الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

الرسمة

بقلم : يحيي الجبالي - مصر
للتواصل : [email protected]

وجدت نفسي مرسوم معلق من رقبتي بحبل مربوط في سقف غرفتي

 تغيرت حياتي تماماً الآن ، فبعد أن كانت زوجتي هي المسؤولة عن جميع الأعمال المنزلية فضلاً عن تربية هيثم وطارق والاهتمام بهم وقضاء حوائجنا أصبحت بين ليلة وضحاها مسؤولاً عن نفسي وعن طفل لم يتجاوز الثامنة من عمره ولولا لطف القدر لأصبحت مسؤولاً عن نفسي ..

فقدت كل شيء ، حدث سريعاً كلقطات متواصلة من فيلم ما ، اتصال فجراً من والدة زوجتي تخبرها بأنها مريضة وأن طبيبها الخاص الزمها بالفراش لمدة أسبوع وتحتاجها معها طبعاً لقضاء حوائجها ، ولأن زوجتي حنونة بطبعها تعشق أولادها لم يهن عليها ترك اطفالها مع كسول مهمل مثلي ، و بسبب كسلي اللعين هذا تركتها تقود سياراتي بالطفلين فجراً ، اظنك توقعت الباقي ، حادث سيارة كالذي يحدث كل دقيقة وعلي كل طريق ، أتصال أخر ،  لم ينجو من الحادثة سوي هيثم ، طبعاً أنت تحملني جزء من المسؤولية ، لا تقلق فأنا لا أنتظر رأيك ولن تحتاج أن تنتزع مني أي اعترافات فأنا احمل نفسي المسئولية كاملة.

كانت حياتي شبه مستقرة لم يكن ينغصها سوى تلك المشاحنات اللطيفة والتي تدرك كأنها اصبحت فرض أو ضريبة يقدمها أي زوجين ، ثم جاءت الحادثة وكانت البداية للأسف لم تكن النهاية سأترك لك تخيل حزني وصدمتي وألمي لفقدان شريكة حياتي وطفلي البريء ، ولكن لابد أن أتماسك سريعاً فهناك طفل أخر يحتاجني أكثر من أي وقت مضى .

سامحني لم أعرفك بنفسي فأنا دائماً مندفع لا أعرف من أين أبدأ وإلى ما انتهي ، لا تزعج نفسك ودعك من هذا الهراء.

أسمي محمد محمود " أسمعك تقول اسم تقليدي جداً كألاف المحمد محمود التي نقابلهم باستمرار " صدقني هذا ليس ذنبي فلا أخفيك سراً أنهم لم يشركوني في اختيار إسمي ولا اسم والدي ، سامحني أيضاً على ثرثرتي الفارغة ودعني أعرفك عني اكثر ، أعمل كمحاسب في إحدى الفروع الأجنبية لأحد المصارف العالمية ، أظنك توقعت المستوى المعيشي الذي أحياه ، عمري 32 عام و منذ أسبوع فقط أصبحت أرمل وأتحمل مسؤولية طفل يتيم فقد أمه وأخوه أمام عينيه ونجا هو بأعجوبة ، ولكنه أصبح شخص آخر.

اصبحت مهمتي تقتضي الاستيقاظ مبكراً و أعداد الفطور لي ولهيثم ، توصيله لمدرسته ثم الذهاب إلى المصرف ثم العودة من المصرف للمدرسة و أخذ الطفل ثم العودة إلى المنزل و إعداد وجبة غداء ، استذكار دروسه و إعداد وجبة عشاء خفيفة ثم مشاهدة التلفاز ثم النوم.

حياة روتينية مرهقة بالطبع قبل أن انتبه لهيثم وتصرفاته المريبة.

دعك من أنه أصبح قليل الكلام حاد النظرات يرسم كثيراً جداً من الواضح أن تأثير الحادثة حوله لبيكاسو.

لم أكن مهتماً فهو طفل وبعد ما مر به أظنه أمر طبيعي وحدث ما جعلني أهتم صدفة ، كنت أشاهد التلفاز بينما هو يرسم كعادته فأردت أن أمارس دوري كأب وأبدو مهتماً فسألته : ماذا ترسم يا حبيبي ؟

رد بهدوء وبنبرة محايدة : أرسمك .

- دعني أرى رسمك يا فنان.

- لا أنصحك .

- لا تخف لن أسخر منك فبالتأكيد أنت أفضل مني بمراحل ، رددت ضاحكاً ، ثم تناولت الكراسة و وجدت آخر شيء توقعته في حياتي ، وجدت نفسي مرسوم معلق من رقبتي بحبل مربوط في سقف غرفتي .

كيف عرفت أنه أنا ؟

دعك من أنه اخبرني فالصورة المرسومة لرجل يرتدي نفس ملابسي و بلحيتي الخفيفة وبالصلع الذي بدأ يغزو مقدمة رأسي.

كيف عرفت أنها غرفتي ؟

يبدو أن الحادث قد صقل موهبة هيثم حقاً فقد رسم أثاث غرفة نومي بالتفصيل !

نظرت متعجباً مستنكراً : ما هذا يا ولد.

رد ببروده المستفز : هذه نهايتك ، تذكر أنني نصحتك بأن لا تراها ولكنه الفضول البشري.

ثم تركني وذهب مودعاً يخبرني أنه سينام.


طبعاً لم أستطع النوم ليلتها خاصةً عندما أخبرك أنني وجدت ال 20 صفحة في كراسة هيثم لنفس الرسمة.


اتخذت قراري أنني محتاج لاستشارة طبيب نفسي ثم قمت ذاهباً لقضاء حاجتي عندما فوجئت بأصوات قادمة من غرفة هيثم ، نعم أصوات وليس صوت واحد ولكنها تبدو أصوات مألوفة نوعاً ما ، اقتربت بحذر وفتحت باب الغرفة لأرى هيثم جالساً على سريرة مستمتعاً بحديثه مع شخصين غير مرئيين ، ولكنني أسمعهم جيداً وللصدمة أعرفهما جيداً ، صوت أمه وأخيه طارق!

والأكثر صدمة أنهم كانوا يخططون لشيء ما ، يخططون لقتلي.

توجهت بهيثم إلى مدرسته كعادة كل يوم بعد ليلة لم اتذوق بها طعم النوم بل تذوقت كل ألوان الرعب والحيرة ، لم أجرؤ طبعاً على مفاتحة هيثم في موضوع الأصوات التي سمعتها في غرفته والتي تخص أمه وأخيه اللذان من المفترض أنهما توفيا منذ أسبوع ، فهو مهما كان طفل أضف إلى ذلك كونه يتيم فقد اغلى ما يملك أمام عينيه ولولا ترتيبات القدر لكان لقي حتفه معهم .


حسمت أمري وأجريت اتصالاً بمعتز فبالإضافة إلى أنه صديق الطفولة والدراسة فهو طبيب أمراض نفسية وعصبية مميز ، اتفقنا على موعد بعد الظهيرة في عيادته الخاصة ، وبعد السلام والاطمئنان على أحوالي حكيت له ما حدث بالتفصيل ، كما توقعت أخبرني بأنها مجرد هلاوس سمعية وخيالات نتيجة لتأثير الحادثة ، ولم يخلو كلامه من أنني كبير وعاقل وناضج بما فيه الكفاية لأن أسلم نفسي لأحزاني و هلاوس وأوصى لي ببعض المهدئات ، تركته عائداً إلى المدرسة لكي أعود بهيثم إلى المنزل ، وبعد تناول وجبة الغذاء وجدت هيثم منكب على كراسته يرسم.

سألته في ريبة : ماذا ترسم هذه المرة يا بني.

- حقاً تريد أن تري؟

- بالطبع يا عزيزي دعني أرى .

ثم تناولت الكراسة وللعجب لم أجد الرسمة المكررة والتي تجسد نهايتي بل وجدت رسمة لسيارة مقلوبة تشتعل منها النيران ! ظننتها في البداية السيارة التي لقي فيها أمه وطارق حتفهم ولكنني انتبهت لرقم مكتوب على لوحة السيارة المقلوبة ولدهشتي عندما علمت أنه رقم سيارة والدي!

- من أين أتيت بهذا الرقم؟

- أخبرتني به والدتي.

- ولماذا اخبرتك ، وماذا تقصد بتلك الرسمة؟

- أخبرتني لكي أحذرك إن لم تخضع لأوامرنا سيلقي والدك نفس المصير الذي كنت السبب فيه بتكاسلك واهمالك وفقدت أمي وأخي ، وللعلم ليس والدك فقط بل أختك أيضاً ، ستجد نفس الرسمة تقريباً في الصفحة التالية مع اختلاف طفيف رقم سيارة اختك هذه المرة لكي تعلم أننا لا نمزح .

الصدمة أخرستني وأحسست بدوار خفيف وخرج مني الكلام صعباً ، وما هي أوامركم وكيف ستقتلونني ؟

- لم أتوقع هذا منك يا ابي ، لهذه الدرجة ترانا قتلة وسفاحين؟

- إذن كيف سألقي مصيري؟

- أحضر حبلاً وتعال إلى غرفتك ستجدني أنا وطارق وأمي في انتظارك.

قبل أن أذهب إلى المطبخ لكي أحضر الحبل منصاعاً ، ويا للعجب لأوامر طفل ! أجريت اتصالاً بوالدي الذي يقطن وحيداً بعد وفاة أمي على بعد بعض الكيلو مترات فيما يُسمى بمنزل العائلة ، حذرته من قيادة السيارة ورجوته أن يسامحني و شرحت له أن أي تصرف أقوم به هو لحمايته هو وأختي ، طبعاً لم يفهم حرف من هذا الهراء ولم تخلو ردوده من نبرة من يخاطب مجنوناً.

أجريت اتصالاً بأختي المتزوجة وما اخبرته لأبي أخبرته لها ، ومن الطبيعي أني لاقيت نفس الردود بنفس النبرة.

دخلت الغرفة ممسكاً بالحبل لأجد هيثم ممسكاً بكراسته يقول بتودد : اقترب يا أبتاه لا تخف أنت تكفر عن ذنبك فقط ، كم أنت شجاع سأفخر بك وبشجاعتك ما حييت.

ثم جاء صوت من شخص غير مرئي ، صوت لطالما كان يسري في قلبي كل مشاعر الحب والراحة أما الآن فهو جعل قلبي يثب إلى قدمي ، صوت زوجتي الراحلة!.

- أشكرك علي تفهمك وتحملك للمسؤولية فأظنك لا تتحمل مسؤولية حياة أبيك وأختك يكفيك ما ضيعت .

- ما المطلوب مني بالضبط.

- تنفذ الموجود في الرسمة ، ترسم نهايتك بيديك تنتحر.

- حسناً فأنا استحق ، ولكن أرجوكِ سامحيني .

- سنتحدث في هذا الموضوع بعد انتحارك ، عندها ستراني وسيصبح الحديث أمتع ، أم أنك لا تريد رؤيتي مجدداً؟

قالتها برقة وعذوبة جعلتني أرغب في الانتحار كأنني ذاهب لقضاء عطلتي في إحدى جزر المالديف مثلاً.

- ولكن لي طلب أخير .

- أوامرك.

- أن تصيغ كل الأحداث منذ وفاتي إلى الآن على هيئة قصة تشرح ما حدث فيها بكل صدق .

- لماذا ؟

- حتى تترك تفسيراً للشرطة التي ستجد جثتك ، هذا أولا ولكي نترك تجسيد مادي لقصتنا سوياً زوجي العزيز لمن بعدنا.

لم أقتنع طبعاً ولكني انصعت لها وشرعت اكتب تلك الحروف التي تقرأها الآن.

ها أنا أعددت الحبل وأصبح جاهزاً لكي أطوق به عنقي و أصبحت جاهزاً لرؤية زوجتي من جديد ، الوداع .

فرغ مدحت ضابط المباحث الجنائية - الذي تلقي إخطاراً يفيد بعثور أب يدعي محمود عبد اللطيف على جثة أبنه محمد منتحراً في شقته - من قراءة الورق الذي وجده علي سرير الضحية ثم استدعى الطبيب معتز ثم استفسر من والد الضحية عن سبب حضوره في هذا الوقت بالذات لرؤية ابنه.

- بعد اتصال محمد المريب علمت أنه ليس على ما يرام خاصة لما اتصلت بي أخته لتخبرني بأنه اتصل بها أيضاً ، وبعد تبادل القلق حزمت أمري وأتيت للاطمئنان عليه ، ولأني أملك مفتاحاً وبعد عدم الرد دخلت بحثا عنه لأفاجأ به معلقاً من رقبته في سقف غرفته ، قالها ولم يستطع أن يتمالك نفسه واغرورقت عينيه بالدموع ثم واصل :

- بعد حادث فقدان زوجته و حفيداي هيثم وطارق لم يستوعب ابني الصدمة كلها لدرجة أنه خُيل له أن هيثم نجى من الحادث وكان يتعايش مع الأمر على أنه حقيقة ، لدرجة أنه كان يذهب يومياً إلى المدرسة في الصباح وبعد الظهيرة متخيلاً أنه يقوم بدوره كأب تجاه هيثم ، وعندما استشرت صديقه معتز نصحني بمجاراته خوفاً عليه من انهيار عصبي

 استمع مدحت لكلام الوالد ممسكاً بكراسة الرسم الفارغة والتي ادعى الضحية احتوائها على رسومات رسمها طفل ميت من الأساس ، فكر مدحت قليلاً وأصبحت الصورة شبه واضحة أمامه ولن يحتاج لتفسيرات معتز ، أب فقد أسرته ، تخيل نجاة ابن وبفعل تأنيب الضمير ، تخيل وجود مؤامرة من اشباح أسرته مع ابنه الناجي للانتقام منه ، وطبعاً عقله الباطن أمره بكتابة هذا الكلام كنوع من التبرير لانتحاره ، وأنه فعل ذلك مضطراً حفاظاً على ما تبقي من أسرته ، قضية سهلة ستقيد كألاف قضايا الانتحار ، ولكنها تركت في ذاكرة مدحت أثراً ودروساً لن ينساها ما تبقى له من عمر.

النهاية...

 

تاريخ النشر : 2018-03-08

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر