نُصبت المقاعد صخورًا بارزةً، وحوّمت ال “درون” تريدُ هذه الجماهير المتفاوتةَ الأعمارِ، كي تتغلغل بينها وصولًا للخِرّيجين بالرّوب الخَمري وطاقيّةٍ أهدتهم إيّاها دزّينةُ الرّبيع المتماطر! فهم عرائس هذا الحفل الّذي بَذَخَ فيه المُدير، آخر لُقيا لهم بهذا المكان الصقوشُ بِه ذكرياتٌ وضحكات وقلقُ امتحانات.
وهم حالًا يحتبسون داخلهم مُضْطَرَبًا تراوح في ريح افئدتهم، حزينون لكن فرحون، يودّعون لكن على الفاصلة يجتمعون.
وحيثما أكمل ال”كرين” دورته، طفق العَريفُ يلقي خطاب التخريج على مسامع الوُجَهاء وخِرّيجين جامعيّين أعظمَ جيء بهم ليُلهِموا الخِرّيجينَ الأصغر، وأيضًا الأصاغر الّذين إلى الآن لم تستهوِهم الرّسميّات المستهلكة. بعضهم استُلِبَّ من سيرة جرّاح عيون ماهر حادثهم من القلب وعن مسيرته الّتي سايَرَها كاز طويل الضّوءِ وحدهُ اضاءَها، وآخرونَ تثائبوا من نِفاقِ مَجْلِسِيٍّ حَمّى إرادتهم لمقاومة دولة الاحتلال، بينما هو يعيش على ميزانيّتها، وليس حتّى يقصد مقاومة الخنادق، بل العمل في الدّولة رغمًا عن أنف العنصريّين!
وكان رغم هدوءه الظّاهر وحفاظه عن نبرة الإلقاء وما بها من تكلّف العقيرة غاضبا من الداخل، إلى الآن وبين الحضور المتململ كان هناك فتًى صحَّحه بصوت عالي ثلاث مرات!
ووصل المعلم في كلمته الى الجزء الذي أشادَ فيه بدور الأستاذ في مسرحيّة الهيئة التّدريسيّة. فاستدلَّ بقول الشّاعر: قم للمعلّم وفّه التبجيلا، كاد المعلّم ان يكون رسولا.
فقال الطالب في رأسه: وما العيب لو قالَ انّه رسول؟ انها اصلا ليست رُتبة دينيةً تَكودَ بأنْ تَكادْ! لكن فلأُريحَنّهُ ولا أُثقِلَنَّ عليه.
لكنّ ثائرةً لا ثائر لها منعته من أن يُريحَ ويُخَفِّفَنَّ عن العَريف. فما إن مضى ذاك في التّرحيب بضيف المنصّة، زميلٌ لهُ عليهِ غالٍ، صاح بلغومه مشرئبًّا بجذعه، بالهفوة الّتي اُصطيدَت!
“فِلْذَة” صحَّحَ التّلميذُ معلّمه الّذي قالَ -ولا تَقُل- عن صاحبه أنّه فُلِذّة من كبد المدرسة.
“فِلْذة، على وزن كِسرة ذات نفس المعنى”، توبِعَ.
وتوبِعَت المراسم ولم يَخْلُ منها رَمَقْ حاقِدْ من العَريف وحده، البقيّة إمّا بالكعكِ مشغولون وإمّا يدّعون الإهتمامْ، لا أحد بِخِلافِه يولي سَماعًا للتّنقيح والتّحرير ناهيكَ عن البغضاء.
هُلِّلَ وبمديحٍ يستحي منه أغرار المُلوك كُلِّلَ، سيّدُ قومٍ نكبهم الصّهاينة، وأخذَ يسرد نِضالَ قريته الّتي عاصرت النّكسة ولها لم تنتكس بفضلِ انتفاضات لم تَفْتُر قَطْ.
“نسائنا الفُضْلَيات كُنّ ينحرن أنفسهن إذا ما على الشَّبا ظَهَرَ ابناء صُهيون عند كُرومِ زيتوننا!”
وشرفه صحيح، لهذا لم يُخطئ املائيًّا أثناء الاملاء، ولهذا تردّد التّلميذ النّجيب في املاءِ املاءه، والإفادة مُحْرِجًا نفسه بأنّ “الفُضلَيات” صحيحُها الفاضلات، فقد تذكّر أنّ أخرى وفُضلى لهما نفس الجذر بالمفرد فلا بد أن يكون لهن نفس الجذر بالجمع.
تالِيًا احمرّ العريف خجلًا، ولو أنّه الوحيد الّذي مَسَّ المُملى باكتِراث، ومَهَّدَ لِقُدومِ “الدّينامي” كما أعلَنَ بصوتٍ خالطه، هذه المرّة، ارتباكٌ مُنَمِّقْ.
“دينامي؟ تقصد الدّيناميكي، الّا لو كان من دينامو زغرب!”
وكان المعلّم ينتظر على أحرّ من الجمر أن يخطئ الطّالب كي يثأر وترخص قيمة ما مضى من تجهيل ساواه مع التّحقير، ولكن الخِرّيج كان يصحّح كحارس مُكَلَّف؛ لا تجرّ المرفوعات، عُلاقة؟ اه لا بأس هذه لهجتك الضّامّة للمفتوحات، لكن كيف أعذرك إذ جَعَلْتَ جَعْل وزنًا لِتفعيل؟
رؤوسٌ عليها أسنمة البِخْت تجول ال “جهاز” كأنّما ال “بروفا” لم تنتهِ، شيخان ينتصران على الفُجّار وهَوانِهم لولا سِلاحهم الذّرّي، العَصى بل العَصا على رِقاب الضّعفاء.
الكلّ لاهٍ، ولكنْ قد ثار المعلم، وبِقَذَعٍ مفاجِئ لم يُتفاجَئ منهُ طرد الطالب، والحضور لا زالوا متململين لا يهتمّون أبدًا، فيحمل الطّالب نفسه ويأخذ بالتّساؤل، لماذا أصَرّ على نُصحِ العريف وِجاهِيًّا، لِما لم يسكت بل لِما لم يلهُ مع اللّاهين؟ ربّما تنفيسًا عن غيظه لأنّهم اجبروه على الجلوس.. فما طرده إلّا لأنّهُ انصاعَ لنفسه، وهو طيرٌ حرّ لا ينصاع لا لنفسه ولا لغيره.
موضوع.. هناك.. ماذا جرى في مضماره؟ بكل كيانه هناك. مُدَرفَل. لا يبرح، لا يمكن أن يبرح. هناك.
لا يُحير شيئًا، لا لأنّه يَحير، بل لأنّهُ لا يَحيرُ أو يُحير.
عَسّالٌ عَسَلِيُّ اللّونِ والحِبر، جماد لم يُبَرمَج ولكن تَنَمذج، يَراعَةً ومِزْبَرًا ومَرقَمًا في قَلَمْ.
مُسَنّنٌ ومتآكِلٌ، كِنُّهُ فَقيدٌ، وهو بِلا حِراكْ ولا يفهم بأنَّ له فقيد.
منذ ساعتين كان في يد معلّمة، أشغلتها تحضيرات التّخريج فأشغلت يدها بِحُزمةِ الشّهادات.
ولم تكن هذه رحلة القلم ليستلقي مُلْقَيًا على المِطْبَعة، فالمعلّمة قد كُشَّت وطرحته أرضًا دون تفكير، كي تلقف الحُزمَةَ الّتي للحقّ لم تشهد على غيرِ وعودهم الكاذبة في منحها لمن شَذَّ عن العشرة الأوائل.
وما بَرَحَ، إلى أن عَرَت صغيرة فاهها مُحتَشي بالسّكاكر، وانتشلته فأجلَسَتْهُ على الطّابعة كاخصّائي ثعابين خَزَن كوبرا، لأنّها تربّت على أنّ إماطة الأذى عن الطّريق صدقة.
ثمّ تَلاها سادِرٌ يحمل ورقة ولا يحمل قلمًا، فاسترعاهُ ذاكْ، وتقدّم إليه كمن ألفى كنزًا وأبصر في الحِبر السّائل عَسْجَدًا، فكتب به شيئًا على ورقة أضحَت مِسْوَدّة ابتلعتها سلّة المُهمَلات.
ماذا كَتَبَ يا تُرى؟ ليس هو، بل هو، الّذي لا يدري ماذا كتب، فقط يُذعِنُ للأنامل ويَخُطُّ؛ عبارة جنسيّة على باب حمّام (ما لي، مالي، زائد مال أمّك يساوي أنت) أشعار غرام على الطّاوِلات (حبيبي بس مش نصيبي، قلبي لك، كيف لا وانت القلب؟) يا للملفّ المذهل لدولة اسرائيل! (ومذهل هنا آتية بالمعنى الفظيع، مثل فظيع إذا أتت بمعنى إيجابي!).
بسببه تبتسم الأستاذة لعلامة المئة وتقطب لضياع جهودها بالصّفر المُصَفَّر، وهو كالخاتم بالإصبع، ينقُل ويُخرج من الصّفاءِ بيانًا دون أن يفقه بأمره.
يتنقّل بين المكاتب والصُّفوف، بَيْدَ أنّه مُساق ولا بأس بكونه مُساق، إذ بِكُلِّهِ كالجُثّة، الفرق أنّ الجُثّة تَلَت حياة، وهو لا أَبَدَ عاشْ، يُكْتَبُ به المَعاشُ ويُنالُ، أَمّاهُ لا يُجازى ولا اعتراض، جمادٌ لا يعترض.
وبجزءٍ من الدّنيا الآخرة يُلقى وسط النُّفايات، عندما ينقطع حِبره، وبأُخرى الآخرة يتدمّر عِفاصه ويُدَحْرَج، دائمًا مفعول به.
ينكشف ويُفضَح، مُجَرَّدٌ إذ ذاكَ من العِفاص ومن الشّرف ومن عَقْلِ الشّرف.
غرض تافه يُباعُ ويُشترى بِفْرَنْكَ وأزهد، له عجلة ضئيلة تمرّر دَمَهُ الحِبْرِيّ، يشتدّ يمينُ مالكه فيلفظه بعنفٍ مُستَعْجَل، ويحِنّ عليهِ الفنّانونْ مُزَخْرِفُوا النّونْ.
دمائه الصّفراء هي المبذول، الّتي تُلَطِّخُهُ ردًّا على تلطيخِ أيّانَ اشياءْ له. التّشييءُ نِسبَةً له هي “رِفِرْس ثيرابي”!
ما هي قصّة حياته؟ صُنِعَ في بيلاروسيا، على شريطِ مصنَعٍ صاقِع، دُوِّنَ سِجِلُّ تصنيعه بأقلامَ الكترونيّة، وَحُزِمَ حتّى يَصْدُرَ قرار التّصدير، ويُستردّ عبرَ طائرات الإستيرادِ وقوافل بحرها.
إلى مدرسة ثانويّة في فلسطين هبط، كانَ المُفتَرَضُ أن يكونَ إمدادًا في غرفة السّكرتير للمُهمِلين ناسِيي أقلامهم، لكنّ حمامةً نَفَذَت من النّافذة وتناولته تَعشيشًا لِعُشّ.
في كَنْفِ الأكنافِ الدّافئةِ، فترعرع دون أن تزيد سنتيمتراته، وانتهى ترعرعه إلى تُرعَة. في أحضان الماءِ ترطَّبَ وانهمرت عليه من النّخيلِ الرُّطَبُ.
ولفّت زوبعة، دارَ معها إلى المدرسة. معلّمة تعوز طبشورًا أو “توش” وجدت ذهبًا، كتبت به ثمّ رمته مُجاوِرًا دونَ لا غاية.
اسمه قَلْمَة، خِرّيجٌ مثله مثل من استعانوا به لينجزوا الاختبارات.

