الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

بياتريتشا .. حكاية فتاة بريئة أعدمت ظلماً

بقلم : روح الجميلة - أرض الأحلام

قصة لوحة افشت سر قصة اليمة لفتاة بريئة

لكل لوحه شهيرة رسمت عبر التاريخ قصة سواء أكانت مرعبة ، مضحكة ، حزينة .. وكانت ستظل غامضة الى الابد لولا ريشة الرسام الذي وضعها داخل اطار لوحته لتطلع عليها الاجيال .. وقصتنا لهذا اليوم عزيزي القارئ هي واحدة من تلك القصص التي كانت لتضيع إلى الأبد وما كنا لنسمع عنها أبداً لولا لوحة ..

بطلة قصتنا فتاة سيئة الحظ لوالد قاسي القلب ، جميعنا سمعنا قصص عن أب يظلم أبنته كثيراً رغم أن الأب من المفترض أن يكون رمز للأمان والحنان والأستقرار .. ولكن ليس جميع الأباء كذلك .. فأحيانا يقسو قلب الأنسان فيصبح كالحجر بلا ضمير حتى على فلذة كبده .. وعندها يفقد القدرة على التفكير السليم .. عموماً لنبدأ بسرد قصتنا المأساوية التي وقعت في إيطاليا من زمن بعيد جداً في نهاية القرن السادس عشر الميلادي ، وهي فترة عرفت بسوداويتها عموما ..

لنذهب إلى روما حيث ولدت فتاة جميلة تدعى بياتريتشا لعائلة ذات مكانة اجتماعية مرموقة ، والدها الكونت فرانشيسكو تشينشي أحد نبلاء روما ، وقد عرف عنه ولعه بالسلطة والقوة والنفوذ ، وكونه ذو شخصية عدوانية وأخلاق سيئة .. وللأسف هذه الأمور لم تكن مشهورة عنه في خارج المنزل فقط ، بل حتى عائلته لم تسلم منه ، وبالأخص أبنته بياتريتشا التي ولدت من زواج سابق ، حيث وصل به الأمر إلى أنتهاك برائتها واغتصابها مرارا ولم يخجل من نفسه أبداً بل أصبح أكثر ظلماً وأكثر فساداً ، ورغم أن الأب سجن عدة مرات بسبب اساءته إلى عائلته ، لكنه كان يخرج من السجن كالشعرة من العجين بسبب نفوذه وعلاقاته الواسعة ومعارفه وكأنه لم يفعل شيئ ...

الاب الظالم كان يسيء لعائلته ..

لحسن الحظ كانت زوجة الأب حنونة وطيبة القلب تعطف كثيراً على بياتريتشا وكأنها أبنتها ، وكانت تعلم جيداً مدى وحشية فرانشيسكو ، وكانت تحاول دائماً حمايتها والدفاع عنها ، لكن ذلك لم يزد الأب الشرير إلا غضبا وجبروت فقرر إرسال زوجته وولديه وأبنته بياتريتشا إلى قلعة قديمة كان يملكها بعيداً عن روما ..

وبالفعل أنتقلوا إلى تلك القلعة الكئيبة ، وحتى هناك لم تسلم بيتريشيا من اساءات والدها . ويقال بأنه سجنها في حجرة معزولة ومظلمة .

اخذهم الى قلعة معزولة وبعيدة

أخيرا طفح كيل العائلة فخططوا للتخلص من هذا الأب الظالم إلى الأبد عن طريق قتله ، وقد أشترك في هذا المخطط زوجة الأب والأبن الأكبر وبعض الخدم الذين كان فرانشيسكو يسيء معاملتهم أيضا وكانوا يريدون الأنتقام منه بشده ..

وبالفعل وضعوا له سم في طعامه ، لكنه لم يمت ! .. فقاموا بضربه حتى الموت ، وحتى يخفوا معالم الجريمة ، ولكي يبدو الأمر وكأنه مجرد حادث عرضي ، فقد قاموا برميه من أعلى القلعة ..

طبعا لا أحد صدق بأن الاب مات قضاءا وقدرا ، الجميع في روما كانوا يعلمون مدى كره عائلته له ، لذا تم القاء القبض عليهم وبتعذيبهم اعترفوا بقتله .. وقد أمر البابا كليمنت الثامن بأعدامهم ، وأن يتم تعذيبهم قبل اعدامهم ، خصوصا بياتريتشا ، فقد أوصى ان يكون عذابها مضاعفا لأنها وصفت الحكم بالظالم وكأنها لا يكفيها الذي كان يفعله أباها بها ..

البابا كليمنت الثامن
وقد نالت العائلة تعاطف أهل روما ، فتجمع عدد كبير من الناس أحتجاجاً على الحكم القاسي الذي أصدره البابا في حق جميع العائلة ، وبسبب أكتظاظ الحشود وغضبهم الشديد تم تأجيل تنفيذ الحكم عدة أيام ، لكن البابا لم يغير رأيه وأصر على قراره ، وفي الحقيقة كان البابا يخشى تنامي ظاهرة مقتل الأباء ، لأنه قبل مقتل فرانشيسكو بفترة قصيرة تم قتل أحد النبلاء أيضا على يد أبنه .. لذا قرر أن يكون العقاب صارما وقاسيا إلى أبعد الحدود ..

وقبل تنفيذ الحكم بيوم قام بزيارة بياتريتشا في زنزانتها الرسام الشهير جويدو ريني وأبدى رغبة في رسمها فستأذنها لكنها لم تقبل في البداية ، ثم عادت ووافقت تحت الحاحه ، وقد أبدع في رسمها ، فهي مجرد فتاه صغيرة بريئة حتى أنها لم تتجاوز ١٧ عاماً ، وكانت ترتدي غطاء رأس أبيض اللون وخصلات شعرها الأحمر تنسدل على كتفيها وملامح وجهها تشع بالبراءة ، وقد بدت اللوحة هادئة ، لكن عينا بيتريشيا كانت توحي بالكثير من الحزن وتخفي وراءها الاما دفينة ..

في يوم الاعدام عبرت بيتريشيا جسرا طويلا إلى منصة الأعدام التي كان يعتليها جلاد مكتسي بالسواد يمسك فأسا ، وهناك جمع غفير من الناس أحتشدوا لرؤية عملية الأعدام ، أنه مشهد مروع ..

دقت الأجراس وقرعت الطبول ، ليس أحتفالا بزواج شابة جميلة بريئة ، بل إيذانا بموتها واعلانا لمصيرها المشئوم ، حيث وقفت تنتظر دورها وهي ترتدي زي أبيض اللون وكان وجهها شاحب ويقال أنها كانت تبوا كالملاك وهي تتقدم خطوة في كل مرة على ذاك الجسر القديم ..

الرسام ريني يرسم لوحته الشهيرة في زنزانة بتريشيا

وقبل أن يقوموا بإعدامها شاهدت أعدام زوجة أبيها ، حيث قطع الجلاد رأسها ، ثم إعدام شقيقها ، حيث قطع الجلاد رأسه ثم قام بتقطيع جسده إلى أربعة اجزاء ، وهي طريقة كانت معروفة انذاك وتسمى بالتربيع ..

أخيرا جاء دور بيتريشيا ، وحين أقتربت من الموت المحتوم رفعت رأسها نحو السماء وقالت : (يا رب أنت تعلم أنني أموت بريئة) .. وذلك قبل أن يمسك بها الجلاد بكل قسوة ويعالجها بضربة من فأسه على عنقها الرقيق فأرداها قتيلة في الحل مضرجة في دمائها .. ثم أمسك بالرأس المقطوع ورفعه ولوح به أمام الجميع فتعالت أصواتهم وكأنه قد عمل أنجاز عظيم ! ..

الجلاد ملوحا برأس بتريشيا
الوحيد من العائلة الذي لم يعدموه هو الأخ الأصغر برناردينو ، لقد نجا رأسه من المقصلة ، لكنه أجبروه على مشاهدة أعدام جميع أفراد عائلته ، وقد وقف الفتى المسكين وشهد ذلك الموقف الرهيب حيث الرؤوس والدماء المتطايرة هنا وهناك وهو يودع عائلته واحد تلو الأخر ، بعد ذلك صدر قرار بتحويله إلى عبد والاستيلاء على جميع أملاك عائلته ومصادرتها لحساب الاملاك البابوية ، ثم وضعوه في الزنزانة ومكث هناك لعدة سنوات ثم تم نفيه إلى توسكاني (مدينة تابعة لمقاطعة فلورنس الأيطالية ) حتى فارق الحياة.

وأنتهى ذلك اليوم الحزين وقد تأثر معظم سكان روما وسائهم ما حدث ، خصوصا وان البابا لم يأخذ بالتماساتهم المتكررة بالعفو عن العائلة ..

وبحسب بعض الروايات فأنه كان في ذلك اليوم المأساوي جلادان قاما بتنفيذ عملية الأعدام معا ، وأن الأول مات بعد ١٣ يوماً بسبب الكوابيس والأحساس الشديد بالذنب ، أما الثاني فقد مات بعد شهر في أحدى شوارع روما حيث بغته شخص مجهول وطعنه بالسكين .

الجدير بالذكر أن اللوحة التي رسمها الرسام جويدو ريني لبياتريتشا أنتشرت على نطاق واسع حيث تم أعادة نسخها ملايين المرات وظهرت في الكثير من الكتب والروايات وأصبحت ألهام لمجموعة من الفنانين والأدباء ...

وبعد مضي عدة أشهر على المجزرة الدموية رسم جويدو ريني لوحة أخرى يصور فيها ملاك وهو يحارب ويصارع الشيطان وقد أتضح أن الرسام أستعان ( أستعار) وجه الملاك من ملامح بياتريتشا وأعطى ملامح الشيطان للبابا كلمينت الثامن ولقد تفهم الناس المغزى ..

وبعد مرور سنوات تحول قبر بيتريشيا إلى مزار (ضريح ) يقصده الجميع حيث أصبحوا يرونها كقديسة وأصبحت رمزاً لمقاومة الأنحلال والأرستقراطية وطغيان رجال الدين.

وتقول الأسطورة أن بياتريتشا تظهر كل سنة فوق الجسر في الليلة التي سبقت أعدامها وهي تحمل في إحدى يديها رأسها المقطوع.

اصبحت بتريشيا رمزا لمقاومة الظلم والطغيان

في الختام لا يسعني سوى أن أقول أنني قرأت القصة في إحدى المواقع وأحببت إعادة كتابتها بطريقتي الخاصة ولقد شعرت بالحزن والأستياء لما في القصة من ظلم وطغيان ، أعلم أن بياتريتشا ليست هي الوحيدة ، وهناك العشرات بل آلاف القصص الحزينة لفتيات والتي تدمي لها القلوب وتدمع لها العيون واللاتي يعانين من أساءات لا تحصى في حقهن تطمس روح الطفولة والبرائة لديهن.

في الحقيقة لم أشفق على الأب فرانشيسكو فهو يستحق الموت وبجدارة على كل ما فعله بعائلته .. وبصراحة السؤال الذي يحيرني ، هو إذا كان هناك أباء يكرهون أطفالهم وعائلاتهم بشدة مثل فرانشيسكو ، فلماذا يجلبونهم إلى هذه الدنيا ؟! بصراحة أنا أتعجب من هذا الأمر .. أن كانوا لا يملكون روح المسؤولية فليس لهم الحق في تربية أطفال.

أما عن البابا الظالم فيوجد الكثير من أمثاله ، من مختلف المذاهب والأديان ، منذ الأزل وإلى يومنا هذا ..

أرجو أن المقال قد نال أعجابكم وأتمنى أن اللوحة قد جذبتكم لجمالها كما سحرتني إليها وعلمتني أن اللوحة ليست مجرد صورة بل هناك قصص كثيرة خلف الكثير من اللوحات ..

المصادر :

- Beatrice Cenci - Wikipedia
- Pope Clement VIII - Wikipedia
بورتـريه بياتـريتـشا تشيـنشـي

تاريخ النشر : 2018-03-30

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر