الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عيون فضية ـ رسالة من قرطاج

بقلم : ميهرونيسا بربروس - الجزائر

لا تتردد و ارفع رأسك إلى السماء لعل الحظ يحالفك و ترى بين النجوم الفينيقَ طائرَ النار

لم أنتبه على وجودها , كعود الورد الباسق كانت , شعرها الأسود الطويل منسدل على ظهرها , تملأ جرتها من مياه النبع , التفتت ناحيتي حين ناديتها فرأيت عينين لامعتين بياضاً كسماء فجر باهتة , لم تكن تنظر صوبي بل صوب الشجرة التي بجانبي ، وقتها عرفت أن هذه المرأة الماثلة أمامي امرأة عمياء لم تنل من مما يعج في هذه الدنيا سوى الظلام .

**

قدمت عائلتي من الجزائر إلى مدينة قرطاج في تونس لقضاء فصل الصيف في ظل الأهازيج و المهرجانات التي تزخر بها المدينة في مثل هذا الموسم من السنة , و اكترينا لنا بيتاً بسيطاً في الضواحي حيث الطبيعة الساحرة , فمازلت أتردد إلى تلك الغابة أنعم بحريتها فأرشف من رحيق زهورها و أغرد تغريد طيورها فلا يكاد يراني الرائي إلا ذاهبة إليها أو عائدة منها , حتى رأيت ذات ليلة من نافذة غرفتي ناراً كبيرة تندلع فيها تمتد ألسنتها في أفق يسبغه وهجها بلون قرمزي قاتم يحبس الأنفاس , هالني ما رأيت فهرعت إلى أبويّ أستنجدهما لإنقاذ ملاذي و مخدعي .


مكث أبي في الخارج طويلاً ثم عاد ، تعلوه نظرة استغراب و قال :
لا يوجد شيء مما ذكرت يا ابنتي فاطمئني , الأحوال هادئة جداً في الخارج لقد سألت الجيران و نفوا حصول أي شيء من ذلك في هذه الأثناء .


لم يصدقني و لم يأخذ كلامي على محمل الجد أحد , و في الصباح عزمت على زيارة الغابة لأتأكد بنفسي ما عسى ذلك أن يكون فخرجت مع أول انبثاق للنور , و الغريب في الأمر أنني لم أجد أي أثر لحريق الأمس و لو ذرة رماد , وبينما أنا محتارة مستغرقة في التفكير هز فرائصي صوت حركة طفيف فالتفتُّ فإذا بامرأة غريبة لم أكن قد رأيتها من قبل في هذا المكان , ليكون هذا أول لقاء بيني و بين " قَمْرَة " .


قمرة امرأة عمياء تعيش وحيدة في غابة قرطاج رغم أنه لا أحد يدري أين يقع بيتها , تقول الشائعات أنها جنية تعيش هنا منذ قرون بعيدة تظهر تارة و تختفي أخرى , و تقول شائعات أخرى أنها امرأة ساحرة تتغذى على الأطفال لتبقى صغيرة و نضرة , بينما يكذِّب آخرون هذه الحكايات و ينفون و جود هذه المرأة من الأساس .


لم تكن لتردعني مثل هذه الأقاويل و ترددت إلى الغابة ألتقي تلك المرأة الغامضة التي تارة ما تحدثني بأحاديث غريبة يصعب للعقل أن يصدقها و تارة بحكايات حزينة فيعصى على الصدر أن يحجب زفراته و على الجفن أن يمسك عبراته , فكنت أستمتع كثيراً بصحبتها و لم تكن هذه المرأة تعرف القراءة و لا الكتابة فكنت أُكتِبُها الحروف و الكلمات على صفيح التراب , حتى إذا اقترب موعد غروب الشمس حملت معها إحدى جرَّتيها ، حتى إذا قطعنا بضعة فراسخ أخذت عني الجرة و طلبت مني العودة إلى بيتي و سارت هي بتريث حتى توارت بين الأشجار .


بقدمين حافيتين تتناول خطواتها الهادئة على بساط العشب , لقد اعتادت قمرة على هذه الحال فأصبحت تبصر بقلبها طرق الغابة ومسالكها , أحراشها و مخاطرها , خيرها و شرها , فلا يخال الناظر صوبها إلا أنها امرأة مبصرة خبيرة بهذه الغابة و فروعها و أماكنها , كيف لا و قد عاشت فيها زماناً و عالجت بردها و حرها , عواصفها و أمطارها , طينها و وحلها , شوكها و وردها , حتى غدت لها كالأم الرؤوم تحيى إن حييت و تموت إن ماتت , كقطرة الحياة العذبة تنساب من بين الصخور تنساب بين الأشجار و الفجوات بهدوء و هي تحمل جرّتها على رأسها , إنه لصديقٌ ذلك الشفق عندما يكتسح الأفق , رغم سكون الغابة فإن لها صوتاً صاخباً يختلب النفوس و يتملك الفؤاد , فلا يزال زَوّارها شغوفاً بها إلى أن تنتهي أو ينتهي , و هذا ما جرى معي .


و كنت أشفق على قمرة أيما إشفاق و أحمل همها بين ضلوعي , فكنت دائمة التفكير فيها كلما تركتها و عدت إلى بيتي , أخشى عليها أن تضيع أو تسقط في مكان عميق ليس لها للخروج منه من طريق , أو يحدق بها خطر فليس لنجاتها منه سبيل أو يلم بها وباء أو مرض و هي وحيدة منقطعة لا يعرف أحد مسكنها و لا يطرق طارق مكمنها , فكم كنت أرغب أن أحمل معها جرارها إلى عتبة بابها لكنها لم تكن تسمح لي بذلك و لم يخطر لي أن أتبعها إليه .


حتى كان ذات يوم أن ذكرت لها على سبيل الصدفة الحريق المهول الذي لمحت في تلك الليلة و شكوت إليها ردة فعل عائلتي تجاه ذلك ، ثم انتهزت الفرصة و سألتها عمّا إن كانت قد رأت ما رأيت أو سمعت عن ذلك شيئاً , فأطرقت قليلاً برأسها ثم تناولت عوداً كان أمامها و أخذت تنبش به في التراب و تقول :
أكذب عليكِ يا عزيزتي إن قلت لكِ أنني أعلم عن ذلك شيئاً , اعلمي يا " آلاء " أن في الحياة أشياء كثيرة غامضة , و أشياء لا يمكن أن تحدث , و أشياء لن يصدقها أحد حتى و إن حدثت .


لم أحط بما عنت بالضبط فوقفت حائرة مترددة بين كلمة و أخرى , في هذه الأثناء نظرت نحوي و ابتسمت كأنما قد ألمَّت بما في سريرتي , ثم أخذت تهز برأسها يمنة و يسرة كأنها تترنم لحناً عذباً و أنشدت قائلة " مأساة كبيرة جرت في هذه الغابة , مأساة كبيرة حدثت في قرطاج " , ثم أسندت ظهرها إلى شجرة كانت خلفها , رفعت ركبتها و شردت بعينيها في الأفق كأنما تلتمس في ظلمتهما نوراً تائهاً و أنشأت تقول :


غمر الرعب النفوس و ملأت الدموع العيون , عندما أُخِذ من كل أم فلذة كبدها ، و غادر كل رجل بيته حاملاً أسلحته على ظهره لملاقاة مصير مشؤوم ، تاركاً زوجته و أولاده لأنياب البؤس , و ما يوشك أن يتوارى خلف الأفق حتى يلتفت إلى كوخه أين أودع أهله و بنيه ليلقي عليهم نظرة ممتلئة دموعاً و حسرة ، لا يحسبها و إياهم إلا نظرة وداع ما بعده لقاء , تجثو الأم على ركبتيها تحثو على رأسها التراب و تنتحب نحيب الثكلى و تبكى بكاء المفجوع و كأن ابنها مات لتوه و غدا طعاماً للأرض و ديدانها , و تضم الزوجة صغارها إلى صدرها : " لقد تيتم أطفالي و ترملت في زاهر العمر " , محدقة في ذلك الأفق مكسورة الخاطر شاردة الفؤاد في القدر الرابض خلفه .


عجزت " قرطاج " عن الحصول على دعم و عون " الفينيقيين " الشرقيين الذي فقدوا في حروبهم مع " اليونان " من قواتهم و سفنهم الشيء الكثير , و اقتحم " الرومان " شمال إفريقيا , يحرقون ما يحرقون و ينهبون ما ينهبون و يعتدون و يقتلون و يأسرون كما لم تزل سنة الحروب في كل عصر و أوان .


ما أقسى الحرب و ما أقسى الزمان وقد تضافرا جميعاً على هذه الأرض الغضة ، و صارا على حياتها حلفاً , فحوّلا في لحظة واحدة حشائشها الخضراء الناعمة إلى هشيم تذروه الرياح و سماءها الزرقاء الصافية إلى أدخنة متراصة متلاحمة تمنع أشعة الشمس الدافئة أن تنبعث إلى ترابها النازف بشيء من العزاء و السلوى , و أُبدلت بحيوية الحياة فيها و بنسيم نقي يروي الروح و يداوي العليل ريح الجيف و جثث القتلى 


فرت نساء قرطاج بأبنائهن في الجبال و الغابات ، هذه تحمل طفلها على ظهرها و الأخرى تمسك بأيدي أطفالها الصغار تجرهم جراً ، و بينما تسقط العجائز منهكات في الجبال تتركهن الباقيات و يمضين في طريقهن حيث لا تفكر الواحدة إلا في إنقاذ نفسها و أولادها .


" ديدو " امرأة هربت بأطفالها الثلاثة وحيدة في أحراش الغابة بعد أن ماتت حماتها في الجبل و آثرت نجاة زوجة ابنها و أولاده على نجاتها و حياتها , تواصل ديدو المسير لوحدها حتى تنفطر أقدامها و ينهكها التعب , فما تفتأ تحمل ابنها الرضيع على ظهرها تشده بحبل يكاد يتصرم , و تمسك بيديها يدي ولديها الآخرين , حتى تجد كهفاً في مكان منقطع غير مطروق فتقعد هناك , و يضرم الرومان النار في الغابة فتشتعل دفعة واحدة تقضي على كل أنواع الحياة فيها .


لم تكن المسكينة لتجد من شيء تقتاته في هذه الظروف الوعرة فانقطع عنها اللبن الذي كانت تقوم به عود أطفالها الصغار , و ابيضت عيناها حزناً على ما ألم بقومها وعلى زوجها الذي انقطع خبره عنها و على أمه التي ضحت بحياتها ، فضلاً عن أطفالها الصغار و ما سيلاقيهم من مستقبل مرتقب مظلم , فلا تنقضي ثلاثة أيام إلا و المرأة تبكي بكرها و رضيعها اللذين ماتا بسبب الجوع و لم تقدر على تأمين لقمة لهما , بينما ابنها الأوسط بين يديها يصارع المرض الذي ألم به جرّاء ما استنشق من دخان , فما يمر يوم أو يومان حتى يلحق المسكين بأخويه .


ديدو التي تبقى وحيدة ينسيها وجع الثكل و الفقدان ما يعصر أمعاءها من جوع و ما يختلج في ناظريها من ظلمة , تحترق روحها حقداً على الرومان و اشتياقاً لرفيق عمرها و حسرة على أطفالها فتضرم النار في جسدها لتحترق و تتحول إلى رماد .


الحاضرة الفينيقية العظمى في شمال إفريقيا , و زعيمة المدن الفينيقية الغربية في تلك الحقبة , قصر الملوك الزاخر و مولد العظماء الكواسر , قرطاج.. القوة التجارية الضاربة في حوض البحر الأبيض المتوسط , جاب رماد أجساد ساكنيها سوحها و أفنيتها , و داسها قوم لا تعرف منهم شيئاً و لا يعرفون منها شيئاً ، فعثوا فيها فساداً و ما عرفوا قيمتها فما أعطوها حقها " 

و هنا اختنق صوتها بالبكاء و تصاعدت شهقاتها نظرت إلى وجهها فإذا هي تذرف عبرات أشبه بالجداول ما تنفك جارية , فألهاني منظرها عن نفسي و أني أذرف مثلها دموعاً أو أكثر , و واصلتِ الحديث :

" ذلك الكهف المظلم الذي ما تطلع عليه الشمس إلا كما تغرب , بداخله أكداس من اللحم قد بدأت تتآكل و على تلك الأكداس رماد منثور , كهف بعيد عن الحياة منقطع لا تتسرب إليه أشعة الشمس إلا بضعة خيوط حمراء ثم ما تلبث أن تغرب الشمس فتختفي , و بين ذلك الرماد المنثور كانت شرنقة صغيرة هشة ثم ما لبثت أن أصبحت بعد مدة قصيرة طائراً مهولاً بديعاً بعيون فضية ثاقبة , يكسوه ريش أحمر ذو وهج قرمزي تختلج فيه ألوان عديدة و حوله هالة من اللهب تحرق الأبصار , يفرد جناحيه في الليلة المظلمة فيتطاير منهما شواظ النيران , ليعود مع بزوغ الفجر امرأة في غاية الحسن و البهاء " ديدو " المرأة العمياء " .


*** 

و منذ تلك الجلسة لم أجلس إليها و منذ ذلك اليوم لم أرها في الأرجاء , و ما أزال أذكر تلك الكلمات و كانت آخر عهدي بها عندما انحدرت الشمس إلى مغربها فحملت جرَّتها و ولَّت و هي تحدثني و تقول :

" ليال بيضاء و أيام سوداء و عالم يلفه السواد هو ذلك العالم الذي تجهله و يجهلك , فتراه بعينين مغمضتين كأنما ينفيك عن نفسه ظناً بها أن تكون أحد بنيها ".


شارف الصيف على الانتهاء و جمعت أمتعتي و استعددت للعودة إلى مسقط رأسي برفقة عائلتي ، و كنت طوال الطريق أنظر من نافذة المركب أودع تلك المدينة الجميلة بأحلامها و آمالها و أحزانها و آلامها , على أرضنا التي نعيش فيها جرت أحداث و مآسي مؤلمة لا نستطيع لها إحصاءً و لا عداً , نحن لا نعرفها و لم نسمع بها لكنها حدثت , قد لا نصدقها لكنها حدثت , لعمرك يا إفريقية ما نساك الحزن يوماً , إلا و رماك منه بمدية جازر ما نحسبها إلا آخر عهدك بالحياة , ثم كالعنقاء المغرب تقومين من رمادك فتخضرين و تزهرين كأن لم تموتي بالأمس غير أنك ما مت بل كذلك حسبوك , و ربك يا إفريقية ما مت يوماً .


*** 

أيها العابر على جسر الزمان بأقدام حافية , تتابعت خطواتك في ليلة مظلمة تحت أجرام عالية في كرتاداشت العريقة , لا تتردد و ارفع رأسك إلى السماء لعل الحظ يحالفك و ترى بين النجوم الفينيقَ طائرَ النار .
 

تاريخ النشر : 2018-02-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر