قصة دي دي بلانشارد : من يزرع المر ، لا يحصد سوى العلقم
الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

قصة دي دي بلانشارد : من يزرع المر ، لا يحصد سوى العلقم

بقلم : سوسو علي - السعودية

المظاهر اخيانا تكون خادعة والابتسامات قد تخفي حقدا ومرارة

في يونيو حزيران 2015 أصيب سكان بلدة سبرينغفيلد بولاية ميسوري بالصدمة جراء مقتل السيدة "كلاودينا دي دي بلانشارد" طعنا بالسكين ، وهي امرأة معروفة لدى السكان المحليين بأنها أم لطيفة وحنونة ترعى ابنة معاقة تبلغ من العمر 17 عاما تعاني من ضمور العضلات وسرطان الدم والربو وسلسلة أخرى من الأمراض التي تركتها حبيسة كرسي متحرك. ومما زاد من صدمة السكان ودهشتهم هي الأخبار التي جاءت بعد بضعة أيام حينما أعلنت السلطات أن الابنة المعاقة وصديقها هما القاتلان ، وألقي القبض عليهما ..

المنزل الذي وقعت فيه الجريمة

السؤال الذي تبادر إلى ذهن الكثيرين فورا هو : كيف يمكن لفتاة مراهقة مقعدة وعاجزة أن تقوم  بمثل هذا العمل، وكيف طاوعها قلبها أن تقتل أمها التي أفنت عمرها في رعايتها؟! ..

وهنا تكمن المفاجأة الغائبة عن أذهان الجميع .. فالأبنة التي تدعى جيسبي ليست مراهقة في واقع الأمر ، بل شابة بالعشرينات من عمرها ، كما انها سليمة تماما وطبيعية ولا تعاني من اي إعاقة او أي مشاكل صحية لكنها اجبرت ان تتصرف كمريضة طوال حياتها ..

كيف ؟ ولماذا ؟ .. لنعد إلى بداية الحكاية لنعرف التفاصيل ..

هوس أم مرض أم طمع؟

ولدت بلانشارد دي دي في مدينة شاكباي بولاية لويزيانا بالقرب من ساحل الخليج عام 1967 ونشأت مع عائلتها في جولدن ميدو القريبة ، ومنذ طفولتها كان لدى دي دي سلوك منحرف ، حيث كانت تقوم أحيانا ببعض السرقات البسيطة ، غالباً ما تكون انتقامية عندما لا تسير الأمور كما تريد . وفي مرحلة ما من حياتها المبكرة  عملت كمساعدة ممرضة ، وبعد وفاة والدتها عام 1997 راودت عائلتها شكوك في أن تكون هي من  قتلتها عن طريق تسميم  طعامها.

وعندما كانت في الرابعة والعشرين من عمرها أصبحت حاملا من زوجها رود بلانشارد والذي كان آنذاك في السابعة عشر من عمره ، وقبل وقت قصير من ولادة جيبسي روز في يوليو 1991 انفصل الزوجان عندما أدرك رود انه اخطأ بإرتباطه بها ، و على الرغم من جهود ديدي لإجباره على العودة إلا انه لم يفعل ذلك واصر على الإنفصال.

جيبسي لم تكن تعاني من مشاكل صحية

بعد الإنفصال اخذت دي دي ابنتها الصغيرة جيبسي ، والتي ولدت قبل موعدها ، وذهبت للعيش بمنزل اهلها ، جيبسي لم تكن تعاني من اي مشاكل صحية بخلاف بعض الصغر بحجم جمجمتها نظرا لولادتها قبل موعدها ، لكن الأم كانت مصرة على ان ابنتها تعاني من إنقطاع في التنفس اثناء النوم وسلسلة من الأمراض الأخرى بسبب ما اسمته خلل في الكورمسومات ، وقد اخذتها لعدة مستشفيات وعرضتها على العديد من الأطباء ، وكانت تضع لها جهاز مراقبة اثناء النوم .. لكن كل هذا لم يظهر ان لدى الفتاة الصغيرة اي مرض يذكر ..

صورة لجيبسي مع والدها واخوتها غير الاشقاء

وحين بلغت جيبسي السابعة من عمرها وبينما كانت تركب دراجة جدها النارية وقعت وجرحت ركبتها جرحا بسيطا ، لكن والدتها اصرت على ان الجرح خطير واجبرتها على إستخدام كرسي متحرك على الرغم انها لم تكن تحتاجه ، ومنذ ذلك الوقت لم تفارقه ابدا .. كما قامت بإخراجها من المدرسة وهي في الصف الثاني واصرت على ان تتلقى تعليمها في المنزل ، كما دأبت على حلاقة شعرها لتبدو كمريضة سرطان ، وكانت تجبرها على تناول العديد من الأدوية كأدوية الصرع وغيرها ، وكانت تجعلها تتناول طعامها عبر انبوب للتغذية بالإضافة إلى عبوة أوكسجين كانت ترافقها دائما ، وإذا لم تستجب لها كانت تضربها بشدة وتعاقبها. 

طبعا جميعنا سنتساءل لماذا كانت دي دي تفعل هذا بإبنتها ؟! ..في الحقيقة كل الوقائع كانت تشير إلى ان ديدي كانت مصابة بمتلازمة "مانشهاوزن" وهو مرض نفسي يقوم الشخص المصاب به بالمبالغة في تقديم الرعاية والعناية لمن هم تحت رعايته ، وإختلاق الأمراض من أجل جلب تعاطف الآخرين .. وطبعا كنت دي دي تحصل على سكن مجاني و اموال ومساعدات و رحلات ترفيهية وطبية  مجانية مخصصة لذوي الإحتياجات الخاصة ، كل هذا شجعها على الإستمرار والتمادي في فعلتها.

وبعد أن دمر إعصار كاترينا منطقة سكناها في أغسطس 2005 ، غادرت دي دي وأبنتها جبسي شقتهما المدمرة إلى كوفينجتون حيث يوجد مساكن تم إعدادها للأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة ، وزعمت دي دي إن سجلات جيبسي الطبية بما في ذلك شهادة ميلادها قد ضاعت في الفيضانات ، فاقترح احد الأطباء نقلهم إلى بلدة ميسوري ، وفي الشهر التالي تم نقلهم جوا إلى هناك.

اجبرت على تناول الطعام عبر الانبوبة مع انها لا تعاني من شيء!

في البداية عاشت  دي دي وجيبسي في منزل مستأجر في أورورا في المنطقة الجنوبية الغربية من الولاية ، وخلال فترة وجودهم هناك  تم تكريم جيبسي من قبل مؤسسة Oley المهتمة بالأطفال من ذوي الإحتياجات الخاصة ، بعدها انتقلت دي دي وجيبسي إلى سبرينغفيلد حيث قامت إحدى المؤسسات ببناء منزل صغير لهم يحتوي على ممر خاص بالكراسي المتحركة ليتناسب من إحتياجات جيبسي ، وهناك انتشرت قصة الأم العازبة وإبنتها المصابة بإعاقة شديدة واللتان اضطرتا للفرار بعد ان دمر الإعصار منزلهم وحظيت القصة بإهتمام وتعاطف إجتماعي كبير ، وتدفقت عليهما المساعدات والأموال وشمل ذلك رحلات طيران مجانية لزيارة الأطباء ورحلات طيران ترفيهية إلى مدينة ملاهي والت ديزني إضافة إلى المدفوعات الشهرية والهدايا.

حصلت على الكثير من المساعدات .. منها هذا المنزل .. مجانا .. ويظهر ورائها الناس الذين شاركوا بالتبرع والمجهود .. والمفارقة انها قتلت في هذا المنزل الذي حصلت عليه بخداع كل هؤلاء الناس الطيبين

وفي تلك الفترة حاول رود والد جيبسي أن يتواصل معها ويزورها لكن دي دي كانت تمنعه بكل الطرق ، وكانت قد اخبرت جيرانها واصدقاءها في سبرينغفيلد أن والد جيبسي مدمن على الكحول والخمور ولم يهتم ابدا لمشاكل ابنته الصحية ولم يرسل لهم اي اموال او مصاريف.

الإشتباه في سلوك دي دي

طبيب الأعصاب بيرناردو فاستشتاين الذي عاين حالة جيبسي في سبرينغفيلد ابدى شكوكه حول سلوك دي دي ، حيث لم تظهر فحوصات الدم والرنين المغناطيسي اي ضمور عضلي لدى جيبسي كما ادعت دي دي ، واخبرها انه لم يجد اي سبب يمنع جيبسي من المشي والتحرك بشكل طبيعي ، وقد قام بالتواصل مع اطباء  جيبسي السابقين في نيو أورلينز وقد اخبروه ان خزعة الغشاء العضلية الأصلية لجيبسي اتت سالبة مما يقوض كلام دي دي في ان ابنتها مصابة بالضمور ، ومما زاد شكوكه حولها هو إدعائها ان جميع سجلات جيبسي الطبية قد دمرت في الإعصار ، وبعدها امتنعت دي دي عن زيارته مجددا خوفا من أفتضاح أمرها.

جبسي قضت معظم عمرها في المستشفيات مع انها ليست مريضة .. وجعلتها امها تبدو كأنها معاقة عقليا وجسديا مع انها امرأة مكتملة الجسد والعقل ..

واستمر الوضع على ما هو عليه إلى ان اصبحت جيبسي شابة ، وبدأت تحاول التمرد والتحرر من قيود والدتها وظلمها ،  وكانت اول محاولة هروب لها مع شخص تعرفت عليه عن طريق الإنترنيت ، لكن سرعان ما وجدتها والدتها وهي بصحبته في غرفة بأحد الفنادق واعادتها للمنزل وقامت بمعاقبتها ، حيث قامت بتقييدها إلى سريرها لمدة اسبوعين كما قامت بتحطيم حاسوبها بمطرقة وهددتها انها ستفعل نفس الشيء بيديها لو حاولت الهروب مجددا .

في  عام 2012 ، تعرفت جيبسي ، و التي استمرت في استخدام الإنترنت من دون علم والدتها ، على شخص يدعى نيكولاس جوديجون ، وكان لدى نيكولاس سجل جنائي وبعض الإضطرابات العقلية والنفسية ، وتوطدت العلاقة بينهما سريعا وكانت تتواصل معه بشكل مستمر .

جبسي وشريكها في الجريمة

وفي احد الأيام طلبت جيبسي من صديقها الحضور لمنزلهم لأنها قررت قتل والدتها ، وبالفعل حضر إلى المنزل ، وبعد ان ذهبت دي دي الى فراشها للنوم جلبت جيبسي سكينا وشريطا لاصقا وقفازات واعطتها لصديقها جوديجون وطلبت منه أن يدخل ويقتل أمها ، فطلب هو منها أن تذهب إلى الحمام وتقوم بتغطية آذانها حتى لاتسمع صراخ والدتها ، بعدها دخل جوديجون على دي دي وقتلها بطعنها عدة طعنات حتى فارقت الحياة ، وبعد ان انتهى منها عاد وقام بممارسة الجنس مع جيبسي ، كما قاموا بسرقة بعض الأموال التي كانت دي دي تحتفظ بها في المنزل وهربا معا إلى احد الفنادق خارج المدينة حيث بقيا هناك لعدة ايام ، وكانت كاميرات المراقبة قد التقطت لهما بعض الصور وهما يتجولون في بعض المتاجر.

القاتلان ظنا انهما أفلتا بجريمتهما ، وبعد عدة ايام استقلوا حافلة متجهين نحو ولاية ويسكونسن حيث كان يسكن جوديجون وقد قامت جيبسي بالتنكر بإرتداء شعر مستعار ..

لقد ماتت تلك الكلبة!

بعد عدة ايام من الحادثة قامت جيبسي وجوديجون بنشر بعض الرسائل على حساب دي دي على الفيسبوك ، كان محتواها : " لقد ماتت تلك الكلبة " ، وواحدة اخرى تقول : "لقد قتلت تلك البدينة بقسوة واغتصبت إبنتها الصغيرة " . وعندما اطلع اصدقاء دي دي على المنشورات اصابهم القلق ، في البداية ظنوا ان حسابها مخترق ، وقاموا بالإتصال بها على هاتفها للإطمئنان عليها لكن لم يجدوا اي رد  ، فقرروا الذهاب فورا لمنزلها وطرقوا الباب طويلا لكن دون فائدة ، فقاموا بإبلاغ الشرطة ، وحضرت الشرطة واقتحم أفرادها المنزل ليجدوا جثة دي دي غارقة في دماءها ، ولاحظ  المحققون وجود كرسي جيبسي المتحرك وانبوب التغذية الذي كانت تستخدمه بالمنزل ، لكنها جيبسي نفسها لم تكن موجودة ، فتخوفوا على حياتها ، لكن فتاة من الجيران تدعى وودمانسي كانت تعرف بعلاقة جيبسي وجوديجون فأخبرت الشرطة بكل المعلومات التي تملكها وتضمنت المعلومات اسمه ، وسرعان ماالقي القبض عليهما ..

الحقائق تتكشف .. جيبسي تتحدث عن معاناتها في احد البرامج التلفزيونية

بعد الكشف عن المعلومات وكيف كانت دي دي تعامل جيبسي طوال تلك السنوات اصيب جميع من يعرفهما بالصدمة والذهول ، وتحول التعاطف معها كضحية إلى ابنتها جيبسي حيث عانت سوء المعاملة منذ طفولتها ، وحسب قانون ولاية ميسوري فأن جيبسي كان من المفترض ان تكون عقوبتها الإعدام او السجن المؤبد ، لكن نظرا لأن قضيتها إستثنائية كما وصفها المدعي العام وبعد ان حصلت محاميتها على تقاريرها الطبية فقد حصلت على حكم مخفف وحكم عليها بالسجن عشر سنوات فقط ، اما صديقها جوديون فمازال ينتظر محاكمتها إلى الآن .. ولاحقا صرحت جيبسي قائلة بأنها رغم وجودها في السجن إلا انها تشعر الآن بحرية أكبر مما كانت تشعر حينما كانت تعيش مع والدتها ، وقالت انها بإستطاعتها الآن ان تعيش كإمرأة طبيعية ..

الجدير بالذكر ان هناك فيلم يتناول هذه القضية بعنوان Mommy Dead and Dearest بالإضافة إلى بعض الأفلام الوثائقية ..

هل هي مجرمة ام ضحية ؟ .. اترك الجواب لك عزيزي القارئ

أخيرا أود أن أقول أن بعض الأهل بدلا من أن يكونوا سببا في راحة وسعادة أطفالهم فأنهم بالعكس يكونون نقمة على هؤلاء الأطفال ، وأسوا أنواع هؤلاء الأهل هم الانانيون الذين يجيدون تمثيل دور الشخص الحنون المهتم باطفاله بينما هم في الحقيقة أبعد ما يكونوا عن هذه الصفة ولا يفكرون سوى بأنفسهم وفائدتهم الآنية ولو على حساب سعادة فلذات أكبادهم .. المشكلة أن هؤلاء لا يفكرون بالمستقبل ولا يحسبون حساب اليوم الذي سيكبر فيه هؤلاء الأطفال فيردون لهم الصاع صاعين .. كما حصل في قصتنا هذه .. طبعا أنا هنا لا أؤيد أبدا ما قامت به جيبسي .. لكني أقول .. بأن أخطاء بعض الأهل تكون جسيمة لدرجة أنهم لا يجنون على أطفالهم فقط ، بل على أنفسهم أيضا ، وعلى العلاقة المقدسة بين الأهل والأبناء .. وكم شاهدنا في هذه الحياة من أشخاص تتسم تصرفاتهم بالبرود تجاه أهليهم بسبب أخطاء وجروح وذكريات الماضي المريرة.

مصادر :

- Murder of Dee Dee Blanchard

- Dee Dee Wanted Her Daughter To Be Sick, Gypsy Wanted Her Mom To Be Murdered

تاريخ النشر : 2018-05-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر