الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عيون الشيطان

بقلم : تيمو - مصر 
للتواصل : https://www.facebook.com/baheb.namera

رأى عينين تنظران إلى وجهه ، و هما عينان حمراوان محتدمتان

كان هناك رجل يدعى السيد "جرجس" يعمل مدرساً في أحدى المدارس الحكومية .. لم يكن متزوجاً ، و يقضى معظم وقت فراغه في قراءة الكتب العتيقة المتعلقة بالفن و الهندسة المعمارية .. كان يمرر وقته بأخذ رحلات لزيارة الكنائس القديمة و المباني الأخرى ..


ذات يوم ، و بينما كان يتصفح أحد كتبه ، وجد بالصدفة فصلاً يتحدث عن كنيسة قديمة تبعد ستين كيلومتراً عن المدينة و بها لوحة مرسومة بإتقانٍ شديد على الحائط .. على ما يبدو ، يعود تاريخ هذه اللوحة إلى القرن الثالث عشر ، و تصور الجحيم بالتفصيل ، و بشيءٍ من التعقيد ..


في وقت مبكر من صباح اليوم التالي ، امتطى السيد "جرجس" سيارته ، و قاد ستين كيلومتراً إلى الكنيسة التي كان يقرأ عنها .. كان عليه أن يمشي عبر حقل موحل ، و يصعد إلى جانب التل الوعر ، لكنه في نهاية المطاف اتبع مسار طويل ، و وصل إلى الكنيسة الصغيرة ، التي كانت مخبأة تحت ظلال العديد من أشجار الصنوبر القديمة ..
عندما وصل صديقنا عند مدخل الكنيسة ، فتحت الأبواب الخشبية القديمة و أصدرت صرير ثم بادر بالدخول .. كانت الكنيسة صغيرة جداً ، و غُطِّيَ كامل الجدار الخلفي بلوحة ضخمة .. إلى جانب ذلك ، كانت هناك لافتة مكتوب عليها "لا تلمس اللوحة" .. مع اقتراب السيد "جرجس" ، أدرك أنها كانت في الواقع لوحة جصية .. إذ أن الفنان قد طبق الألوان مباشرة على جص الحائط ..


رسم اللوحات الجدارية بارزاً و ملفتاً للنظر .. كان الجحيم ممثلاً بسلسلة من الدوائر المتحدة المركز ، التي تحركت نزولاً إلى هوة عميقة مبطنة باللهب القاصف .. في الأعلى ، وقف مجموعة من الناس وجوههم ملتوية ، و يظهر عليهم الجزع .. كانوا يلقون بأنفسهم من شفا حفرتها ليثقلوا فادنين(أي يهبطوا بسرعة) في أعماق الجحيم .. و كانت الدوائر في الصعيد السفلي مليئة بشياطين عملاقة ذوي وجوه غاضبة ، و خبيثة ، كل منهم يحمل رمحاً ، و مذراةً في يديه ذات المخالب .. و يطعن العصاة الذين يسقطون على أسلحته بحربته ، و يلقي بهم إلى مرجل مغلي مليء بالدم والعظام ..
كانت وجوه الشياطين الشبقية مرسومة بشكل مفصل و ملحوظ .. كانت قرونهم تنمو من فروة رأسهم و ألسنتهم المتشعبة متدلية خارج أفواههم ، و يغطي أجسادهم فراءٌ كث(سميك) ، و آذانهم طويلة مستدقة الرأس(بارزة) ، و أقدامهم الضخمة متشابكة بالظلف(الحوافر) ، و كانت عيونهم المنتئة(المنتفخة) ملونة بلون الدم ..


"ترى من رسم هذا؟!" ، يتمتم السيد "جرجس" لنفسه .. "أياً كان من رسم هذه اللوحة فإنه ذو خيالٍ زاهٍ".

عزم السيد "جرجس" على دراسة اللوحة بعناية .. بعض الشخصيات الشيطانية كانت أقل تميزاً عن غيرها .. أحدهم كان مبهماً و يغشي البصر .. هذا الشيطان الذي يحمل نوعاً من الأسلحة في يده .. و كان الشيء الوتري(الغريب) أن عيونه كانت حمراء متألقة بالبريق ، و يبدو أنها توهج بنبراسٍ غير طبيعي .. أخذ السيد "جرجس" يتفرس(يحدق) في ذلك و هو مفتون ، يحدق في عيون الشيطان ..
لاحظ السيد "جرجس" أن الجزء من الجص الذي رسم الشيطان البشع عليه كان متصدعاً و معطوباً .. بدا كما لو أنه على وشك السقوط من الجدار .. و بدون تفكير ، اقترب السيد "جرجس" منه و لمسه .. و على نحوٍ مفاجئ انقطع ذلك الجزء و سقط على الأرض ، ثم ترك ثقباً صغيراً في اللوحة ..
شعر السيد "جرجس" بالذعر .. لقد خرب عن غير قصد جزءاً من عمل فني قديم لا يقدر بثمن .. كان يشعر ، و كأنه طفلٌ مؤذي قد كسر عن طريق الخطأ مزهرية والدته المفضلة .. إنه قلقٌ من أن يكتشف شخص ذلك التلف ، و من ثم يتهمه و يغرمه بالخسارة ، ثم سرعان ما غادر السيد "جرجس" الكنيسة ، و ذهب إلى داره ..


و في وقتٍ لاحق من ذلك المساء ، كان صبي يبلغ من العمر اثني عشر عاماً عائداً إلى بلده عندما خاف على حياته .. كان يسير على طول الطريق أمام الكنيسة القديمة .. و يحد الطريق بأجمة(شجيرات) كثيفة على كلا الجانبين .. و مع المدى البعيد يزداد الطريق ظلاماً ، و فجأة ، سمع حفيفاً صاخباً في الأشجار المتشابكة وراءه .. التقط الصبي حجراً و ألقاه في اتجاه الصوت .. حينذاك ، انبثق شيء أسود أشعر من الشجيرات ، و سرعان ما انطلق بسرعة البرق ، و صعد إلى الأشجار .. صُعِقَ الصبي مما رأى ، و أخذ يحدق في النهيرات(الأغصان) لبرهة .. حتى رأى عينين تنظران إلى وجهه ، و هما عينان حمراوان محتدمتان(متقدتان) ، و مفزعتان .. لم يحتمل الفتى أن يكمل النظر إليه و لو شزراً ، ثم أطلق الفتى ساقه للريح ، و ركض بأسرع ما يمكن ، و لم يجرؤ على التوقف حتى وصل إلى كوخ والدته ..


في تلك الليلة ، و أثناء نوم السيد "جرجس" على سريره ، أتاه كابوس مروع .. حيث وجد نفسه ماثلاً(واقفاً) في حقل في وسط اللامكان .. كان الضوء يخبو(تلاشى) بسرعة ، و كان أمامه لوح كبير من الحجر ، يشبه المذبح .. ثم ظهر عدد من الأشخاص ، يرتدون جلباباً أسوداً و أقنعة غريبة ، و أمسكوا به .. كان يقاوم بضراوة لكنه لم يتمكن من الفرار من براثنهم .. بعدئذٍ قاموا بسحبه إلى المذبح ، و كان معهم كأس فضي اللون ، و أجبروه على الشرب منه .. و على حين غرة ، أحد هؤلاء انتزع قناعه ، كاشفاً عن وجه الشيطان الشبق في اللوحة الجصية ..


استيقظ السيد "جرجس" و العرق يملؤه .. دقات قلبه كانت سريعة ، و استغرق وقتاً طويلاً ليهدئ من روعه ، و يطمئن نفسه أنه كان مجرد حلم ليس إلا .. في صباح اليوم التالي ، و لما كان يتناول وجبة الإفطار ، تساءل عن سبب خوفه من مثل هذا الكابوس الغريب و المزعج .. ربما هو الشعور بالذنب الذي لحقه جراء تدمير جزء من اللوحة الجدارية في الكنيسة ..

بعد أن أنهى الإفطار ، توجه السيد "جرجس" إلى الكنيسة القديمة مرة أخرى . تاركاً سيارته في موقف للسيارات ، و عبر الحقل الموحل ، و صعد التل ثم سار على طول الطريق حتى جاء إلى المبنى القديم . عندما وصل ، وجد قسيساً يجلس على المقصورة(مقعد خشبي طويل) ، و في يده مسبحة للصلوات ..
ذهب السيد "جرجس" إلى اللوحة ، ثم ألقى نظرة على البقعة التي أتلفت .. كان الضوء خافتاً جداً بالنسبة له للتمييز في تفاصيل اللوحة .. بعدئذٍ انتقل إلى القس ، ثم هز كتفه برفق و سأله "هل يمكنني التحدث معك قليلاً أيها الأب؟"
ثم نظر الكاهن للأعلى و قال: "نعم ؟ كيف أستطيع مساعدتك؟"

أجاب السيد "جرجس": "يتعلق الأمر بالصورة الجدارية ، كنت في الكنيسة بالأمس ، و حدث شيء ما .. كان هناك حادث."
"حادث؟" كررها القس في ذهول ..

"لا أعرف لماذا فعلت ذلك ، و لكني لمست اللوحة ..."

"ماذا؟ هل لمستها؟ " قاطعه القس ، بغضب .. ثم وثب على قدميه قائلاً "تريد أن تخبرني بأنك لم تَرَ اللافتة التي تحذرك بعدم لمسها؟"

"أنا آسف جداً"، قالها السيد "جرجس" ، و هو مطأطئ الرأس ..

"ما الأذى الذي سببته؟" سأله الكاهن ، في محاولة منه أن يكظم غيظه(يتمالك نفسه) .. ثم توجه إلى اللوحة ، و أخذ يرنو إليها بقلق ..

و قال السيد "جرجس": "هل رأيت؟ ، كانت هناك قطعة من اللوحة الجدارية يبدو أنها منفصلة عن الجدار". ثم يستأنف كلامه قائلاً "كانت قطعة مرسوم عليها شيطان .. إنها هناك".
وأشار إلى الفجوة في اللوحة حيث الجص الذي سقط .. ثم سرح بنظره إلى قطعة الجص التي كانت مستلقية على الأرض .. أين كان الشيطان؟ كان الجزء من الجص فارغاً بكل معنى الكلمة ..

"لقد ذهب"، صرخ السيد "جرجس" في دهشة .. ثم التقط القطعة و أخذ يقلبها بين كفيه ، و لكن لم يكن هناك شيء على أي من جانبيها ..
أمسك القس بالجزء من الجص و قال بصوتٍ عالٍ ، "لا تلمسها ، أيها الأبله! ستجلب لنا المزيد من الدمار فقط!"
كان مرتج ، و هو يستشيط غضباً ، و يبدو و كأنه على وشك ضرب السيد "جرجس" ..
"مغفل ملعون!" صاح القس بعد أن ثارت ثائرته ، و لم يتوقف القس عند ذلك بل قال له ، "أخرج من هنا! كيف تجرؤ على إتلاف هذا العمل الفني الذي لا يقدر بثمن!"


مع ذلك ، أمسك القس بمؤخر عنق السيد "جرجس" و دفعه خارج الكنيسة .. ثم انتقد باب الكنيسة خلفه ..انقلب السيد "جرجس" على عقبيه(رجع القهقري) و أخذ يسير ببطء على طول الطريق ، و أسفل التل و عبر الحقل ، حتى وصل إلى موقف السيارات .. ثم جلس داخل سيارته ، و وضع رأسه في يديه .. إنه يشعر بأنه ليس بخير .. رأسه كان يخفق بشدة ، و أحس ببطنه ، و كأنها مزبدة(متقلبة) ..


و في وقتٍ لاحق على هذا الأصيل(بعد الظهر) ، استيقظ السيد "جرجس" ليجد نفسه ملقى في الحقل الموحل .. لم يتذكر كيف انتهى جرح المشاعر هذا .. فهو يذكر أنه نهض من على الأرض ، و حاول تنظيف الطين المجفف في ملابسه على أكمل وجه .. ثم شق طريقه إلى سيارته و عاد إلى بيته ..
لبقية مساء ذلك اليوم ، و طوال اليوم التالي ، ظل أسير الفراش ، إنه بالكاد قادر على التحرك .. لقد شعر بأنه كان يتعافى من مرض خطير .. غير أنه ، ذهب إلى العمل يوم الاثنين ، و قام بالتدريس للطلاب في مدرسته .. و طبعاً ، لم يقل شيئاً لأحد عن تجاربه خلال عطلة نهاية الأسبوع ..
و لكن في ضحى يوم الثلاثاء ، حينما كان يقرأ جريدته ، و هو يتناول وجبة الفطور ، أصيب بالصدمة لرؤية العنوان.
إذ قرأ أن"أحد القساوسة قُتِلَ خارج الكنيسة في ظروف غامضة".


و خلال فحصه للمقال ، شعر السيد "جرجس" بأن قلبه قفز إلى صدره .. فالقسيس الذي التقى به قبل بضعة أيام فقط في الكنيسة القديمة قد عثر عليه ميتاً في ظل ظروف غامضة .. تم اكتشاف الجسم مستلقياً على لوح قديم من الحجر .. و تعتقد الشرطة أنه تعرض لهجوم من قبل حيوان برى كبير لأن جسده ممزع(ممزق) و تم التهام أعضائه الداخلية بشكل جزئي .. و أشارت المقالة إلى أن وجه الجثة عليه علامات الجزع و الرهاب ..

جلس السيد "جرجس" يحدق في صحيفته ، في حين بردت وجبة الإفطار .. و عندما نظر إلى أسفل يديه ، لاحظ أن هناك شيء مظلم ، و متخثر باللون الأحمر تحت أظافره ..
 

تاريخ النشر : 2018-03-04

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر