خوانا المجنونة .. أوسع الملكات نفوذاً وأسوأهن مصيراً
الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

خوانا المجنونة .. أوسع الملكات نفوذاً وأسوأهن مصيراً

بقلم : زاهر موسى
للتواصل : [email protected]

ابنة ملوك .. ووالدة ملوك .. لكنها قضت حياتها في السجون!

 ينظر الانسان دائما الى رأس السلطة سواء كان فردا او عائلة على أنه يعيش في نعيم ورخاء لا حد لهما، وكثيرا ما تعطي المظاهر هذا الانطباع شحنة ثقة، يبدون الملوك والدكتاتوريون في ثيابهم الغالية وعرباتهم المذهبة وكانهم لا يعرفون ما معنى الألم،   في الحقيقة وعلى ضوء مقارنة طبيعة حياة العائلات المالكة مع طبيعة بقية الشعوب سنجد ان هذا الانطباع صحيح، لا وجه مقارنة بين رخاء الملوك والحكام الازليين وبين شظف عيش المواطنين وعذاباتهم التي لا تنتهي، غير ان الاطلاق صفة معيبة، يحدث دائما ان يكون في القاعدة ما يشذ عنها، ويحدث ايضا ان نتعرف على ملوك وحكام سادوا اجزاء واسعة من العالم غير انهم لم يهنأوا بالعيش الرغيد، بل ان بعضهم لم يهنأ بالعيش حتى .

بداية الحكاية – عائلة حاكمة متطرفة دينيا

استسلام محمد الثاني عشر ملك عرناطة لفرناندو وايزابيل ونهاية الاندلس

العائلات الملكية في اوروبا قبل ستة قرون كانت تعقد تحالفاتها بالزواج، هكذا كان الامر ببساطة، الزواج بين الامراء والاميرات كان يوفر تحالفا طويلا وآمنا على مستويات سياسية واقتصادية وعسكرية، ولأن الحياة متقلبة فأن هذه الزيجات السياسية كانت مشروع وراثة في بعض جوانبه، فالحق الملكي بالحكم كان ينتقل عموديا في الامراء والاميرات والزواج هنا يمنح هؤلاء القدرة على دمج مملكاتهم بممالك اخرى، بعد فشل الحروب الصليبية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين كانت انظار اوروبا تتركز على الاندلس كوجود اسلامي هو اولى بالعداء، ملك اراغون فرناندو وملكة قشتالة ايزابيلا تزوجا واتسعت مملكتهما واصبحت اقوى، وبمرور الزمن استطاعا انهاء الوجود الاسلامي في شبه جزيرة ايبيريا واطلقا اول امواج الاستعمار التي وردت تحت مسمى الاستكشاف عبر البحار .

عُرف فرناندو وايزابيلا بالتطرف الديني للعقيدة المسيحية الكاثوليكية، وكان الضحايا في الغالب من المسلمين واليهود، انجب الزوجان اربعة من البنات وولدا واحدا، غير ان القدر عاجل ثلاثة من البنات بالموت ومن ثم مات الولد الوحيد ايضا، لم يبق لفرناندو وايزابيلا غير ابنتهما الصغرى خوانا، كانت هذه الفتاة الصغيرة في السن هي الوريثة الوحيدة لمملكة تبدأ من ايطاليا وتمتد الى اسبانيا ولا تنتهي الا في القارة الجديدة والمكتشفة حديثا "امريكا" .

لذلك السبب فقد قرر فرناندو وايزابيلا ان يزوجا خوانا من ملك الاراضي المنخفضة شمالي اوروبا (هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ) واسمه فيليب الوسيم والذي ينتمي الى عائلة عريقة جدا هي عائلة هابسبورغ، لكن فيليب هذا الذي ابحرت خوانا من اسبانيا عروسة له وقد شغفت به حبا لم يكن يحبها، وكان يخونها باستمرار، بل ان زواجه منها كان من اجل المملكة العملاقة التي سترثها .

الملكة الملحدة

قبل ان تغادر اسبانيا كانت جميع حواشي القصر الملكي تتحدث عن الاميرة غريبة الاطوار، خوانا كانت توصف بالملحدة، فهي كانت ترفض الطقوس الدينية تماما، وكانت علاقتها سيئة بالرهبان والقساوسة، هذه الحالة في ذلك الوقت وفي هذه العائلة كانت فريدة من نوعها بسبب حجم التطرف الديني حينها، تحملت خوانا التعذيب من والدتها وسيرافقها التعذيب في مراحل اخرى من حياتها بسبب موقفها من الدين، حينما انتقلت خوانا الى بلاط زوجها فيليب في شمال اوروبا عاد الكلام لينتشر مجددا عن الاميرة التي ترفض المسيحية وطقوسها، حينها بدأ العرش يتحدث عن جنون خوانا من اجل ايجاد تبرير لتصرفاتها تجاه الدين، المؤرخون ممن رأوها اشاروا الى غرابة اطوارها لكنهم لم يقولوا بجنونها ابدا .

خوانا في السجن – وظلم ذوي القربى

زوجوها لفيليب الوسيم ملك الاراضي المنخفضة

انجبت خوانا من فيليب الوسيم ولدا شاء القدر ان يكون له شأن كبير جدا في المستقبل، سمي الولد  كارلوس والذي سيعرف لاحقا بشارل الخامس ويحكم نصف العالم المأهول في ذلك الزمن، مطلع القرن الخامس عشر توفيت ايزابيلا والدة خوانا وملكة قشتالة، وكان اخوة واخوات خوانا قد ماتوا جميعا قبل ذلك الوقت بطريقة غريبة، اصبحت خوانا الوريثة الوحيدة لاملاك امها العملاقة بحسب قوانين ذلك الزمن، لكن والدها فرناندو وزوجها فيليب كانا ابرز المنافسين لها، وقد استعملا اشاعة جنونها لفرض الوصاية عليها، ونجح والدها بسجنها في قلعة صخرية بعد وفاة زوجها فيليب الذي احبته واخلصت له، بقيت خوانا في هذا السجن 16 عاما عانت فيه من التعذيب الذي اريد من خلاله اجبارها على قبول العقيدة المسيحية، كما ان ابنها شارل الخامس تجاهلها وكان مرحبا بسجنها لكي يستحوذ على املاكها، بعد موت والدها والوصي عليها وعلى املاكها فرناندو اصبح ابنها الذي بات يدعى شارلكان هو الوصي عليها، فقام بتعيين سجانا خاصا اسمه ماركيز دينايا، كان هذا السجان مخلص لشارلكان كثيرا ولذا فقد نفذ كل ما طلبه منه الابن بحق الام من تعذيب وعزل .

في عام 1520 قامت ثورة في قشتالة وقرب القلعة التي سجنت فيها خوانا، كانت الثورة تهدف استغلال غياب شارل الخامس المسافر حينها وفصل قشتالة عن بقية ممتلكاته، قام الثوار باعتقال دينايا واطلاق سراح خوانا من سجنها بعد 16 عام، طلب الثوار من الملكة التي تأكدوا من انها غير مجنونة ان تكون معهم في ثورتهم فرفضت، ابلغتهم انها لن تقف ضد ابنها، شارل الخامس الذي اصبح امبراطورا في ذلك الوقت عاد لاخماد الثورة وهو ما نجح به واعدم قادتها، غير انه لم يكافئ امه على موقفها الانساني، بالعكس، لقد قام بسجنها مجددا، وتحت مسؤولية السجان ذاته ماركيز دينايا .

السجن الاطول لأي ملكة عرفها التاريخ

الدير الذي حبست فيه

انتقلت خوانا الى سجن جديد يحرسها سجانها ومعذبها دينايا الملكف من قبل شارل الخامس ابنها بذلك، هذه المرة بات السجن بلا نهاية، بدأت هذه المرحلة من 1520 وانتهت بموت خوانا في السجن عام 1555، ما يقارب الـ 46 عاما في السجن مع تعذيب رهبان محاكم التفتيش امور لاتطاق، لكن خوانا صمدت في وجهها، وكانت تعبر عن رفضها الدائم لمحاكم التفتيش المتطرفة، الامر الاصعب على خوانا هو تعذيب امها وابيها وابنها لها وسجنهم اياها، بالاضافة الى خيانة زوجها الدائمة لها، والاكثر من ذلك استغلال الجميع للملك الذي لم تكن ملكة عليه يوما سوى بالاسم، اشاع مؤرخو السلطة دائما عنها انها مجنونة، لكن خوانا لم تكن كذلك بحسب آخرين، كما ان اسلوبها في نقد العقيدة المسيحية اتضح لاحقا في ابنها الذي لم يأخذ منها سوى الممالك الواسعة والتمرد على الكنيسة، لم يلبث الزمن طويلا بعد خوانا حتى ظهر القس الالماني مارتن لوثر ليفجر ثورة عملاقة انتجت المذهب البروتستاني في المسيحية والذي كان سببا في ضمان التعددية الفكرية الى حد كبير في المجتمعات الغربية لاحقا .

المصادر :

- Joanna of Castile - Wikipedia

تاريخ النشر : 2018-04-20

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر