الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

غول ميناء جريز : بيلي جول قاتل البحارة الهادئ!

بقلم : منال عبد الحميد
للتواصل : https://www.facebook.com/HEKAYAHTGAREEBA

بيلي جول : خانه الحظ مرة واحدة وكانت فيها نهايته !

قصص سقوط القتلة المتسلسلين والسفاحين في أيدي العدالة معظمها قصص غريبة ، ولا تخلو من طرافة ، برغم وحشية أفعال أولئك المجرمين ودموية قصص حياتهم المرعبة .. بعض هؤلاء القتلة سقط عن طريق انسداد ( بلاعة ) مثل " يواخيم كرول " ، أو معطف لأحد ضحاياهم أعجبوا به فلم يتخلصوا منه وأثروا إعادة استخدامه وارتدائه مثل " فريتز هارمان " ، " جون جلوفر " سقط عن طريق معابثة بذيئة لسيدة مسنة ، واستدعاء من الشرطة بقصد سؤاله عما تدعيه المرأة في حقه .. إلخ إلخ إلخ !

لكن قاتل القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين غير المعروف للكثيرين " بيلي جوهل " سقط في شر أعماله عن طريق ساعة يد تخص أحد الضحايا ،وتسرعه بالإدلاء بمعلومات كان حجبها جدير بجعله يستمر في نهجه الإجرامي ربما لآخر عمره دون أن يشك به أحد أو يمكن اكتشاف أمره !

بداية مجهولة لقاتل غامض

" ويليام جول " William F. Gohl هو صبي ألماني عادي للغاية أطل على الدنيا لأول مرة يوم 6 فبراير من عام 1873م ، ولا تتوفر معلومات كثيرة عن نشأته أو عن ظروف حياته الأولى ، عدا أنه عمل كنادل في مطلع شبابه ، لكن يبدو من تتبع قصص جرائمه وافتضاح أمره أنه لم يكن من هذا النوع الذي يثير الشبهات ، أو تتناثر حول سلوكه الأقاويل والشائعات ، وبالتالي لم يتجه الشك نحوه مطلقا حينما بدأت سلطات واشنطن تعثر على جثث ضحايا مقتولين من البحارة ، انسابت مع تيار النهر نحو المحيط ، واستقرت في مساحته المائية الهائلة ، ويبدو أنه هاجر  إلى الولايات المتحدة في مرحلة مبكرة من حياته .

كلمة السر : من المكتب إلي المحيط !

مبني اتحاد بحارة الباسفيك في ميناء أبردين صورة ترجع إلي عام 1880م

ويبدو أن " بيلي " ، وهو الاسم الذي أشتهر به السيد " جول " ، غير موثق ما إذا كان قد أتخذ اسم " بيلي " كاسم شهرة أم أنه قام بتغيير اسمه الأول " ويليام " رسميا ، قد أدى عمله بشكل جيد مما سمح له بأن يتولي منصب مهم بالنسبة لمن يداومون على ركوب البحر والعيش متنقلين من سفينة إلى أخرى ، ومن ميناء صوب ميناء آخر ، فقد أصبح الرجل الألماني المولد يدير مكتب اتحاد بحارة المحيط الهادي   Sailor’s Union of the Pacific، ومقره شارع فولسوم بميناء أبردين بولاية واشنطون الأمريكية ، بدء من عام 1902م، وهناك أتته الفرصة الذهبية لممارسة جرائمه ، لم يكن " بيلي " من القتلة المتسلسلين النفسيين أو ذوي الميول العدوانية لغير ما سبب ، بل كان يقتل من أجل الاستيلاء على ما يحمله ضحاياه من نقود ومتعلقات ثمينة ، ومن غير المعروف أيضا إذا ما كان الرجل قد مارس نشاطه الإجرامي أثناء عمله كنادل ، لكن وظيفته الجديدة أتاحت له فرصة ثمينة للتعامل مع ضحايا يصعب جدا تتبع أثرهم ، مكتب اتحاد البحارة الذي كان " جول " يديره كان عبارة عن بناء مقام فوق رصيف خشبي تنساب تحته مياه نهر تشيهاليس Chehalis River ، وهناك كان البحارة يأتون ليباشروا بعض المهام ويحصلوا على الخدمات التي يقدمها لهم المكتب ، وكان من بين هذه الخدمات عرض فرص العمل المتاحة لتعريف البحارة العاطلين بها ، وترك أجور العمل كوديعة أو أمانة لحين القدوم من سفرية بعيدة ، كان المكتب أيضا يعمل كمكتب بريد خاص بالبحارة فكان يمكنهم ترك رسائلهم لآخرين فيه ،أو استقبال رسائل قادمة باسمهم ، وكبديهية معروفة فإن البحار ، خاصة في تلك الفترات ، من بداية القرن العشرين ، حيث كانت وسائل الاتصال فيها بطيئة للغاية وقليلة الجدوى ، هو شخص يصعب العثور عليه بشكل عام ، ويسهل ألا يفتقده أو يبحث عنه أحد ، كما أن اختفاؤه لعدة شهور أمر لا يثير كثير من الدهشة أو التساؤل ، وبالتالي فقد كان البحارة زبائن ، ضحايا ، مثاليين للغاية بالنسبة لشخص أوتي عقلا إجراميا منظما للغاية ك" بيلي جوهل " !

كل شيء هادئ بأسفل !

تخليدا لذكري جرائم الميناء القديمة : بار ومطعم بيلي بأبردين يحمل اسم قاتل البحارة الشهير!

الأسلوب الذي كان " بيلي جول " يقوم به بجرائمه يدل دلالة واضحة على بروده ،وتمتعه بقوة الأعصاب وبسيطرة كاملة على النفس ، فقد كان يجلس في مكتبه ،ويراقب الطريق بالأسفل ،وحين يري بحارا متجها صوب المكتب يستمر في المراقبة حتى يتأكد من كون الطريق خاليا ،وليس ثمة شهود محتملين يمرون في الجوار .. وعند وصول الزائر إلي داخل المكتب يستقبله " بيلي "  ويفتح حوارا معه ،مستعلما بلباقة حول وجود عائلة أو أصدقاء قد يقلقون على البحار المسكين حال اختفائه ، ويستوثق من كونه يحمل أموالا أو أشياء ثمينة، ثم يتحين لحظة مناسبة ليرديه قتيلا بطلقة رصاص واحدة ، وبعدها يعمل بهدوء فيتجه نحو الجثة الممددة أمامه ، ويتفحص جيوبها وثيابها بحثا عن نقود ،أو مقتنيات ثمينة وخلافه ، وبعد أن يصبح الضحية مجردا من كل شيء كيوم ولدته أمه ، يلقيه القاتل الهادئ إلي نهر ( ويشكاه ) ، رافد لنهر تشيهاليس ،عبر باب سري ، ومنه إلي المياه الزاخرة خلف المبني تجرفه حيث تشاء ، وهكذا ، وبنفس الأسلوب ، قتل " بيلي جول " عددا غير محدود من البحارة ،قدرته سلطات التحقيق معه بحوالي واحد وأربعون ( 41) ضحية ، بينما يصل به بعض دارسي القضية ، بأخذ اعترافات المتهم وظروف ارتكاب الجرائم في الحسبان، بنحو مائتي ( 200 ) ضحية من زبائن مكتب اتحاد البحارة المشئوم !

بيلي كان هادئا دائما لعله من أكثر القتلة الذين عرفهم التاريخ برودا وتحكما في أعصابه

ويبدو أن سجل " بيلي " الإجرامي الحافل كان قد بدأ حتى قبل توليه مسئولية مكتب البحارة المشئوم ، فتحوم شكوك قوية حول كونه قد استهل عمليات قتل البحارة ، للاستيلاء على أموالهم ، أثناء عمله كنادل ، وذلك بعد عودته من رحلة فاشلة للبحث عن الذهب في مقاطعة يوكون الكندية ، هناك أيضا شكوك قوية حول ضلوعه في قتل وإخفاء شخصين ، رجل وامرأة ، كانا يعيشان في مقصورة يملكها " بيلي "

مقصورة ( كابينة ) بيلي في الخور الهندي تحوم الشكوك حول كونه قتل من كانوا يستأجرونها منه

 فورة جرائم القتل بدأت في عام 1905، وربما قبل ذلك ، واستغرقت خمس سنوات ، حتى الإيقاع بـ" جول " والقبض عليه ، ومن بين 40 ( أربعين ) جثة عثر عليها حول ميناء ( أبردين ) من الجائز أن يكون الجميع ضحايا لـ" بيلي جول " ، بل ربما يكون عدد ضحاياه أكبر من ذلك الرقم ، بالنظر إلي أن بعض من قتلهم ، مثلما تشير التقارير ، ربما لم يتم إيجاد أشلائهم أبدا .

عندما يختلف اللصان : تشهر الجثث !

ميناء أبردين في أوائل القرن العشرين ، لقطة نادرة

وبرغم برود أعصابه وقدرته المذهلة على ممارسة جرائمه دون لفت الانظار إليه ، فإن " بيلي جول " بدأ ، كغيره من القتلة ، رحلة السقوط التدريجي ، استمرار العثور على جثث البحارة ، معظمهم من المهاجرين ، أقلق السلطات ، وشوه سمعة ميناء أبردين ، الذي اشتهر كميناء الرجال المفقودين ، إشارة إلي الأعداد الكبيرة من البحارة التي تختفي عند وصولها إليه ، من سخرية القدر حقا أن السيد " جول " ، راعي البحارة المهذب ، كان دائم الانتقاد للسلطات لعجزها عن الإيقاع بقاتل أصدقائه البحارة .. لطيف مستر " بيلي " هذا !

من غير المؤكد وجود شركاء لـ" بيلي جول " في عمليات قتل البحارة ، لكن تردد اسم شخص هو "كلينجنبيرج" كِشريك ، أو على الأقل متواطئ ، في بعض جرائم بيلي ، ومنها جريمة قتل شخص يدعي " تشارلز هاتبيرج " ، الذي يبدو أن وجوده كان عامل خطورة على " بيلي " ، وتعد جريمة قتل " هاتبيرج " من أهم المسامير التي دقت في نعش " جول " ، إذ أن شريكه في الجريمة " كلينجنبيرج " قد حاول بعد تلك الجريمة مباشرة الهرب إلي المكسيك ، خوفا من مطاردة الشرطة ، أو ربما خوفا من " بيلي " نفسه ، لكن تم الإمساك به وإعادته قسرا ، تم التعرف على جثة " هاتبيرج " في المحكمة من خلال الوشم الموجود عى ذراعه ، وكانت قضية مقتله واحدة من القضايا التي أدين فيها " بيلي " وزج بسببها في السجن .

لكن الفضل في سقوط سفاح بهذه الخطورة في الحقيقة يرجع إلي واقعة تحمل من الدهشة والغرابة قدر ما تحمل من مأساة وعبوس .

أوجست سكلوتر الغامض يوقع بالسيد " بيلي " الذكي !

الرعب يخيم على الميناء !

لا يهم من يكون " أوجست سكلوتر " على وجه التحديد ، لكن الجميع ممتنون له كونه كان سببا رئيسيا في الإيقاع بغول ميناء " أبردين " المخيف ، فبين عامي 1909 و1912 عثرت الشرطة على عدد واحد وأربعون جثة لبحارة طافية في النهر ، وكان " بيلي جوهل " ، لسخرية القدر ، يطالب الشرطة دوما بالكشف عن القتلة حماية لرجاله ، البحارة ، باعتباره مسئول نقابيا عنهم ، لكن الحلقة ضاقت حول المجرم العتيد حينما وقع في خطأ صغير جدا .. فقد تم العثور على آخر ضحية وجدت جثته طافية في النهر ، وأستدعي " بيلي جوهل " ، باعتباره صديق البحارة ومقدم الخدمات إليهم ، للتعرف بشخصية صاحب الجثة ، وقد حضر " جوهل " الكريم وأخبر الشرطة أن المرحوم هو البحار المدعو " أوجست سكلوتر " وأنتهي الأمر بالنسبة إليه .. لكن لحظة واحدة فالبحار القتيل ، تبعا لتحريات الشرطة ، هو دانماركي اسمه الحقيقي هو " فريد نيلسون " ، فمن أين أتي " جوهل " بالاسم الغريب الذي ذكره للشرطة ؟!

الحقيقة أن " بيلي " هو الذي قتل هذا البحار بالفعل ، وعند قيامه بتفتيشه عثر بحوزته على ساعة يد محفور عليه اسم " أوجست سكلوتر " ، فحسب أنه اسم ضحيته ، وخشي أن تقود تلك الساعة الشرطة إليه إن هو أحتفظ بها ، فوضعها مع الجثة وألقي بكليهما إلي النهر !

فورا حامت شكوك قوية حول " بيلي " ، الذي كان قد أتهم بعدة تهم قبلها، كما سرت شائعات قوية حوله ، وحول شريكه  "كلينجنبيرج" في الميناء كله في الفترة الأخيرة ، خاصة بعد محاولة الهروب الفاشلة  إلي المكسيك ، وهكذا ألقت الشرطة القبض على " بيلي جوهل " ،ووجهت إليه تهمة القتل العمد لواحد وأربعين بحارا ممن عثر على جثثهم داخل الميناء خلال السنوات الأخيرة !

المحاكمة والحكم بالإعدام !

" جول " أفلت من حكم الإعدام ومات مجنونا

الشكوك تأكدت أكثر بعد العثور  " تشارلز هاتبرج " مقتولا برصاصات من مسدس عيار 38 وملقي في الخور الهندي ، وهو نفسه البحار الذي شهد أحدهم إنه شوهد برفقة " بيلي جوهل " ، كما أن المسدس الذي تم إطلاق النار منه ثبتت ملكيته للأخير ، مما أكد ضلوعه في عمليات القتل المروعة تلك .، وأوقف " جوهل " في فبراير 1910، واحيل للمحاكمة حيث صدر ضده حكم بالسجن مدي الحياة ، وقد أفلت من الموت بسبب إيقاف أحكام الإعدام ، وقد قضي فترة من عقوبته في السجن ، حتى تعرض لحادث طعن غريب أدي ، مع مضاعفات مرض الزهري ،إلي إصابته باضطراب عقلي ، ثم تم إيداعه مصحة للمجرمين المضطربين عقليا ، وقد زادت مضاعفات الزهري حتى وصل مرحلة إصابته بالشلل والخرف،  حتى توفي في الثالث من مارس من عام 1927 وهو في الثالثة والخمسين من العمر في مستشفى الولاية الشرقية بواشنطن .

المستشفى التي مات بها " بيلي جول " صورة حديثة

" بيلي جول " يلقب بأسوأ قاتل في تاريخ جرائم القتل المتسلسل في الولايات المتحدة !

ملحوظة : كان لـ" بيلي جول " تاريخ في العنف والمشاجرات الدموية ، وأتهم مرة بتهديد البحارة لإرغامهم على إنهاء أحد لإضرابات بالقوة ، لكنه وصف بالقاتل الهادئ لأنه كان يقوم بجرائمه بأعصاب باردة تماما وبنظام شديد جعل كشف أمره متعذر جدا لولا الصدفة البحتة .

مصادر المقال :

1 – Billy Gohl - From Wikipedia

2 – Billy Gohl - Murderpedia

3 – William Ghol, the Ghoul Of Grays Harbor

4 – Billy Gohl Documentary (Youtube)

5 – كتاب ( السفاح : دراسة نفسية اجتماعية للقاتل المتسلسل ) د / أشرف عزيز

تاريخ النشر : 2018-03-08

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر