتهما دونه.

فيبيّن الشّاعر أنّ الكنوز أو الأحجار هي من تجبره على الإعتكاف إضرابًا عن تهريبها للأرض.
فلا يريد الرّائد الثّاني -على مبدأ هِبْ- أن تضيع جهودهم في التّجميع سُدًى.

والرّائد الأوّل كان نقدُهُ أنّ الشّاعِرَ يتمرَّدُ بالتماسه منهما التّمرُّدَ على نظامهم الموضوع.

وهنا بيّنَ الشّاعر جُلَّ التِماسِهِ، وضع نفسه رهينةَ خيارين يخيّر بهما الرّائدين، مبنيّان على فعل واحد هو الإلقاء.
فإلقاءُ الأحجار يعني أنّه لن يُلقى به، وإلّا أُلقِيَ به.

لسان حاله يقول “يا أنا يا الصُّخور!”
وله مكانة إنسانيّة كريمة احتَسَبَها الرّائد الأوّل، ويُحْسَب له ذلك، لذا فقد فاهَ بأنّ الخيارين أحلاهُما مُرّ، وليس يسيرًا أن يتقبّلا جوابًا.. ومثلما عبَّرَ الرّائد الثّاني، الشّاعِرُ في مقام ومعزّة الثّروة.

فتعنّت الشّاعر وباح بأنّهُ لن يَبْرُحَ من مكانه! وبالمثل يردّ الرّائد الأوّل بأنّهم لن يبرحوا القمر دونَهُ.
فاستفسر منه الشّاعر عن سبب إصرارهم على أن يرافقهم.

ويجيبه الرّائد الثّاني بما معناه أنّهم سيقعون في مأزق إذا ما اضّطرّوا لتبرير غيابه. فأرشده الشّاعر لاختلاق ذريعة مثل أنّه ضاعَ منهم!

ولكنّ الأمر ليس بهذه السّهولة.. الرّائد الأوّل يأتي بسيرة تبريرِ التّبرير نفسه من ظرف ومكان وزمان.. فيما قال الثّاني بأنّ رحلتهم محسوبة ولا مجال للكذب.

ومع ذلك هناك حجّة تسائل عنها الشّاعر، الموت! فحتّى مع كون الرّحلة والخطوات محسوبة، لعلّ في مقدوره البقاء على حساب إشاعة موته.

تلك الحجّة باهتة، فالرّائد الأوّل لو افترض الحقّ، لكان لِزامًا أن يعودَ جُثمانُ الشّاعِرِ!
فيسأل الشّاعر عن الطريقة التي قد يتملّصُ بها بِجُثمانه، التماسُه بأن يكون القمر مقبرته!

فيجيبه الرّائد الثّاني بأنّ تلك الحالة تستدعي طلب الإذن والتّصريح من ذويه، عبرَ وسيطِ إذنِ وتصريحِ المُتابعة الأرضيّة.

وعندئذ يخبرهما الشّاعر بأنّه لن يُرغَمَ على العودة غصبًا.. فهل أراد عن حقيقة أن يُدفَن بالقمر أم أنّهُ غيّرَ الموضوع فجأة؟
فيرجوه الرّائد الأوّل رجاءً رسميًّا بأن لا يُرغِمَهُم هُوَ على اللُّجوئ للعُنف!

فيسأل إن كان ما صُرِّحَ بِهِ تهديد، فيردّ الرّائد الثّاني دون تضمين لنعم أو لا، وضِمْنًا، بقوله أنّ الشّاعر هو البادئ في تحدّيه!
ولا ينفي الشّاعر هذه الإدّعاء بتصرّفه، فقد تحدّاهما فعلًا أن يَمُسّاهُ!

فيسأله الرّائد الأوّل بِحياد عن ما سيصنع لو مسّاهُ، فيجيب الشّاعر بأنّه عن نفسه إذ ذاكَ لَمُدافِع.

هذا الجلمود في فِكرِهِ دفع الرّائد الثّاني للهمس بسؤالِهِ عن العمل تِجاهَهُ، لزميله الذي انتحى به.

فلم يجد الرّائد الأوّل عملًا غير إبلاغ المتابعة الأرضيّة بالتماس الشّاعر بدفنه في القمر كي تكون له حجّة الموت فلا يغادره!

وطبعًا بدا الأمر خطيرًا لا هوادة فيه لدى الرّائد الثّاني.. ومع ذلك، وباستفهام من الأوّل، ما مِن خِيار آخر.

فيعتبر الرّائد الثّاني هذا الحلّ الوحيد فضيحةً وسوءَ سُمعة للسّابِقة؛ شِجار بين روّاد الفضاء!
فيسأل الرّائد الأوّل عن المسبّب للشِّجار، كأنّما يتّهم الشّاعر فيُلقي عنهُما العَتَب.

ويجيبه زميله بأنّ القاء اللّوم ليس بالهامّ، لأنّ النتيجة واحدة، الفضيحة الشّامِلة. ولأنّ الفضيحة تمسّ كامِلَ الرّحلة، يرى الرّائد الأوّل أنّها أعلى من أن يفسدها المجنون ويقصد الشّاعر بتصرّفه الأرعن.

وتصرّفه الأرعن كما يردّ الرّائد الثّاني له مكانه، تقرير سرّي.
لكن المهمّ هو أن لا تبورَ سُمعة الرّحلة العظيمة.
فيقترح الرّائد الأوّل، بأسلوب التّمنّي والإفتراض، أن يباغتا الشّاعِرَ بلكمة مُفقِدة للوعي، قبل أن يحملاه معهما للأرض.
وهو أمرٌ استصعبه الرّائد الثّاني، وأحَقَّهُ زميله.

لكن الرّائد الثّاني ما لبث أن أشارَ للمحاولة! وهي ما اتّفق معها الرّائد الأوّل، كونها آخر ما في حِيَلِ اليدْ.

فيهمّان بإيقاعِ الضّربة مع الإلتفات والإقتراب شيئًا فشيئًا.. غير أنّهما تراجعا مدهوشينَ وتجمّدا كما تجمّد الشّاعِرُ قبلًا.
فنبّهَ الرّائد الثّاني على حركة شفاه الشّاعِر التي تَنُمُّ عن حديث.. ليسأل الرّائد الأوّل عن هدفه.

فلا يدري الرّائد الثّاني، لكنّهُ يلاحظ شيئًا ما في عيني الشّاعر يُشير إليه لِزميلِهِ، الذي اتتبه بدوره إلى أنَّهما مغروزتين في شيءٍ تراهُما وحدهما.

وفطن الرّائد الثّاني إلى أنّهما في عِداد الخارجين عن إحساسِهِ، فرأى الرّائد الأوّل مُنتَهَزًا للضّربة التي من شأنها الإغماء عليه..

فاستمهلهُ الرّائد الثّاني، معطِيًا الفرصة للشّاعِر كي يروا آخرتها معه.

عندها، عادت أصوات الكائنات، وأيضًا الشّاعر هو الوحيد الذي يستطيع سماعها.

فجاءه وحيُ الصوت ١ يعترف بفضله في حمايتهم.
فيقول الشّاعر بأنّ صوتهُ هَشٌّ وليس على قدرٍ من استحقاقٍ لأن يوصَمَ بأنّه حامٍ أو رافِعُ بلاء.

فشجّعه الصّوت ٢! وهيّب به أن يستمر في صموده، وأن يستمر بشكلٍ عامّ في أن يكونَ هُوَ.
فعبّر الشّاعر، وكان محقًّا، عن قلقه من أن يفشل في نهاية المطاف في منع الأرض من استقبال الكنوز، وأن يُرْجَعَ إليها غصبًا.

فأوحى الصّوت ٣ إليه أن يعود للأرض دون أن يرتدّ عن الصّمود.
ففاهَ الشّاعر عندئذٍ بأنّه حتّى لو ماتَ فلن يقوى على منع الرّائدان من نقل كنوز الدّمار للأرض..

فخلّدهُ الصّوت ٤، وهيّبَ به الصّمود والإستمرار.
وفي تصريح الشّاعر التّالي لا استبعادَ لرجوعه لأرضه، ومع هذه النهاية لرحلته، فإنّه سيتذكّر الكائنات ولن يترك الزّمان والنّسيان على هواه.. فهو منهم وإليهم ومعهم.

فبالمثل تردّ عليه الكائنات بصوتٍ واحد، أنّها لن تنساهُ، وستبقى رغم الفواصل معه، والوداع مرّتينِ كانَ.
فَرُدَّ الوداعُ، من الشّاعِرِ إلى من ناداهم بعده بأرقّ الكائنات.

والوداع كان ليس باللفظ بل بالتّلويح كذلك.. ثمّ هَمَّ وفعلَ أن جنح للمركبة القمريّة، كما أدلى الرّائد الأوّل، وأرادَ، إجابةً عن سؤال الرّائد الثّاني عن نيّته المكانيّة، العودة للأرض.

فسار الثّلاثة إلى المركبة في طابور تقدّمه الشّاعر ورائدانِ صامِتان لا يغتبطا بال “أخيرًا” أو يُحْسِنا غير اتّباعه في الطّابور.

هذا في أقواس، وأسفلها أيضًا أقواس تختصر مسارَ العودة..

فها قد وصلنا لسطح الأرض في مكتب المدير! وهو قارئٌ لِتَقرير..
فتجيءُ السّكرتيرة كي تُعْلِمَهُ بِ “أنّهُم” جاهزون للإستقبال.
فَيُمَهِّلُها على الإذن للمُنتَظِرين ريثما ينتهي من تقريره..

فتستحضر الرّسائل التي يبدو أنّها نابعة عن اولئك المنتظرين لإذن الدّخول.. وهي ما لا يهتمّ به المدير قدرَ اهتمامه بالتّقرير، الذي استفادَ منهُ أنَّ الشّاعِر -صاحب السّكرتيرة كما يعلّق هازئًا- ارتكب حماقاتٍ..

فسألت السّكرتيرة عن النّسبيّة التي حدّدت أنّ تصرّفات الشّاعر حمقاء.. وكأنّها تعرف مهنته وأنّها في ظاهرها للبعضِ حماقات وفي جوهرها حَسَناتْ.

فلم يُجِبها بل مضى هازئًا من إلحاحها السّابِق على إرساله، فهو لم يستنبط من التّقرير الحسنات بل الحماقات!
لتسأل السّكرتيرة إذن عن ما جرى وعن فشل الرّحلة إن فشلت..

فردّ المدير بخلاف ذلك، نجاح منقطع النّظير وحصيلة جديرة بالإعجاب خارقة للتّوقُّعات!
فسألت إن كان من الحصيلة كُنوز، وأُجيبت بنقيضِ كلّا، أمّا كلّا فلو دَنت قليلًا من معنى لكن، لَلَزِمَت الشّاعر!

ولسماعها اسم الشّاعر أشارَت لحقيقة أنّه فرد من أفراد الرّحلة.. ليردّ المدير بتسائله إن كان يستحقُّ العفوَ من الإجراءات المطبوقة في حالته الشّاذّة.. وفي هذا علمٌ بعلمٍ أنّ السكرتيرة ذات علمْ.

أو ربّما لا.. لأنّها استعجبت أن يُطَبَّقَ ضدّ الشّاعِر إجراء.. فيُفهِمُها بكلمة واحدة هي التّصرُّفاتُ اللِّصاقُ ضميرِ الغائب.

وهنا يبدو علم السّكرتيرة بهاتيكَ التّصرُّفات، إذ تقول بأنّها ليست بالغريبة، وأنّها ما يُتَوَقّعُهُ من شاعر على القمر!
فيكترثُ كمن وضع سبّابته صوبَ هامّ لتوقُّعِ سكرتيرته.. مجرّد ملاحظة عابرة عن ملاحظة فائتة، إذ لن يعاتبها على إلحاحها وهي، تقنيًّا، على دراية بالنّتيجة.

فعمّمت السّكرتيرة فكرة التّوقُّعِ على مديرها كذلك، لأنّه ما دام على دراية بأنّه شاعِر، فهو بالضّرورة على دِراية بأن الرحلة القمرية لن تكون عاديّة! لأنّ رائدها ليسَ النموذج المعروف عن الرّوّاد.

فاعتبرها المدير إرادةً لِجذبِهِ لِتُرَّهاتِها.. ولم ينطق بالتّرّهات، ولم يكمل ما يشبه التّوبيخ قبل أن تستحسن السكرتيرة لو أُصْغِيَ للشّاعِر، من خلال استفهامين الأوّل عِتابي والثّاني تندُّمي.

لحوحةٌ هي الآن لا لِتندِّدَ بالزّمان بل للآن، فيتّفق المدير ويأذن للشّاعر، الذي اندفع للداخل طَوْعَ إشارة السّكرتيرة والبابِ المفتوحْ..

وهناك على ما يبدو معضلة، أو رجاء، أو الإثنين.. فالشّاعر يرجو سيّده المدير ما لم يتكلّم به مباشرةً، على الأقلّ قبل إذنِ المدير بالكلام فالإيضاح.

ويتّضح أنّها نفسُ الهُموم والسّحابة الرّماديّة، فالشّاعر يوصي بأن تبقى الكنوزُ حبيسةَ السّر تَجَنُّبًا لل “كارثة”.
وهي لفظة استصغرها المدير، فتدُلُّ حينئذٍ السّكرتيرة على الخطر؛ تسريب المعلومات.. وعلى رسائلها المشبوهةِ الكمّيّةِ كدليلٍ.

فطلب منها المدير، عَجِبًا لوجودِ بُرقِيّات، أن تقرأها.
ففعلت، وإذ بالمضمون فضول الشركات والمؤسسات عن مضمون الأحجار الواردة من القمر!

فنوّهَ الشّاعر عندها عن ما في حُسبانِهِ لو رَوِيَ الفُضول وانكشف سرّ الأحجار، لذا قال بأن نيّته الأصليّة هي تركها هناك في موطنها الأصليّ.

ليسأل المدير على نمط “أوه لهذا..” لكنّه أكثر صرامة بقليل، إن كان حُسبانه ونيّته هي ما دفعاهُ للشِّجار أثناء الرِّحلة.
ولا يُخفي ذلك، ويزيده ما هيّبت به الكائنات أن يصنَع، الصُّمود والإستمرار!

فبسّط المدير بسؤاله التهكُّمي قيمةَ الإستمرارِ، مُقْرِنًا إيّاها بالعِراك، فصحّحهُ الشّاعر دون أدوات، قائلًا أنّه سيلوذ بالدّفاع عن رأيه!

فردّ المدير بأنّ رأيه ليس بِبندٍ عامّ، فثمّة آراء مُغايرة لم يبيّن ما ترى في الكنوز.. لكنّه بيّنها بمفرده، مخاطِبًا الطّبقة الوطنيّة لدى الشّاعر، بقوله إنّ الأحجار كنوز لدولته.

هنا سأل الشّاعر إن كانت الكنوز لدولته وحدها، في استنكار للإحتِكار، الذي أكّدهُ المدير.

لذا يسأل الشّاعر عن حِصّة البشريّة الباقية، كي يسأل المدير عنهم! عجبًا أصار البشر عنده أحزاب؟
فبالمنطق يَدُلُّ الشّاعِرُ على أُناسٍ آخرين في بلادٍ أُخرى.. وهم لدى المدير لا علاقة لهم بإنجازاتهم فبالتّالي لا يستحقّون الثّروة الجِدُّ هائلة، بعكس مايعتقد به الشّاعِر.. الذي يسأل كالمستنتج إن كانت الثروة محصورة لوطنه، فيجيبه المدير دون نعم أو لا ولكن بتوضيحِ أنّ سير الأمور هكذا هو الأخلاقيّ، فهو أُجرَةٌ لجهودهم التي لولاها لما تمخّضت الرّحلة وصار على القمر شاعر، وتُكُبِّدَت مجازفات.

فلذلك، يبوح الشّاعِر في كِنايةٍ أنّ الرحلة انتهت، وحدث الذي حدث وبانَ الهدفُ الأساسي ناصِعًا كَنُصوعِ تميُّزِ الرّحلة كما يقول المدير، ومنجمٍ نَجَمَ عَنْها.

فيستعين الشّاعر بمناجاته “أهلَ القمر” في نبرةٍ تكرّر فيها التماس المَعونة، وبانت فيها الأزمة.
فزاره وحي الكائنات وحده، تُبدي دعمها له وانضمامها معه على الدّوام!

ويرنّ هاتف المدير المكتبي، فيلتقطه، ومن مكالمته المشكورة يتبيّن أن طرف المحادثة هو معمل التّحليل! يُعلن عن نتيجة فحصِ العيّنات التي اكتُشِفَت سلبيّةً، ولا أكثر من تراب زجاجي وصخور!

نعم إنّها قُدرة الكائنات التي أطبقت على هذا الكنز المُهَرَّب!

انبهرت السكرتيرة من نتيجة الفحص، بالأخصّ أن تكون كل الأحجار الثّمينة تُرابًا يُصنَعُ منهُ الزُّجاج!
وساءَ المدير رغم حِياديّته العلميّة ما هو أشمل، فكرة رُخص المواد، التي ليست بالكنوز ولا بالثّروات.

وبارَكَ الشّاعِرُ اصدقائه الكائنات، وإن لم يَحْفَلِ المُديرُ بمناجاته السّابقة، بُهِتَ الآن لِما ظَهَرَ، مخاطبة الشّاعر للخَفايا.. الذين يكرّر مباركته لهم، واصِفًا إيّاهم بعد أداة النّداء “يا” بِأطهر الكائنات!

فما أحلى أن يكون للمرئ قضيّة وينصُرَها بالأشعار والإخلاص!

ذلك التّقرير الذي أظهر قدرة الكائنات واستجابتها لأماني شاعِرِها لم يكن بلا نظيرٍ هو العامِلُ الرّئيسي.. فلننتقل إلى “تقرير قمري”، ثاني العناوين.. حيث تُبنى الحبكة على فَرَضْ يفرِضُهُ الكاتب؛ سَعْيُ الكائنات القمرية لكتابة تقرير متعلّق بأولى رحلات الإنسان للقمر! فالمعقول حسْبَ الفرض أن لا تقف كائنات القمر دون فضول يوازي فضول الإنسان في البيان والتّفصيل، كي تتشابَكَ مع كواليس الشّأن الرّفيع وعلاقاتهم، فتكونَ خلطةً جديرةً بالتّأمُّل.

فما إن نصب الرّائدان ألدرين وآرمسترونج لوحتهما التّذكاريّة، أخذ كائنان فضائيّان يرقُبان والتّهامُسُ أساس حديثهم.
ويجهَلُ الكائن الأوّل فيهِ تلكَ اللّافتة التّذكاريّة، فيوضّح له زميله أنّها ذلكَ، مُبَيِّنًا أنّها تعني تمثيلَ الإنسانيّة في صورة واضِعَيها.

فلم يحسَب الكائن الأوّل غير الخير لهذه الفاتحة التي -ربّما خشيا أن تكونْ- لم تَكُ نهبًا ونارًا.

وليسا وحدهما، هما فقط من يقودانِ الزِّمام، فها هو الكائن الثّاني يسترعي أنظارهم لما استفهمَ هو عنه ولكن أجابْ، ما انضمَّ للّافتة؛ رايةُ مسقَطِ الرّأس..

فسأل الكائن الأوّل عن الدّافِع لمثل هذا التّصرّف البليد عديم الجدوى. فأجابَ الكائن الثّاني بجدواه التي تلمّسها، الزُّهُوُّ وتحدّي غيرهم لمُصارَعَةِ الرّايةِ.. وهذان تصدُقُ فيهما عبارة “عادت حليمة لعادتها القديمة!”.. لكنّ هذه عبارة كوميديّة، تُتبَعُ بالضّحك أو التّكَدُّر لا كما تأسّف أسفَ الْوَا الكائنُ الأوَّلُ.

فقال الكائن الثّالث بِحقِّ الأسف، لأنّ احترامهم للرّائدان ما لبث أن تلاشى مع افتخارهم وغَيِّهِم وغرورهم.

ويمضي الكائن الثّاني في إذاعته -تذكيرًا- ما باحَ به قبلًا، الذي إن دلّ على شيء فعلى عطف وتسامح معشره، وهو أن يَقْصُروا تدخُّلَهُم وجهدهم وعنايتهم على -إمّا بقدرة خارقة أو وحي- إرشاد الرّائدان للأحجار البخسة! يعني ما عندهم مانِع من العطاء، لكن عقابًا على الغرور فسيكون كالغُرور، رخيصًا.. فالقيمة لا تقيسُ الجماد فقط.

فاتّفق وصادَقَ قومه، مبديين جاهزيّتهم للتّخلّي عن الأحجار الزّهيدة. فلم يردعوا الرّائدان وهما ينهَبانِها لمركبتهم العائدة.
وأعلنَ المرأى الكائنُ الأوّلُ، أنّ الرُّوّادَ افرنقَعوا، ليُعلِنَ الغَيْبَ الكائنُ الثّالِثُ، أنَّهما لعائدان عمّا قريبْ بِجَمْعٍ.

فيسأل الكائن الثّاني عن مُراد هؤلاء بالتّحديدِ.. والضمير “هؤلاء” الذي فيهِ إنكار مُهين قاله الكائن الثّالث كي يُوَسِّعَ التّحديد ويفتح مجالًا لأيّ احتمال.

وسأله الكائن الأوّل عن آخر عهده بالبشر، أي عندما، أُرْسِلَ ببرنامج فضائيّ أم لا فهم أذكياء ولا رَيْبَ عندهم مشاريع وبُنًى، بلغ به مبلغه أواسِطَ البشر.. ولو وَهَبْنا أنْ هناكَ برنامج، فسيتعارض هذا مع برامج الإنسان التي تكاد تقدّس الآلات.. فالكائن لمّا سأله ذلك وبيّن ظرف المكان “بينَهُم”، كان قد توقّفَ لسانُهُ قليلًا تقديرًا لعظمة التّناغُمِ.

ليجيب الكائن الثّالث بما لا زال عالِقًا في ذِكراه، وأرسله منه لزملائه ذاتَ الذِّكرى، ويا لها من ذِكرى شنيعة! فقد تزمن الإرتحال مع يومٍ تألّقت بشرارها قنبلة، ووصفها بسذاجةِ الذي لا عهد له بالشَّرِّ بالمُخيفَةِ.

فأكَّدَ الكائن الأوّل بالنَّعَمِ المزدوجةِ، واتِّصافِ ما سمعوه من زميلهم بما اتّصفت به القنبلة، رعبٍ خانِقْ..
وتابع الكائن الثّاني أنَّهُ قد ولّى فِرارًا، راجِعًا من البلاء لأرضِ القمر وزملائه.

ثمّ عبّر الكائن الثّالث “نفض يده” أو “فقدانه شهيّة المعرفة” من البشر كنتيجة “تْراوميّة” لقنبلتهم.
فلم يتّفق معه الكائن الأوّل، لأنّه خاصّةً وقد أجرمَ مِنَ البشر، وَجَبَت معرفتهم بناظورٍ أقرب. فهل يريد لهم خَلاصًا أم يودُّ وحَسْب دِراسَتَهم؟

رأي الكائن الثّاني من رأيِهِ، فدِراسَةُ “البلد” بعد كل المتاعب والصّدمات تَجِبُ.. وهم إلى الآن لم يعيّنوا دولةً ما، فالغالب أنّهم بالبلد يُريدونَ الكوكَبَ الأزرَقَ.

فاقترح الكائن الأوّل بَعْثَ أحدِهِم بِوَرَقِهِمْ إلى الأرضِ، بُغْيَةَ تَعَلُّمِ عِشْرَةِ الولايات المتّحدة -وطن الرّائدان، وهم لا يعرفون عنه شيئًا للآن-.. وبناءً عليه، فسيتبيّنونَ نُسُقَ التّعامُلِ مع البشر.

واصطفى منهم المُبادِرَ بالسؤالِ عن صاحبِ الشَّرَفِ، الكائن الثّالث. الذي استنكرَ بِضميرِ المتكلّمِ الْوَيْلَ المُعادَ، المُقْسِمُ أن لا يُعادْ.

لذا يُختارُ الكائِنُ الثّانِيُ، فسأل إن كان وحده بكلمة واحدة هي “وحدي؟”، واضح أنّهُ يتكدّر أقلّ منه يسألُ، وأكثر منه الرُّفقَةَ يسألُ.

لكن سؤالًا من الكائن الأوّل لم يقدّم الأولويّة على إرسالِ زَمالَةٍ، فلا داعي للخوف.

فجزم الكائن الثّاني بأنّ تفضيله للصُّحبة ليس حَذَرَ الخَوْفِ، وإنّما بدعوة استفهاميّة يريد للكائن الأوّل أن يتجاذبا الرّحلة سَوِيَّةً، لأنّ في الكثرة بركة وتيسير لمهمّة الإستِطلاع.. وأقلُّ القليل مَشورة مُتاحة.

فأبدى الكائن الثّالث تصويته على حُسنِ أو دقّة أو صَوابِ الفكرة، التي هي أحسن وأدقُّ وأصوَبُ من شاهِدٍ يتيمِ الحُضور، وعينانِ لا أربَعْ.. فزاد الكائن الثّاني لاقتِراحِهِ معاني الشُّمولِ والعُمقِ.

فلا عَقَبَةَ في هذا المخطَّطِ وأمامه، سَواءً مُلهِيات أو مخاطِر، وسواءً موافقة الكائنِ الأوَّل.
حينها يُعْرِبُ الكائن الثّالث عن وفاءه وصبرِهِ على مُهْلَةِ عِدَّتِهِمْ، ويرجو لهما التّوفيقَ والسَّداد.

ليسأله الكائن الأوّل، غيرَ راسِمٍ خطوط الخريطة بأكملها، عن ما يستهدفه دعاءه بالتّوفيق! فبيّنَ وجهَ المَهَمَّةِ الكائنُ الثّالِثُ، فهم البشر والمجتمع الخاصّ بِهِمْ.

من عالمهم في الأعالي إلى الأرضِ وما دانِي.. تأخذنا المسرحيّة إلى اجتِماعٍ عاجِلٍ طرفاهُ قائد عسكري وزعيم سِياسي، ومقرُّهُ مكتبٌ خاصٌّ.. وذلك في نفسِ الزّمن الذي عقدت فيه الكائنات خطّةَ التّقرير.. فكم عجيبٌ تعدُّدُ العوالم!

وقد وصل للإجتماع، تحديدًا فوقَ خِزانة، الكائنان..
فتطلّعت للمُحيط وسأل القمري ١ عن هُوِيَّةِ وُجْهَتِهِم الّتي آلوا إليها..
فيجيبه القمري ٢ بالبلدِ المقصود دون بيان اسم دولة حقيقيّة بل باكتفاءٍ ب”ذلك البلد” وهي أشبه بغمزة لو لم يَكُن النّص مرموزًا.

مكمن تساؤل القمري ١ هو من في الهاتف يقولون آلو، وغرفة الإجتماع نفسها.. فلا يعرف لهذا القمري ٢ جوابًا، إنّما يَعِدُ بأنّهم لَعارِفونْ.

وتنبري صيحة استهجانِ القائد العسكري، عن خبرٍ أُذيعَ له بالهاتف، عن اعتِقالِ شخصٍ ما كنتيجةٍ تستُرُها واوُ العَطْفِ.
ويسألُ كالمؤنِّبِ عن التُّهمَةِ..

فَيُسِرُّ السّياسي للقائد ما معناه أن يوهَمَ المقبوض عليه أنّهُ ليس بمقبوض عليه! التِصاقًا بكذبة البلد الحرّ الذي الواحِدُ مثلُهُ حُرّ!
فتتحوَّلَ الحرّيّة المزعومة لِقَيْدٍ وَخَيْطٍ يَجُرُّ المقبوض عليه، بحنان بَدَلَ التّضييق على مجرى الدّم في عُروق السّواعِدْ، لغرفة الإجتماع، بذريعة الوِدّ المستَوْجِبِ استعجالًا في الجَرِّ!

فأغلق القائد العسكري الهاتف وأطرَقَ مُفَكِّرًا لهذا المَيْل عن يدٍ الحَديد.. فما لبث أنْ أوضَحَ السّياسي الخبيث أنَّ اللّينَ سيسحَبُ من المعتقل اعترافاته ومعلوماته، وهي بَغِيَّتُهُمْ.

عندها يسأل القائد العسكريّ عن جدوى اللّينِ ومدى قدرته على امتِصاصِ التّعاوُنِ بين سجينِ قفص الإتّهام والمُستَجْوِبِ.
فأشار السّياسيّ لأولويّة الإقناع على دبابيس في القِناع، وهو أمرٌ يفترضُ القائد صعوبته، فالمتّهَم من طِرازٍ عنيدٍ.

ويبني السّياسي نجاحهم المحتَمَل على أساسِ التّلاعُبِ، وتصوير اكتشافِ المعتقل كَشَرٍّ ينفّرونَهُ منهُ، شَرٌّ خَليقٌ بتدمير العالم!

فلفظ القائد بما يدلُّ على قوّةِ روحِ الشّخص إزاءَ وساوسهم، وروحه هِيَ هُوَ؛ أنّه صينيٌّ مُتَعَصِّبٌ! مُعَرَّف ومسبوق باسم إشارة.

فيُشيرُ السّياسي للفظة إضافيّة يجدُرُ بِها أن تكونَ لِصْقَ الصّينيّةِ والتَّعَصُّبِ، العالِمُ.
والعالِمُ يمكن إيقاعُهُ في فخٍّ بسهولة، لو كانَ الفخُّ، دون إرداف خلفيّ لصفاقة هذا السِّياسيّ، هو المنطِقُ.

يريد إذن لهذا العالِمِ البارِزِ، لا الصّيني المتعصّب، أن يحيكَ له فخًّا من نسيجِ المنطق!

لكن القائد لا يزال يرى في الصّينيّة الشُّيوعيّة حذاقة يستحيل لصاحبها أن يقع ضحيّةَ فخٍّ من الفِخاخ.
والسّياسي رغم دهاءِهِ لا يُنْكِرُ خطر القوميّة، وقسوةَ عظمِها، إنّما يُرْشِدُ على أقلِّ التّنفيذ، المحاولة.

فيوافق القائد ضِمْنًا، بالتِماسِهِ زِمامَ الأمرِ في حالةِ باءت المحاولة بالفشل. فَيَعِدُهُ صاحِبُهُ بأن يترك له المجال كي يتسلَّطَ.

ثمّ نُحالُ إلى سؤال القمري ١ لرفيقه كَغَيْرِ الفاهِمِ، إن كان قد فهم من المرأى والمسمع مِقْدارًا. فلم يفهم، ويُمَهِّلُ بعضَهُما.

عندها، تختلط الديسكو مع الضّحكات المُقبِلَة، فالخافتة كُلُّها قبلَ ابتعادِ مصدَرِها.

ذاتُ المصدر الذي فَهِمَ منه القائد، وأشار له، أنّهُ نابِع عن خِلْفَتِهِ وخِلفَةِ السّياسيّ، إذ يبدو أنّهم اصدقاء وتشعّبت صداقتهم للذُّرِّيَةِ. فأخبره السّياسي بِوُجوز أنّ اليوم يصادف يوم ميلاد ابنته.

وعلى السّيرةِ يغبِطُهُ صاحِبُهُ على عقلها، ففِكرُها يُسِرُّ البعيد قبل القريب.. والأرجح أنّه يغبط على بنات النّاس لافتقاده ابنًا صالِحًا برأيه لا برأي الصّلاحْ.

ففطن السّياسيّ إلى أنّ ابن صاحِبِهِ كالمعلوم عنه متعنّت بشأن موقفه السّياسيّ الغامِض..

وكالثّائِرِ الوادِعِ في آنٍ.. لا.. الثّائر بنظره هو الإبنُ، المرتَكِبُ عِجافًا بقنوعه بموقفه لا موقفه وهو عالي المكانة.
فلهذا عِجبة لا تُتَصَوَّر!

فقال السِّياسِيُّ إمّا مُصَحِّحًا وإمّا مُعالِجًا الأبعادْ، بأنّ ثورة الإبن هي في واقعها على.. الحرب!
ليسأل القائِدُ عن الفارِقِ، الذي لا يُبرِزُهُ السّياسي بل يتقوّلُ بما يجعل سؤال قائده كدعم للتّصريح؛ جَهْلُ الشّبيبة بالحرب وبالفارق بينها وبين ثوران على النِّظامِ المُجتَمَعيّ والتّركيبة الأُسَرِيّةِ! فلا يظهر أنْ ثَمَّةَ مِنْ فَرْقٍ.

وما لا يجهله الشّباب، لِعَتَبِ القائد، هو المَياعة والمخدّرات والجعجعة (ربّما يقصد الهتافات السّياسيّة المُعارِضَة التي ينادون بها)، والهيام دون غاية، وزيادةً في فجورهم فأزيائهم غيرُ أنيقة!

فيحمد السّياسيّ ربّهُ على عِفّةِ ابنتهِ عن الموبِقات.. في إقرار أكثر منهُ شكر وامتِنانْ. فيستحضر للدردشةِ القائِدُ تصريحَ صاحبه الفائت، ما مغزاهُ تفوُّقها في الجامعة، فبشدَّةٍ مُتَفَوِّقَةٌ هِيَ كما يُفيدُ السّياسيُّ.

وهذا تفاهُمٌ ليس غريبًا عن سِياسِيٍّ، يقول القائد، فبحكم وظيفته فلا مَشَقَّةَ في التّفاهُم مع ابنته. إذ يرى أنّ التّفاهُم أساسٌ للتّفوّق.

يفتقد القائد لروابط التّفاهم مع ابنه، ذلك أنّهُ في كلّ مرّةٍ يحاول ذلك، تكون النّتيجةُ الخيبةَ.. وهذا ردًّا على استفسار السّياسي عن تجريبِ التّفاهم المُجَرَّبِ.

فيفوهُ السّياسيّ بما معناه أنّ قطرةَ ندى لا بُدَّ موجودةٌ في الصّحراء، ومثلُها الحَلُّ.
فيسأل القائد عن ذلك الفَرَجْ، الحلُّ ومكانه المستعصي.

فيأتيه الحل من السّياسي على هيئة سؤال، إن سَبَقَ وتناقَشَ مع ابنه، فيجيب القائد بأنّ “نِقاشه” المتخفّي في الجملة كما أكيد متخفّي على أرض الواقع، يُفضي دومًا لانصراف الإبن وَسْطَهُ هازًّا الْمَنْكَبَيْنِ!

فيعرضُ السّياسي حالَهُ التي ليست من حالِهِ، مُرونة المناقشات بينه وبين ابنته. على نقيض مناقشات الأب مع وليده، التي لا تبدأ حتّى، مُجَرّدُ الهِمّة تُقابَلُ بعَرْضِ عَرْضِ الأكتاف ونظرات الإحتقار.

ولربّما كانت العلّة، كما يفسّر السّياسيّ، أنّ جيل الشّباب له طرائقه، وما مِنها طريقةٌ انتهجها القائد بشكلٍ مُلائِمٍ.
فسأله، أو سَأله، القائِدُ تكفُّلَهُ بالتّعامُل مع ابنِهِ نِيابَةً عَنْهُ.
فَرَضِيَ مسرورًا سُرورًا عفوِيًّا، في أقرب فُرصَةٍ..

فجأةً انقطعت الدّردشة الجانبيّة المُمَهّدة لصورة تمرُّد الأبناء بطرقٍ على البابِ أُذِنَ لِطارِقِهِ.. جندي عَمِلَ ما عليه من بروتوكول الإحترام وأعلن بكلمة واحدة عن الصّينيّ.

ولم يخفى على القائد وهو الذي أرسلَ الصّينيَّ إليهِ قُدومَهُ، فَأَذِنَ له كذلك.

فيأتي الجندي بالصّيني، البادي عليهِ أواسِطُ العُمْرِ.
فتأمّلَ الصّينيُّ الحُجْرَةَ، وكان له شيء من العلم رغم الإتيان المفاجئ، فسأل عن السبب وراء مُصادَرَةِ جواز سفره.

فاعتذر له القائد، وأخبره أنّ المصادرة مُصادرة لا اختِلاس، ثمّ دعاه للمَجْلِسِ.

وجلس الصّيني وسأل عن ثُبوتِ تُهْمَةٍ ما تِجاهَهُ، فنفى القائد ذلك بالجزْمِ القاطع، وزوجِ لا.
فأغلَمَهُمِ الصّيني بأنّه كان في المطار لحظةَ ما داهمهُ المُداهِون واعتقلوه.. وسبب مداهمته واعتقاله في جُنْحِ المَطار، يا للسّخافة، هي أنّ القائد ممثِّلًا وطنه قد اهتمَّ بِهِ وبالتّشرّفِ بِهِ قبل أن يغادرهم، فيقتنصون فرصة وجوده عندهم!

فارتابَ الصّيني ورغم ذلك أبدى استعداده لِخِدمة من أرادوه ضيفًا.
فتبادل معه القائد استعدادَ الخدمة، وشَمَلَ بإصبَعِهِ السِّياسِيَّ، الذي على حدّ تعبيره في الشّوقِ لهُ مُشتاق!

وفي شيءٍ من الإعجاب، يُحِقُّ السّياسي ذلك، ويشرحُ أنّ اللّهفةَ لهُ هي اكتشافه المشهور وَهُوَ بذاته.

فسأل أو لم يفعل، لعلّها محضُ زمجرة داخليّة زمجرت عندما سَمِعَتِ اكتشافًا علميًّا.. وقلقت عليه أو استغربت.
فأبطَلَ السّياسيُّ عَجَبَهُ بما أحزنَ الصّينِيّ وأفهمه في نفس الوقت.. قائلًا كالمُحاضِرِ بأنّ ذلك الإكتِشافَ ولأنّهُ عِلميٌّ ما يلبَثُ طويلًا مُزَمَّلًا بالمحجوبِ.

فيُباشِرُ القائِدُ -بعد أن استوعب الصّينيّ قضيّته- في قضيّةٍ تُحاسِبُ “الدّمار” الذي سيلحقُ بالأرض جرّاءَ الإكتشاف! ويُحاسِبُ هُوَ الصّينِيَّ انِ تفكّر وتدبّر!

وما ينجلي عن تفكُّر وتدبُّر.. كلّا بل فورًا يستنكر الصّينِيُّ أن يكون اكتِشافُهُ “دمارًا” وما عند القائد العسكري، كَذِبًا، شَكٌّ في أنّ الدّمارَ لَواقِعْ!

فيؤكّد الصّينيُّ الشُّيوعِيُّ، ذَرْيًا للخطأ المطبعي والفهم المُساء، أنّ اكتشافه سِلمِيّ، وأنّهُ لم يبني خَرابًا.

وغريب كيف ردّ القائد بما لم يقصِدْهُ، وكيف تجلّت روحُ العسكر وأتت بحكاية “القنبلة” (التي لم يقصدها، رغم أنّهُ أصلًا لم يتحدّث عنها وإنّما كانت مِثالًا لشيطنة الإكتِشاف).. وهي كذلك على دِفاع الصّيني ممّا يتحاشاها.

وقال السِّياسيّ بعلمهم عن انفصالِ الصّيني المتعصِّب عن صِناعَةِ القَنابِلِ.. وتابع عنه القائد بقوله أنّهُ سَواءً ارتبط الإكتشافُ بالقنابل أم لا، فالحاصِلُ قنبلة!
أمّا أنّها رياضيّاتُ الجحيم!

وأضاعتهُ بالطّبع تلك الحِسْبة الضِّيزى، التي تُتَرْجِمُ السُّنبُلَةَ لِشَوكَةٍ، فسأل عن الجمع والطرح والقِسمة والضّرب، التي تُساوي نتيجةً مُوَحَّدَةً!

عندها يسأله القائد في شبهِ اتّهام وريبةٍ غير مبرّرة عن مرجِعِهِ للفِرار من الدولة معَ اختِراعِهِ.
فانتقدَ الصّينيُّ الفَجَّ المغلوطَ من تعبير “الهروب”، ليستلطفه السّياسي بإضفاءِ النّيّة الحَسَنة عليهِ، في تأكيدٍ خَفِيٌّ على أنّهُ هَرَبَ! فهو يصبُغُ الوهمَ بالشَّهْدِ كي يُتَقَبَّلَ.

فيبرّئ الصّيني سفريّتَهُ من أيِّ جِزافٍ، معتبِرًا إيّاها ضرورة يحومُ حولها العادِيُّ.
فلا يؤاخذه السّياسي لأنّها حرّيّة شخصيّة معقولة..
ويلطُشُ القائد بلسانِهِ، زاعِمًا كذبتين؛ تستُّرُ الصّينيّ على اختراعه -وهو حقُّه، فالإختراعُ ليسَ حُفنة هيروين حتّى “يُتَسَتَّرَ” عليها- وانعدام حرّيّتُهُ في صدد تخبئته له، كَنِدٍّ لِحُرِّية السّفر -والعبدُ خُلِقَ حُرًّا، وما تخبئته لاكتشافه إلّا تفضيل مشروع إن أحبَّ تفضّلَ بنشره-..

فيبرّئه السّياسي بدوره، أو يدّعي التّبرئة، فالصّيني عندَهُ لم يُرِد تخبئة مشروعه.
وما أدراه؟ ربّما فعلًا أراد تخبئته، لكن بين الإتّهام والدّفاع تكون النتيجة فعلًا واحدة؛ أن يظهر الإكتشاف بمظهر القنبلة!

وإلى الآن لم تتكشّر الأنياب، فيقول الصّيني ببساطة أنّه منفتح ولا أسرار لديه.

ف”يستأذنه” القائد للنّبشِ في وُرَيقاتِهِ، فلا يجيب الصّينيّ مُباشرةً بل يتسائل إن كان هذا الإجراءُ الرّجاءُ والمُخَيَّر فيه لا مُسَيَّرْ -ضِمنَ ردِّ السّياسيّ- يجعله في عِدادِ المتّهمين.

ويعرف الصّيني أنّ الإذنَ أمرٌ لا رجاءْ، وتسيير لا تخيير، فيردُّ بتقديرِهِ الذي أجازَهُ السّياسيّ، خاتِمًا بِطبعًا الإستنتاجيّة، أنّهُ لو اعتنقَ حقَّ الرّفضِ لسقط في المقابل في حفرة الشُّكّوك!

وكذلك يبوحُ الصّيني بأن معادلات الكيمياء -كُلّ الموجود في أوراقه- لن تَغْنُمَهُمّ لتعقيدها.
وأرادَ التّبسيط، فارتأى السّياسي أنّ الإكتشاف بسيطٌ ومفهومٌ وواضح.

فما كان من الصّيني إلّا أن افترض العكس، إذ كيف يفهمون كُنْهَ اختراعه ما داموا قد أقرنوهُ بالدّمار؟
لكن إقرانهم إيّاهُ بالدّمار، كما يُقابِلُهُ السّياسيّ، وجهة نظر منطقيّة!

فمنحهم الصّيني مجالًا كي يستوضِحَ وجهة النّظر تلك، ويستفيد من المُراجعة!

غير أنّ السّياسيّ قدّمَهُ على أنفُسِهِمْ، واستعلمَ القائدُ جوهَرَ الإكتشافِ، إيضاحًا لما ينوون معرفته وما سأل الصّينيّ عن سبيلِهِ.

وهدف الإبتكار على قولِ مبتكره هو هزيمة الجوع في الصّين.
فسأل القائد عن زوايا الشُّمولِيَّةِ، على النّحوِ الّذي فيهِ استبشعَ شاعِرُ القَمَرِ احتكار بلده لحِجارة الفضاء، لكنّه ليس نَكيرًا!

فيتفوّهُ الصّيني بأنّ الأمان الغذائي هو هَدَفٌ نُصْبَه وشَعْبَهُ، الذي سيبلُغُ مليار نسمة في وطنهم الشّاسِعِ الرَّحْبِ. وهو لا يدري على وجه الدّقّة مرمى سؤال القائد، ولكنّه صريح ولا يُجيدُ المُراوغة.

وعُرِفَ مرمى السّؤال! فالقائد العسكري قد أوضَحَ مُستَجِدّاتِ مباحثهم السّرّيّة، التي ألْفوها فاضِحَةً لنوايا المخترع في إطعام العالَمْ.

ولا فضيحةَ في ذلك لدى الصّينيّ ولا ضَرَرْ، وهنا وجد القائد بيتَ القصيد!
فكأنّما على ميزان العدلِ المُشَوَّهِ تفاخر الصّينيّ بجريمةٍ نكراءَ، فالسّياسيّ وعلى أسلوب “مسكتك في الجُرمِ المَشهود” يُقِرُّ باعترافِهِ بقدرة اختراعه على إشباعِ جِياعِ العالم.

وبَدَلَ بُدورِ مُحاماةٍ يُكمِلُ الصّيني امتِداد شُمولِيَّةِ الإبتكار، وارتباطه مع الحرّيّة الفرديّة، فمن جاع أكل ومن طُلِبَ أُجيب.

والمنطقيّ كما في اعتراضٍ خفيٍّ هازِئٍ من القائدِ أن تشملَ الإرادةُ كافّةَ القارّات!
والصّيني الوديع يحتمل ذلك، ولا اعتراض على تأكيد ذلك البادر من القائد!

ليسأله القائدُ النّتائج أو بالأحرى -في ذمّ علني لها- توقُّعَ الصّيني لها! كأنّهُ مارِدٌ عاثَ فسادًا عقب تفلُّتِهِ من قمقمه.

وبالطّيبةِ يجيب الصّيني بسعادة الملايين برخائهم والسّلام الهابِط عليهم من كيمياءٍ سُخِّرَت للإصلاح!
وسأل القائد حينها عن حالِهِم من حالِ اولئك الملايين، فإذا الصّينيّ يَشْمَلُهُم.

على أنّ القائد يرفُضُ يد الرّحمة! لأنّهم لو تعاملوا مع الإختراع بالحُسنى لَهَلَكوا وتدمّروا!
فسأل الصّيني، ببساطته، عن معادلة الدّمار بسبب كثرة الخِيار!

فتفضّلَ السِّياسي، بأدبه، ببيان صِراعهم مع المشروع الفلكيّ في فكرته.. فكرة عظيمة حقًّا ولكنّهم عليها سيعترضون؛ تعتمد لا على الزراعة والصناعة بل على الماء والهواء، في ما سَيُخِلُّ بالزِّراعة والصِّناعة، خلقُ المأكل والملبَس!

ولم يرمي بقصيده في مخاطبته، فعلَّقَ الصّيني بأنّ خلق الغذاء والكساء من الماء والهواء يُعَدُّ من أهداف العلم الحديث.

ثمّ يُدلي السّياسي بتفوُّقِ الصّينيّ بينما محرّك العلم يهدر ولا يُحَرِّكْ؛ فقد استطاعَ استخلاصَ الوسيلة الفعّالة وأجرى التّجربةَ المُثْبِتةَ إمكانَ إيجاد الثّيابِ والطّعامِ، وخلقَ موادّها بلا أكثَرَ من عناصِر الأوكسجين والإتش تُوْ أو، وكُلْفَة تافهة.

وهي أمور لم، على حدّ عبارة المُدَّعى عليه، يُكتَبْ لها كامِلُ الفَلاحِ. فردَّ السّياسي ردًّا يكشفُ بلاغةَ المشروع السّابقة لسيرورة التّطوّر نجاحًا وسُرعةً، ونيّةَ الصّيني في إثمارِهِ بِالصّينِ.

في غيرِ شفافيّة، يقول الصّينيّ بأنّ ما تَرى لم يعدو كونه معلوماتِ الدَّوْلَةِ الخاصَّةِ، والقائدَ بالموثوقيّةِ.

ويُملي عليهِ السّياسيُّ ما سَيَتَرَتَّبُ عليهم من مكارِهَ، كانهِيارِ الإقتصاد نتيجةً لإلغاءِ العَوَزِ للزّراعة والصِّناعة والإكتفاء بالماء والهواء كاستعاضة مجّانيّة.

وينضمّ القائد الرّخم في جلسة التّأنيب المعنويّ، بإشارته استفهامِيًّا للقمح الذي شَبِعَ من وفرته!

ومثلها عاطِلٌ عن وظيفته، بإضافةِ السِّياسيّ، من مصادر اللّحم الحيوانيّ. فهي لو ازدهر الإبتكار لتنزّهت في الطَّبيعَةِ!
ثمّ هناك، مبادرةً من القائد، المزارعون ومُلّاك الحيوانات المتجوّلة في الحدائق! يا تُرى ماذا تكون صنعتهم بعد العَطالة الإجبارِيّة؟ فهم في خَلَدِهِ مُعَرَّضونَ للتَّشَرُّدِ.

ومن ضمن المُهَدَّدين مصانِعٌ لا تحتاجُ لتصنيع ولا يَسَعُها التّربُّح من تصدير.. لأنّ مفاهيم التّصدير سيكونُ العالم في غِنًى عنها.
واستنطَقَ القائِدُ الصِّينِيَّ بعد حُجّةِ المصانع القديمة التي دَلَّ عليها السِّياسي.

وهذا، للصّينيّ، باهِتٌ فارِغٌ أجوَف! يستدِلُّ بحِقبةِ البُخار وبُزوغِ ضَيِّ السّفن المعتمدة عليه، واحتجاج مُلّاك سُفُنِ الشِّراع كي يستسخف معارضة الحَداثة.. ويقدّم مثالًا آخَرَ هو رهبةُ رؤوسِ المصانع اليدويّة لمّا كانَتْ كهرباءْ.
فملازمة الماضي بذريعة التّخوّف من فقدانه غير قائمة بِذاتِها، والجديد كالقادم على الدُّنيا، تُوجَبُ رعايته وتغييرُ الطُّرُقِ معه، حتّى يسُودَ عالم أفضل وأكثر قابليّة للفهم.

فلا يستطيع السّياسيّ ردًّا وافِيًا شافِيًا، ولا حتّى طردَ المعقول والمفهوم عن وثائق فعليّة من الماضي.

أمّا القائد فوسَّعَ المَدارِكَ لِتُدْرِك ركيزةَ سَطْوِ الدّول الكبرى على نقيضتها الصُّغرى، والبقاء دومًا في الطّليعة.. طليعة يتطلّع إليها الصّغير أمَلًا في حبّة قمح تستفيضُ في الأعلى!
وبصراحةٍ يبوحُ بأنّ الضّغط والإستبزاز سِلاح! ممحوقٌ إذا شَبِعَ العوامّ، لأنّ “الفائض” المُكَدَّسَ في خزائن الكُبرى، والنّابِع من نهرِ الزّراعة والصّناعة وخِلافِها… هو ما يصنعُ الفوارق، والفوارق هي ما تُعَمِّرُ قوّةً على حِسابِ الضّعيف المُفتَقِرْ.

ويختصر السّياسي ويُعَقِّبُ عليه، مُخبِرًا أنّ سياسة الدّول الكبرى لآلة إنهاء الجوع والعَراء ضَحِيّة.

إنَّ استماتتهم على تقسيم الدُّوَل لأحجام وقُوًى دفعت الصّيني لاستفسارِهِ عن ذلك الفِكْرِ الشَّطَطْ.
وهو استِفسارٌ لم يَنَلْ لا إجابة ولا استحسان! فالسّياسي يستنكر القول، والقائد يفسّرُه تبسيطًا على رغبة بالتّدميرِ الشّامِل!

فقصدا الطّريق المُختَصَرَ المُفْتَرِضَ، وسأله السّياسي شُروطَهُ لتخلّيهِ عن مشروعه لِصالِحِهِمْ.

وبما أنّ الصّيني لا يشاءُ الإستسلامَ أصلًا، فقد أذهله هذا التّوجّه فورًا لطلب الشّروط!
فحاول السّياسيّ اغراءَهُ بالمال، تارِكًا تحديد السِّعْرِ لَهُ.

فرفض فكرة النُّقود بِرُمّتها، ممّا يَعْكِسُ وينعكس على لهجته، احتِقارًا واستبشاعًا وربّما خوفًا من المادِّيّاتْ.

لا متطلّبات لديه، بل لا يشترط حتّى أن يستنير مشروعه ويُنيرَ في الصّين.. لقد رأى منهم هذا التّمَسُّكَ فارتضى أن يَلْزَمَ دولتهم؛ وكان هذا شبه متطلّب لأنّهُ خيار ثانوي أُجيبَ بِهِ سؤال السّياسيّ عن متطلّبات غير المال.

وقد اشترطَ في هذا المَطْلَب، شرطًا قَبِلَ السّياسيّ أنْ يُتلى، أن تتولّى دولتهم تطبيقه!

فسخر من ذلك القائد، لأنّ معناه حَسْبَ تفكيره الأعوج أن يقضوا على أنفسهم باستلامهم القنبلة!

فيرى الصّيني أن ابتكاره قنبلة أي نعم، ولكنّها ستهوي لا على الرؤوس كلّها، بل النُّخبة من الجَشعين الرّأسماليّين العفِنين!

فيما السّياسيّ صرّح بأنّ القنبلة أي آلة انهاء الجوع والعَراء ستجعل من تركيب المجتمع هباءً ممحِيًّا.

ولا بأس عند الصّيني أن تختلَّ التّركيبة المجتمعيّة إذا كان ذلك على حِسابِ الجيل الجديد الذي لن يعرف الفقر! وسيُستَبْدَلُ العناء رخاء!

وقال بأنّ ثمّة ما سيختفي هي المعاناة (الشقاء كتطابُق أوزان مع عناء ورخاء)، ولذلك أشار القائد لحقيقةِ أنّ ما سيختفي كذلك هي الحروب!

وهي نتيجة حتميّة، كما يفيد الصّينيّ.
لكن القائد لا يعدّد النّتائج وإنّما يُنَدِّدُ بِطَرْحِها موازين القوّة الغاشِمَةِ.. زيادةً، زوال الجيوش، وأيضًا يردّ الصّيني بمعاني نعم (فعلًا طبعًا هممم كلامك عسل صحّ الصّح!).

ولم يكن هذا الحال مع تندُّر القائد بشغله الشّاغل لو أُزيلت الجيوش والحروب، أن يقضم الجزر مثل الأرنب!
ويتعاطف معه صديقه الرّئيس فهو مثله سيتهمّش وتبور وظيفته. كما أنّه سيلحق بالقائد في قضم الجزر، أو الخِيار كما فَضَّل لأنّه لا يهوى الجزر!

فَنَوَّرَ الصّينيّ دربهم وهداهم للقناعة بعمل جديد في المجتمع الفاضل الجديد، ليحبّذ القائد الموت على التّقاعد من العسكر العاتي.

وابتئسَ السّياسي لِطالِعِهم المستقبلي، المرهون بما قاله القائد؛ تعاوُرُ ديكتاتوريّتهم، بقوّتها ومجدها، لِعالَم أرانب! فيضايقه أن يكون غيرُهُ أرنبًا يجد قُوْتَهُ كما أن يكونَ هو أرنبًا عاطِلًا فقيدَ قُوَّتِهِ!

ويُقابِلُهُ الصّيني بالتّسليم، وتركهم على سجيّتهم وعلى أركانِ قِيام دكتاتوريّتهم من مجدٍ وقوّة، ويرجوهم أن يُترَكَ هو حُرًّا في العودة للصّين حيثُ هناك من يتمنّى “مجتمع الأرانب” الذي لا ينقُصُ فيه عشب، فهو إذن جنّة، وهو كذلك سلامْ.

فيُغالِبُهُ السِّياسي مُصَرِّحًا بما هو حَقّ، أنّ “الأرانب” السّاكِنة في الرّخاء، ستشبع وتتكاثر، وهذا للأسد، كِنايةً عن الدّول العظمى، خِناق! فلا ينبغي أن تتوفّر مقوّمات الحياة الكريمة لصِغارِ الأُمَم!

ويحتدُّ القائد آمِرًا أن يُسَلَّمَ مشروعُ الصّيني بإعفاءٍ من الشّروط..
ولو سلّم الصّينيّ مشروعه، كما يعرف لو أنّه لو سلّمهُ، فسوف “يُعدِمونه” أي يُجهِزون على المشروع.. وربّما هذه لفظة غريبة على غيرِ العاقِل، لكنّ الصّيني بعد أن أكّد القائد الإعدامَ، يُبدي رغبته بأن يكون هو، العاقِلَ وموطِنَ الفِكر المُحتوي للمشروع، المُعْدَمَ!

وكان هذا الموقف، قُصورَ المحاولةِ في إقناعه كما تابَعَ السّياسيّ، هو ما حَسِبَ القائدُ أنّهُ واقِعٌ.

ثُمَّ قرعَ القائد زرًّا استدعى رنينُهُ الجنديّ، فألقى إليهِ نظرةً ذات مغزى، بعدَ أن أشارَ إليهِ انْ أمسِكْه.

وَيدعو القائد بعد ذلكَ صديقه لتفقُّد أبناءِهِمْ، فيغادران الغرفة؛ وتسنحُ الظّروف للفضائيِّيَنِ بأن ينزلا عن الطّاولة، فجعلا يُحاكِيانِ البشريّان في وضعيّات الجُلوس وإحاطة الطّاولة، ما يُشابَهُ على استهزاءٍ، إنّما بتحرّكهما فُرادى على المِقعَد وعندَ المكتب، يحاولان تمثيلَ جلسةِ السّياسي والقائد.

ويظُنُّ القمري ١ بأنّهم قد بلغوا من العِلمِ مُرادَهم؛ كُلُّ ما يُحتاجُ لمعرفته، ويشاركه هذا الرّأيَ القمري ٢، ويتبادلان سؤال بعضهما عن فحوى المعرفة، فيجيب القمري ١ بِخَبَرِ إعدامِ من تجرّأ على التّخطيط لإطعام العالَمْ.

وأمسكَ القمري ٢ بتلابيبِ مفردة الطّعام، يعرف أنّها نُواة، لكنّه جاهِلٌ بماهيته.

أفلا يعرف؟ هكذا يردّ عليه زميله، لكنّه يعرف! ويقدّم شرحًا لوجهة نظره بخصوص الطّعام، مُتعِب ومُثير للمشاكل (الصّحّيّة أم الإقتصاديّة؟) وهو على حدّ وصفه أوّلًا تافِهٌ بوّابته واحدة، الجسم، لكن له في الجسم بوّابَتانِ.

فعلّق القمري ١ بحمدِ نعمةِ انعدام الطّعام عندهم، الذي وعلى ردِّ زميله ستنبثق منه عدوى الإقتتال لو لم يَكُ معدومًا، فيعانون من معاناةِ الصّراع على المصادر كالبشر.

وتماهى إلى مسامعهم صوت مُقتَرِب اختبئا منه بعد أن أسكَتَ القمري ١ القمري ٢.

كانا أبناءَ القائد العسكريّ والسّياسيّ، وقد دخلا لغرفة الإجتماعات موصِدينَ الباب. وقد بدا عليهم خِلاف طفيف.

وفي الخلوة نعتها بالجاسوسة! فاستنكرت هي بالضّمير، مستفهمةً مأخوذةً..
ليبرّر اتّهامهُ بأنّه يسري على مُخالِف المَعِيّةِ الذي يتكالبُ عِوَضًا عن الحِلْفِ.

فَنَفَتِ الفتاةُ الوَجْهَينِ، ثابتةً على الحِياد، لكنّه حيادٌ أساسه عدم الفهم لِمُحَدِّثِها وجماعتهِ.

فأفهمها أو وعّاها بأنّها قد كُذِبَ عليها من طرف والدها السّياسي، ووصفه بالحذق في سياسته، ووصفها هي بالصِّغَر من باكورةِ رأسِها؛ أي أنّها سهلةُ الخِداع لِصِغَرِ سِنِّها.

فتدافع الإبنة عن أبيها، قائلةً أنّ كلّ ما في الأمرِ انفتاح أبيها وحبّه لها، المنعكس في نقاشاته الهادئة غيرَ المُقَيَّدَة.
وبمجرّد ذِكْرِ الفتى لِحِكمَةِ أبيها، أو ما فطن إليه منها، يظهر انفعاله من سخافتها؛ ادّعاءُ نصرة حرّيّة العالم عبرَ التّشويش على حرّية شَعْبٍ بِعَينِهِ.

وردّت الفتاة بأنّ هذا لِما سمعتهُ حَقًّا تدليس، وإذ بالفتى يُدَلِّسُ مَقالَ أبيها، إذ كيفَ تفهم نوايا أبيها السّياسيّ وهو مُنَمَّقُ اللّسان مُلَمِّعُ الصَّرْف!

لتبوح الفتاة بما باح به أبيها بيانًا، أنَّ عداءهم للشّيوعيّة مكمنه الوِقاية من فسادها الذي سيطال مجتمع الدّولة.

فسأل الفتى ينشُدُ هدمَ مغالطاتِ السّياسيّ عن السّبب الذي تُجَرَّمُ له الشُّيوعيّة.

وهو ذات السؤالالتي بادرت به لأبيها، ومنه يستفيد، رغم إيجابيّة وعُمق الشّيوعيّة الظّاهري، فإنّها ستكون عضالًا فيما يَخُصُّ التّطبيقَ العَمَلِيَّ، الذي سيلزمه نظام دقيق وأمين، فإذا ما حدث وحدثت هفّة في ذلك النّظام، فستولد دكتاتوريّة!

ما أخبثَ السِّياسيّ، إنّهُ هو الدّكتاتور الذي يطغى على الأمم ويُبيد الأحلام فقط كي ينتصر لذلك النّظام المثالي الزّائف.

وتلك براعة دلّ الفتى على إسلافِهِ لها، براعةُ التّلاعُب بالمصطلحات، غير أنّهُ استعمَلَ وصفًا آخر يُنافي البراعة أو يتّصل بها في هذه الحالة؛ التّضليل.

فتذودُ الإبنة ماقِتَةً لازدراءِ أبيها واتّهامه بالتّضليل، فيعتذر دون جديّةٍ الفتى، وكي يخفّف عن أبيها الذّمّ، يُشرِكُ أباهُ القائد العسكري معه في نفس المَذَمّة التي قد يتفوّق فيها الوالِد، خلقُ ظروف من العدم تُجبر الشّباب أي الجيل النّظيف على خوض حروب تتضادّ مع طُهْرِهِمْ. ويسأل عن رفضِ أصحاب السُّلطة على القناعة ودفع شعبهم للقناعة بما عنده عِوَضًا عن تخريب حرّيّة الشُّعوب بتبديل ثوابتها.

فاتّفقت الفتاة مُسَلِّمَةً، وصرّحت بأنّها تفوّهت بذات الشّيء -الإبقاء على حرّيّة الشُّعوب- لوالدها، فتوقّعَ الفتى بالبديهةِ أنّ الرّدّ كانَ ذريعةَ الدِّفاع عن النّفس، ذلك الدّفاع المتنكّر كهجوم!

وهذا عينُ، بعينِ الفتاة السّامِعة، ما يشبه تَفَوُّهَ السّياسيّ!
ليسألها الفتى عن اقتناعها من عدمه، فتجيب بلا لا ولا نعم، وأنّها لم تستطع قاطِعًا.

فاستحضر لانتباهها ما كان بإمكانها الإجابة عنه -باستفهامه-، الدّفاع بالسّلام لا الهجوم. وليس فقط سلامًا محلّيًّا، وإنّما أيضًا “رخاءً عامًّا” يعني عطاء! فذلك أعظمُ دِفاع.

ولمّا استعلمَت هي عن الرّخاء العامّ، أجابها هو بجواهر لا كلمات.
فماذا لو انحرفت الملايين عن مسار تمويل الحروب للطّيّبات والخيّرات من محو الفقر والعنصريّة والسّطحيّة في بلده؟ سيُبنى ما سمّاهُ حِصنَ دِفاعٍ متين.

وهذه القلعة إذا ما بقيت عامرة فإنّها ستثبت بنفسها أنّها هُدًى.
فاتّفقت مع هذا الرّأيِ الفتاةُ.. وتابع الفتى في الجانب السّلبيّ أنّ ذويهم يجعلون من المجتمعِ مُتَداعِيًا بتمويلهم للحُروب الفارغة، فيخنقونه، وينتُجُ عن تشويههم عبيد ظلامهم ظلامان؛ اليأس ودم الضّحايا الأجانب، وهؤلاء ينخَرُهُم الفقر والفساد والتَّحَلُّلْ.

الأدهى أنّ الشّباب -شباب المستقبل كما يقول- هم من يدفعون ثمنًا غاليًا قِياسًا بالمجتمع، الذّودْ عنه مغصوبينَ.

فتُحِقُّ تصريحهُ الفتاةُ مرّتين، وتتسائلُ جَهرًا عن الحاجِز الذي مَنَعَ السّاسَةَ من إبصارِ الحقيقة.
وإبصار الحقيقة هو التّفكير فيها ولكن -على مقولة الفتى- من ذا يعمُلُ في منصِبِ التّفكير؟ الشّركات الكبيرة التي تهيمن لا على الأسواق فحسب بل على المجتمع بانحلاله؟ (وربّما العلاقة طردِيّة!) أو أثرياء القوم؟ لا أحد منهما، ليس لغبائهم، بل ل”استأجارهم” الطّبقة الحاكمة بكامل فِكرِها؛ العنيف حدَّ السّيف والمحنّك حدّ السّياسة الدِّبلوماسيّة.. بينما الفكرة الأسمى عندهم وأقصى المُراد هو الرِّبحْ.

فَيُفَتِّحُ بذلك عينا الفتاة على ما انغَلَقَتا عليه، فتنزعج انزعاجَ تذوّق الحقيقة المُرّة، تحديدًا فكرة الأرباح المُشتَهاة.

ويزيدها وعيًا بقوله أنّ الأرباحَ الآنِفَة هي خُلاصة شقاء الشُّعوب في تحصيل قوت يومها، الذي هو قوت فقط عندما تقبضه الشّركات الجشعة. ويلعبُ على عقولهم وإرادتهم الدّهاءُ والسّيف المملوكان للأبَوان.

واستعجبت الفتاة مستفهمة تورُّطَ الأبوين، فأكملَ الفتى كمن لا يحتاج لنعم أو لا، قائلًا بأنَّ شباب المستقبل هم وقود هذه الحرب بلحمهم لا مجرّد سائل، التي يُشعِلُها الحكّام، خِدمةً لمن هم أعلى منهم حُكمًا.. وما يفعل اولئك الجبناء العبيد في أثواب النّبلاء غير اعتكاف مكاتبهم.

وجاءت استعارة عن الوقود، فباشتعال أجساد الشّباب في الحرب، فإنّهم يُنتِجون نارًا هي ما يطهو ولائم أسيادِ أسيادِهِمْ!
والأدهى أنّ التّضحيات تمدرج تحت وهم الحُرِّيّة.

وتسأل وقد جَنَحَت لجناح فِطرِهِ عن فحوى تلك الحرّيّة المزعومة، وتجيب نفسها بصيغة السؤال لا زال بأنّها حرّيّة أكل لحوم البشر! لدى القادة الطُّغاة.

وذلك، سؤالًا لا داعي له ولإجابته للفتاة، من الفتى، ما فيه رَيْبٌ.
وطرحت الفتاة مثالًا لما قيلَ لها من أبوها عندما سألتهُ عن مغزى الحرب، حيثُ كان ردّهُ أنّ الغاية هي عالم حر يعيش فيه أبناءُ الوطن وأبناءُ الآباء!

ولكن الفتى يخالفه، فهو يرى أنَّ حربهم هي فقط في سبيل الأغنياء الذين من فرط شبعهم أُصيبوا بضغط الدَّم، والإناث منهنّ اللاتي يثملنَ على اليُخوت، فحالهم هذه هي غنيمتهم!

وتعي مستفسرةً إن كان المستقبل قد خانتهُ وُعودُ إثراءِ الشّبيبة.
فيكرّر على مسامعها لفظة المستقبل في تكدُّر، الذي على حدّ زعمه المُمَثِّلِ فيهِ الشَّبابَ، سيُهدَم كي لا يستطيع السّاسة التعذُّرَ بِهِ.

فتسأله الفتاة عن الكيفيّة.. لِيُرسي حامِيَ القولِ؛ رغبته في الثّورة على “المُستَقبَل”، فتزول بذلك شوكةُ أولياء القرار المنشودة..

عندها تخبره الفتاة عن رأي أبيها فيه، أنّهُ يميلُ للشّيوعيّة، وفي سؤاله عن رأي السّياسي بدوره اكتراث، لكنّهُ ليسَ مكترِثًا.

ورأي السّياسي فيه هو أنّهُ فوضوي؛ وثمّة شيء آخر تردّدت الفتاة في إخباره فاستنطقها الفتى مشجّعًا كي يعلم ما هي تلك الصّفة التي يعتقد السّياسيّ بأنّها تعتريه بعضَ الأحيان؛ الخِ

وهي فعليًّا ليست بِصِفة بل بمفعول به، فهو يرى أنّ الفتى مخدوع! ولم يستفسر عن مراميه ووجهة نظره، بل فقط لفظ ما سمعه، كلمةً واحِدةً، مستعجبًا، واستزادت الفتاة في تفسير المفعول به، قائلةً بجهل الفتى بالحقائق..

فتجاهل الفتى تلك الإهانات، معتبرًا إيّاها دسائِسَ وطولَ لِسان يطولُ عندما تشتدّ الحاجة لِطَعْنِ المُعارِضين -كارهي النّظام- في الظَّهرِ بالباطِلْ والجِزافْ.

والنّظام هو المجتمع، والمجتمع تكرهه الفتاة كذلك! طبعًا ليس بنفس درجة كُره الفتى التي تدفعه لتدمير المستقبل، لكنّها تكرهه.

ولذلكَ يدعوها الفتى لِصَفِّهِ، وما هو ذلك الصّف وأين يقع؟ تتسائل الفتاة عنه.

فتُجابُ بأنّهُ البديلُ عن المجتمع الفاسد، مجتمعهم الخاصّ!

فترفض قلقة متردّدةً جَزِعَةً للمجازفة، ليسألها سؤال الإستشعار عن خوفها، فتجيب الفتاة أو لا تُجيب، إنّما هي فقطْ تقول بسماعها “أشياءَ” بالفِطنة نعرف أنّها خطرة عن مجتمعها الفاسد.

فيسألها الفتى إن كانت الأمور التي سمعتها مُنَفِّرَةً، ويُجابُ بأنْ نَعَمْ. ثم يسألُ عن مِقدارِ تصديقها لها، فتأخُذُ بعين الاعتبار كونَها افتراءات.

وفي ذلك نقطة سلبيّة جعلها الفتى إيجابيّة بتصديقه لما اعتقدَت باحتمال كونه إشاعات.
وفي ذلك اعتِرافٌ من الفتاة بأنّه الإعتراف.

فيعترف الفتى أكثر، فَبِحَسْبِهِ أن الإشاعات حقيقة وما خَفِيَ أعظَم!

لذا وبعد أن دخلت الفتاة طَوْرَ التّصديق تسألُ عن المبرّر للمفاجِع والخَراب، وهنا يتحدّث الفتى على لِسانِ وطنه الممتاز الذي لا يبرّر ولا ويحتاج للتّبرير لأنّه صادِقْ، فهم في غِنًى عن التّبرير والكذب، وقد هَجَروا مُجتَمَعَهُ.

لكن الفتاة استماتت على مبدأ السّبب والسّببيّة، والحدث الذي لا بُدَّ سابِقَتُهُ فِكرةٌ. وبالمثل يستميت الفتى على فكرة أنْ لا هناكَ فكرة ولا سبب!

ولا بُدَّ لانعدام الكيفيّة من كيفيّة كما تعتقد الفتاة، فلأنّ مجتمع الفتى الفاضِل لا يُريد فهو إذن لا يوجِد!

فتسأل تلك الفتاة عن السّبَب. وهنا طَفَحَ تعلُّقُها بالأسباب.. فأخبرها الفتى صراحةً بأنّ عقليّتها مرهونة بالأكاذيب، طالنا أنّها تُعزي كُلَّ هدف نبيل لسبب أو مبرّر؛ فالأسباب والمبرّرات كَذِبْ.

فالنّتائج النّبيلة هي دفاع عن الذّات، هدفٌ أرفَعُ مِنَ تبريره أي الكذب دفاعًا عنه، وقيمة أسمى من التّرقيعات. هذا جواب على “لماذا” لم تخرج من فم الفتاة! التي أُفهِمَت أنّ كونَ المجتمع مُنَفِّرًا أو ضائِعًا هي طبيعة.

وكونُ ذلك طبيعةً لَهُوَ شيءٌ طبيعيّ للفتى، وعجيب للفتاة، والطّبيعي ردّ على العجيب. فاستُعْجِبَ الطَّبيعيّ!

فأطلَقَ الفتى خِطابًا مُعادِيًا لمجتمعه، بصيغة الجماعة، مُعْرِبًا عن رفضه وإنكاره الكامل له، تقاليدًا ومدلولاتٍ، وأيضًا مع تفصيلٍ، كلماته المُفتَقِرة للعَدالة والأمانة وصَوْنِ الكلمة؛ كالنّظافة والعقل وحكمته والحرب والسّبب وتبريره والأخلاق بكذبها والنّظام بهندامه وسُلوكه والصّحة واليقظة التي قد تُشابه على كلمة قريبة من الصّحّة هي الصُّحُوّ، والعمل ومهنته وماله.

لقد تشوّهت المعاني.

وبعد حملة التّطهير هذه سألت الفتاة عن المتبقّي للإيمان به، فيجيبها الفتى بالعَدَمِ. وهو ما لا تؤمن به بِسُرعةٍ وتستغْرِبُهُ، فيوضّح بأنّ فضائل الماضي قد مُحِيَت..

فبتردّد فِطري تقولُ بِلكن دون أن يكون لها جُملة تؤنِسُها، لكنّ الفتى قضى على محاولات تفكيرها بإخبارها أن لا تفعَلْ، لأنّها لو سلّمَت نفسها لهُ ولمشروع مجتمعه الفاضل المقرف وتعايشت بين شعبه فلن تحتاج للتّفكير في عِصيان مجتمعها.

فسألت الفتاة عن مكانة السّعادة بينهم، ليردّ الفتى بعلامةِ الإيجابْ. واستكملت كلامها أو كلامَهُ مبيّنةً حقيقةَ الوضع، العدم؛ السّعادة دون مبرّر ودون أيِّ شيء. وهو ما لم يبرَح عقلَ الفتى.

ولكن ماذا عن الحبّ؟ تسألهُ الفتاة، وهذا بِخلاف كلّ شيء، كُلُّ شيء! يُجيبُها.

فانبهرت واندهشت ومن المؤكّد أنَّ الأمَلَ احتَلَّها.

عندئذٍ بانَ الجندي عند الباب الذي طرقه دون نَيْلِ الإذن، الذي استَعلَمَ عن القائد العسكريّ، وهو جنرال على حدِّ تسميته.

فوكٍل ابنُهُ نفسَهُ ليكونَ مُتَلَقِّيًا وسكرتيرًا له دون بيانِ مكانِهِ، فسأل عن ما أُريدَ إيصالُهُ لَهُ، وإذ به بلاغ لم يَترى سوى أهمّيَتُهُ.
فعيّنَ الفتى نفسَهُ كمِرسالٍ لذلك الخبر الهام.

الخبر الهام هو “انتِحارُ” الصّيني!

فسأل الإبن بِمَكْرٍ مَشروعٍ أإنتِحارٌ أم جِناية.
فلم يُجِبْه الجُندي، بل بالفُتورِ العسكريّ رجا الإبلاغَ وشَكَرَ وافْرَنقَعَ.

وتبلورَ إدراكُ الشّابَّيْنِ وتشظّي عواطفهم لقطعة واحدة، الفتاة ردَّدَت في عَجَبٍ جِنْسِيَّةَ الصّينِيِّ، ليسألها الفتى عن عِلْمِها بِقصّته.

فردّت بما تبادَرَ إلى أُذُنَيها المخدوعتين، صِناعةُ المُنتَحِر أو المقتول لقنبلة.

فللمهزلةِ يُعْلِمُها الفتاة بأنّها ليست قنبلة، بل قنبلة، ولكنّها قنبلة محمودة تفجّرُ الجوع! فيشبَعُ كُلُّ من على الأرض!

فسألت عن الخبر، أفعلًا مُنتَحِرٌ الرَّجُلُ؟
فنقًّحَ الفتى الخَبَرَ، فبدل الإنتِحار قَتْلٌ، أمّا الجاني فَهُما الأبَوان، والجِناية لم تَكُن مُستَبْعَدَةً.

فسألت عن السّبَبْ لِما لا مُبَرِّرَ لَهُ، وأجابَها الفتى بطبيعة المجتمع الوحشيّة، الذي حياتُهُ شقاءُ الغير. فهو كالطُّفَيلي يعتمد رخاءُهُ على استنزاف رخاء المُعتدى عليه والمُضيف.

واستفظعت الفتاة هذا الويل! وعندها يدعوها الفتى مِن جديد نحو مجتمعه، مُشَجِّعًا إيّاها على الهُروبِ، فتسأل عن الوُجهةِ وتُجيبُ عن الوجهة. إنّها كي تكونَ أبدًا بِرِفعَتِها لا شيءْ!
وليس يبدو في ذلك استنكار وكره للّا شيء، بل معرفة طَغَت وأنارَت.

والفتى بِكُلِّ ثِقةٍ يُجيبُها بالإيجاب، ويستطردُ بقوله إنَّ اللّا شيء تَشُذُّ عنهُ المساوء كالدّمار والضّياع. لكن تلك الهالة البائسة تبقى مُستَقبلًا يقودُهُ الشّباب! يقوده الشّبابُ بِالكِرباج والطَّوق، مستقبل أعجَف حقير لا بُدَّ، في سبيل تدميره، أن يدمِّر الشّابُّ نفسهُ فيلعَبَ دورَ القنبلة الموقوتة! ورهيبةٌ تلكَ القنبلة التي لِحُسنِ تدبيرهم لن تُفَرِّقَ بين الشّاب والفساد، فترحم الأوّل ليزدهر الثّاني! ومع موتِ الشّاب يموت المستقبل الذي لطالما كان شمّاعةً يُعَلِّقُ عليها السّاسةُ أكاذيبهم وخططهم للإبادة والشَّرّ.

في رهبةٍ خفيّة انجَلَت عن جملة متردِّدة، تقول الفتاة للفتى مُرادَهُ مِنها، الذي يُكْمِلُهُ هو بِشُمولِ الإنتحار أو التّدمير الجماعيّ لها.. فهذا لنفسها وروحها وجسدها أطهَرُ من أن تُستَغَلَّ من المُجرِمين ومجتمعهم، الذي وللدّاعي للتّدمير الذّاتي يستغلُّ الشّبابَ ويُعامِلُهم كأسلحة نقيّة تُجَلْجِلُ في الحروب الوَسِخَة.

فتسألُ الفتاة إن كانَ هناكَ بَديل، فما مِن بَديل في الوضع الرّاهِن، في المجتمع الرّاهِن، يُجيبُها الفتى.

وللحلّ العَميل، الذي له لا بَديل، وتُكَفْكَفُ الأعيُنُ لهُ بالمَناديل، صدى مَهيب تمثّلَ بتعبيرِ الفتاة عن صراحة الحل بكلمة واحدة تجرّده من الأغلفة، الإنتِحار!

فأكَّدَ الفتى عليه بصيغة الجمع، فالشّباب جيلٌ للأسفِ تَحَرَّشَ بِهِ القادة ومجتمعهم الموبوء على حدّ وصفه، فصيّروهُم وسيّروهُم كآلات قتل تفتك بالأبرياء. فكيف يرتضون هذا الذُّلَّ والهَوان؟ وكيف يرفُسونَ الحُرّيّة باختيار مصيرهم -ولو انتِحارًا- بِكَرامَةٍ لا أنْ يُستَعْبَدوا!

فتوافق الفتاة ولم تبقى فيها خلجة مَخافة، وأحبَّت أنْ يكون لها ولأمثالِها حقّ في اختيار مصيرهم كأقلّ القليل وسطَ واقِعِهم المُعاش.

ودَعاها الفتى لإنهاءِ أنفُسِهِم الحُرّة بطريقة “هَلُمّي بِنا”.. فكان كاليد المنبثقة من فَجوةِ الكونِ لترفع الأرواحَ الملتصقة في قِعْرِ التّبعيّة، فتهديها لتبعيّة عظيمة!

ثُمَّ خَرجا مُسْرِعَيْنِ لمحكمتهم الخالدة في سماءِ المُقاومة والحُرِّيّة!

آخِرُ عهدِ الكائنين ببحثهم وبعثتهم، وصمتهم!
القمري ١ يسأل القمري ٢ عن سماعه لما سَمِعَ، في وعي واضِح لكن حِيادي.
والقمري ٢ يقولُ بِسَماعِهِ وفِهْمِهِ، كي يتسائل القمري ١ في تعييب لا تسائُل إن كانت الدّولة بل المُجتَمع الحاطّانِ فيهِ هي موطِنً رُوّادِ القَمَرِ.

فبدأ القمري ٢ ردّه بأداة الشّرط إذا، دون أن يكون لردِّهِ معنى مُفيد، فاشترطَ نتيجةً ما لِكونِ الحادثة التي أخضعوها للتّقريرِ حقيقةً.

فأكمَلَ القمري ١ قصدَ زميلِهِ المبني على شبه إجابة لاستفساره عن المجتمع، فالمجتمع لو كان فيه هذان البطلان الّذان ضحّيا بِشَبابِهِما وقادا ثورةً ضدّ مُغتالي الخُبز، يُنذَرُ مُستقبله بالخطر.
وذلك عن طريق الإستفهام.

وفي استنتاجٍ للمسموع يَرُدُّ القمري ٢ بنفس الإشتراط، مُفيدًا أنّ الشّبابَ مُستَقبَلْ، والشّباب قنبلة ذاتيّة!

ولم يخمّن القمري ١ ناتِجًا ما، بل احتَمَلَ أن تنبري مُعجِزة مُصْلِحَة. فأخرَجَ القمري ٢ نفسَهُ وزميلَهُ من شأنِ الأرض، التِزامًا بمهمّتهم الأساسيّة؛ التّقرير بعد السّماع والإبصار.

فاستعجَلَ القمري ١ في اتّفاقٍ تسليمَ التّقريرِ المَحْفوظِ، وختم جملته بِإذن. لِيستفتح بها زميلُهُ ردّهُ، الذي أفادَ بالدّعوةِ العامّةِ للرُّجوعِ إلى القَمَرْ!

وفي المسرحيّة الّتي حملت اسم المجموعة (يا تُرى أيُّهُما سَبَقَ الآخر؟)، يدخل الفرّان، صديق القاضي، المتهيّء لدخول الجلسة.
فيسألُ القاضيُ عن الخَطْبِ، ليستنجده صديقه ويُستَعلَمَ عن أصلِ الحادثة.

يَدُلُّ الفَرّان عليها بكلمة واحدة، أو كلمتين توضيحًا للأولى: إوَزّة مُحَمَّرَة كان قد بعث بنصفها له.

فلا يَستَعلِمُ مزيدًا، بل يُشيرُ القاضي لكونها زاكية الطّعم والشّكل، ورديّة الدُّهن، وذات رائحة مُسيلة للُّعاب.

ويقول الفرّان من فوره بأنّ مالك الإوَزّة قد أتى ليأخذ حقّهُ.
وهذا القاضي المُنحاز يستصغر القلق على أمرٍ كهذا!
أمّا الفرّان فَحَيران بماذا يُجيبُ صاحب الحقّ.

وهنا يرشده، ببلاهة، القاضي لِأنْ يُجيبَ صاحب الحقّ بأنّ حقّه طارَ حرفيًّا! فكيف لا يستعجب الفرّان طيران الإوزّة المحمّرة في الفُرن؟!

والقاضي حقًّا يبلغ من السّذاجةِ مبلغًا يُربِك.. أهو جادٌّ إذا ما لم يجد في الأمرِ رادًّا عن التّصديق؟
الفرّان على كل حال يرى في الذّريعة ما قد يُكَذَّب، فيُشاوِرُ صاحبه في ذلك، الذي سيتعامل مع صاحب الحق وجهًا لوجه إذا لم يُصَدِّق طيران الإوزّة المحمّرة!

فيوافق الفرّان على إحالته لصاحبه المصلحجي إن لم يقتنع.

فيمضي كُلٌّ لدربه، ويدخل القاضي الجلسة.. وما لبثت ان انقَضَت ساعة حيث جاءَ للمجلس جماعة مؤمنة بالعدل، تَدُعُّ الفَرّانَ إلى داخل الجلسة! وكان الأخير يقاومهم مقاومةً فقيرةً في الحياء، ويشاكسهم مشاكسةً فقيرةً بالمخافة.. كي يَمْثُلَ عند صاحبه الّذي دافع عنه وأفلَتَهُ مِنهم! قاضي مظالم ظالم!

وامتعض القاضي الصّائح من “هذا الشّعب”، الّذي اتَّهَمَ أحدُهُمِ الفَرّانَ باللُّصوصِيّة! ويُوَضِّحُ أنَّ المُتَّهَمَ، في إنكارٍ لِما يعرِفُهُ، يدّعي سرقته لإوزّته! فهل صَدَّقَ الدَّوْرَ ولم يُصَدِّق صاحب الحق؟

فاستحضَرَ القاضي صاحبَ الإوزّة، المُحتَرِمَ لِسِيادَتِهِ، ظانًّا فيها العدل، فَعَرَّفَ عن نفسِهِ كَما طُلِبَ وأخبرَ، مِصداقًا لاسمِهِ، بِأنْ كانَ لهُ إوَزّةٌ سَلَبَها منهُ الفرّانُ، ليحشوها في فرنه!
فالجريمة على مرأًى وعلى “مَأخَذٍ” من صينيّةِ صاحِبِها! ومن الصّفاقةِ أنَّ السّارِقَ تعنَّتَ عن ردِّ الحَقّ!

فسأله القاضي عن المَقال، والفرّان، على حَدِّ إجابةِ صاحِبِ الإوزّة، قد قالَ باللا معقولِ والافتراء المضلِّل كي تَتِمَّ السّرقة.. وهي فذلكة زائدة عن نصّ المَقال الذي أرادَ القاضي لُبَّهُ.

ونصّ الكلام أنّ الإوزّة طارت. وغيرَ مُدرِكٍ لِلُّعبة، يسأله صاحبها إن كان ذلك في محلِّ تصديق.

لأنّ الأمر لا يدخل العقل طبعًا، لكنّ القاضي يسأله وكأنّهُ يُجيبُ ب”بلا شك” إن كان هو غيرَ مُصَدِّق.

وبهدوءٍ يُعَبِّرُ عن بَداهَةِ عدم تصديقه، لِيُسألَ عن إيمانه بالله عز وجل، ويُجيب بنفس الأسلوب أنْ نعم.. ونفسُ الدَّيْدَن عندما سُؤِلَ عن قدرته تبارك وتعالى.
فيبني على هذا التّلاعُب المبني على ركائز الدّين سؤالًا آخر بنفس الفكرة وأداة “ألا”، إحياءُهُ تَقَدَّسَ العِظامَ وهي رَميم!

فيتّفقُ دون جَزم كَدَيْدَنِهِ الفائت، غيرَ أنَّهُ يستعمل أداة الشّرط لكن. ويكتفي القاضي، بلهجة حازمة، من هذه الزّندقة الملعونُ كافِرُها لو لم يؤمن بإعجازِ الله بالقَطْعِ دون شروط.

ولأنّ اعتبارات القاضي أوجَدَت حُكْمَيْنِ لا ثالث لهما (الإيمان بالقدرة الإلهيّة – الكُفْرُ الملعون)، يُقِرُّ صاحِبُ الإوزّة بالحُسنى.

ولذلك يدعوه القاضي للإقرار بالباطِل، أنّ الإوزّة، بقدرة القادر، طارت من الفرن!

فَيَرُدُّ باعتِرافٍ نِصْفِيّ، عينُ رَدِّهِ على اِحياءِ الرَّميم، الإمكان يكون، مع اشتِراطٍ تَرَدَّدَ في ذِكرِهِ وربّما كانَ مَحْضَ ردٍّ عَفْوِيٍّ من مَرْئٍ مُرتَبِكْ.

فيساعده القاضي على فهم المسألة المُعَقّدة، بتبسيطِها إلى نعم أو لا. والإوزّ يطير فعلًا بقدرة الله وهو حيّ فَلِما لا يفعل وهو محمّر؟

فَيَبُوْحُ صاحب الإوزّة بأنّها، كما في صورتها الحيّة، تطير.
فَيُدَقُّ شاكوشُ المحكمة.. ليسَ فعليًّا بل مجرّد انتهاء القاضي من الجلسة.

على أنَّ قضيّةً أخرى انبَرَت من تسليم صاحب الإوزّة.. ربّما تسليم فَرَضِيّ هدفه عدم إغضاب القاضي وربّما حقيقةً أُوهِمَت.. فذلك الطّائر كان طعامَ أسرته معه.
فلا بدّ إذن من تعويض مادّيّ، لأنّ الله بالتّأكيد لن يُجَوِّعَهُمْ على حساب اوزّة تَفَلَّتَتْ. فالعدالة الرّبّانيّة برأيه لا ترتضي الجوع لِمُجَرَّدِ هُروبِ كائِنٍ قوتٍ.

وهذا، ردًّا من القاضي، حساب بين العبد وربّه لا مُوَكَّلِهِ المصلحجي!

فَيُسَبِّحُ صاحِبُ الإوزّةِ اللهَ على هذا التّنصّل، فعلى عاتِقِ الفرّان قيمةُ الإوزّةِ دَيْنًا.
فيستنكر عندئذ أن تُسَعَّرَ أثمانْ تُلقى على صاحبه الفرّانْ، فهو لا يقبل أن يدفع ثمن الإوزّة. ولا يرى صاحب الإوزّة غيرَ الفَرّانِ مُستَحِقًّا التّكليف (سؤال استنكاري_جواب استنكاري).

ويُحَكِّمُهُ القاضي، مُلْقِيًا بالحق، من خِلال خِيارَين استفهاميَّين، على الله؛ فهو المُطَيِّرُ لا الفرّان.

وفي ردّ صاحب الإوزّة لفظةُ جلالة، لكنّها ليست إدانةً، بل حلفٌ بلا استِحلاف، وفيه نُقصان. إذ لا يعرفُ بماذا يٌحيرُ لسيّده القاضي.

ولسيّده القاضي هذا لفّ ودورانٌ نَكيرٌ وعن العقل بعيد، فلكي يقترب للعقل، يسأله إن كان في مقدور الفرّان، بعد تحميره للإوزّة، تطييرُها.

فبالنّفي يُجيب، وبلفظ الجلالة عندما سُؤِلَ عن مالك القدرة.
ويتلبّكُ لسؤال آخر هو في جوهره شَجَبْ، الدّافِعُ وراءَ التِماسِ تعويضٍ من فرّانٍ بُراءٍ من قدرة الله.

ويقفز القاضي للحُكم النّهائي في استغلالٍ واضحٍ لِسُلطَتِهِ وألاعيبه، كأنّهُ ضَمِنَ الفوز! حُكْمٌ ما.. حُكْمٌ مُخَفَّفٌ كي يتوافق مع ظروف صاحب الإوزّة النّفسيّة!

فلمّا سَمِعَ الرّجُلُ الذي قيل له اسمع لفظةَ الحُكم، نَدَبَت له غريبة فهو بريء. براءته في حُسبانِهِ فقط، فالقاضي ومن خلال استِفسارٍ معروفِ الجَواب، يُحضِرُ شتيمة اللِّص.

وَوَدَّ صاحب الإوزّة أن يُكمِلَ جُمْلَتَهُ، المنطوقة بخنوع لسيّده القاضي، ولا يعتبرُ النَّعَمْ أو لا، بل يُلصِقُ شتيمة اللِّص بالفرّان من جديد!

لكنّ القاضي يحكم عليه فجأةً بِغَرامَةٍ قدرها جنيه. ما هالَ لهُ صاحب الإوزّة السّائل عن المساواة.

فلا مساواة، لأنّ حُكمَ الفرّان براءة.

يصيحُ بعدَها صاحب الإوزّة، ويُناشِدُ الأنامَ على هذا الإجحاف، الّذي تَحِقُّ فيهِ السَّرِقَة والسَّرّاق.
وذلك بتقطّع أفكاره العادلة.. الإوزّة.. المَلَكَة.. الاستيلاء.. الباطل الّذي أُريدَ بِهِ الحَقّ.

فيتدخّل الفرّان بقوله ما معناهُ أسامِعٌ “استيلائهُ!” على ممتلكات صاحب الإوزّة، الّذي يتوجّه إليه القاضي بتأنيبه بال “عيب” على التّهجّم على “الأبرياء” بمترادفتين ترادفتا وَحَسْب في حِسابِ الأَشُرْ!

وعندئذٍ يَسْتَأذِنُ الفرّانُ صاحبهُ أن يُناقِشَ مُثبِتًا حقوقه!
فيتوجّه بكلامه متفضِّلًا لصاحب الإوزّة أو “يا هذا” كما خاطبه بسؤاله عن عُمْرِ مَلَكَتِهِ في يديه، لِيُجيبَ بأنَّ الإوَزَّةَ لديهِ من ساعةِ فَقَسَت لِعُمرِها هذا.

ليسأله عن مكانها ما قَبْلَ أن تُسَجَّلَ كَمِلْكيّة له!
وببساطة كانت الإوزّة بيضةً وللبيضة!
ويكمل الفرّان سلسلة الخليقة، بسؤاله عن مالك البيضة، وهو صاحب الإوزّة باعتِرافِهِ. وصارت التّساؤلات احتِيالًا حينَ جيءَ بِمَصْدَرِ البَيْضَةِ، الإوزّة البائِضة كما يُجيبُ صاحب الحقّ المَهدور.

ويستطرد نبشَهُ المصادرَ الأوّليّةَ وكأنّما ينشُدُ عِبرَةً ما.. فيسألُ عن مصدر الإوَزّة الأم. ليتّضح أتّها كانت فرخةً ربّاها صاحبها ولم تكن وحيدة..

وحتّى بعد هذا الجواب يريد الفرّان حَفرًا، فيسألُ عن ظرفِها قبل تربيَتِها! والظّرفُ بيضة، ولا بدّ لتلك البيضة من أُمّ!

هي بنفس السّذاجة، يُجيبُ صاحب الإوزّة، إوزّة ليست له!
لم يستشهد الفرّانُ بذلك كَحُجّةِ دِفاعٍ رغم أنّ ذلك سيناسبه، بل مضى يسأل عن موقع الإوزّة الّتي باضت إوزّتهُ الّتي باضت الإوزّة الّتي طارت من الفرن!

فلم يفهم صاحب الحقّ المنهوب أنَّ الفرّان يقصد الإوزّة الجدّة حتّى بَيَّنَ ذلكَ واستَغرَبَ لذلك البَيان.. الّذي اُتبِعَ بِبَيانٍ أعقَدَ وعن القضيّةِ أبعَدَ، شبكة البائضة المُفضِيَة إلى الإوزّة المحشورة في قفص الإتِّهام في المجلس.

قد يكون في هذه الشّبكة ما له صِلَةٌ بالإوَزّة المأكولة، لكنّ هذا ليسَ رأيَ صاحِبِها الملتفت للقاضي يسألُ عن العلاقة.

وهذه الخلطة في نظر الثاضي ضروريّة كي يَثْبُتَ حَقُّ صاحبه الفرّان! يُجاهِرُ بِنَصْرَةِ الظُّلْمِ!
ويتسائل بِعَجَب عن ذلك الحقّ الشّبحيّ.. فيأمره القاضي بِعَدَمِ المُراوَغَةِ.

حتّى منحى القضيّة والسّؤال المفاجئ يجهله هذا المفجوع في إوزّته!

يمتعض منه القاضي ويدّعي أنّهم في محكمة تبغي العدالة، فللفرّان حقّ حرّيّة التّعبير كي يُرافِعَ عن نفسه. ومع دعمه، يقول له الفرّان أنّه مظلوم مضطهد (أرأيت يا سيّدي الظّلم والاضطهاد؟). فيخبره القاضي أن يتجاهل اضطهاد صاحب الإوزّة! ويُرهِفُ لهُ الإصغاءَ.

فيبوحُ الفرّانُ بأنّهُ صاحِبُ جَدّةِ البيضات!
ولهذا يسترعي القاضي انتِباهَ صاحب الإوزّة!
تصريحات واضحة لدى القاضي الغشّاش، وضَباب مُستَنْكَر لدى صاحب الإوَزّة.

وفي نُكرانِهِ أُضحوكة، لِسَخافَةِ تلقيب الإوَزّة بالجدّة.. ومن باب التّندُّر يسألُ عن موقع اِعراب الإوزّة الوالدة لتلك الْجَدَّةِ.
فلا يهتمّ القاضي بِغَير الجدّة الّتي أشارَ لها صاحبه.

يُسايِرُهُم صاحب الإوَزّةِ بالإستِفسار عن دليل السّارِقْ في ادِّعاءِهِ امتِلاكَ الْجَدَّةِ.

فيردّ عليه القاضي بمغالطة دليل-بدليل، وواو العطف فيها ثقة مبالغة، مستعلِمًا عن دليله بأنّ الفرّان ليسَ على الإوَزّة الجدّة بِمالِك.

فَبِلا دليل ولا هم يحزنون! صاحب الإوزّة يُسَفِّهُ الطّائِلَ وراءَ الاستِجوابْ ما دام البيض بجميع أجياله وفُقسانِهِ مِلْكًا لَهُ.

ويستعصي على القاضي الجَزْمُ بامتِلاكِهِ جميعَ البيض والإوَزّ، فيسأله إن كانَ جاهِزًا لِقَسَمِ اليَمين ويُنَوِّهُ على عاقِبَةِ شهادة الزَّوْرِ (أمرُها متروك لِوَلِيِّ الأمر شرعًا، رغم اشتراكها مع الشُّرك بالله في مكانة المعصية).

فاستَفسرَ صاحب الإوزّة عن معنى “جميع الأجيال” بيضًا وإوَزًّا.
فَفَسَّرَ القاضي الماءَ بالماء، معتقِدًا أنَّ المعنى واضِح بِذاتِهِ!

وسألَ سؤالًا بريئًا فَسَّرَهُ القاضي على أنّهُ هزار لا يليق بمحكمة.. لِيَزيدَ الفَرّانُ توبيخَ صاحبه دعوةً للتّفرُّج على هذه المهزلة، المُزاح في مجلس العدل المُوَقَّر!

كانَ السّؤال عن شُمول الأجيال لِحَوّاء فرع الإوَزّ، أوّل إوَزّة.
فالتفت قولًا القاضِيُ لِصاحِبِ الإوَزّة، يخبره باعتباره ما يصلُحُ لِصاحِبِهِ، التّهرُّب من أدلّتِهِ النّاصِعَة!

وتآكَلَ صاحب الإوزّة من قهرِ الظُّلم، لكنّهُ لَمْ يَثُر، بل سأل عن المطلوب منهُ باحتِرامْ. والمُرادُ منه، حَسْبَ الفَرّان، الإقرارُ بأنّهُ ليسَ لِصًّا بل شَريفًا كالرّدّ الّذي يَجِبُ أن يَكُوْنَ.
ما عَيَّنَهُ القاضي كالمُرادْ، مُكْتَفِيًا بالإشارَةِ لأنّهُ قد قيلَ.

وجاءَ الإقرار بِوَضْعِ الْفَرّانْ بعد شَرْحِ ما هو الرّدّ الشّفَهِيّ، وأضفى الفرّانُ الشّرعيّةَ على الوَضْعِ.

أمّا صاحب الإوزّة فَلَمْ يَعِيْ وَضْعَهُ أساسًا. فَلَمَّحَ القاضي لتصريحاته السّابِقة الّتي أفادَت بِما هُوَ حَق خارج المجلس! أنّ الفرّان سَرَقَ الإوزّة.

وهو ما لا ينفيهِ صاحِبُها، قالَ ويقولللآن مُصَدِّقًا عينيه، ويُضيفُ وضعَهُ، أنّهُ مُخالَف بِجِنيهِ.. وذلك يكفي لدرجة تجعله يسأل ماذا يُرادُ مِنْهُ بَعْدُ.

كي يُذيعَ الفَرّانُ لِسَيِّدِهِ القاضي في المجلس، صاحِبُ المصلحة خارجه، إصرارَ صاحِبِ الإوَزَّةِ في شِبْهِ تَوبيخ.

فلا يكترث القاضي بِإصرارِهِ، ويَصْرِفُهُ بِذَوْقٍ وأدبٍ، واصِفًا إيّاهُ بالفاضِل، لِيُغادِرَ معطوفًا عليه وَمُجَلَّلًا بالكَرامةِ والعِزّة. تعارَضَ ذلك مع فُجورِهِ في إخبارِ صديقِهِ أنَّ المُهِمَّ هو، ويكاد يقول رُجوحَ كفّة المحكمة له، المحكمة صدّقَته هو وبرَّئَتْهُ، فيما أعْرَضَتْ عن صاحِبِ الإوَزَّةِ المُغَرَّم والمُعتَدي.
فيشكره الفَرّانُ ويُحَيّي العَدل!
لِيُحَوْقِلَ صاحِبُ الإوَزَّةِ لِسِيْرَةِ الْعَدْلِ!

وَيَهُمُّ الفَرّانُ لِفَوْرِهِ بالمغادرة، غير أنّ ثُلَّةً من الحُضورِ في آخر الصُّفوف صاحَت للقاضي أنْ لا يَسْمَحَ له بالمغادرة، فيسألُ عن هُوِيّة اولئك النّاس.

فإذ بِهِمْ ضحايا لاعتِداءات الفرّان، يُجيبون.
ويَمْثُلُ أحدهم أمام القاضي المتسائل كي يكونَ بُرْهانًا.
فَيَقُصُّ قضيّتهُ دون إسهاب كما أُمِرَ.

وَيُحَدِّثُ بِأنّهُ مَشى قريبًا من فُرْنِ الفَرّانْ، فسأله على الفور القاضي عن سبب اختِيارِهِ لطريق فرن الفرّان بالذّات! يبحث عن الإبرة في كومة القَشّ حتّى نَسِيَ أنَّ السَّيْرَ حُرِّيّة!
وأجابَ الرّجُلُ وكان معصوبَ العَين، بِشَكْلٍ عادي أفادَ أنّ منزله يُسارُ له بذلك الطّريق. فيستمرّ كما أُمِرَ.. وَصَلَ وألفى شِجارًا بينَ الفَرّانِ وصاحِبِ الإوَزّة! وحرّكت كلمة الإوزّة عَصَبًا قالَ إثرَهُ القاضي بأنَّ المعصوبَ لا دَخْلَ له بِها.

والإوَزّة في مُقابِلِ العِراكِ الجَسَدِيّ الّذي هَبَّ يوقِفُهُ تافِهةٌ إضافةً لأنّها ليست من شأنه. ظَلامَتُهُ أنّهُ أثناءَ العِراكِ ورُبَّما قَبْلَهُ، وَصَفَهُ الفَرّان بالوَغْد! وأبعَدَهُ عَنْهُ بِضَربةٍ أعمَت عينَهُ.

فلذلك لدى القاضي عِتابٌ على التَّطَفُّلِ.
لكنّهُ وبِدِفاعٍ من المَعصوب عن نفسه نِيّةُ خَيْرٍ وَرَدْعُ شَرٍّ.

لِيَسْتَدِلَّ القاضي بِمَثَلٍ مِصْرِيٍّ معناهُ أنَّ المُخَلِّصينَ في فَضِّ النِّزاعاتِ كثيرًا ما يكونون هم الطَّرَفَ الثّالث في تلقّي الأذى (ما ينوب المخلّص الّا تمزيق هدومه)..

لكنّ الّذي تَمَزَّقَ في حالَةِ وإدلاءِ المَعصوب هو عينه، تمزيق متعَمّد لِعين ساعي صُلْح.
لِيَسألَ القاضي عن تمامِ العَمَى، وإذ بِهِ تامّ.. وهل يُماطِلُ بالتّظاهُر بالإهتمام بِعَيْنِ المُعتدى عليه من الفَرّان؟ فهو يقول، مستنتِجًا، أنَّ العينَ اختَفَتْ.

واستِنتاجُهُ صحيح بالتَّمام. فينتقل بالسُّؤال عن الموجود، وإلى مَحَطَّةِ الْجَوابْ، العينُ الثّانِيَةُ. وهي من حِوارِهِم عين واحدة يعتبرها، ويؤكّد على الإعتِبار، القاضِيُ مُخْتَفِيَةً.
والقاضي كذلك يُطْنِبُ في التّفسير، مُضيفًا معنى العَدَمِيّة، مِمّا يُزيلُ عنها الوُجودَ الّذي كانْ.

فينتهج القاضي، أيضًا باتِّفاق المعصوب، نَهْجًا يعتبرُ العينَ واحدةً، هي النّاجِيَةُ (لكن هل يعترف بِما نَجَتْ مِنه، أو على الأقل هل يُدينُهُ؟).

فَيَنْصُرُ القاضي الْعَدْلَ نَطْقًا، قائِلًا أنّهُ من الواجب أن يأخذ مجراه، لِيَبْتَهِجَ المَعْصوبُ مُبارِكًا سِيادَتُهُ!

ومن جديد يُريد القاضي حَقًّا بالباطِل! فاستِدلالُهُ بِقانون العين بالعَيْن فيهِ عدل، لكنّ نُسخَةَ القاضي تتضمّنُ أن يفقَأَ الفرّانُ عينَ المَعصوبِ الباقِية! هَدَفُهُ إرهابُهُ كي يتراجَعَ.

ولم يفهم مَعْصوبُ الْعَيْنِ الّتي يَسْتَهْدِفُها قَضاءُ الضِّيزى، فَيُخْبِرُهُ القاضي بأنّها هي الواحدة الّتي لا يمكن أن يُفقَأَ غيرُها!

فماذا، “يُغالِطُ”، المَعصوب، حَلَّ بِقصاصِ الْعَيْنِ المغدورة أو العين الخارجة عن الحِساب كما تحجّج القاضي!
فَيُذْهَلُ لِكَوْنِ عينِهِ.. حَقِّهِ.. خارِجَ القِسْمَة!

ويغتبط القاضي استِبْعادَهُ لِعَيْنِهِ الْمَفْقودَةِ، مُتَماشِيًا مع “الإعتراف سيّد الأدِلَّة”.. فَتَرْجَمَ اعْتِرافَ الْمَعْصوبِ بِعَدَمِ عينِهِ الْمَجازِيّ، إلى عدم حقيقيّ! فلا يُعْقَلُ التّعامُلُ الْقَضائِيُّ مَعَ العَدَمْ.

وَبِشِبْهِ اعتِراض تعودُ أداة الشَّرْطِ لكن، فيترجمها هذا الظّالم لاعتراض على سُلطة القانون. ولا يزول الاعتراض، لأنّ المعصوب فتئَ على اللّكن، ولكن، لم يتعارض مع القانونْ.

ولا يجد القاضي داعِيًا للّكن، فهو لم يفعل غيرَ تطبيقِ العدلِ! (العين بالعين والسِّنّ بالسِّنّ).

وَنَطَقَ الآنَ المَعْصوبُ بِتوابِعِ لكن.. ذلك العدلُ سيذهبُ بعينه الوحيدة، ولم تكن للقاضي غضاضة في ذلك ما دام الحقّ سيعودُ للمَعْصوب، الّذي كانت له غضاضة فيما قيل، فأينَ العمى من الحَقّ؟

إلّا أنَّ الْقاضِيَ يُبْصِرُ الحَقَّ. فالعمى سعر لقاءه سينال عين خصمه!
والعدل هنا سراب لأنّ الفَرّانَ كما يقول المعصوب سيرى ولن يلقى نفس مصيره.

وهو أمر منطقي للقاضي، فالفَرّان كانت له زوجُ أعيُنْ.
فعادَ المعصوب للمغالطة على قضاء القاضي، بِأنْ قالَ بِأنَّ العدالة فيما سَبَقْ وكان له كذلك عينان!

فيراها القاضي مغالطة رجعت للقاعة! وكي لا يُغالِطَ وينفُذَ كالقَشّة من المِصفاة يسأله المعصوب عن الوضع إذا رفض، مُبَيِّنًا، الحُكْم. والحُكْمْ هذا مصطلح فسّره القاضي لأنّ المعصوب بيّن أنّه يرفض تبادل فقئ الأعيُن. ولا يتكلَّفُ تهوينَ رفضهِ الحُكْمَ، بل يتابع قائلًا أنّه سينصرف متوكِّلًا ومُحْتَسِبًا الله.
فلا يُمَرِّرُها له القاضي، لأنّهُ لا زالَ على رفضه حُكْمَ المَجْلِسِ، برفده اعتماده قوانينه وعدم المطالبة بشيء منه!

فبسخريةٍ يتنازل المعصوب عن إنصاف المجلس راضِيًا مغتبِطًا!
حَكَمَ عليهِ القاضي بغرامة قيمتها جنيه على ذِمّة استِهتاره بأحكام المَجْلِسْ. فقال المعصوب يا هوه! ومن أداة العطف الّتي سَبَقَتْ إخبارَ النّاسِ ونفسه عن الغرامة، بانَ أنّهُ ضائق بِما زيدَ ثِقْلًا، فغادَرَ المجلِسَ ضارِبًا كَفًّا بِكَفّ علامة الخيبة. فنادى القاضي على التّالي.

وهما، مُنبَرِيانِ من الجَمْع، زوجان.
ففاتَحَ الزّوجُ القاضِيَ بأمرهم، أنّهم صادَفُوا الفرن في دربهم، وقبل أن يُخبِرَ عن مُجرَياتٍ صادفت بدورها هو وزوجُهُ الشّابّة، لفتَ القاضي أنّهما بدورِهِما مرّا من عند الفرن! فأن يكونوا هم كذلك مارّينَ من عنده، يُسَخِّفُ جِهَتَهُم ويصطفُّ مع الفرن!

لكنّها على كل حال مجرّد دمامة خُلُق لا توقيف، فتابع الزّوجُ بإعلامِهِ حَمْلَ زوجته.
ليسألَ الأحمَقُ الذي لا يُجيدُ الرّبط والتّحليل، عن شأن حملِ المرأة بالفرن، فيُجابُ بأنْ لا شأنَ هناك، كي يدعوهُ للمُضِيّ في بَلاغِه.

فمضى قائلًا بما ألفاهُ وحرمه، عِراكٌ حامي الوطيس بين الفرّان وصاحب الإوزّة، فينهاه القاضي -مُذكِّرًا بما قيل- عن التّعلّق بالإوزّة.

كي يتقوّل الزّوجُ بترك “موقعة الإوزّة” وشأنها، فيما احتلّ حديثه عن زوجته وحمْلها معظم دِفاعه، كونَها هي من منعته من الدّخول وَسْطَ الجِدالْ، بحكم حملها المترقّب (وفي شيء يشبه الابتهال يصرّح بذلك) الذي مضى عليه شهران.
ومن زبد كلامه فقط أنّه كان متشوّقًا لمولوده الأوّل.

فطبيعي أن يسأله القاضي ساخرًا إن كانَ مرماه من المجيء للمجلس هو إشهار رزقه كي يُهَنَّئَ.

لكنّ الزوج لا يكفي للحكم ضدّه أنّه لم يتدخّل أو أنّ حرمه حامل، وفي سِياق غامض يُخبِرُ، آسِفًا، أنّ المولود المُنتَظَر لن يولد.

فيسبّحُ القاضيُ ذو الجلالِ والإكرامِ على خبر الفرحة التي لم يُكتَب لها التّمام، ويسأل عن ذا الّذي منع التّمامَ أن يُكْتَب.
فيدلّ الزّوج على الفرّان، ليسأله القاضي عن شأنِهِ فيما يشبه استِسخافَ تورُّط صديقه في أكثر من لَبْسٍ.

فما يكونُ الزّوج غير عابر سبيل يطلب من الفرّان الطّائش أن يُعفي حرمه من حركاته الهوجاء الّتي ضربت القائم والجالس! باليد والسّاق! وللأسف قام الفر؟ان بركل بطن زوجته الحامل فأجهضها!

فيسأل -غالبًا مَطْلًا لا دهشةً- القاضيُ عن ذلك، فيُجابُ بِعَبرةٍ من الزّوج بأن نعم وليس فقط.. فجزءٌ من المأساة أنّ ذرّيّته خليفته، مع أنّه من الإستحالة الجزم بجنسه.

فيسأل حالًا القاضي مُدْلِيًا بما سمع، عن مهنة الزّوج الّتي تجعل منه مهتمًّا إلى هذا القدر بخلافته!

فأحارَ له أنّه إسكافيّ (صرّام كما قال-صرماتي كما انتقصَ القاضي مستنتجًا)، ولم ينتقص هو من نفسه، بل عَدّ ابنه باقِيًا من صلبه سواءً كان صرماتيًّا أم إمبراطورًا. دون ان يكترث لأسئلة القاضي المهينة التي تُفيدُ بأنّ للصّرامي عَرْشًا! أو أنّ الزّوج على مهنته الحقيرة انتَظَرَ خَلَفًا (وقد اكتفى بكلمة نعم).

ويسأله القاضي إن كان قد رأى الجنينَ أم لا! كي يكون للجواب المعلوم سلطان الحُكم!

وكان الجواب طبعًا سؤالًا استنكاريًّا عن كيفيّة رؤية ما توارى في الرّحم.. وكان هذا كافيًا ليقول القاضي بأنّ محلّ الجَدَلْ غير مرئي.

وهذا ممّا حَدا الزّوج أن يسأل مُدافِعًا إن كان من الممكن للحمل أن يُرى، فيعتدّ بها القاضي كجوابِ “لا” يستحق التّنديد بسؤال آخر يُقِرُّ بأنّ الزّوج جاهل بجنس الجنين، فيترك الأخير الدّراية لخالقه.

ولذلك يؤنّبُ القاضيُ “الرَّجُلَ” على جهله! فيستريح الزّوج لأنّ جهله بالحمل طبيعي!
لكن القاضي يبني حُجّة الجهل، فيقول متسائلًا ما معناه أنّ الزّوج، لجهله بالحمل، يُشَكُّ كذلك بدرايته عن شرعيّة مولوده!

فَيُبهَتُ الزّوج لذلك التّشكيك، وتابعهُ القاضي إذا ما غيّر الموضوع وسأل عن مدى ثقة الزّوج في أن صبيًّا ذكرًا سيخلفه طالما أنّه جاهِل ولا مدارك له بشأن الجنين، لكنّ الزوج يجيب على كل حال بأنّه يتعشّم ويتأمّل.

وَلِعَشَمِهِ وأملِهِ مأخذ لدى القاضي، فهذا يعني انعدامِ يقينه في جنس مولوده، وهذا أمرٌ لا يُنكِرُهُ الزّوج.

وتأتي الخلاصة على لسان القاضي، فالجنينُ الميّت مجهولْ، فهو إذن غير تابع لأبيه!
واستفهم منه مُناظِرُهُ قصده، ف”وضّحه” القاضي بغباءه المعهود.. ذاك الغباء الّذي يستصغر الكبير ويحسبُ أنّهُ هو الكبير.. فمنطقه الأعوج أنّ تملُّكَ المجهول سخافة!

ولم يفهم الزّوجُ الاستِسخافَ المُغطّى برداء الإستِفهام.. ف “أفهَمَهُ” القاضي بأنّ حرمه حابِل بكيان مجهول تمامًا، فإذن، كلمة خطيرة لأنّها تمسّ النّسل، لا علاقة للزّوج به!

ومن خلال تكرار لفظةِ العلاقة يندهش، ويتشبّث، الزّوجُ بالعلاقة. اندهش لأنّ شرفه شبه-طُعِنَ وبالطّبع لن يقبل فكرة أنّ ابنه لقيط.

وهذا القاضي فيما يشبه الدّيباجة ةالببّغاء والمِذياع المُعاد “يشرح” أنّ زوجه كانت حامِلًا لما لم يشمله علم الرّجل وعينه! وبالتّالي يسأل عن دَخْلِهِ بِهِ!

وعليه، أجاب الرّجل بكلمة يتمية تمثّل صلته كأب بابنه، أنّه بِذْرَتُهُ.
ولأنّه استعملَ ضمير الملكيّة، سأله القاضي بخبث أوحيدتهُ هذه البذرة؟

فلا يجد الزوج شكًّا من أنّه زارع البذرة الوحيد، على عكس شكوك القاضي بوجود بذور ثانية وربما ثالثة ورابعة!
وهذا ليس طعنًا مباشرًا بل استفهامًا عن الإحتماليّة، احتماليّة ينفيها الزّوج كلّ النّفي.

فيسألُ القاضي عن الثّابت الجازِم، ليجيب الزّوج بأنّها ثقته.
فأمسَكَ عليه القاضي تأكّده هذا إذ لم تمضِ فترة طويلة منذ كان جاهِلًا غير قادِرٍ على الجزم بشيء، فهذا اليقين محلّ استخفاف لديه. ولا بدّ إذن من سبب يدفعه لهذه الثّقة، فيعطيه الزّوج.

والسّبب لثقته بأنّه والد ولده أن زوجه شريفة طاهرة يمين لا شِمال. فبخبثٍ يشير القاضي لرؤوس الأقلام، أنّها يافعة جميلة لا شكّ بوجود شباب في جيرتها!

فيكتفي الزّوج، بهدوء، بالاستدلاء بحبّ زوجه له، الذي ولا ريبَ يُحَتِّمُ عِفَّتَها، فيُسأل سؤالًا بريئًا ظاهِرِيًّا حُكْمٌ باطِنِيًّا، أنّ العفّة مُدَّعاة.

على أنّ الزّوج يُصَدِّقُ ذلك الادّعاء.

وهنا تتكشّفُ أحكام القاضي المُسبَقة! فيرى، في نهضةٍ، معقولًا أن تسري “الخديعة” ما دامت الثّقة متبادلة!

ولِمَسمع الخداع والخيانة، لا يتوخّى الزّوج منطِقًا أو أدبًا مع حرمه، بل يُخبِرُ قَسَمًا بما بعد الخيانة لو صارت خِيانة؛ غسل العار بالشّرب من دمها.

فتصيح الزّوجة مفزوعة كأنّ التُّهمَةَ ثَبَتَت، مستقبِحة شُربَ دمها.
والزّوج أيضًا أعْدَتْهُ الوسوسة، فيتحدّث عن طبيعة صنعته (بسؤاله عمّا يُنتَظَرُ منه في حالة ثُبوتِ الخديعة)، لأن الخائنةَ حرامٌ أن تستمتع بعمرها ودنياها.

وتبقى الزّوجة على الفَرَض لا الاعتراف، فتقول ما قالته آية قرآنيّة عن التّسريح بإحسان في حالة الغُدران.
ويبدو أنَّ الزّوج المضحوك عليه من القاضي البائق اقتنع إلّا قليلًا ب “إجرام” زوجته، فاستصغر التّسريح كعاقبة.

وتستنكر هي في عجبٍ أن تكون مجرمة، ليستدلّ الزّوج بتصريحها التّسليميّ-فَرَضِيّ كاعتراف منها (أي أنّها جاءت لحكم الخائنة في الاسلام فكأنّما دافعت عن نفسها) ولم تعي هي بالضّبط مقصده فسألت أإعترَفَت هي؟

ويترك الزّوجُ الشّهادةَ لذلك البائق! الذي سألته الزّوجة ان كانت هي قد اعترفت بأمرٍ ما أم لا.. ليتنصَّلَ من بصلة العائلات وقشرتها.. فصرّحت الزّوجة قلقة بأنّ (مع أداة لكن) بعلَعا ينوي على قتلها وشرب دمها وهي بريئة.

وكي يُثبت الزّوج الطّرطور أنّها خائنة، يوجّه انتباهَهَا لما قالته وقد قالَ عن قولِها جزء صحيحًا وجزءً خاطئًا؛ أنّها تريد التّسريح بإحسان، الذي يعني الجزء الخاطئ، الإعتراف بالخِيانة.

فاستعجبت هذا التّقويل، وبرّرت موقفها بأنّه دِفاع عام عن الخائنات، وهو ما يخبره على حدّ قولها القاضي.

فلذلك يتوجّه الزّوجُ له ويسألهُ تأكيد الصّحّة.
فيوضّح موجَب مهنته، كونه قاضِيًا لا يحقّ له البَتّ في جريمة لم تقع.

فإذن ماذا؟ تعرف السيّدة الشّابّة الجواب، أنّها لا بُدَّ أن تُقتَلَ حتّى يسترعي أمرها القاضي! ويتابع عنها زوجها بإفادته شُرْبَ الدّم!
وعندها تستعين الزّوجة بما أنهى هذه التّتابعات، أداة الشّرط إذا.
والخيانة هي المتبوع.

فَيُحَلِّفها زوجُها وتَحْلِف، ويهزئُ القاضي بمنهاج التّحليف والحلفان عبر مقولة شعبيّة معناها أنّ البائقَ السّرّاق تنفرج عنه كربته إذا ما لم يُطلَب منه غير الحلف، في تعليقٍ يُناهِضُ ميلان ميزان العدل لصفّ الزّوجان، وتشتّتهما.

وتسأل الزّوجة زوجها مدافعةً عن ماضيها الشّافِع لها اِن سَبَقَ ونجّسته، فيجيبها بأنّه في الوقت الرّاهن لا يستطيع الطّعن به، ورغم هذا ثمّة ما يدفعه للشّكّ، هو قُبوعُهُ في الدّكّان معظم الوقت، ومِن ثَمَّ فهو غير واثق بأنّ خيانةً من خلف ظهره لا تُحاكْ.

ولكنّ الزّوجةَ تُحاربُ سوء الظّنّ بقولها أنّها تُلازِمُ والدته في بيتها فترةَ غيابه عنها، وهذا يعني أنّ الوالدة تُحيطُها خُبْرًا، بِما يتضمّن الغدر، فهي إذن له جريدة.

ولهذا يتقبّلُ الزّوج.. ولتقبّله إمارةُ تبرئة، فتخبره الزوجة أن لا يظلمها فهذا حرامٌ في حَقِّها.
وتبقى شاغلَةُ الزّوجِ الخِلْفَةُ، ويعرّفها بالولد وتعرّفها في استفسارٍ عن المقصدِ هيَ بالحمل.

وفي دلالته ما يتّجه لتعريفهِ، السّؤال الوَضيع!
لقد سأل إن كانَ المولود المُجْهَض من بذرته هو!
أمرٌ مفروغٌ منه لا تبالغ في شرحه الزّوجة، فيسأل الزّوج القاضي ان كان سميعًا لما تقول، تبرئةً لها.

والقاضي يحصر القضيّة في إطار الثّقة الذي يحتمل الصّحّة والغلط، والفَيْصَلُ عنده هو حرّيّة الزّوج الشّخصيّة في التّسليم أو التّشكيك.

ونِسبَةً لانعدام اليقين، يسألُ الزّوجُ القاضِيَ أن يُسديهِ نصيحةً.
ويا ليته ما سأل! فالقاضي نصحه بالتّنائي عن ما لا يخصّه، وتوضيحًا مُفْهِمًا، الحمل، لأنّه وبحكم كونه من جسد المرأة، قضيّة نسويّة.

فيسأل مأخوذًا عن اختصاص المجلس بزوجته الممثّلة للجنين المُجهَض.
فأكّد القاضي ولم يتمهّل، فاستدعى في الزّوجةِ يسألها عن شكاويها!

بصيغةِ سؤالٍ كان ذلك، وبصيغة جوابٍ تقولُ بأنّ ذلك الفرّان هو مَصَبُّ شكواها!
وكالمتجاهِل يسألها عن جريمته!
وأجابته على كلّ حال بما أفاد به زوجها، أنّ الفرّان رفسها فأجهضها.. فيسأل مستنتِجًا أنْ لا جُنْحَ غير هذا على عاتِقِ صاحبه.

فأجابَت هي بأنْ نَعَمْ، وزادت إيرادَها تسميةَ الجريمة في غليل، إسقاطُ الحَمْل.

وبأسلوبه الملتوي يبسّط، فيستنتج أن الإسقاط والإجهاض ما هو إلّا تفريغ للبطن!
واحزروا ماذا؟ لا تَشُكُّ الزّوجة بالعدالة بل وحَسْب تقولُ أنْ أجل!

ويضيفُ القاضي ما هو مفروغٌ منه، أنّ المرأة تنشد العدل، وستناله لأنّها لهُ مُستَحِقّة!

فتُعرِبُ عن عَشَمِها بعدله! وعلى سيرة عدله يستعرِضُهُ بالإسقاط، فحالة المرأة هي حالة اناءٍ سُكِبَ مُحتواه، فالعدل هو أن يقوم ذاك الذي سكب من الإناء بإعادة ملئه! يا للهول لقد جعل من السّائل المنوي خيطًا للحل!

وبدأت الزّوجة تفهم وكي يتمّ الفهم بسرعة وكمال يخبرها القاضي بالحُكم متخفّيًا، أنّ “عقوبة” الفرّان هي “ملئ” الزّوجة بِجَنين جديد!

فكيف لا يصيح الفرّان ويردّد على لسانه ما سمعه من انتهاكٍ للحُرُمات! وهو الأمر الّذي ترفضه قطعًا مستحيلًا مُكَرَّرًا الزّوجَةُ.
ويطلب منها الفرّان ببجاحة أن تُنصِتَ للعدالة وتُطيعَها!

فيُخرِسُهُ الزّوج المنكوب، رغم أنّ الفرّان قال لها بأدب يا سِتّ!
أمّا القاضي فقالَ له يا رجل.. فرأى أنّ ذلك الرّجل قد عَصى أحكام المحكمة! (نبرة استفهام توبيخيّة).

فيضيف الزّوج وَحْدَ إضافته، قائلًا بأنّ قُبولَ الحُكم مستحيل (أبدًا مكرّرة، وقد انضمّت لاحتجاجه الزّوجة بالتّأكيد على نفس النَّهْج)..

فيدعو الفرّان في عِتاب زائف صديقه القاضي ليرى التزامًا بعِصيان الحكم (قلّة احترام) في مجلس العدل!

وإنّ قِلّة الاحترام، عند القاضي، قِلّة أدب يُجازيها بجنيهَينِ كغرامة موزّعة على الزّوجين!
والغرامة ازدوجت كذلك في ترديد الزّوج للفظتها قُبولًا وتثبيتًا للنّيّة (فعندما نقول مثلًا الصّراحة الصّراحة.. مع اختلاف اللّهجات بين الأولى والثّانية فإنّنا نشدّد، لكن ربّما قالها الزّوج كمصيبة! المهمّ أنّهُ جذب إليه حرمه وأسرَعا سَوِيَّةً في الخروج).

ثمّ يأتي الدّور على شيخ يعتمر عمامة، فمَثَل أمام القاضي والحزن يعتريه وأصابعه تكفكف عنه الدّمع.

فيسترعي خِدمةَ القاضي باتباعِ تجليلِهِ بلفظة “مولانا” مسبوقة بِ يا المناداة.. فما عَرَضَ قضيّته حتّى سأل القاضي مُتَوَقِّعًا النَّمَطَ، إن كانَ الشّيخ بدوره صادَف الفرن.

فلخيبةِ توقّع النّمط يُجيب الشّيخ بالنّفي، وزيادةً، يصرّح بأنّه لا يعرف شيئًا عن موقع الفرن، وليس بينهما صِلة!
فما خابَ القاضي بل شكر ربّه!

وحَدَّثَ الشّيخُ عن صلاته في المسجد، توضيحًا لموقعه، أنّهُ كانَ في بيتِ الله. فلم يقاطعه القاضي بل أنعَمَ صلاته على نحوِ “تَقَبَّلَ الله”.

وتابع الشّيخ، مُدْلِيًا بِمقالٍ عن صلاةِ أخيهِ الوحيد في المسجد مِثله، فردّ القاضي بكلمة واحدة هي “جميل”.

ثمّ نطق الشّيخ بما هو قبيح، أنّهُ أدرَكَ جَلَبَةً قريبةً منبعُها مُطارَدَةُ الْفَرّانِ، بَدَرَ منها من يَدُلُّ قائلًا عن الإوزّة!

فلسيرة الإوزّة الّتي لا تغيب يمتعض قليلًا القاضي، فهي مُلاصِقة للجميع!

ولا يهتمّ الشّيخ ويَمضي بِما هو أهمّ، فَيَصِفُ هُموم النّاس الّتي صاحوا بها وَوَلْوَلوا.. فالمعصوب جاهَرَ بأذى عينه، والزّوجُ ناحَ زوجته، الّتي بدورها كانت من عربات القِطار الممتدّ من إشارة صاحب الإوزّة لإوزّته.. فَشَجَبَت بطنها المركولة.. وهناك كذلك فلّاح طالَ بَطْشُ الفرّانِ حِمارَهُ.

وجماعةً، مجموعين من الأهالي، ركضوا للفرّان يريدونَ محاكمته!
لكنّه قاومهم بأطرافِهِ، واحتمى منهم بالمسجد.

فسأل القاضي بمفردة واحدة، مستفهمةً بفعل المضارع المتّصل بِ لا السّببيّة، ان كانَ اعتِكافُ الفرّان للمسجِد بِداعي الصٍلاة.

فبِلا السّببيّة، الّتي حلّت مَحَلَّ بَلْ، يقول بأنّ الإعتكاف احتِماء (فهو لم يوضّح ذلك سابِقًا).. فلم يكفِ الفرّان أن يدخل للمسجد لسهولة وصولِ المُطارِدين له، لذا لم يجد مَرَدًّا من اعتِلاءِ المِئذنة!
على أنّ المُطارِدين لَحِقُوه.

وهناك، وَثَبَ الفرّان!
فسأل القاضي إن كانَ الصّديق قد مات!

فتنزل دمعة الشّيخ، ويمسحها لأنّ الجوابَ هو وفاةُ أخيه الوحيد لا الفرّان!
فسأله القاضي عن الصِّلة بين الفرّان وأخيه.. وبَيَّنَ الشّيخُ أنّ ما دونَ المئذنة (صحن المسجد) كانَ مُصَلَّيًا لأخيه، ولحظةً كان فيها ساجِدًا.. هبط على رقبته الفرّان فزلزله بوزنه وهشّمهُ!

ويبحث القاضي عن الملامة فيُسائلُ عن السّبب الّذي جعل الأخ يختارُ صحن المسجد للصّلاة!

فأجاب الشّيخ بنا معناه النّصيب وما يُصيب..
فلم يَكُ هذا كافِيًا لإقناع القاضي بعدم تحميلِ الميّتِ مسؤوليّة موته، كَوْنَهُ، بإرادته الحُرَّةِ، رمى بنفسه للتّهلُكة.

فسأل الشّيخ في معارضةٍ لا يحتاج لجوابٍ، إن كان صحن المسجد، ذاك المتّصل في المسجد ولا فرق بينه وبين داخِلِه مكانَ تهلكة، بِخاصّةٍ أن أخيه لم يَكُن أوّلَ من صلّى هناك، فهناكَ الأجيالْ.

لكن القاضي بِرَخامَةٍ يُقِرُّ جازِمًا بكونه موضع تهلكة للحقيقة البسيطة المتمثّلة بهلاكِ الأخ فيه.

ولكن بالمنطق وبالحق، أليسَ غريبًا -وممّا لا يخطر على بال- أن يقفز من المئذنة قافِز يقصِمُ الرِّقاب؟ بهذا يردّ السّيخ.

ولكن أيضًا ما حدث قد حدث، وما لم يخطر على البال خطر للعين، والهاوي من على رأس المئذنة على الرِّقابِ هوى.. هي نتيجة لا تتخافى، فلذلك يسأل القاضي عن مُرادِ الشّيخِ.

فأراد الشّيخُ عدلًا بالفُسطاط وإنصافًا.
وهو كذلك مفروغًا منه لدى القاضي، وأثبَتَ ذلكَ بقانون الرّقبة بالرّقبة!
فبارَكَ الشّيخُ سيّده القاضي!

وعملًا بالمِثل بالمِثل، يحكم القاضي بأن يتّخذ صديقه الفرّان موضِعَ المقتول، فيما يَنُطُّ على رقبته -فيُهشّمها تهشيمًا بَهْرًا- الشّيخُ!

فسأل الشّيخ بداعي التّخوّف عن الحال الّتي يُفتَرَضُ أن تُبْطِلَ الحُكْمَ، أن تتهشّم رقبته هو بسبب السّقطة وسوءِ التّصويب لا رقبةُ الظّالم!

فلا يعتبرُ القاضي ذلك حَصانةً، بل تأمينًا على حِسابِ المُؤَمَّن.

فتراجعَ لفوره عن قرار سيّده.. واكتفى بعدل الله مع أنّه استعمل اسم “الغنيّ” الحَسَنْ لا العادل، وأبدى عدم رغبته بالمخاطرة.

فحفظ القاضي ذلكَ الحقَّ له، غير راغِبٍ أن لا يُرْغَبَ، فتنازَلَ الشّيخَ نَصًّا عن ما سُمِّيَ حَقًّا.

فارتأى القاضي خَطْبًا وأصابَ الجَمْع! ذلك أنّ الأنفارَ التمست العدل فتحاشَتهُ متلاعِبَةً بأصوله واحتِرامه! وختم ثورته الضّعيفة بتغريمِ الشّيخِ بِجِنَيْهٍ.

فاستُعْجِبَتِ الغَرامة من قِبَلِ الشّيخ، ولم تَزُل مع زواله من المجلس.

واستدعى القاضي التّالِيَ، لكن ولأنّه زوّدَ في عبثِهِ لم يجرُؤ أحدٌ على التّجاوب لا بالقول ولا بالفعل.
فاستنكرَ في سبه انتِهار الخَرَسَ الّذي ساسَ، وسأل عن انعِدامِ من ينضمُّ لقائمة ضحاياه!

وهنا يتوضّح أمرُ الفلّاح الذي ظهر مُسبَقًا مع ثُلّةِ المُلاحِقين، فقد دَلَّ عليهِ الفَرّانُ مُجيبًا عن وجود مُدَّعِيين عَوامّ، وكان كما وصفهُ، بِصُحبةِ الحِمارِ وموجودًا في مؤخّرة الصّفوف عند المدخل!

كي يسأَلَ القاضِيُ عن قضيّته، فإذ بها، ادّعاءً من الفرّانِ لادِّعاءِ الفلّاح، أنّ الأخيرَ كان من زُمرَةِ المُلاحِقينَ للأوّلِ، الّذي وكي يَهْرُبَ مِنَ البقيّة تشبّثَ بذيل الحِمار علّه يُجَرُّ أسرع، لكنّه قطع ذيل الحِمار من مسكته (والحمار إذ ذاكَ أزعَرْ)!

فنادى القاضيُ الفلّاحَ بلفظة “يا رجل”، كي يأتي ويتستجيبَ بالنّعم، ويتأدّبَ بِ يا سيّدي.

لكنّهُ وكما يُجيبُ استِعْلامَ القاضي عن مُجْرَياتِ الْمَجرى، لا يُدلي بأيّ شيء! فقد قالَ بأنّ اللا شيء هو ما كانْ!
إجابة عجيبة لدى القاضي، فَ، كما يقول مُسائِلًا ما أُفيدَ بِهِ، ذيلُ حِمارِهُ قد انْتُزِعَ.

فما يكونُ من الفلّاح غير النّفيِ المُطْلَق! لسان حالِه تؤتؤ!

فيسأل القاضي عبر أداة “أليس” عن كونِ الحِمارْ أزعَرًا لا ذيلَ له!
فيكون الجواب أنّ هذه ما هي إلّا صورته الّتي خلقه الرّبُّ عليها!
فسأله القاضي سؤال الجواب، يعني نعم أو لا تكفي، عن عهدِ الحمار بِزَعْرِهِ.. وهو، جوابًا يُحِقُّ انعدام ذيله من يومِ الميلاد، عهدٌ طويلٌ طولَ الحياة!

وعلى الرّغم من كون الزّعرَنة إعاقةً لا تبرّر صعوبة العيش الّتي تصحَبُها الحقيقَةَ من عدمها، يسأله القاضي عن الوسيلة الّتي يطرد فيها الحمار الذّبابَ عنه ما دامَ دون ذيل! وهذا أقرب للفضول منه للقَضاء.

ويجيبه الفلّاح بأنّهُ هُوَ شخصيًّا يتكفّل بطرد الذّباب عنه!
فبدل هذا التّكليف يسأله القاضي عن المانِع وراء أن يركّب له بديلًا اصطِناعِيًّا!

فبكلمة واحدة يبدو أنّ الفلّاحَ استَحْسَنَ هازِئًا، استَحسَنَ هازِئًا الفكرةَ، بمفردةِ الفِكرةِ!

فينعته لوقتها القاضي بالكذّاب وهي صيغة مبالغة تحقيريّة لِما هي أصلًا صفة تحقيريّة دون مبالغة.
فيسألُ جَنابَ القاضي أَهُوَ من يقع تحت تلك الصِّفة؟ (دون همز ولمز طبعًا).

فيسأله القاضي، كي يُثبت وجهة نظره وثُبوتَ الكذب، عن منطِقِيّة وواقعيّة ولادة حِمار دون ذيل!

ولكنّ من حفر حفرةً وقع فيها! فالفلّاح أعزى ذلك لقدرة خالقه! ولمّا سُؤِلَ عن سماعه، تحتَ بندِ قدرة الخالق اللا محدودة، بأنَّ أصلًا هناكَ حِمارٌ أزعَرُ في ميلاده، أجابَ بِنَظيرٍ تردّد صداه في مجلس الظُّلم! أنّ الإوزّة تطيرُ من الفرن وهي المحمّرةُ فيه!

فيقتنع القاضي!! إنّه مخدوع ويخدع ويُخدَع! ولعنه بِمُداعَبةٍ، واستَخْلَصَ أنَّ الفلّاحَ النّاطِقَ بالمعقول ليس في جُعبَتِهِ أدنى شكوى.

فيجد الفلّاح أنّ وجود شكوى لديه هي أمرٌ يُدعى له بأن لا يُقَدِّرَهُ الخالِقُ! وهو مُحال.

طيّب، لا بدّ إذن من سبب لوجوده في المجلس -كما يجب أن يكون- فيسأله القاضي عن ما أقْدَمَهُ على الحُضور.

فكانت الفُرجة لا أكثر ولا أقلّ هي جوابه الذي أكيد تَبَدَّلَ.
فقال القاضي ما قيلَ بمعاتبة، وسأل عن مكنونِ الفُرْجَة.

فأجابَ الفلّاح بمنتهى البساطة بأنّها الْجَلْسَةُ، ليهاجمه القاضي بسؤاله إن كان قد سَمِعَ بأنّ “العدالة” مادّة ترفيه بصريّة، وإن تَكُنْ بأيّ حال، فَبِلا كُلفة.

لذلك يُغَرِّمُه بجنيه، فيما جاءَ كَرَصاصَةِ رَشّاشٍ، وبالنّيابة عن المحكمة.

فقال الفلّاح مستعرِضًا سُخرِيَةَ “العدل” بتحويلهِ لكيانٍ شَرِسٍ يُطارِدُ كما طورِدَ إذا ما طارَدَ جَمْعٌ بائِقَ إوزّة ومُجهِضًا وقَطّاعَ ذُيول وقاتل وفاقئ! فذلك العدل أو نسخته المعدّلة لا تُفَرِّقُ في بَسْطِ ظُلْمِها بينَ أرضٍ اشْتَكَت وأرضٍ لم تفعل.

وألقى السّلامَ قبلَ أن يفرنقع هو والحمارُ، والجلسة بِمَن فيها تِباعًا، فيما خَلا الصّديقان، الّذانِ أخبرَ أعلاهُما سُلطانًا بانتهاء الجلسة حسبَما بَدا..

ويصف الفرّان انتِهاءِها بالخير، دونَ أن ينسى حَمْدَ العادِلِ الوَهّاب. وأراد القاضي معرفة مدى إعجابِ صديقه بِه، فسأله عن رأيه بِ “تخليصه كَشَعْرَةٍ من العجين!”.

ويسألُ، بِكَلمة واحدة، الفرّانُ عن مطمعه وجشعه متبوعةً بواو العطف الّتي تدلّ هنا على اتّصال المطامع بالإعجاب وعدم اكتِمالِ الواحدة دون أختها.. هي الغرامات الّتي شُفِطَت دون حِساباتٍ عادلة.. فَكانَتْ مِن ما اعتَبَرَ به دون وِصايَةٍ القاضِيُ.

وبِحُكْمٍ أبعد ما يكون عن العدلِ أخيرْ، يمنحه القاضي حقّ الحصول على جزئيّة كريمة من الغرامات!

لماذا؟ هذا سؤالٌ لا معنى له في ميزان عدل مائل، لكنّ الفرّانَ، بِتأكيدٍ على بَداهِيّةِ مكافأته، يُخبِرُ عن السّبب..
أنّه مظلوم! وأنّ الغرامات هي في واقعها تعويضٌ عن الأذى والتّشهير الّذي لَحِقَ بِهِ!

فطمأنه القاضي ووعده بالتّعويضات الكريمة!

ما أحلى هذه الأعمال! طرافةٌ وثوراتٌ وتَبَحُّرٌ في بَحْرٍ أوسَعَ من الأرض، كي ننبُشَ ونُنَقِّبَ لا عن كنوز مادّيّة بل عن كنزٍ سامٍ خالِدٍ، العَدْلُ!

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x