الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

فيرونيكا غيران .. المرأة الحديدية

بقلم : عيسى - ليبيا

وقفت وصمدت حينما انحنى الرجال وفروا

قصتنا لليوم تدور حول صحفية إيرلندية، واجهت المستحيل في وقت خذلها فيها الجميع ... فإيرلندا البلد الذي دمرته الحروب والإنقسامات، كان مُواطنيها يعيشون حياة فقر صعبة ، فبالكاد كان الشخص يُوفر قوت يومه ، وما يسد رمق عائلته وأطفاله ..

وتحت وطأة هذه المعيشة الضنكة، طغت في البلاد وخصوصاً في فترة السبعينات والثمانينيات، أخطر العصابات والمافيات.. هذه العصابات كانت تنشط في كل ماهو غير شرعي ومُنافي للقانون ، كالإتجار بالبشر وبيع الأسلحة ، والأخطر من كل ذلك العصابات التي أمتهنت تجارة المخدرات وسيلة للكسب السريع والوفير ..

الفساد كان مستشري، وينخر البلاد من الرأس حتى الساس، وحتى بطلة قصتنا لم تجد من يشد من عضدها أو يُساندها، لا من رجال الشرطة ولا من الساسة المسؤولين، فمعضمهم باع ذمته وفضل المال على العزة والشرف ، ومن لم يفعل كان يعيش تحت وطأة الإبتزاز والتهديد ..

"إيرلندا" في وقتنا الحالي تعيش حالة من الإستقرار والسلام ، أما في تلك السنوات الغابرة، فكان أهلُها يعيشون في حالة رعب حقيقي سببته تلك العصابات ..

من هي "فيرونيكا غيران"

صورة لها مع زوجها وابنها

"فيرونيكا" من مواليد عام (1958) في العاصمة الإيرلندية (دبلن)، لأب يعمل كمُحاسب، وأم ربة بيت .. "فيرونيكا" مُنذ الصغر كانت مميزة وبارزة بين أقرانها، كانت فتاة شغوفة تُشارك في كل النشاطات والمسابقات علمية كانت أو رياضية .. كان من الواضح أن لهذه الفتاة مُستقبل بارز ومُشرق في بلد تكالبت عليه المصائب والحروب .

وعلى خُطى والدها، أتجهت لدراسة (المحاسبة)، وتخرجت من الجامعة لتجد وضيفتها جاهزة في الشركة التي كان يُديرها والدها، .. هذا الإستقرار الوظيفي، مكن "فيرونيكا" من الزواج عام (1985)، وأثمرت من ذاك الزواج بـمولود سمته "كاتال" ..

عملها كان يسير على ما يُرام، ولكن كان هُناك ذاك الشغف الصغير يُدغغ مشاعرها ووجدانها، فكانت مُنذ الصغر تحلم بأن تكون روائية وصحفية ، وتحلم بإسمها يتصدر أغلف الصحف والمجلات ... شغفها هذا ينبع من حُبها للناس وإيماناً بإرادتهم ، فأرادت توصيل صوتهم من خلالها، لعلى المسؤولين يُحاسبوا أنفسهم، وينظروا في حالهم ..

الإنطلاقة في الصحافة

كانت مولعة بالصحافة وعملت كصحفية وكاتبة

في عام (1990)، ألتحقت "فيرونيكا" بصحيفتي (Sunday Business) وكذلك (Sunday Independent)، ومُنذ البداية خطفت الأضواء من الجميع ..

هذا البروز مكنها بأن تحضى بثقة وصلاحيات كاملة من مُحرري ورئيسي الصحيفتين ، فراحت تكتب على مواضيع ما كان لصحفي أن يحلم حتى التفكير بها ، فناقشت ما يجول في بال المجتمع من تسلط رجال العصابات ، وكذلك عن الفساد المستشري في البلاد، فأحبها الجميع وخصوصاً الشعب، وتصدرت كتاباتها ومقالاتها واجهات الصحف والمجلات ..

هذه الشجاعة والجرأة خلقت لـ "فيرونيكا" أعداءاً، دفعوا الغالي والرخيص للقضاء عليها وإسكاتها، فكانوا يُهددونها وعائلتها بالتصفية والتنكيل، الأمر الذي جعلها تنتقل من منزل إلى أخر أسبوعياً ، ولا تخرج منه إلى للضرورة القصوى..

ولكن كل هذه التهديدات لم تثني من عزم وإصرار "فيرونيكا"، الامر الذي جعلها محبوبة الشعب الأولى ، وأصبح إسمها يضرب به في الأمثال ..

مُحاولات الإغتيال

راقدة في المستشفى بعد التعرض لمحاولة اغتيال

في إحدى ليالي عام (1994) تعرض منزلها لوابل من الرصاص ، ولحُسن الحظ لم يتعرض أحد لأدى ، كان ذلك بعد أيام قليلة من نشرها مقالة عن (جون ترينور)، وهو شخص يُعتبر رأس من رؤوس المخدرات في البلاد ... وآيضاً في إحدى المرات باغتها رجل برصاصة، ولحسن الحظ أخطاءها وأصابها فقط في قدميها .. ولعله تعمد ذلك، ليُحذرها مما هو قادم !

هذه التهديدات آيقضت غضب وتنديد شعبي كبير، فأُرغمت الشرطة على توفير حماية كاملة لها وعلى مدار الساعة ، ولكن إصرارها حال دون توفير هذه الحماية لها (رُبما لعدم ثقتها بهم !)..

الأمر الذي أستفز "تيرنر" ورجاله ، فوصل به الحال إلى أن يُرسل أحد أبرز معاونيه وهو مجرم خطير وصاحب سوابق يُدعى "غيليغان"، هذا الأخير، ذهب لبيتها وأنهال عليها بالضرب حتى كادت أن تفقد حياتها، وهددها بأنها إذا واصلت الكتابة، سيكون مصير إبنها الموت لا محالة ..

هذا التهديد التصريح لم يُثني من عزمها، بل على العكس زادها إصراراً، فنشرت أكبر عدد ممكن من المقالات والأخبار بخصوص هذه العصابات، ولتنال على أثر ذلك على جائزة (حُرية الصحافة العالمية)، وهي أحد أهم الجوائز المعروفة والمرموقة في عالم الصحافة ..

إغتــــيالها

صورة من مسرح الجريمة .. سيارة غيران بعد الاعتداء

ولإسكاتها مدى الحياة هي وقلمها ، أصدر "جون ترينور" في مساء عام (1996)، وبمساعدة رجله الوفي "غيليغان"، أمراً نهائياً بالتخلص منها وإلى الآبد .

قام "غيليغان" بإعطاء الضوء الأخضر لـ 3 من رجاله للتخلص منها، وبالفعل دخرَ الثلاثي آسلحتهم وجهزوا أنفسهم، وأنطلقوا بواسطة الدراجات النارية لمكان عملها، وما أن ركبت في سيارتها الـ (أوبل) الحمراء، حتى تتبعتها أعين الغذر والخيانة ..

توقفت "فيرونيكا" عند إشارة المرور الحمراء في إحدى الطرق الفرعية المؤدية إلى بيتها، وما هي إلا دقائق حتى أقترب منها الثلاثي مُتبادلين معها النظرات، ولسان حالهم يقول ها هي نهايتك قد حَلت يا "فيرونيكا".. وبالفعل أنهمرت على جسد تلك المسكينة الرصاصات، ومن كل حدب وصوب ، وما غادروا المكان حتى تأكدوا تماماً بأنهم قتلوها ..

زوجها وابنها خلال مراسم الجنازة والدفن

خبر موتها أنتشر في البلاد كإنتشار النار في الهشيم ، فأُقيمت لها جنازة مُهيبة، حضرها كل أطياف المُجتمع الإيرلندي من عامة الناس، مروراً بكبار الساسة والمشاهير..

موتها أثار غضباً شعبياً غير مسبوق، فخرجت المضاهرات الغاضبة ، والمطالبة بمحاسبة كل من كان وراء هذا الإغتيال، هُنا الشرطة وجدت نفسها مُرغمة على فتح تحقيق مٌوسع وشامل ، وهذا التحقيق أثمر في النهاية على القبض على "ترينور" وساعده الأيمن "غليغان" ، مع باقي أفراد العصابة ..

من اليسار لليمين : جون غليغن , براين ميهن , جون تايلور

والشرطة لم تكتفي بهذا القدر فقط، بل تم إلقاء القبض على أكثر من 150 شخص من أفراد العصابات، الذين غطتهم "فيرونيكا" في مقالاتها ومنشوراتها ..

وفي إحصائيات أُجريت بعد موتها، أكدت نزول نسبة الجريمة في البلاد على ما يعادل (15 %) عما كانت عليه في السابق ، ولتطوى بذلك صفحة سوداء عاشتها إيرلندا طيلة السنوات السابقة ..

ما بعد موتها

كيت بلانشيت تقمصت شخصية فيرونيكا غورين في فيلم يحمل اسمها

"فيرونيكا" أصبحت رمز من رموز الصحافة وحرية الإعلام، وحتى بعد موتها نالت العديد من الجوائز والإستحقاقات، وصُورت لها العديد من الافلام والوثائقيات ...

المصادر :

- Veronica Guerin - Wikipedia
- Veronica Guerin - The New York Times
- Gangster wanted over murder of Veronica Guerin finally arrested

تاريخ النشر : 2018-07-11

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر