بقلم : Wave manipulator

كان المطر ثَجّاجًا، يزمجر قطرات الخير ويَقصِمُ فُروعَ الغَردَق.
وفي حِمًى مِنهُ تواجدت أُسرَةٌ داخل محلّ ألبسة، تنتقي الأُمُّ الثِّيابَ ويخطف الأب لمحةً عن حقيبة خصره كُلَّما رَمَت هي ساتِرًا وخَطَفَ لمحاتها آخرُ.

بينما كان الابن الوحيد والبنت الوحيدة على أعتابِ المدخل، لا يخكف لمحاتهما غير المطر العنيف.. فبينما قال الأب لزوجه: هيه يا رامية.. وما الفرق بين بناطيل الجينز، غير أنَّ هذا مُمَزَّقٌ مِن هُنا وذاكْ مُمَزَّق مِن هُناكْ؟ قال فهد لِشُروق: خَلّينا نَبْتَلّْ بِدُموعِ الغُيوم! وحيثُنا ردّت رامية: پْرِستيج وموضة.. وهل لك عين تعمل للمعازيم كستليتة؟ ردّت شُروق: بل هي مياهُ غَسول أقدام عذراواتِ السّماء!

وعندئذٍ يُفْرِغُ الولد ما استجمعه في فمه وما أوشك أن يَلْحَقَ بِسابِقيهِ إلى المريء، ويتقذّع بِلِسانه.. لكنّه تذكّر أنّه نَسِيَ هوايته في الجِدالْ.

فَهَزَّ رأسه الأحمر قائلًا بِثِقة بُرهانِيّة: يا أختي الصّغنونة الرّعناءوءة.. ألستِ ترينَ هذه القَطَراتِ قَطَراتْ؟
بأيّ حقّ تكون هذه الزّخّات ماءً مُدْلَيًا؟

وتُحيرُ الفتاة بوضعيّة لا شَكَّ فيها اِنَّما يَقين؛ كُفوفها على الوِسْط وقَدَمٌ بينها وبين أختها شِبه مُستقيم، أنَّ زخّاتَ الغيثِ مُغيثةَ العُشبِ الظّمآن، أو مِياهٌ غُطِّسَت فيها قدمان، ليست وحسبُ مُدلاةً، فهي الطّاهرة..

لأنّ الماء كالصّابون، صحيحٌ أنْ لا سطح قُلَوِيَّ له، لكنّه يُسَرِّبُ جُزَيئاتِهِ للمادّة المُتَلامَس معها، فَيُزيلُ عنها الشّوائِبَ، يُبَيِّضُ وَيُنَصِّعُ، دونَ أنْ يتشرّب هو مِقْدارًا. فكيف إذن بِمِياه لا بل وبِقَدمان كُلُّها سماويّ؟

وكمصير مُنتَظَر، أو اِرادة خَفِيّة توقِفُ مَوازينَ الأكوان فقط كي يعرف الأعيان أجوبةً شافية لِسَقَمِ اللا-اكتِمال..

تضائلت هُوَّةُ المكان البينيّة، وَطُيِّرَ الصّغيران بِقُدرة لم يستعجباها أبدًا. على العكس، اِنسَجَمُوا معها كأنّما نُوِّموا واقتيدوا في حُلْمِهِم المُزهِر.

“عليّ الطّلاق لِبْس سوق الخميس اِلّي قطعته بِعشرين جنيه أرْيَح وأحسن من عَكِّ الماركات التِّئيلة دي”

“لَمّا تيجي تحلف بالطّلاق بقى تحلف على التّانية!”

وفي طريقهم الّذي باتوا فيه جسدًا وروحًا، قلبًا وقالِبًا، تذامَرا ضِدَّ الغول ذو القِناع ذو شكل (؟) واتَّفَقَا على أنَّ لا شيءَ سَيُطَيِّرُهُ كما طارا غيرُ معرفةِ: أتبكي الغيومُ أم هي فقط في دَرْبِ ماءٍ غَسَّلَت بِهِ قَدَماها عذراءُ السّماء؟

ولم يَعْبُرا طويلًا غير عاجِلٍ عبْر ثُقوبٍ ترصد أنسجةً مِلّيمتريّة من التّيتانيومِ الهاطِلِ فوق زُحَل وتنظّمه في غيمة معدنيّة هي شكلًا لا تختلف عن نظيراتها.. (وقد أشفَقَ فهد عليها لأنّها ليست قُطْنِيَّةً فريدةً) ومخلوقاتٍ ريشيّةٍ لا تطير، لا لأنّها طيور لا تطير بل لأنّ الخُردة الفضائيّة شَبَكَت ريشها (وقد أشفقَ كِلاهُما عليها).

فقد وصلت بهم مواصيل الوحي الإعجازي الى قلعةٍ من المَرمَر كَبَعْلَبِكّ، مرصوصة بِجِير من العَسجَد ومُرَصَّعة بِشبابيكَ زُجاجُها الألماظْ.

وَلِتَوِّهِما بَرَحَا عن الثُّقوب وأمالا جِذْعَيْهِما، تهيُّئًا للولوجِ للقصر كما يغتمر العُقابُ سطح المُحيط افتراسًا.

هما كذلك اصطدما بالبابِ فَفُتِحَ ما طاحْ، وفي شهوةٍ أرادوا أن يفترسا الجواب. رغم ذلكَ الْتَزَما بِمَظاهِرِ الكَبْتِ، وتصنَّعا بَدَنَ حالٍ هادئ لا ثائر متشوّق.

فما أنِ استدارَتْ مالكة القلعة، بِعَرْشِها العاجي الموصول بِكُرات رُخاميّة، انبَلَجوا اليها كأنّها مُقَرَّبة لمعارفهم، ومعروفة لقلوبهم..
فجذبوا اليهم ساعِدَيْها يَلُفّونَها ويُراقِصونَها، فتلتفّ وترقص مُطيعةً ضاحكةً.

فلمّا انتهت الوصلة جادت المرأة بالجَدا، فقدّمت لاولئك المفترسين الّذين انقلبوا من نمر لقطّة -ولا زالوا على شراشيبهم المُتّئدة في تدلّيها وبحثها- ما طاب، أيْ كُلُّ الموجود، فجميع السّماء طيّبة باستثناء الزّقوم، ولا يُنْقِصُ ذلك شيئًا من هيفاءِها لأنّ في الزّقوم عِبرة وعَبْرَةَ العِقاب المُجاوِرة لِعِبرة وعَبْرَة النّعيم.

فبينما خفّت شراسة فهد مع نفحات العصير المُنعِشَةِ بردًا داخل صدره، وتنهّدت شُروق مُتعَةً بِفِعْلِ كَحْكِ اللّوْز، قالت الامرأة لهم:
آنَسْتُماني يا صغيرَيَّ فَلَكُما شُكرًا بَهْرًا!

فوجد فهد من حُسْنِ الأدب أن يُفصِحا وانغِلاقَهُما يُفاتِحا.
وسبقته أخته الى ذلك. فسألت، ماسحة بطرف مئزرها ما فَضِلَ من شَراب، عن تفسير المطر. وطرحت رأيَ شخصها، أنّها مياهٌ ترميها من بعد أن نقَّعَت إخمَصَ قدماها بِها.

فزاحم فهد برأيه، قائلًا بأنّ الغيوم بكّاءة!

فلم يَسَع ثغر العذراءِ النّاعِم وقلبها الأنعم اِلّا أن تقهقه قهقهة مُخمَلِيّةً أنعم من الاثنين، ثمّ ردّت:
وتريدانني حاكمةً بينكما؟

“معلوم” ابتَهَلَ الولدان بقبضاتهم متشابكة على الصّدور، ورقرقة في لمعان الأعيُن.

فأشارت العذراءُ الأمازونيّة بالبَنان للطّفلة الّتي توسّع شدقاها وزاد لمعان حندورتها فورها، ثمّ باحت: الحقيقة عندها.

هلهلت اِذ ذاكَ الصّغيرة وتقافزت راقصة، وبحركات تعلّمتها من أمّها، أخذت تُدَوِّرُ أيديها نِصْفَ دورةٍ، بحيث تكون يداها كزهرة تستمرئ النّدى.

وبعدَ حينٍ وجيزٍ وجيزْ شاركها أخوها، لأنّه سُرَّ بهدف أعظم من مجرّد غلبة ظنّه، أنّهم عرفوا لماذا ينزل المطر.

فصرّح: الآن عرفنا أنّ عادات النّظافة في السّماء هي خيرُ ما يُغيثُ الأرض!

وسَعِدَتِ العذراءُ من سعادتهم، وبشيءٍ من التّحفيز قالت لفهد:
وربّما كانت الغيوم فعلًا تبكي من الماء المنهمر عليهم فجأة!

“ماء نقي طبعًا” تُعلّق شُروق.
“طبعًا طبعًا، تمتصّه الغيمة كالإسفنجة فتذرف دموع الألم! حمدًا لله أنّ هذا غلطْ.”

بعدها بقليل تسلّل إدراك مُتَشَظّي صُوِّرَ شَظِيّة واحدة لدى فهد:
لكن لحظة! المطر قطرات وزخّات، ومن ذا يغسل قدمه بالتّقطير؟
اوه مهلًا.. حتّى لو كانت العمليّة بالتّقطير فالإناء لا شكّ سيكون قوامه متماسِكًا.

“يا احبّائي، لو سَكبتُ كُلّ ما ينضح في الإناء، لَغَرِقَ كوكبكم في طوفان!” ردّدت العذراء ضاحكة، مُغلقة جفونها اللّؤلؤيّة.

فحمد الصّبيّان ربّهما أنّ مخلوقته رحيمة على غِراره، وحكيمة مِقدار حكمته الّتي جعلتها تتّبع حيلة تُخَفِّف بها وطأة القطرات.
لكن ما هي تلك الحيلة؟

أجابتهم عندما استعلموا منها:
هي الغيوم اَتَّخِذُها راشِحًا.. ليس بالإمكان لأعينكم المُجَرّدة اِبصارُ ثقوبها الصّغيرة.. ولا تجويفها العُلوي، لكنّها تلتقط الماءَ وتُحيلُهُ قَطَراتٍ ليّنة لطيفة.. حسنًا، باستثناء صباح اليوم حيثُ بالغتُ في الاستِجمام!

وفي النّهاية، ودّعَتْهُما بالقُبُلاتِ والأحضان وحلوى العِرقسوس، وشيّعتهما إلى الفضاء الرّحب بِدِرَفْسٍ شِراعِيٍّ.

أمّا الوالِدان، فما زالا يتساوَمانْ!

Subscribe
Notify of
guest
0 Comments
Newest
Oldest Most Voted
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x