لا تأخذ الحلوى من الغرباء
الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

لا تأخذ الحلوى من الغرباء

بقلم : عبدالقادر محمود - مصر
للتواصل : [email protected]

قطعة حلوى قد تأخذ منك طفلك إلى الأبد

" لا تأخذ الحلوي من الغرباء " .. جملة ليست غريبة علينا عزيزي القاريء كان الاهالي ومازالوا يقولونها لأبناهم خوفا عليهم من الغرباء .. تعال معي عزيزي القارىء نتطرق لمصدرها او بالأحرى لأول عملية خطف في تاريخ امريكا وان لم تكن الاولى فهي على الارجح اول عملية اختطاف مرتبطة بفدية وعرفت على نطاق واسع من الصحافه والأعلام

عربة مجهولة

صورة من الصحف القديمة لمنزل عائلة روس
في 1 يوليو 1874 كان تشارلي - 4 اعوام - وشقيقه ولتر - 6 اعوام - يلعبان في الفناء الأمامي لمنزلهم في جيرمانتاون ، وهى جزء من مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا . في هذه الأثناء اقترب شخصان مجهولان من الولدان وعرضا عليهما شراء الحلوى لهما ، فوافق الولدان في الحال ، وصعدا إلى عربة تجرها الخيول كانت تنتظر على مقربة ، وسرعان ما انطلقت العربة مبتعدة بسرعة عن جيرمانتاون صوب مدينة مجاورة .

طبعا تختلف المصادر حول ما إذا كان الأطفال يعرفون الرجال أم أنهم كانوا غرباء بالكامل ، هناك مصادر تقول بأن الطفلان كانا يعرفان الرجلان وانهما سبق ان اشتريا لهما الحلويات سابقا.

الشقيقان والتر - يمين - وتشارلي - يسار -
على أية حال ، خلال مسير العربة بدأ تشارلي بالبكاء وطلب العودة إلى المنزل ، فتوقفت العربة أمام متجر وأعطى الرجلان لوالتر 25 سنتا وآمروه بأن يذهب إلى الداخل ويشتري بعض الألعاب النارية ، ففرح الطفل بذلك ، خصوصا وان مناسبة عيد الاستقلال كانت قريبة ، حيث يحتفل الناس باطلاق الالعاب النارية ، ونزل من العربة ودخل المتجر واشترى الالعاب النارية ثم خرج ليفاجئ بأن العربة قد اختفت بمن فيها.

في هذه الأثناء علم كريستيان روس ، والد الطفلان ، بالاختطاف بعد أن أخبره أحد الجيران أنه رأى ابناه يركبان في عربة مجهولة يقودها رجلان لم يرهما من قبل .

كانت والدة الطفلان فى اجازة في مدينة أتلانتيك لتتعافى من مرض ألم بها .. وحاول كريستيان عدم إخبارها بالخبر ، وظلت تجهل الحادثة حتى قرأت إعلانًا في الصحيفة يطلب معلومات عن الأولاد المفقودين.

عودة والتر

العربة اخذت الطفلان وابتعدت بهم

شخص غريب عثر على والتر وهو يبكي في الشارع فأعاده الى والده ، وشعر الجميع ببعض الأمل عندما عاد والتر إلى منزله ، وحكى لهم الطفل بخوف كل ما حدث.

لم يمض وقت طويل حتي بدأ كريستيان ك. روس يتلقي طلبات فدية من الخاطفين ، وكانت هذه الطلبات تصل على شكل رسائل بريدية مرسلة من بعض المكاتب في فيلادلفيا وغيرها من الأماكن ، وكلها مكتوبة بطريقة غريبة وخط رديء مليء بالاخطاء الاملائية ، الامر الذي ينم على أن كاتبها ذو تعليم متواضع .. واحدة من هذه الرسائل كانت تقول :

" السيد روس لا تكن خائفا على ابنك تشارلي المغفل ، فهو على ما يرام ، ولا يمكن لأي قوة على الأرض أن تأخذه من أيدينا . سيكون عليك أن تدفع لنا لكي تستعيده . لكن حذاري ، إذا اخبرت رجال الشرطة فأنت ستضع نهاية لحياته. وإذا شعرنا بأن هناك أي جهود تبذل للعثور عليه والوصول لمكان اختبائه فهذا سيدفعنا لإبادته على الفور. إذا كنت تتطلع إلى ان يعيش فلا تجعل احدا يقوم بالبحث عنه ، ويمكن لأموالك فقط أن تعيده لك حيا ، وليس هناك أي قوة اخرى يمكنها فعل ذلك فلا تخدع نفسك ، ولا تتوهم أن المحققين يستطيعون الحصول عليه منا لأن ذلك مستحيل .. وسوف تسمع منا المزيد خلال بضعة أيام".

احدى الرسائل التي استلمتها عائلة روس من الخاطفين
الرسائل القادمة طلبت فدية قدرها 20000 دولار (اربعمائة الف دولار بحساب اليوم) ، وكررت تلك الرسائل نفس التحذيرات من تدخل الشرطة ، وهددت بتصفية تشارلي إذا لم يتعاون والده.

كان كريستيان روس يمتلك متجرًا للبيع الاقمشة والملابس. كانت العائلة تعيش في منزل كبير. لكن على خلاف ما كان يعتقده الخاطفون ، فإن عائلة روس لم تكن غنية ، بل كانت في الواقع غارقة في الديون بسبب انهيار سوق الأسهم عام 1873 . ولأنه لا يملك أي مال أو مصدر لدفع الفدية فلم يجد كريستيان حلا سوى الذهاب إلى الشرطة واخبراهم بالأمر .
وسرعان ما أصبحت حادثة الاختطاف على كل لسان بعد أن كتبت عنها الصحف بكثافة ، فالحادثة كانت غريبة بالنسبة لذلك الزمان ، ولم يسبق حدوث شيء مماثل ، أي خطف الاطفال من اجل فدية.

بعض الأهالي قاموا بتجنيد امكانات وكالة المباحث الخاصة بينكرتون الشهيرة ، تم طبع ملايين النشرات والملصقات التي تصور الطفل تشارلي وتطلب من كل من يراه ان يتصل بوالديه او بالشرطة. وتم تأليف أغنية شعبية عن الجريمة من قبل دكستر سميث و بروكوي بعنوان "أعيدوا حبيبينا " ، واغنية اخرى بأسم " أريد أن أرى ماما مرة أخرى " ...

جرت عدة حملات شعبية لجمع التبرعات من اجل دفع الفدية واعطاءه للخاطفين ، وبالفعل تم جمع مبلغ الفدية ، لكن الخاطفون لم يظهروا وانقطعت اخبارهم تماما خصوصا مع انتشار اخبار القضية ، ولم تؤد كل عمليات البحث والتحقيقات إلى نتائج.

اعترافات رجل يحتضر

عام 1875 ، في ليلة 13 ديسمبر ، أي بعد خمسة أشهر من عملية الخطف ، حاول اثنان من المجرمين ، هما ويليام موشير وجوزيف دوغلاس ، سرقة منزل القاضي تشارلز فان برنت في حي باي ريدج بمدينة بروكلين .

في تلك الليلة كان شقيق القاضي ، ويدعى هولمز ، موجودا في المنزل المجاور ، وتم اخباره بأن ثمة حركات مريبة داخل منزل شقيقه ، فقام بتجميع مجموعة من الرجال وساروا إلى منزل أخيه مسلحين بالبنادق ، وعند اقترابهم من المنزل شاهدوا شبح رجلين يتسللان منه تحت جنح الظلام يحاولان الفرار ، فبدؤا بإطلاق سيل من الرصاص وسرعان ما سقط الرجلان ارضا .

تم اطلاق النار على الرجلين

بالنسبة لـ موشير فقد قتل على الفور ، بينما أصيب دوغلاس بجروح قاتلة ، لكنه عاش لساعتين قبل أن يفارق الحياة وكان قادراً على الحديث . وأثناء احتضاره قال شيئا جعل جميع الحاضرين يهتزون له. طبعا تختلف الروايات حول ما قاله الرجل المحتضر بالتحديد ، لكن يتفق معظم الناس على أنه قال : " لا جدوى من الكذب الآن .. (لأنه كان يعرف أنه مصاب بجروح قاتلة) " ، واعترف بأنه هو وموشير اختطفوا الطفل تشارلي ..

أما ما قاله بعد ذلك فهناك اختلاف حوله ، البعض زعموا انه قال بأن الطفل تشارلي قد قتل . فيما ذهب اخرون إلى أنه قال بأن موشير وحده يعرف مكان تشارلي وأنه الطفل سيعاد إلى منزله بعد أيام قليلة دون أن يصاب بأذى.

سرعان ما مات دوغلاس بعد اعترافه تلك الليلة ، وللتأكد من صحة كلامه تم احضار الطفل والتر إلى مدينة نيويورك للنظر إلى جثتي موشير و دوغلاس لتحديد ما إذا كانا هما الرجلان الذان كانا يقودان العربه التي خطفته مع شقيقه .. وقد أكد والتر أنهم نفس الرجلان ..

جثتي موشير ودوغلاس .. تم اخذ والتر للتعرف عليها

كان موشير على وجه الخصوص قابلاً للتحديد بسهولة حيث كان لديه أنف مشوه بشكل مميز ، وصفه والتر للشرطة بأنه يشبه "انف قرد" (غضروف أنف موشير كان مشوها جراء اصابته بمرض الزهري أو السرطان).

بالنسبة لمعظم الناس ، تم حل مسألة من هم الرجال الذين خطفوا تشارلي .. لكن بقت مسألة مهمة واساسية .. وهي أين الطفل ؟ ..

مشتبه به اخر

ألقي القبض على شرطي سابق في فيلادلفيا يدعى وليام فيسترفلت ، وهو شريك معروف لـ ويليام موشير بالاضافه الى انه أخ زوجته وتم احتجازه فيما يتصل بالقضية وتمت محاكمته في عام 1875 بتهمة الخطف. 
لكن لم يكن هناك أي دليل يربط فيسترفلت بالجريمة ، وقال والد تشارلي أن فيسترفلت لم يكن قطعا من بين الرجال الذين خطفوا ابنيه ، فتمت تبرئته من تهمة الاختطاف ، ومع ذلك ، تم إدانته بتهمة أخرى ، وهي التآمر ، وحكم عليه بالسجن ست سنوات ، وكان دائما يصر على برائته وعدم معرفته بمكان وجود تشارلي روس.

هل عاد تشارلي أبدا ؟ ..

ملصق يعرض جائزة لمن يعثر على تشارلي

ومرت السنين .. ونشر كريستيان روس كتاباً عن القضية بعنوان "قصة والد تشارلي روس الطفل المختطف" من أجل جمع الأموال لمواصلة البحث عن ابنه . وبحلول عام 1878 ، بدأ الاهتمام الإعلامي بالقضية يتلاشى ويخفت ، ولتجديد اهتمام الناس بقضية ابنه فقد اعاد كريستيان طبع الكتاب وبدأ في إلقاء محاضرات في بوسطن.

واصل كريستيان روس وزوجته البحث عن ابنهما حتى وفاتهما (توفي كريستيان روس في عام 1897 وتوفيت زوجته في عام 1912) وقد أجروا مقابلات مع أكثر من 570 من الفتيان والمراهقين ، ولاحقا مع رجال .. من جميع أنحاء العالم ، كلهم زعموا أنهم تشارلي روس ، لكن ثبت أن جميعهم مخادعين.

كريستيان وزوجته انفقا ثروة بمقاييس ذلك الزمان ( حوالي 60،000 دولار ) في البحث عن ابنهما .. لكن دون جدى .. وماتا وهما لا يعرفان مصير تشارلي.

في عام 1924 بدأت الصحف بنشر قصص حول القضية لتتزامن مع الذكرى الخمسين لاختطاف تشارلي .. وبحلول ذلك الوقت كان والتر روس قد اصبح رجلا بالغاً وكان يعمل كسمسار بورصة ، وخلال المقابلات الصحفية معه قال قال إنه لا يزال يتلقى هو وأخواته الثلاث رسائل من رجال في منتصف العمر يزعمون أنهم أخوه تشارلي.

في عام 1934 تقدم "جوستاف بلير" وهو نجار يبلغ من العمر 69 عامًا ويعيش في فينيكس بولاية أريزونا بطلب إلى المحكمة للاعتراف به على أنه تشارلي روس الحقيقي. زعم بلير أنه بعد اختطافه عاش في كهف وتم تبنيه بالنهاية من قبل رجل أخبره بأنه تشارلي روس.

رفض والتر روس إدعاء بلير وقال : "فكرة أن أخي لا يزال على قيد الحياة ليست سخيفة فحسب ، ولكن قصة الرجل تبدو غير مقنعة البتة. ولقد تخلينا منذ زمن طويل عن الأمل في أن يتم العثور على تشارلي على قيد الحياة ".

جوستاف بلير .. الرجل الذي اصر حتى اخر لحظة في حياته على انه هو تشارلي

بلير أصر على أنه يقول الحقيقة ، وفي النهاية حكمت المحكمة في مارس 1939 على أن بلير هو فعلا " تشارلي بروستر روس ". لكن رغم الحكم ، فقد رفضت عائلة روس الاعتراف ببلير كشقيق أو قريب لهم ، ولم يتركوا له أي أموال أو ممتلكات من أرث والديهم ..

انتقل بلير لفترة وجيزة إلى لوس أنجلوس وحاول بيع قصة حياته إلى استوديو سينمائي لكنه لم ينجح ، وفي النهاية انتقل إلى جيرمانتاون مع زوجته قبل أن يعود إلى فينيكس. ومات في ديسمبر 1943 وهو ما يزال يصر على أنه تشارلي روس.

مصير موشر ودوغلاس وويسترفلت ، كانت بمثابة رادع للخاطفين الباحثين عن فدية ، وسيمر ربع قرن قبل ظهور قضية مماثلة في عام 1900.

ويقال إن التحذير الشائع : "لا تأخذ الحلوى من الغرباء" .. جاء من قضية اختطاف تشارلي روس .

وهناك اليوم مشروع استقصائي تمت تسميته تشارلي ، وهو عبارة عن قاعدة بيانات كبيرة للمفقودين.

حذر اطفالك دوما من الغرباء .. ولا تنسى ابدا بأن هذا العالم يغص بذوي النفوس المريضة

وإلى يومنا هذا بقي مصير الطفل تشارلي موضع جدل .. ماذا حدث له .. هل قتله الخاطفون ؟ هل تم تبنيه وعاش بقية عمره تحت اسم آخر .. لا احد يعلم الحقيقة سوى الله .. لكن المعلوم .. والشيء الذي يجب ان تخبره لأطفالك دوما عزيزي القارئ .. هو أن " لا يأخذ الحلوى من الغرباء أبدا" .. خصوصا وان جرائم اختطاف الاطفال لم تعد امرا نادرا او فريد الحدوث في ايامنا الكالحة هذه.

المصادر :

- The Story of Charley Ross
- The Disappearance Of Charley Ross
- Charley Ross -Wikipedia
- The Kidnapping of Charley Ross

تاريخ النشر : 2018-08-06

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر