الملهاة والفُكاهة ضرورتانِ أحيانًا.. يُدرِكُ طه حسين أنّ فنّ الملهاة ذو الجذور المسرحيّة يُلهي عن الحياة اليوميّة بالحَسَن، فهي لهوٌ ممتع ويُلهى به عن الأحزان المُعلَنة والأخبار الفظيعة.
إنّه سيقدّم لنا “جِهادًا” فالجِهاد ممّا يُقرأ اصطِلاحًا.. فلعلّ عرضه للقصّة يرفّه ويعوّضُ عن أخبارٍ فارغة مزعجة كمدرسة في أسيوط ووزير تقاليد مَنَّ عليها بالرّخيص..
ورغم انتقاد حسين لهذه الخبريّة التّافهة، إلّا أنّه يُعطيها حقّها من الحزن، ولو أنّ له ضِدًّا ينبغي الولوج اليه والتّرفّه في رِحابه.
فيتفضّلُ علينا بالترفيه عنّا بل وعن الوزير كذلك! الذي يخاطبه في هذا التّمهيد بأنّ القصة بما فيها من عار ومساوء وأحزان (رغم كونها ملهاة؟) هي مهرب من أخبارِهِ، وكذلك رأفة به وهو المستحقّ لها، كونَها وعلى الخجل والإلم والحسرة مُسَلِّيَة.
فمهمّة التّسلية خليقة بها القصّة التي سينقلها لنا فهي -تأكيدًا يستغفر الله في ذِكره دلالةً على البداهيّة- مسلّية ولكنّها رغم سطحيّتِها تبقى ذات مغزى خلّدته صفحات الأدب وفيها مرآة للتّأمّل لكنّها مرآة تعكس صورًا عن الغرور لا الرّائي..
فالغرور معروف، ويوقِفُ ادراك الذّات اذا ما غَزا القُلوب.. لذا ورغم أنّ كاتبها ما كتبها إلّا ترفيهًا، ففيها العِظَة.
ومن افتتاحيّة طه حسين؛ الغرور قد يكون ضيفًا غير مرغوب فيه ويؤثّر في بيته الجديد، القلب. ولذلك لا غرابة في أن يكتشف خَلوقٌ أنّهُ مغرور، ويتأذّوا لذلك.
على أنّ الغرور على كل حال قد يكون مفيدًا في تقوية النّفس في مواضعها المقبولة، بل انه من طبائع الخلائق التي قد تحدو متطبّعها للأعمال الطّيّبات.
يصف طه حسين قصّته أو بالأحرى قصّة كاتبها بالجميلة والرّائعة، إذ إنّه ولا شكّ قد خَبُرَ تناقض الغرور وجعل من عمله تناقضًا بعد تفكير مَلِيّ.. وقد جاوَزَ ذلك.
ثمّ يثمّن حسين التّرفيه عن المواطنين بما لا يُشترط هروجه عن الغرور باعتباره من ضريبةً لتحصيلِ الضّرائب.. كون اللهو حقًّا كالتّعليم وخِلافه.. من أجل حماية المواطن من أعداءه الدّاخليّين والخارجيّين ممّا يَصُبُّ في مصلحة الوطن كذلك.
وهذا أمرٌ قد لا يرتضيه وزير التّقاليد الذي عاد له طه حسين في هِزارٍ! فذاك الوزير ليس بالعابِث، فقد أسترخص معهد التّمثيل (هذا الكتاب عن أدب التّمثيل الغربي).. فبحسبِ معاداته للعبث فإنّ التّمثيل لهو ولا يجب أن تُدَرَّ إلى مسارحه النُّقود.
النِّفاق هو أنّ تلك الأموال تُدَرُّ على تفخيمِ عفش الوزراء بصالات قد تكون ذات عازة كشأن أي صالة وقد تكون صالة لهو!
وشدّ ما تتجلّى نظرة الوزير للأشياءِ وتُفرَض.. إذا كانَ وزيرْ.
ما لِطه حسين عند هذا الوزير! يخبرنا أنّه لا يدري لِما مالَ للحديث عنه ولا عن صلته بالقصّة الرّوسيّة الّتي ذكّرته بوزير التّقاليد -والذي سنتركه مُكْرَهين!- فالعبث أدعى أن يطرأ على البال عبث آخر.
وإلى القصّة الرّوسيّة العظيمة عظمة مؤلّفها..
هي للحقّ معقّدة يَلزمُ لها صبر أيّوبي، فرغم أن عميد الأدب العربي طه حسين سيجتهد في تبسيطها، إلّا أنّها ستزالُ صعبةً فالمؤلّف مستلهِم -أو ألهَم، السّبب في هذه الشّحطات هم النّقّاد- كاتب ايطاليا العَريق بيراندلو.
جوهرُ العناصر هي غرفة مضيئة لكنّها مظلمة! وهي غريبة أو لهذا هي غريبة.. إنها “غرفة أسرار” تقع فيها العِجاب.
السّبب؟ هذه الغرفة هي مقرّ عرّافة حِرفَتُها الإستِبصار!
في رفقتها امرأة أخرى لعلّها زبونة، جميلة جمالًا بهرًا كما ثراءها وثراءُ لسانها في الثّرثرة.. وهي على دأب الفضوليّين تسألُ وتسألُ.. ويشفعُ لها أنّها لا تسأل فقط وإنّما تشرح وتفسّر وتُجيبُ حتّى عن نفسها.
هي زبونة فعلًا، وغرضها هي استشارة العرّافة في وسيلة توصلها لزوجها الخائن. هذا أيضًا لا تخلو خِيانته من غرابة، فقد تزوّجها فقيرةً مُساءً معاملتها عند أقاربها، مَلَكَتُها الوحيدة هي الحِرمان والشَّقاء، وبذلك عوّض عنها شَظَفَ الأيّام وكان لها جنّةً وسعادةً وتسليةً حسّنت علاقتها مع الحياة.
واستمرّت السّعادة، أي الزّواج، عقدًا من الزّمان. عندها وافتِ المِنّةُ وَلِيَّةَ الزّوجةِ فتسرَّبَ لها الوِرثُ والثّراء.. فلم تترك هي زوجها بل حصل العكس! تخلّى هو عنها وانزاحَ كالشَّبَحْ.
فبحثت على أمل أن تجد زوجها فما وجدت غير الخِيانة، وجدته وما فائدة ذلك؟ لقد تزوّج الخائن من خرساء صمّاء!
ومثلما أحدَثَ لزوجته السّابقة، أسعدَ الزّوجة الجديدة. وإن كانت الأولى محمولةً بِرِفق عن الفقر المُدقِع، فإنّ الثّانيةَ قد عوّضها عن الإعاقات.
فإذ به يخون تلك الخرساء الصّماء، وإذ بالخرساء الصّمّاء تبحث عنه فما وجدته غيرَ خائِنٍ للمرّة الثّانية، وفاتِحٍ قلبه للمرأة الثّالثة؛ باغِية شديدةُ العَهْرِ، فما كان من حنانه إلّا أن عاملها كأنّه ملاك، فأخذها بِمَنأًى عن الدِّعارة والمعصية وأدناها من الحبّ والفرح..
وحتّى هذه قد خانها واختفى ولكن تعال! هذه الباغية ليست كالسّابِقات، قد جَشَّمَت معنِيًّا يفتّش عنه وزاوَلَت حلًّا آخر هو أن تأتي للعرّافة كي تعطيه الجواب الفاصِل الّذي سيشفي حبّها ويبرئ جرح فَقْدِها.. ذلك أنّها لا تستطيع التّعايش مع مرارة الفَقْد، فالسّعادة الّتي أعطاها إيّاها فجأةً ثم هرب ثمينة جِدًّا لها.
ومن جُمَلِ ما تقوله الباغية للعرّافة اسئلةٌ عنها وعن كلبها الذي يُزاوِلُها.. فتلقى من العرّافة حوارًا نسائيًّا وتعزيةً وتجاذبًا لفواكِهِ الكلام وبيانًا عن كلبها..
وتخرج الباغية ويَحُلُّ مكانها عجوزٌ ألمَّ به المرض والحزن، غايته أن تساعده العرّافة في تدبير أزمة ابنه وهو شابٌّ قويّ على عكسه.. شابٌّ تخرّج من الثّانويّة أرادَ الجامعة، والأرجح أنّه دخلها لأنّ “أزمات الشّباب” قد لازمته فأوشك أن ينتحر لولا أن أوقِفَ عن ذلك القرار الأهوَج، ولكنّه آبَ لهُ فما أفلَحَ كذلك.
فغايةُ الشّيخ إذن أن يتوب الإبن عن الإنتِحار، فتلتزم العرّافة بفحص الأمر وشفاء المرض، في وعدٍ.
فلمّا انتهى الشّيخ من أمره، جاءت حسناءُ راقِصة، تسأل جَلْبَ زوجها للحبّ المتبادل فهو لا يُبدي حبًّا وتعلُّقًا.. بل يُهْمِلُها عاطِفِيًّا ويكترث فقط بأمر بائعات الهوى..
والعرّافة عرّافة.. تعرفُ أنّ خيره بغيره ذميم وحميدٌ إذا ما قامت الرّاقصة بما يقوم به وجعلتهُ يغار عليها فتتبيّن له قيمتها فتنحلَّ عُقدةُ الإهمالْ.
فلذلكَ الدّعمُ والتّشجيع والمثابرة في مسألَتِها، على هيئةِ وعدٍ.
وتطمئنها بعِلم الغَيب، أنَّ المساءَ سيكون مصيريًّا وسيُكرِمُها المُهمِلُ بِعَطِيَّةٍ.
وبعد أن انتهت مسألةُ الرّاقصة، أقبَلت عجوزٌ وشابّةٌ هي ابنتُها وشابٌّ سَوِيَّةً. أوّل ما تبادَرَ لِلِسانِ الشّاب هو تعريفه عن نفسه بأنّه جامِعِيّ وتعريفه عن اهتمامه البليغ بالعِلم. وبالتّالي لا تملئ عينه تلك العرّافة الدّجّالة.. ذاكَ هو المُنتَحِرُ الّذي لم ينتحر!
بالنّسبة للشّابّة، فهي بشعة ومريضة بالسُّلّ، وبما أنّها يائسة، لم تُعنى بتَطبيبِ طَبيب، فالحياة برمّتِها لم تعد تعني لها ما يستحقّ التّطبّب كي تنعم به.
ومن أوجاعها كذلك ألمُ الأسنان. المفروض كما تعتقد والدتها أنّ العرّافة ستداويه كما تُداوي كلّ داء، لهذا هي هنا.
فتبدأ العرّافة بعملها؛ تختطف الشّابّة وتعود وتنفرد بالعجوز وتشرح لها أنَّها، في محاولةً لبيان أسرارِ يأس الفتاة، نوّمتها مغناطيسيًّا.
حينها تَستقدِمُ الفتاةَ المُنَوَّمة طلبًا في معرفة استِرخاصها للحياة، وتُستَجْوبُ فتُجيبُ بأنّ يأسها وحزنها مكمنه بشاعة منظرها الّذي حَرَمَها الحُبَّ.. وعندما توقظها العرّافة من التّنويم المغناطيسيّ، تتغيّر الفتاة وتَقْنَعُ وينصرف الجَمْعُ.
ويأتي.. ليس زبونًا لها بل مريض على عِيادة مع الدكتور فريجولي، طبيب موجود في نفس المكان فمن الحُسْنِ استشارة العَرّافة عن اتّجاه عيادته.
ولكن لا حاجة لذلك. العرّافة بنفسها هي الدّكتور فريجولي!
ففورَ سماعها اسم الدكتور كشف عن نفسه الشعر المستعار والثّوب.
فتفاجئ المريض وصديق الدّكتور بأنّ فريجولي يتنكّر كالعرّافة ويخدع الأنام سارِقًا أموالهم بالحرام.
على أنّ الطّبيب يؤكّد على أنْ ما مِن مهزلةٍ فيما يصنع، فما تنكّره كذلك إلّا امتِداد للطّب كي يُعاوِنَ الفقراء والمُحتاجين ممّن هم دائمون للعرّافين وفي حالاتٍ ما يكون الغنيّ هو الزّبون، فإذا استأجرهُ دفع بالمال للفقير.
فريجولي نسج كذلك هذا الموعد الّذي ألقى بالصّديق أمامه في هذه الحالة، وذلك كي يتّفق معه على أمرٍ جَلَلٍ.
لأنّ الصّديق مدير مسرح (“ملعب” تمثيل، تذكّرنا شيئًا؟)، ويتّضح أنّهُ ليسَ مريضًا بل رائدًا لعمل ما، أن يتعاون مع الطّبيب كي يأخذ الأخير شيئًا من فرقته ويعمل معهم على مسرحيّة فريدة حدّ الغرابة، في ملعب فريد.
فتمّ الإتّفاق وانهمك الرّجلان بالدّردشة الحلوة بعد دفعٍ وعقدٍ مُبْرَمٍ..
بِمُجوجَبِهِ، قَصَدَ الإثنانِ المسرَحَ أوِ الملعبَ كي ينتقي فريجولي من ممثّليه المُرَصَّعينَ هناكَ طاقَمًا.
وبدأت تجارب الأداء وتمثيل مسرحيّة عن روما نَيْرونْ.. وعرضَت القصّة بعض النِّكات للمثّلين وراءَ السِّتارة إذا ما انفرد الواحد بنفسه وفكّر بعمله..
ومن زُمرة الممثّلين؛ شاب حسنُ الطّلعة خفيف الظِّلّ، زوجُ الرّاقصة! ودوره في المسرحيّة يناسبه ويحترم المُشاهد فهو سيلعب دور رومانيّ وسيم.
وممثّلة أخرى ستشاركه هي زوجته الّتي أهملها! الحسناءُ الشّغوفة بالفنّ.
والثّالث هو ممثّل مَرِح بَدين بعض الشّيء، يلعب دور الأراجوز ومهرّج نَيْرون. وِفْقًا لمسرحيّة الطّبيب التي جمعتهم وأُغْرِبَت في حبكتها، فإنّهم ماضونَ مأجورينْ.
ومسرحيّة فريجولي تلك لا تقوم على نصٍّ مكتوب أو خشبة، فما هي إلّا شريحة حياة ستُمَثَّلُ وتُعَزّي أقوامًا ضُعَفاءَ مغلوبين على أمرهم.. ففي الحياة للأسف فتاة بشعة حزينة الموت عندها أهون من حياة بلا حب، ورجل مُسِنّ مُعيَى يتوجّسُ من إقدام ابنه على الإنتِحار، الذي هو أيضًا بائس..
فإنّهُم يستحقّونَ تمثيليّةً ترفّه عنهم وتُشِعُّ في نفسوهم الغِبطَةَ والأمل وكل أصناف العاطفة الجميلة.
ويا للرّوعة! إنّها ليست على خشبة لذا فهي أقرب للقلوب وتطبيقها عمليّ أكثر.. فزوج الرّاقصة يُفتَرَضُ أنْ يمثّل حبّه للفتاة البشعة التي “عالجتها” “العرّافة”، فهي لم تُعالَج وتفتقر للأمل.
والرّاقصة ينبغي أن تُمَثِّلَ الحبّ والعطف على ابن الشّيخ، فهذا لعدائيّته تِجاهَ الحياة وقِلّةَ أمله ورجاءه بِها عِلاجْ.
والشّيخ سيهتمّ به ممثّل الأراجوز في استِلطافه وإسعاده وإبهاجِهِ وإبعاده عن مشاعر الأسى للفقر والمرض.. إلى جانب التّفريج عن باقي الشُّخوص.. مِمّا يقتضي أن تنضمّ الرّاقصة للدّور المزدوج وتخدم الشّيخة! وقد سيمثّل كذلك الإبن الجامعيّ، ويصير موظّف يستأجر من عَقارات الشّيخة!
وإلى جانبِ دور الأراجوز، سيدّعي كونهُ طبيبًا عسكريًّا مُتَقاعِدًا.
ويبدو أنّ فريجولي على موعد آخر من التّنكُّر، إذ سيلعب دور تاجر اسطوانات فنوغراف (ميكانيكا قديمة لحفظ الصّوت وإعادة تشغيله) اسمه شميدت.
ويمرّ شهر ويحين وقت “السِّتار” لِأن يُرفَع، ويُعلِنَ عن الفصل الثّاني من عطايا الممثّلين الفنّيّة والإنسانيّة..
الخادمة أي الرّاقصة تشتغل بتنظيف الأرض، ينظر إليها ابنُ الجامعة الفَطِن والمكتئب ويتلو عليها من الفِقْهِ الرّوماني بنبرة تمثيليّة واضِحة.. فيلقى منها شفقةً وحنانًا أثّرت فيه باغرائها الّذي لا عيبَ فيه. فُتِنَ بِها وأُغْرِمَ.. يَوَدُّ التّعبيرَ عن محبّته لها فيَجْبُن..
وكانت البشعة كارهة الحياة قد حُبِّبَت إليها الدُّنيا ودخلت قلبها العافِية والسّعادة.. وتهندمت بالزّينة الخلّابة تصديقًا لحبّ الفنّان الوسيم المُمَثَّل ورعايته المُتَكَلَّفَة.
وَحُقَّ لها لأنّ الشّابَّ لاطَفَها وأولاها عَطْفًا في طريقه للتّعلّم على الآلة الكاتِبة.. بل أفصَحَ عن حبّه لها! فكيف لا تحيا الفتاة حَقّ الحياة وتأمُلُ حَقَّ الأمل؟ وكيف لا تبكي وتضحك في نفس الوقت؟ دموعها ليست دموع حزن ولا فرح بل جنون، جنون فَرِحْ!
وذاك الشّيخ المريض الفقير القلق على ابنه شَمِلَتْهُ موجَةُ البهجة والصّحّة كذلك.. فقد وجد خليلًا هو الأراجوز، وقد ترافقا في طريقهما للكنيسة ولعبا الشّطرنج، فطبيعي أن يتنشَّطَ ويتسلّى كما تسلّى غيره والتَهوا عن مآسي الحياة وآلامِها.
ووسط هؤلاء الأشخاص المسرورين، كانت هناك امرأة مُدَرِّسَة في البيت، المسرح، تعلّقت بالعلم الصّارم فلم تُبصِر غيرَهُ مُسَلِّيًا وما تسلّت.. واستنكرت على الممثّلين وأصحابهم “العبثَ” والحُبّ الشّيطانيّ بين الشّبيبة!
ورغم ذلك فهي تعرف في قرارة نفسها أنّ نظرتها فيها شيء من العمى، إذ هي بعينها تُحِبُّ الأراجوز! لكنّه حبّ مستورْ.
وبما أنّ الأراجوز مثّل كذلك دور الطّبيب، فقد ادّعت المرض كي تَراهُ وتُسمِعَهُ استِعانَتَها وربّما مودّتها لأنّ الرّجُلَ قد أَحَبَّ الحُبَّ المِدرارَ للمحبوب الأصفر.
ثُمَّ آنَ الغداء ولا زالت المودّة والتّمثيل حاضِرانِ على السُّفرة، والتّمثيل مُتقَنْ. وإنَّ اصطِناع العبثيّة واصطِناعَ الأخلاق بل الإصطِناع برمّته لم يَرُقْ للمعلّمة عشيقة الأراجوز.
وبرزت الدَّياليما بفضل هذه المرأة! ففي مَوْضِعٍ ما، تصادمت بصراحتها مع كذب الممثّلين، في أمرٍ اعترفت هي به وحدها فكانت صاحبة الحق في نشر الحقيقة المكروهة.. فبإبداءها رغبتها أن يتوقّف الكذب في الأفعال، يُدافِعُ الممثّلون عنه بصفته لا رِياءً، بل حجر أساس بنى ويبني الحياة..
وهناك بعدَئِذٍ غرابة فائقة يُستَرابُ منها.. فالممثّلون قد أطاعوها حينًا فخافت وهربت منهم؟! وتوالى المنظر بِشَرِهٍ ومُتَجَشِّئٍ لا يخجل وآخَرُ يتعرّى، ولعلَّ هذا ما أفزع المعلّمة وحداها أن تولّي فرارًا! رعب الزّيف.. وهذا المشهد يدلّ على أنّ الزِّيفَ وتصنُّعَ الصَّنائِعَ مُقَوِّم لحياة الأفراد والجماعة.
فإن كان التّمثيل رياءً، فأحسنُ ما يمكننا توجيهه إليه، مَحَطّاتُ المَحزونين وفاقِدي المعاني الّتي لا صِلة لها بحياة البدن بل الرّوحْ.
ومع انقِضاء نِصف عام، انقَضى النُّزُرُ الأعظم من المسرحيّة وولّى بِها للنّهاية الحتميّة، اليومُ الأخير الّذي حُرِصَ فيه على اِتقان الأدوار أكثرَ كي يَليقَ ذلكَ بالخاتِمة.
والكلّ على سُروره كأنّ القادم عيد وفعلًا هو عيد من البهجة وتبديل الملابس واللهو.. فاستخدموا حرّيّتهم كي يختاروا أزياء المسرح أو بالأحرى أزياءَ العيد.
المهمّ منها هو زي اُختيرَ للمُعَلِّمَة واضح منه أنّه يَدُلُّ على الموت وقد اختاروه خِصّيصًا لِدِرايتهم أنّها سترفضه كما أيُّ تنكُّرٍ كانَ!
وآخرُ من نصيب الطّبيب فريجولي، زيّ بهلواني.
وهنا نقطة قمّة في الرّوعة.. فريجولي، سِرًّا لا يعلمه غير زوج الرّاقِصَة، سيمثّلُ كالمُنتَظِرِ راهِبًا. لِما اختصَّ بالإسرار ذلك الشّابّ؟ لأنّهُ جاسوس! ومهمّتُهُ الّتي أوكَلَتها به الباغية هي التّفتيش عن الخائن الثّلاثي. لكن هل هو نفسه من وكّلته الباغية؟ الأكيد أنّه يخدم النّساءَ جَميعًا بطريقة مكتومة.
ولا يَخفى أنّ العرّافة ساعدته أو بِوَفاءٍ وعدته بأن تُعينهُ على إيجادِ الخائن. فسيتواجد على المسرح أو البيت أو في العيد أو في الكرنفال!، متنكّرًا كَراهِب!!
ومهمّته تتمثّل في استِحضار النّساء المغدورات والإشارة لهنَّ إليه كي يُقاضينَهُ ويُخاسِبْنَهُ.
ويتحاورونَ بِما يُفيدُ أنَّ الممثّلين سيأتون بكامل ازياءهم ليكونوا جزءً من الفصل النِّهائي شُهودًا ومُحَرِّكين.. في ما في دِرايةِ أهل العَمارة.
الوسيم زوج الرّقّاصة اعترف بحبّه -حقيقةً- للقبيحة، مع عُذرٍ يُبيحُ له الإعراضَ عنها والإقبال لأُخرى؛ زوجته المريضة.
وتوالَ تنصُّل جديد، فالزّوجة الفِعليّة تهرّبت من الفتى متحجّجةً بضرورة الإياب لأهلها السّاكِنين في الرّيف، زاعِمَةً أنّ هذا ممّا يؤلم لأنّهُ مِلْحٌ على جُرحِ الحُبّ.
الفتاة دميمة الهيئة لم تُمانع “سفرَ” “حبيبها” لِما في ذلك من قسوةٍ له وقسوةٍ ستكون هي سبَبًا في أن يقسوها على أهله لو لم تتنازل عن تمسّك الحبّ قليلًا.. وإلّا فكيف سيصدق حبّها؟ وهي على كل حال مقتنعة بما نالته من حبّ وسعادة جَمَّلَتا الحياة في عينيها، كمؤونة تعتاش عليها إلى أن يعود الحبيب.
وكذلك لا يجد الجامِعِيّ بأسًا في رحيل الخادمة رغم حزنه على فِراقِها.. إذ لا يريد مِقدارَ قُربِها منهُ تفرقتها عن أسرتها.. فهذا هو الحبّ الصّادق! وكان مثل تلك مكتفِيًا بمقدار ما بلغه من حب وعطف وأمل وحياة.
وحصلَ أنْ جاءت المعلّمة فحَصَلَ ما كان متوقّعًا، أنّها رفضت الزّيّ، معبّرةً عن استِحالَةِ إرغامِها.
لكنّ نفسَها ارتَضت اللهو والعبث، كما أعلنَ الأراجوز الخارج من غرفتها. اذن فقد قبلت الموتَ أو زِيَّهُ.
ولا نحتاجُ لِعَرّافة لِنَعْرِفَ أنّ الحبّ هو ما دفعها للقُبول، فالأراجوز كان قد دخل عليها، ولا شكّ أنّه قالَ لها شيئًا حبَّبَ حتّى زيّ الموت لَها، وجعل المُدّة الّتي فصلت بين إعراضِها وقُبولِها تستَخفي.
وانتَقَلَ الأراجوز لِحَضْرَةِ فريجولي، فَأخبرهُ بأنّهُ حَلَبَ مِنْ حبّه الكاذب والّذي خدع به المعلّمة مالًا سيُمَوِّلُ مسرحًا مِلْكًا له!
فكان رد فعل الطّبيب استِهجانًا على تلك الخِيانة لفضيلةِ الإصلاح وبثّ السّعادة في العوامّ. وقد رَثى لتلك المعلّمة الموهومة التي مُثِّلَ عليها الحُبّ!
فالخِداع أو التّمثيل أو الرّياء ضروري وله فوائده، لكنّه في هذه الحالة يسير في الاتِّجاهِ الخاطئ.
فيُستَتابُ ولا يُتابُ، حتّى تخالَفَ الإثنان وافترقا.
ليسَ افتراقًا مكانيًّا، فها هو الأراجوز يُهَدِّدُ بِكَشفِ الحيلة الكُبرى!
حب؟ كيد لا أصل لهُ ولا شبيه! أسماء ومِهَن؟ افتِراء!
وبمثلِ عِنادِهِ على ما يعتبرُ فضحه انتِصارًا له، لا يستجيب الأراجوز لِرجاءِ فريجولي لِأنْ يَعْدُلَ.
وكنوع من الإنتِصار الذّاتي أو النِّكاية الخفيفة يتركه الصّديق لِعِنادِهِ، مُرتاحًا لأنّ التّكذيبَ سيكون المُلْتَقِيَ للإشاعةِ.
ثمّ يُفتًحُ البابُ على حينِ بغتةٍ وتستند عنده المعلّمة، فسَمِعت ما فيه الكِفاية دونَ أن يُدرِكَ المُتَجادِلان أمرَها، وأوصَدَتْهُ راحِلَةً.
وقد فَطِنَت المعلّمة أنَّ حبيبها لا يحبّها.
وحدثَ التّباعُدُ المكاني.. الأراجوز راحَ يفضحُ المسرحيّة فلم يلقَ نداءه سِوى صدى تكذيب الحقيقة المرّة وعدم الإكتراث.
بل لقد فاقَ الأمر مجرّد الإنصراف بالأذنين إلى السّخرية بل إلى التّهديد والمَقْت.
فَثَبَّطَ ذلك عزيمة الأراجوز وبعث في دواخله اليأس، فولّى منصرفًا. كي يُبصِرَ شبح الموت، وحُسبانًا منهُ أنّه المعلّمة الّتي ارتَدَت زِيّه، شَرَعَ يَفُضُّ إليها دردَشَةً.. غير أنّ الشّبَحَ يستخفي، ممّا أفزعه وجعله يستغيثُ للمنظر.. فإذا جاءَ مُجيبوا الإغاثة دَلَفَ الجميعُ لغرفة المعلّمة.
المعلّمة ماتت. وجدوها ميّتةً وانشغلوا بها يتألّمون ويرثونَ بِرُعْبٍ.
وفي غضون ذلك قَدِمَت أزواجُ الخائن الملائكيّ وطلبنَ الرّاهب أي زوجهنّ الّذي قيلَ لهنَّ أنّهُ راهِبُ الزِّيّ.. فأماطَ الرّاهِبُ لَهُنَّ حِجابَ وجهه، الّذي لا شكّ لم يترك له مجالًا كي يتبيّن زوجاته، فتَبَيَّنَّهُ!
الزّوجة الأولى الّتي اِغتَنَت وبّختهُ وعزمت على إحالته للقضاء، فتذودُ عنه العاهرة التّائبة بفضله، معتقدةً أنّهُ شيءٌ كالملاك لا يستحقّ الجرجرة في المحاكم، فجاء أسلوبها كأسلوب العاصِيات في مناجاتهنّ لِيَسوع.
أمّا الخرساءُ لصَّمّاءُ فحارَت بين الصَّدَفَتَيْنِ لكنّها استقرّت على العَفْوِ.. ويُحرِجُ رِضى ضِرَّتيها بالتّقريبِ الأولى، فترضى عن زوجها بالتّقريب.
ولِما بالتّقريب؟ هي على أتمِّ الإستعداد لدفع مُستَحَقّاتِ الجاسوس الّذي لم يكن له أثر هامّ في الإشارة للزّوج.
ذلك الجاسوس على كلّ حال، وكالخائب يأتي لِيَجُرَّ الزّوجَ للمحكمة. في تلك اللّحظة، نزع الزّوجُ زِيَّ الرّاهِب.
وللمفاجأة الصّاعقة العبثيّة بامتِياز، يظهَرُ مرتديًا ثِيابَ الطّبيب، دوره الأصلي الّذي كانَ أصلَ الإتِّفاق. فعرّف عن نفسه.
أو عن أنفسه، فهو طبيب وراهب وعرّافة وزوج غدّار، متعدّد المواهب! كما أنّه هو الّذي سيقبّض الجاسوس!!
وجاءَ شخصٌ مَعَ بُشرى سارّة معناها أنّ المعلمة حيّة تُرزَق وما ماتت مؤقّتًا إلّا لِوقع نبأ الخِيانة عليها.
وكذلكَ أتَت جُموعُ الممثّلين بأزيائهم، الّذين اصطُفِيَ منهم ولم يُصْطَفُوْا.. أتَوْا بِداعي الفُضول يريدون معرفة النِّهاية الّتي للمُشاهِدينَ الدّورُ الأكبر في البَتِّ في مصيرها.
وبادروا باقتِراحاتٍ هي لَعِبٌ على السّيناريوهات، مثل أن، إذا طال عُمرُ المسرحيّة، صَحَّ الكذب وأحبّت الخادمةُ الجامِعِيَّ عن حقٍّ طلّقت لهُ زوجها الحقيقيّ. بل ربّما زوجها الحقيقيّ يحبّ تلك القبيحة فعلًا فيخون زوجَهُ!
على أنَّ الطّبيب صارَ مثل صاحبه يريد كشف المستور وأن يوفّر على المشاهدين كتابة السّيناريوهات، فلتدميرها لا يلزَمُ غير الصّدح بالحقيقة؛ كونُ الممثّلين ممثّلين.
المسرح بِالطّبيب والشّيخة والشّيخة والمعلّمة والفِتية والخادمة والحبيب وبآلامهم وآمالهم وإصلاحهم تمثيل في تمثيل.
ماذا يمثّلون؟ الحياة بل مفهوم وفكرة التّمثيل ميتافيكشِنِيًّا.. فأبدَعوا. نزيد على ذلك أنّهم واعون بحقيقةِ أفعالهم المترنّحة بين واقع الحياة وتمثيله، والحقّ المعترف به ونقيضه، وهم يدركون بل يقولون بالصّراحة وبالرّمز أنّهم ليسوا من الوُضوح بِما يُصَنّفهم كخادع أو مخدوع.. بل الواضح لهم وللجميع أنّهم مُخادعين.
والمخدوعُ دومًا هو المُتَفَرِّجُ، ودور التّمثيل المنتشرة في أرضِ الحياة دون أن يكون لها خشبة وسِتار تشهدُ اعتِذارهم عن خِداعِهِم! فيكون تعويضهم أو طبعهم إذ لا عَوَضَ للمُباح، المرح والفرح والتّسلية، حتّى لَتَكون الفرحةُ نارًا لها ألسنة طائلة.
ونهاية العمل هي البهجة والخديعة الممتعة، بِمُشاهِدين أنصتوا حَقَّ الإنصات، والتفتوا جيّدًا كما انخدعوا جيّدًا! وكما أتقن الممثّلون، فقد أتقن المُمَثَّل عليهم دورَ التّأثُّر ولكنّه دور حقيقي.
ويفرح المتفرّجون بانقِشاع الضّباب عن الحقيقة، على أنّ هذه الحقيقة نفسها قد غرّتهم، فأيّ سرور يُضاهي ابتِعادَ الغُرور عن النّفس؟
نَخْلُصُ إلى أنّ نيكولاي اِفرينوف أبدَعَ في هذه المسرحيّة (Comedy of happiness) في خلق نموذج ما وراءَ القَصّ، حيثُ السّعادَةُ حيثُما سُعِيَ للخَيْر!
هو من أنصار فكرة أنّ الحياة اداء كالمسرح، وأنّ الوهم هو المؤثّر الّذي يُحلّي الصّعوبات.

