الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

جورج باروت : الرجل الذي تحول إلى حذاء!

بقلم : مريم العليوشي - تونس
للتواصل : [email protected]

صورة جورج باروت .. والحذائين الذين تحول اليهما بعد موته!

أحيانا تبحث عن شيء ما على النت بعفوية ، فيأخذك هذا البحث من حيث لا تحسب إلى مواضيع في غاية الغرابة أو البشاعة ، لكن مسكوت عنها تاريخيا لسبب أو آخر . مواضيع قد تؤثر في وجدانك ، لأنك لم تتخيل قبلا وجودها أو امكانية حصولها ، مما يضطرك أحيانا الى الاستلقاء على فراشك وعيناك تنظران الى سقف الغرفة لتعيد تخيل الاحداث و الاسباب ، علك تجد مبررا لهذه القسوة التي تتسم بها قلوب بعض البشر ..

لا أريد أن أطيل عليك المقدمات عزيزي القارئ .. فما حدث معي هو أني ذات يوم كنت ابحث عن صورة للممثل جورج كلوني لاضيفها إلى احد مواقع التواصل الاجتماعي .. فأخذني جوجل الى هذا الاسم : (جورج باروت) .. وكانت الجمل المرتبطة بهذا الاسم هي : الجريمة و العقاب .. خارج عن القانون .. جورج ذو الأنف الكبير ..

فأخذني الفضول لمعرفة قصة ذو الأنف الكبير هذا .. وليتني لم أفعل! ..

جورج باروت .. ذو الانف الكبير ..
من غير المعروف أين ولد جورج باروت ، ولا اين أو كيف عاش طفولته ، وهي أمور تكون مفيدة دائما لمعرفة وتحليل اسباب تحول وصيرورة الشخصيات في الكبر.
لكن ماهو معروف انه ولد وعاش في القرن التاسع عشر ، بإحدى بقاع الارض بالولايات المتحدة الأمريكية ..

اعلم عزيزي القارئ بأنك ستقول : ما فائدة الكتابة عن هكذا شخصية مغمورة وغير معروفة ؟ ..

لكن غياب المعلومات عن حياة شخصيتنا ربما يعود إلى أن حياته لم تكن مثيرة بنفس القدر التي اصبحت عليه بعد مماته! ..

لكن دعوني أحدثكم عن القليل مما هو معروف عن حياته ، فقد كان رئيس عصابة وقاطع طريق ، كتبت عنه الصحف اول مرة عام 1878 بعد عملية سطو فاشلة على قطار تابع لشركة "Union Pacific Railroad" ..
هذه العملية جعلت من باروت طريد القانون ، وكان عمدة مقاطعة وايومنيغ النقيب روبرت ويدوفيل ، وصديقه المحقق الخاص لدى الشركة هينري فينسنت ، قد أخذا على عاتقهما مهمة مطاردة باروت وجلبه للعدالة ..
 
بعد ملاحقة دامت اشهر توصلا الى مكان اختباء باروت و عصابته بالقرب من جبل "ايلك" في (وايومنيغ) ، احدى ولايات اقليم الجبال غرب الولايات المتحدة.

لكن باروت كان يقظا ، أكتشف قدوم الرجلان في طلبه ، فنصب هو و عصابته كمينا لهما وأردياهما قتيلان بالرصاص ، ثم دفنوهما على عجل ولاذو بالفرار وقرروا أن يغيروا مكان اختبائهم.

لم يطل الوقت حتى تم العثور على جثة العمدة والمحقق القتيلان ، وتم وضع مكافأة قدرها 10 الاف دولار لقاء رأس باروت ، ولاحقا تم زيادة المكافأة إلى 20 ألف دولار .

لكن رغم المكافأة المجزية مقابل رأسه فأن باروت عاش حرا لسنوات ... مواصلا اعمال السرقة و السطو ، وجرائم أخرى كثيرة لم يسلط عليها الضوء جيدا بسبب تخفي باروت الدائم و دهائه في القيام بجرائمه في السر التام و تحت جنح الظلام.

لكن مهما تكون نسبة ذكاء و دهاء المجرم .. تكون اسباب وقوعه في شرور اعماله و قبضة القانون اشياء تافهة احيانا .. فذات يوم كان باروت واحد مساعديه في حانة ، شربا كثيرا من الخمر حتى فقدا صوابهما وراح باروت السكران يتبجح بعملياته الاجرامية ، ومنها قتله للعمدة والمحقق .. فتم استدعاء الشرطة والقي القبض على باروت ورفيقه بكل سهولة بعد سنوات من المكر والدهاء في التملص من سلطة القانون .. اخيرا وقع باروت .. ليس بسبب كفاءة الشرطة .. لكن بسبب قنينة خمر! ..

تم اعدامه على عمود خطوط التلغراف
تمت محاكمة باروت ، ونال حكما سريعا بالاعدام شنقا ، وتم حبسه في سجن مدينة رولينز استعدادا لتنفيذ الحكم ، لكنه حاول الهرب ، ضرب السجان بمطوى وكاد أن يهرب لولا أن السجان الجريح صرخ طلبا للنجدة فهرعت اليه زوجته وهي تحمل بندقية واجبرت باروت على العودة إلى زنزانته ..

ويبدو أن محاولة الفرار هذه قد اثارت غضب السكان ، فلم تمض عدة ساعات حتى أقتحم السجن عدد من الاشخاص المقنعين واخذوا باروت من زنزانته إلى احد ميادين المدينة حيث اجتمع حشد كبير من الناس .. وهناك قام الأهالي الغاضبون باعدام باروت شنقا على احد أعمدة التلغراف.
 
علك صديقي القارئ تسأل نفسك بوصولك الى هذه السطور : ما الجديد بهذه القصة مجرد شخص خارج عن القانون ومجرم خطير .. وقد نال عقابه ..

لكن القصة لم تنتهي هنا ، فبين تلك الحشود الغاضبة كان يقف رجل قيض له أن يحول أسم باروت إلى ذكرى خالدة .. وكان ذلك الرجل يدعى الطبيب (جون أوزبورن) ..

ما بعد النهاية

الطبيب جون اوزبورن
بعد موت باروت لم يتقدم احد للمطالبة بجثته . فتكفل أوزبورن بأخذ الجثة من اجل اجراء بعض الدراسات الطبية عليها ، خصوصا تلك الدراسات المرتبطة بنظرية كانت مشهورة في ذلك الزمان تزعم بأن جماجم وأدمغة المجرمين مختلفة فسلجيا وتشريحيا عن ادمغة الناس العاديين ، أي فيها علامات وتضاريس غير عادية ..

لكن الطبيب اوزبون لم يكتفي باستخراج دماغ باروت ، بل اراد ان يستفيد ايضا من بقية اجزاء جسده ، فأعطى الجزء العلوي من الجمجمة إلى مساعدته ليليان هيلث التي كانت تبلغ 15 عاما من العمر . وصارت لاحقا اول امراة طبيبة تعمل في ولاية "وايومينج" الأمريكية.

تفيد التقارير ان ليليان استخدمت الجمجمة كطفاية للسجائر ، و أحيانا كمزهرية ، ولحفظ الاقلام ، كما استعملتها كمسند للابواب .. اي كانت تضعها خلف الباب لكي لا يغلق!..

جمجمة باروت .. الجزء العلوي تم قطعه واستعماله لاغراض شتى

اما أوزبورن فقد صنع من جسد باروت شئ اغرب بكثير ، وهو الجزء الاكثر اثارة في قصتنا ، فقد قام أولا بصناعة قناع من الجص لوجه باروت ، وهو أمر معروف في ذلك الزمان وكان يسمى بـ "قناع الموت". ثم قام بسلخ جلد باروت ، وذهب الى احد صانعي الاحذية و طلب منه ان يصنع له زوجا من الاحذية باستعمال جلد باروت!.

وفعلا تم صنع زوج من الأحذية للطبيب من جلد باروت ، أما الفائض من الجلد فتم صنع حقيبة طبية منه.

زوج الاحذية التي تم صنعها من جلد جورج باروت والمعروضة في المتحف الان

وبرغم كمية القرف الموجودة بهذا الفعل ، إلا أن الطبيب أوزبورن كان يفتخر بذلك الحذاء ويرتديه في مناسبات عديدة ، حتى انه سار به الى داخل حفل تنصيبه حاكما على ولاية وايومينغ .. نعم تم تنصيبه حاكما واحتفلوا به و هو يرتدي حذائه المقرف المصنوع من جلد بشري ..

أما باقي جسد وأشلاء باروت فقد رميت داخل برميل وغطيت بالملح ..

البرميل الذي عثرت فيه على بقايا باروت
ومرت السنين سراعا ، مات الطبيب اوزبون ، ونسى معظم الناس أسم باروت وقصة الحذاء المصنوع من جلده .. لكن في عام 1950 ، أثناء اجراء تصليحات في قبو البنك الوطني في مدينة رولينز ، تم العثور على برميل يحتوي على عظام بشرية ، وجمجمة جزئها العلوي مفقود ، وزوج من الأحذية ..

العجائز من سكان المدينة تذكروا فورا حكاية باروت وجمجمته والحذاء المصنوع من جلده الذي كان ينتعله عمدتهم .. وللتأكد من أن العظام تعود لباروت .. تم الاتصال بالطبيبة ليليان هيلث ، والتي كانت الآن في منتصف الثمانينات من عمرها ، فأعطتهم الجزء العلوي من جمجمة باروت الذي اعطاه لها الطبيب اوزبون عندما كانت مساعدته .. وكان الجزء العلوي مطابقا تماما للجمجمة التي تم العثور عليها في البرميل .. وبفحص الحذاء تتبين أيضا أنه مصنوع من جلد بشري ، فتأكد الجميع أنه أشلاء باروت ..

لكن حتى بعد أن عثروا على بقاياه فأن باروت لم يدفن ولم يرقد بسلام ابدا .. إذ تم توزيع محتويات البرميل على عدة متاحف لعرضها على الجمهور ..

قناع الموت المأخوذ من وجه باروت والحذاء معروض في احد المتاحف

أخيرا عزيزي القارئ .. اذا زرت يوما مقاطعة كاربون في ولاية وايومينغ ، فلا تنس ان تزر متاحفها ، ففي بعض قاعاتها ، تقبع بانتظارك جمجمة باروت .. والحذاء المصنوع من جلده!..

ختاما ..

لا اعرف اذا كان جورج باروت يستحق كل ما جرى له مهما كان سوء جرمه . لكنني اعلم ان الطبيب أوزبورن ربما لا يقل عنه في الاجرام وبشاعة الفعل ...
هناك عدة اسئلة تدور بدماغي و اعلم انه تدور بادمغتكم ايضا ... عن جورج باروت .. ذلك المجرم الذي عاش في الظلال ومات ليتحول إلى حذاء ..
لعل السؤال الأبرز هو هل كان العقاب متكافئا ومساويا للجريمة في هذه القصة .. هل استحق باروت .. أو اي مجرم قاتل آخر .. هذا المصير الاسود بعد الموت .. أم أن دفن الانسان واكرام جسده بعد موته يسري على جميع الناس مهما كان سوء عملهم في الحياة الدنيا ..

ما رأيك أنت عزيزي القارئ ؟ ..

المصادر :

- Big Nose George - Wikipedia
- The Human Skin Shoes of Big Nose George Parrott
- Meet Big Nose George, The Wild West Outlaw Who Was Killed And Turned Into Shoes

تاريخ النشر : 2018-06-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر