الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

شيرلوك هولمز التحقيقات الجنائية : أبو الطب الشرعي قاهر القتلة!

بقلم : منال عبد الحميد
للتواصل : https://www.facebook.com/HEKAYAHTGAREEBA

" برنارد سبيلسبري " الرجل الذي جعل من علم الأمراض علما له قواعد وأصول .. نظرة ثاقبة وذكاء حاد وعناد لا حد له

شهد عالم الجريمة شخصيات لامعة ذاع صيتها ، وعالم الجريمة ، كغيره من مجالات الحياة والعمل المختلفة يضم نخبتين وفصيلين : رجال الشرطة واللصوص ، المجرمين ومحاربي الجريمة ، القتلة والأشخاص الذين نذروا أنفسهم لتعقبهم والإيقاع بهم ،ودفعهم إلي منصات الشنق أو تحت شفرات المقصلة أو إلى حياض أية ميتة لائقة بهم .

وبطلنا اليوم هو واحد من أبرز وألمع من ينتمون إلى الفئة الأخيرة : إنه الطبيب الشرعي الأكثر شهرة وإثارة للجدل ، الرجل الذي جلب على نفسه عداء عدد لا يُحصي من المجرمين والسفاحين والقتلة ، إنه سير " بيرنارد سبيلسبري " ، متعقب القتلة وعدو المجرمين وصاحب أكبر عدد من القضايا الملغزة التي لا تزال الكتابات والتخمينات حولها مجال خصب للإبداع والجدل ملتهب الأوار .

ميلاد الرجل المنتظر !

الطبيب الشرعي الوحيد الذي صار نجما يتطلع إليه الجميع

خرج " برنارد " إلي النور يوم 16 مايو 1877م (1) ، في يوركشاير ، وهو الابن البكر للمتخصص في كيمياء التصنيع " جيمس سبيلسبري " وزوجته " ماريون إليزابيث جوي " ، كان أبيه يحلم دائما بتحسين مستواه الاجتماعي ، وقد عقد العزم على أن يجعل من ابنه طبيبا مرموقا ربما لتحقيق حلم قديم لم يستطع الأب الوصول إليه بنفسه .

وقد تقلب الرجل بين مجالات تعليم كثيرة ومتنوعة ، مما يقطع بأنه كان غير عادي منذ حداثته ، ومن كلية ماجدلين بأكسفورد ، التي ألتحق بها عام 1893م حصل على درجات علمية في العلوم الطبيعية ( بكالوريوس ) 1899م ، وبكالوريوس الطب والجراحة 1905م ، وماجستير الفنون 1908م ، كما تلقي تعليما وتدريبا طبيا في مستشفيي سانت ماري ببادينغتون حيث تخصص في الطب الشرعي بداية من 1899م ، تحت إشراف أخصائي علم الأمراض " أوجستوس جوزيف بيبر " Augustus Pepper  ، أحد الرواد الثلاثة لعلم الطب الشرعي ، والذي لاحظ حب تلميذه للعمل على الجثث مباشرة ، بعكس كثيرين غيره من الأطباء ، وحصل " سبيلسبري " على وظيفة اختصاصي مساعد في علم الأمراض في نفس المستشفى في عام 1905م ، حيث أصبح واحدا من الأطباء الذين تم تكليفهم بفحص وتشريح الجثث في حالات الموت المشكوك في كونها جنائية !

أما عن حياته الشخصية فقد عاش الرجل حياة عائلية هادئة ، وتزوج بـ " إديث كارولين هورتون " عام 1908، وأعقب ثلاثة أبناء ذكور هم " آلان " و" بيتر " و" ريتشارد " ، بالإضافة إلي ابنة واحدة هي " إيفلين سبيلسبري " .

نجم المحاكم الأول : بطل الاستعراض العلمي !

يعد " برنارد سبيلسبري " بحق واحد من ألمع الوجوه التي ظهرت في ساحات التقاضي في إنجلترا في النصف الأول من القرن العشرين ، ونستطيع أن نقول أنه الطبيب الشرعي الوحيد الذي صار نجما يتطلع إليه الجميع ، وأصبحت أحاديثه وانتصاراته العلمية ومجادلاته مع خصومه مثار اهتمام ، ليس فقط رجال القانون والضباط والمعنيين بالقضايا والجريمة فقط ، بل جميع طبقات المجتمع حينها ، ولا عجب في ذلك فقد كان للرجل أسلوب مميز جدا ، وحضور قوي ، وقدرة فائقة على دحض حجج خصومه ، كما أنه خرج من جميع معاركه ومواجهاته ضد زملائه من المتخصصين في علم الأمراض ، الذين كانوا يحاولون تفنيد آرائه الطبية والعلمية أحيانا ، فائزا منتصرا نصرا مؤزرا .

وقد أُسند إلي دكتور " سبيلسبري " عدة قضايا كانت معظمها قضايا رأي عام من الدرجة الأولي .. وقد حقق فيها نجاحات أضافت الكثير والكثير إلي سجله الحافل بالإنجازات والانتصارات .

هاولي هارفي كريبن فاشل في الطب .. فاشل في الجريمة !

صورة الطبيب كريبن مع زوجته كورا

 كان دكتور " كريبن " Hawley Harvey Crippen طبيب أمريكي ، متخصص في معالجة المثلية (2) ،  يقيم في لندن منذ عام 1900م ، ولم يكن من الأطباء المبرزين الناجحين ، كذلك فقد كانت زوجته " كورا كريبن " مغنية قليلة الأهمية ، لكن ولابد وأنه كان هناك خلافات بين الطرفين بحيث أن الزوجة اختفت تماما عن الأنظار في أوائل عام 1910 ، وبعيد اختفائها الغامض توثقت علاقة دكتور " كريبن " بمساعدته الشابة " إيثيل لينيف  " Ethel le Neve، التي انتقلت للإقامة معه في منزله .

كان لـ" كورا " زملاء مهنة وأصدقاء قلقوا لغيابها غير المبرر ، ووصلت تساؤلاتهم إلي شرطة لندن ، التي أرسلت أحد مفتشيها " والتر ديو " إلي منزل الزوجين في   Hilldrop Crescent للتحقق من الأمر ، أستقبل " كريبن " زائره وقدم قصة مقنعة لاختفاء زوجته ، حيث زعم أن " كورا " قد عادت إلي أمريكا ، وهناك وافتها المنية ودفنت في الوطن !

كانت القصة مقنعة لرجل سكوتلنديارد ، الذي لم يكن في الحقيقة مهتما كما ينبغي بتلك القضية التافهة ، لكن القصة لم تنتهي عند هذا الحد ، وأحتاج المفتش إلي زيارة ثانية لنفس المنزل ، لكن الغريب أن " كريبن " غير روايته هذه المرة ، معلنا بخجل أن زوجته قد هجرته وهربت مع عشيق لها إلي أمريكا ، وللمرة الثانية صدق السيد " ديو " القصة ، لكن ظهور" كريبن " وصديقته " إيثل " في حفل ، حضره بعض معارف زوجته " كورا " ، وهي ، أي المساعدة ، ترفل في ثياب ومجوهرات تخص الزوجة المختفية جعل كل قصص الزوج المصاب في شرفه تبدو غير مقنعة .. ويبدو أن " كريبن " قد أحس أن الخناق قد ضاق عليه إلي حد أن البقاء في لندن صار نوعا من البلاهة ، لذلك فعندما عاد " والتر ديو " ، بسلسلة جديدة من الأسئلة ، إلي المنزل المستأجر وجده خاويا على عروشه ، وفي الحقيقة فإن " كريبن " وصديقته قد جمعا أغراضهما ، وفرا صوب أمريكا ، على متن السفينة ss Montrose ، لكن القصة لم تنتهي ، فالمفتش القلق لجأ إلي تفتيش المنزل ، وفي قبو مخصص لتخزين الفحم عُثر على مفاجأة صغيرة ، جزء من جسد بشري ، جذع بدون رأس أو أطراف وقد تمت تغطيته بثياب داخلية رجالية ، وإحاطته بثمار الليمون !

فلمن يعود هذا الجذع البشري يا تري ؟!

دكتور كريبن سقط بسبب براعة خصمه العنيد زميل المهنة سبيلسبري .. تظهر في الصورة عشيقته ايثيل

وللشكوك القوية تمت مطاردة " كريبن " وصديقته ، وإيقافهما في كيبيك الكندية ، حيث قام المفتش " ديو " بمغامرة مثيرة بالقارب لمطاردة الثنائي الفار . وأعيد الأثنين إلي لندن وبدأت المحاكمة !

الدليل الذي أودي بدكتور كريبن : قطعة الجلد من بطن زوجته !

كانت معالم الجذع البشري ، مثلما قال دكتور " برنارد سبيلسبري " في تقريره ، تدل على كونه قُطع بمهارة لا تتوفر إلا لطبيب ، بيد أن دكتور " كريبن " أنكر معرفته بوجود هذا الجسد البشري الناقص في قبو منزله ، مقدما حجة وجيهة ، وهي أن المنزل مستأجر أصلا ، وقد يكون وجود هذا الشيء راجع إلي ما قبل تاريخ استئجاره لهذا البيت ، وهنا جاء دور " سبيلسبري " لإلقامه حجرا !

كان من ضمن الأجزاء التي تمت مناظرتها وتشريحها قطعة من الجلد البشري طولها عشر بوصات ، وقد تميزت هذه القطعة بوجود شق أو ندبة ظاهرة  تدل على كون صاحب هذه القطعة من الجلد  قد خضع لعملية جراحية .. ولكن أي نوع من العمليات ؟!لقد كان من ضمن دلائل الإثبات ضد الزوج المتهم هو تقرير طبي يخص زوجته ، يثبت أنها خضعت لتدخل جراحي في المبايض في وقت ما ، وهذا الشق الموجود في قطعة الجلد ،التي تعود للجذع الذي عٌثر عليه في منزله ، بحسب تقرير دكتور " سبيلسبري " يتطابق تماما مع الأثر الذي تتركه جراحة كهذه !

وهكذا وبسبب هذه الضربة الموجعة من " سبيلسبري " ، بالإضافة إلي عدة قرائن أخري ، لم تحتاج هيئة المحلفين في محكمة أولد بيلي the Old Bailey  سوي 27 دقيقة لإدانة " كريبن " بتهمة القتل ،وقد حكم عليه بالإعدام ، ونُفذ الإعدام بحقه شنقا في سجن بينتوفيل / لندن يوم 23 نوفمبر 1910م . أما " إيثل " فقد برئت ساحتها!

المحامي القاتل أرمسترونج في جلسة الاستماع

بعد قضية دكتور " كريبن " صار " برنارد سبيلسبري " نجم النجوم ليس من فراغ ، بل إن الرجل أجتهد في أن يثبت أحقيته بتلك المنزلة الرفيعة التي وصل إليها ، ، وقد أسهم في حل قضية شهيرة وقعت في عام 1921م ، وبطلها المحامي الإنجليزي " هربرت روز أرمسترونج  " Herbert Rowse Armstrong الذي قام بتسميم زوجته " كاثرين " بسم الزرنيخ ، كما حاول اغتيال محام منافس له ويدعي " أوزوالد مارتن " بنفس الطريقة ، لكن الشكوك أحاطت به ، وتم القبض عليه واستخراج جثة زوجته ، حيث تمكن دكتور " سبيلسبري " من إثبات التسمم بالأرسنيك ( الزرنيخ ) ، ومن ثم أدين " أرمسترونج " ، وأعدم شنقا في سجن جلوسستر في 31مايو 1922 ، وقد أدت شهادة " سبيلسبري " الهامة في تلك القضية إلي نواله لقب (سير).

العرائس المدفونات في الحمام : لغز حير الجميع وحله سبيلسبري في لمحة واحدة !

صورة من صحف ذلك الزمان التي تناولت الجريمة

وفي قضية حيرت تفاصيلها الجميع ظهرت عبقرية الرجل التي لا ينكرها إلا جاحد ، وصاحب الفضل في إثبات تلك الحقيقة هو الإنجليزي " جورج جوزيف سميث " ، صاحب سلسلة القضايا المعروفة بجرائم (العرائس في الحمام "Brides in the Bath Murders " ) الرجل الذي خرج إلي الدنيا في شهر يناير من عام 1872م، كان ابنا لمندوب يعمل في مجال التأمينات ، وقد كان جامحا منذ صغره ، حتى أنه أدخل إلي الإصلاحية في عمر التاسعة ، كما أدين بعدة تهم سرقة و اختلاس ، وقضي عاما كاملا في السجن بتهمة التحريض على السرقة ، إضافة إلي ذلك فقد جمع الرجل إلي سجله الإجرامي الحافل خداع النساء ، والجمع بين أكثر من زوجة ، وهو ما يحرمه القانون الإنجليزي ، وقد كانت أولى زيجاته في عام 1898 م بينما كان في عمر السابعة والعشرين ، حيث تزوج من امرأة تدعي " كارولين ثورنهيل " ، وفي العام التالي تزوج من امرأة أخرى ، بينما كانت زيجته الأولى لا تزال قائمة ، وكان من عادة السيد " سميث " أن يستغل النساء ، اللائي كان يقدم نفسه إليهن بأسماء مستعارة ، ويحصل على مدخراتهن ، أو يدفعهن لاقتراف جرائم السرقة ويستولي على ما يقمن بسلبه من الآخرين ، وتعددت زيجات " جورج " ، حيث تزوج من امرأتين بفارق بضعة أسابيع في عام 1908 ، وتزوج من " سارة فريمان " في عام 1909 ، ثم تزوج من ثلاث أخريات حتى عام 1914 ، وقد كان أسلوبه واحدا في كل الحالات ، فبعد عقد الزواج يجرد العروس من كل ما تدخره ( نقود - سندات ) ، أو يدفعها لبيع ممتلكاتها ، ثم يستولي على النقود ويهرب ليدخل في زيجة جديدة باسم جديد وهكذا .. وبالإجمال فلم يكن " جورج سميث " ، في الظاهر ، إلا مجرد محتال ومخادع ، ومنتهك لقوانين الزواج في بريطانيا العظمي ، إلا أن كونه قاتلا كان بعيدا عن الأذهان .

والذي حدث أن الرجل كان يهجر زوجاته ويبدأ في مكان آخر، مستعينا بمجموعة متنوعة من الأسماء المستعارة ، وهن على قيد الحياة ، ولكن يبدو أن بعض هؤلاء الزوجات كن مزعجات أكثر مما ينبغي ، والذي حدث أن ذهنا نشطا تنبه إلي تشابه مريب بين حادثي وفاة عارضين وقعا لسيدتين إحداهما تدعي " أليس سميث " ، التي توفيت في منتصف شهر ديسمبر من عام 1913 ، والأخرى هي " مارغريت إليزابيث لويد " التي ماتت قبيل عيد الميلاد من العام التالي ، وكان الأمر المذهل في الحادثين أن كلا المرأتين قد توفيتا غرقا في حوض الاستحمام بمنزلها ، كما أن الزوج كان هو في كل مرة من يكتشف الحادث ، ثارت الشكوك أكثر مع معاينة قام بها مفتش الشرطة " آرثر نيل " لموقع وفاة الضحية الثانية " لويد " ، حيث كان من الجلي أنه من المستحيل تماما أن تغرق امرأة بالغة في حوض صغير كهذا ، وتأكدت الشكوك مع اكتشافه أن الضحية قد كتبت وصيتها ، التي تركت فيها كل ما تملك لزوجها ، بمعدل ثلاث ساعات فقط قبيل حدوث الوفاة!

ونفس الشيء كان قد حدث مع الضحية الأولي مما جعل المفتش الأريب يربط بين الحادثين ، ولم يلبث إلا أن أكتشف أن زوج الضحية الأولى وزوج الضحية الثانية هما في الحقيقة شخص واحد !

بعد القبض على " جورج سميث " وانتشار أخبار الاشتباه في كونه قاتل زوجتيه وصدور تقارير صحفية مفصلة عن القضيتين ، جاءت أخبار عن جريمة ثالثة وقعت في منتجع ( خليج هرن ) بكينت ، وضحيتها هذه المرة تدعي " بياتريس ويليامز " ، التي ماتت في ظروف مريبة ومشابهة تماما للضحيتين اللتين تم الكشف عن قصتهما أولا ، وحتى الآن لم يكن هناك دليل قاطع على كون الزوج ، في الحالات الثلاثة ، هو المتسبب مباشرة في حوادث الموت ، وكانت هناك معضلة هي كيف تمكن " سميث " من إغراق ضحاياه في هذا الحوض الصغير دون ظهور علامات مقاومة على أجساد الضحايا ، وغُلب على الظن الاعتقاد بأن إثبات القتل العمد على " جوزيف " في تلك الحالات هو شيء محال ، ولما أعيتهم الحيلة لجأ البوليس الإنجليزي إلي عبقري علم الأمراض ، " سبيلسبري " طبعا ، ، الذي لفت انتباهه الطول المتقارب لأحواض الاستحمام التي وجدت فيها جثث النسوة القتيلات ، ووضيعتهن الفريدة مسجيات على ظهورهن وبرؤوس منكسة تحت المياه ، بينما أقدامهن مرتفعة وتظهر خارج المياه، ثم خرج بنظرية بسيطة وعبقرية ، تم التحقق من صحتها عمليا ، وهي أن الزوج القاتل كان يعمد إلي سحب أحدى أقدام الضحية ، بينما هي في الماء ، بشكل مفاجئ مما يجعل رأسها تسقط تحت الماء بشكل سريع جدا فتفقد الوعي ، ثم تغرق بهدوء نتيجة تسرب الماء إلي داخل رئتيها !

هكذا كان " جوزيف سميث " يقتلهن .. البساطة هي قمة الإبداع !

بعد الإقرار بصحة هذه النظرية ،عبر تجربة عملية قام بها " سبيسلسبري " رسميا بصحبة طبيب آخر ،وطبق خلالها فرضيته بشكل عملي وثبتت صحتها ،أُعتقل " جورج سميث " ووجهت إليه ثلاث تهم بالقتل ، وقد أدانته هيئة المحلفين خلال عشرين دقيقة وحسب ، وحُكم عليه بالإعدام ، ورغم أنه قدم استئنافا على الحكم ، إلا أن ألاعيبه القانونية لم تجديه نفعا هذه المرة .. وشُنق ذو اللحية الزرقاء " جورج جوزيف سميث " في سجن ميدستون في يوم 13 أغسطس 1915 بينما كان لا يزال في عامه الثالث والأربعين من العمر ، مثبتا نظرية أن من يقف في وجه " سبيلسبري " من المستحيل أن يكسب !

شهيد السبيلسبيرية : هل راح نورمان ثورن ضحية الإفتتان بالطبيب اللامع ؟!

نورمان ثورن : هل راح ضحية غرور سبيلسبري العلمي ؟

زاد تألق دكتور " سبيلسبري " من بعد مجموعة القضايا التي حقق فيها نجاحا مذهلا ، خاصة أن صولاته وجولاته في محكمة أولدبيلي وغيرها من ساحات التقاضي، ونجاحه في تحطيم أدلة خصومه المضادة ، وفي إسكات المتهم بأدلة لم يستطع أحد أن يضاهيها في قوتها وقوة إقناعها ، وخرج الرجل بعد ذلك متمتعا بشعبية هائلة ، كان أول متخصص في الطب الشرعي يحظى بشعبية في أوساط رجل الشارع العادي ، حتى وصف بأنه ( أخصائي علم الأمراض الشعبي ) ، ولذلك فقد كان ظهوره كخصم للشاب " نورمان ثورن " في القضية الشهيرة المعروفة  بقضية قن الدجاج   Chicken run murderالتي وقعت في عام 1924م ، والتي لا تزال خيوطها غير منكشفة تماما حتى اليوم ، يعني أن المتهم في ورطة حقيقية !

تفاصيل القضية بسيطة برغم نهايتها المفجعة ، إنها الحكاية التقليدية عن مثلث الحب ( رجل وحبيبة سابقة وعشيقة ) ، والذي حدث أن شابا طموحا ، من الطبقات الفقيرة ، يدعى " نورمان ثورن " Norman Thorne ، وكان يجمع بين فلاحة مزرعة صغيرة يربي فيها بعض الدجاجات والتدريس في مدارس الأحد ، قد أقام علاقة مع فتاة اسمها " إلسي كاميرون " Elsie Cameron ، واُعتبرا في حكم المخطوبين ، لكن العلاقة فشلت لسوء الحظ ، ووجد " نورمان " لنفسه فتاة أخرى ، وحيث أراد قطع علاقته بـ " إلسي " كاتبها معلنا تلك الحقيقة في لهجة حاول أن تكون لطيفة ، لكنها ردت بأنها لا تزال تحبه وزعمت له بأنها حامل !

إليزابيث "بيسي " آن كولديكوت : حبيبة " نورمان " الجديدة

ولما كانت مصممة على الاحتفاظ به فقد قررت " إلسي " أن تذهب بنفسها لتسوي موضوع الزفاف مع " ثورن " ، غادرت الفتاة منزل عائلتها بلندن يوم 5 ديسمبر 1924م متجهة إلي مزرعة " نورمان " في كروبورو Crowborough ، وكان من المقرر أن تراسل عائلتها معلنة تطورات الأمر مع خطيبها ، لكن لم يصل منها شيء ، بل الأغرب أن " نورمان " قد بعث بعد يومين متسائلا عن سبب عدم حضور " السي " إلى منزله !

ازدادت القصة تعقيدا بإصرار الشاب على أنه لم يرى الآنسة " كاميرون " ، بينما أبلغت عائلتها الشرطة ، التي استجوبت عددا من السكان المحليين في المنطقة ، فشهدوا بأنهم رأوا الآنسة " كاميرون " متجهة إلى مزرعة " نورمان ثورن " مؤخرا !

ابتدأت التحقيقات وتمسك الشاب بقصته الواهية ، لكن الدلائل كانت تشير إلي كونه يكذب ويخفي شيئا ، وهكذا صدر أمر بتفتيش مزرعته يوم 14 يناير 1925 ، ووجدت الشرطة أشياء كثيرة مثيرة للاهتمام  :

 أغراض تخص الأنسة " كاميرون " ، حقيبة السفر الخاصة بالآنسة " كاميرون " ، ثم أشلاء بشرية ورأس مفصولة مدفونة على حدة في علبة معدنية ، وكانت كلها تخص الآنسة " كاميرون " كذلك .. وفورا تم توجيه تهمة القتل العمد لـ " نورمان ثورن " !

لكن مهلا .. فلدي الشاب قصة يرويها  :

زعم " نورمان " أن " إلسي " قد حضرت إلي مزرعته فعلا ،وحدث بينهما نقاش ، أنتهى بأن خرج وتركها وحدها ، ثم عاد ليجدها متدلية من عارضة خشبية في كوخ الدجاج وقد شنقت نفسها ، وأنه أصيب بالذعر خشية أن يتحمل مسئولية هذا الحادث العارض ، فألهمه تفكيره أن يحاول إخفاء معالم الجثة ، ولجأ إلي تقطيعها ودفن أشلاءها في أماكن متفرقة ، لكنه أحتفظ بالرأس في مكان آمين لأنها ، حسب ظنه ، ستكون دليل براءته فيما إذا تم الإمساك به ، حيث أن الرأس ستكون دليلا على كون الفتاة قد انتحرت بشنق نفسها وليس هو من قتلها !

نورمان وإلسي .. أيام السعادة التي لم تدم

قصة تبدو محكمة ، بيد أن الشكوك أحاطت بالأمر كله ، ولكن هذه القضية البسيطة قُدر لها أن تشهد واحدة من أكبر المعارك العلمية في تاريخ علم البحث الجنائي ، تم جمع الأشلاء خاصة الرأس ، وتم تكليف النجم اللامع " برنارد سبيلسبري " بتشريح ومناظرة بقايا " إلسي كاميرون " ، فخرج الرجل معلنا أنه لا توجد دلائل على الشنق أو الانتحار ، وفي المقابل وجدت كدمات على أنحاء متفرقة من الجثة تقطع بتعرض صاحبتها لضرب مبرح ، نجم عنه صدمة عصبية أدت إلي الموت .. أي أن تقرير " سبيلسبري " يكذب رواية الشاب " ثورن " ويتهمه بصراحة بقتل حبيبته السابقة !

مع دجاجته في مزرعته حيث وقعت الحادثة

كانت إدانة " ثورن " تعني حرفيا القضاء عليه ، لأنه كان معرضا في حالة ثبوت تهمة القتل ضده لعقوبة الإعدام ، ولكن الأمر لم ينتهي عند ذلك الحد ، فقد تدخل متخصصون آخرون في علم الأمراض ، وتحولت ساحة المحاكمة إلي ساحة مساجلة علمية وحرب إعلامية ، قل أن يوجد لها نظير في هذه السنوات من القرن العشرين ، كان أول دليل يدحض رواية " ثورن " أن العارضة الخشبية التي يدعي أنه وجد " إلسي " متدلية منها لم تكن تحوي أية آثار أو علامات لشنق جسم ثقيل ، وهو عكس ما أثبتته تجارب رجال البوليس التي تمت في محاولة للتحقق من رواية المتهم ، وأيضا كان إقدامه على تقطيع الجثة دليلا في غير صالحه ، لأنه ما من أحد يفاجأ بجثة معلقة أمامه ، دون أن يكون له يد في قتلها ، ثم يجد من الثبات الانفعالي ما يسمح له بتقطيعها على مهل ، بل ويفكر جيدا في الاحتفاظ بدليل يؤيد قصته ، فيُبقي العنق والرأس محفوظين في مكان آمين !

كانت هذه كلها دلائل تدين " ثورن " صراحة ، لكن ثمة من يعتقدون ببراءة الشاب ، برغم كذبه الكثير المتعمد ولا معقولية روايته عن الحادث ، وفي محاكمته في محكمة  Lewes Assizes  ظهر رأي يخالف تقرير دكتور " سبيلسبري " ، قدم هذا الرأي المضاد مختص آخر في علم الأمراض هو دكتور " روبرت برونتي  " Robert Brontë، الذي فحص بقايا الجثة بطلب من دفاع " نورمان " ، وخرج برأي أن هناك دلائل كافية على حصول الشنق ، مدللا على ذلك بوجود تجعدات حول عنق " إلسي " المتحلل تؤكد حدوث عملية الشنق ، وغمز " سبيلسبري " بنقص الكفاءة العلمية متهما إياه بأنه لم يفحص العنق فحصا كافيا ، وتجاهل استخدام المجهر في معاينة أنسجة العنق ، وكانت خلاصة تقرير دكتور " برونتي " إن حصول الشنق جزئيا جائز جدا ،وأن الكدمات التي وجدت على أنسجة الأشلاء قد تكون حدثت أثناء تعامل " ثورن " غير المنضبط مع الجثة أثناء عملية تقطيعها .. وهكذا بدأت معركة شعواء بين قامتين علميتين في تخصص علم الأمراض وإن كان الرأي العام لا زال في جانب " سبيلسبري " حتى الآن !

ويبدو أن الأخير قد أعتبر الأمر مسألة حياة أو موت بالنسبة إليه ، لأنه جند كل خبراته العلمية وقدراته الخطابية ، إضافة إلي الهيبة التي يتمتع بها ، لدحض وتفنيد آراء أعدائه ، وقف " سبيلسبري " في وجه ليس فقط دكتور " برونتي " وهيئة الدفاع عن " ثورن " ،بل جابه بشجاعة خمسة متخصصين آخرين في علم الأمراض ، وباستخدام سمعته المرهوبة تمكن من إيقاع الضربة القاضية بخصومه ، وانحازت هيئة المحلفين إلي جانب " سبيلسبري " وأدانت " ثورن " ، وحكمت عليه بالإعدام !

آرثر كونان دويل وجو برنارد شو : كانا من ضمن المدافعين عن براءة نورمان ثورن

وتم تنفيذ الحكم شنقا في يوم 22 إبريل من عام 1925م في سجن واندسورث Wandsworth ، وكان الشاب مصرا على براءته حتى اللحظة الأخيرة وكتب إلي والده يواسيه ويعلن أن موته بسبب ظلم السيد " سبيلسبري " له !

السنوات المجيدة

سبيليسبري هل قادته ثقته الزائدة إلي الغرور؟

محاكمة " نورمان ثورن "وإدانته أثبتتا أن " برنارد سبيلسبري " ليس طبيبا شرعيا مخضرما وحسب ، ولا كونه نجما تلهث الجماهير ولعابه ، بل أكثر من ذلك هو خصم عنيد ، ورجل يملك أدوات التأثير والإقناع ، وبوسعه أن يغير مصير أية قضية أو يحول دفة الأمور ويقلبها رأسا على عقب .. صحيح أن هذه المحاكمة قد جعلت جانبا لا بأس به من الرديف الشعبي يتحول ضد " سبيلسبري " وثقته المفرطة وإصراره العنيد على آرائه ، لكنه بدا ، وله كل الحق في ذلك ، أنه لا يقيم وزنا لكل الحملة الشعواء ضده !

واستمرارا لمسلسل نجاحاته المبهرة أسندت إلي الرجل المرهوب عدة قضايا أخري لا تقل أهمية عما سبقها من قضايا قتل ، بما تضمنتها من وقائع غامضة وألغاز تحتاج عقلا كعقل السير " سبيلسبري " اليقظ الجبار :

- في نفس العام (1924م ) تمكن " برنارد سبيلسبري " بوصفه طبيبا شرعيا من إثبات الإدانة ضد " باتريك ماهون " مرتكب احدي الجرائم الشهيرة بـ (جرائم كرومبلز   Crumbles murders)، والتي بدأت خيوطها عندما تم العثور على أشلاء بشرية ممزقة في منزل يقع على شاطئ كرومبولز ، وكانت الأشلاء تخص امرأة حامل في شهرها الثاني ، وعند تتبع خيوط الجريمة توصلوا إلي أن القتيلة هي " إميلي كاي " ، التي كانت على علاقة مع شخص متزوج هو " باتريك ماهون " ، الذي سرعان ما تم القبض عليه وتوجيه تهمة القتل إليه ، إلا أن الرجل دافع عن نفسه معلنا ، مثلما فعل " نورمان ثورن " قبل ذلك ، أن وفاة " إميلي " كانت حادثا ، إذ أنه وعشيقته القتيلة دخلا في جدال عنيف ، بسبب حملها منه وتهدديها لزواجه ، وأثناء الشجار سقطت " كاي " فوق دلو فحم ،واصطدمت رأسها مما أدي إلي موتها ، وبعد ذلك ، ونتيجة لرعبه من تحمل المسئولية عن موتها ، قام " باتريك " بتقطيع الجثة ورمي أشلاءها في أماكن مختلفة حول استراحته الشاطئية .

ماهون وعشيقته " إميلي كاي" .. حاول التخلص من الذنب .. لكن سبيلسبري أوقع به بسهولة !

كانت هذه هي رواية " باتريك " ، إلا أن دكتور " سبيلسبري " تمكن من جعل قصته هباء ، وتمكن ، عبر استخدام ديكور مصغر لمكان الحادث في المحاكمة ، من إثبات كذب رواية " ماهون " ، لأن قصته ،لو كانت صحيحة، لتهشم الدلو المصنوع من مواد هشة ، وهذا عكس ما حدث في الحقيقة ، ، وطرح نظرية تقول بأن " ماهون " قد ضرب ضحيته حتى الموت قبل أن يمزقها إلي أشلاء ، اقتنعت هيئة المحلفين بأداء النجم الشهير ،وأدانت " باتريك ماهون " ، وتم إعدامه شنقا في سجن واندسورث يوم 2 سبتمبر 1924م ، وكان لتلك القضية أهمية مضاعفة ، إذ أنه وبناء على نصيحة دكتور " سبيلسبري " ،بدأت سكوتلنديارد منذ وقوع هذه الحادثة في استخدام حقيبة عمل ، سميت حقيبة الجريمة murder bag للتعامل مع مواقع الجرائم تضم أدوات هامة مثل : القفازات ومعدات لرفع البصمات والنظارات المكبرة وغيرها ، وقد بدأت الفكرة حينما وجد الطبيب اللامع أحد مفتشي الشرطة وهو يجمع أجزاء من جثة الضحية بيديه العاريتين !

- بعدها بخمسة أعوام جاء دور الشاب البريطاني " سيدني هاري فوكس "Sidney Harry Fox  ، الذي خرج للنور في يوم من أيام عام 1898م ، وولد لأبوين ذوي سمعة حسنة ، كان أبوه حمالا في السكة الحديدية ، وقد عمل " سيدني " في صباه في بعض البيوت الثرية ، لكنه طورد كلص وأشتهر بسمعة سيئة ، لاحقا حاول إصلاح مسار حياته ،وتوظف ، بعد بدء الحرب العالمية الأولي ، في بنك بلندن ، لكن يبدو أن نزعة الإجرام كانت كامنة في دمائه ، فما لبث أن أستغل وظيفته وراح يحرر شيكات مستفيدا من حسابات عملائه ، تم اكتشاف فساده الوظيفي ، وكاد يتعرض للمساءلة القانونية ، لولا أنه هرب هروبا ماكرا عن طريق التطوع للخدمة في جيوش الإمبراطورية البريطانية عام 1916م ، مما حصنه من الملاحقة القضائية .. ولكن مرة أخري تورط " سيدني " بسبب خداعه وإقدامه على أعمال تمس الشرف ، وبعد ثلاثة أشهر قضاها في السجن، وجد نفسه على قارعة الطريق مرة أخري ، وبرفقة والدته ، التي كانت تعمل وتشاركه في توفير مصروفاتهما ، راح يتنقل من مدينة إلي أخري ، وقام عدة مرات بصرف شيكات مزورة ،ودخل السجن للمرة الثانية ، ثم خرج ليجد أمه تباشر العمل من أجل كسب الرزق ، وقام بعقد علاقة مع امرأة تدعي السيدة " مورس " ، التي ربما كانت تعطف عليه وحسب ، ولكنه قام بسرقة مجوهراتها ، كما حاول ربما خنقها عن طريق الغاز ، إذ استيقظت السيدة ، التي كانت تضع تأمينا على حياتها بقيمة ستة آلاف جنيه إسترليني ، ذات ليلة لتجد أن صنبور الغاز في غرفتها مفتوحا ، وقد كان الهدف من العمل الأخير ربما هو جعل السيدة " مورس " تطلب الطلاق من زوجها ، لينفرد بها " فوكس " ، الذي أخفي عنها كونه مثلي الجنس ، ولكن خطته باءت بالفشل ، وألُقي القبض عليه بعدة تهم ، من بينها سرقة المجوهرات ، ثم خرج في مارس 1929 ليجد نفسه في مأزق حرج ووضع بالغ السوء ، ولكنه واصل التجوال بين المدن برفقة والدته ، ثم أقدم على التأمين على حياتها ضد الموت العرضي ، برغم فقرها المدقع ، وبعد بضعة شهور وصلا احدي المدن ، حيث نزلا في فندق بلا أي أمتعة على الإطلاق ، وهناك ، وفي ليلة ، أخذ " فوكس " يدق الإنذار معلنا أن ثمة حريق اندلع في غرفة والدته ، وتم العثور على المرأة ميتة في الحجرة ، حيث ساعده بعض النزلاء في الفندق في سحب جثتها بعيدا عن النيران ، جري دفن الأم بشكل طبيعي حيث لم يكن أحد قد تشكك في الأمر ، لكن لاحقا قدم مندوبو شركة التأمين مبررات كافية لإعادة التحقيق ، فتم نبش الجثة وإعادة فحصها ، وهذه المرة أسند فحص الجثة إلي المخضرم " سبيلسبري " الذي أثبت أن الأم كانت متوفاة قبل أن ينشب الحريق ،ووجد دلائل خنق عبارات عن كدمات داخل الحلق وفوق اللسان ، وانعدام السخام في رئتيها ، اللتين من المفترض أن تكونا مليئتين بالدخان الذي استنشقته  قبل وفاتها ، وحدد وسيلة الموت بأنها خنق مع استخدام وسادة لكتم صرخات المرأة ، وتأكد كون موت السيدة " فوكس " عملا إجراميا ، عرفت القضية إعلاميا بـ (قاتل الأم من مارجيتMargate matricide!).

روزالين فوكس : كادت دماؤها تضيع هدرا لولا براعة برنارد سبيلسبري

في المحكمة وُجد " فوكس " مذنبا ، ولم يتمكن من تقديم دليل يبرؤه من التهمة الفظيعة ، وأخيرا شُنق في سجن ميدستون في الثامن من أبريل من عام 1930م. ومات المحتال الجواب وهو في الثانية والثلاثين من عمر!.

الإخفاق الكبير : قضية الإجهاض التي صدعت بريطانيا !

دكتور أليك بورن .. الوحيد الذي نجا من أثر السبيلسبرية المدمر !

ولكن بالرغم من كل نجاحاته المدوية والمتتابعة  فإن " سبيلسبري " ، مثله مثل بقية البشر، كان معرضا للفشل والإخفاق ولو لمرة واحدة في حياته ، وقد أتته هذه الضربة الموجعة في عام 1938م حينما أُستدعي للشهادة بصفته العلمية في القضية المعروفة عالميا بـ (REX v. BOURNE) والتي حدثت عام 1938م ، وفيها تعرضت فتاة إنجليزية تبلغ من العمر 14 عاما فقط للاغتصاب على أيدي خمسة من الجنود المسرحين من الخدمة ، مما نتج عنه حملها ، فقام طبيب يدعي " أليك بورن " Alec Bourne بعملية إجهاض لها ، مما أدي إلي جره إلى ساحات المحاكم ، إذ كان الإجهاض غير قانوني في بريطانيا في تلك السنوات ، أعطي الطبيب المتهم رأيا علميا بأن عملية الإجهاض كانت ضرورية لإنقاذ حياة الفتاة وصحتها العقلية والنفسية  إذ كان يخشي أن تتحول إلي حطام إذا ما أنجبت طفلا ناتج عن حادثة بشعة كالتي تعرضت لها، طلبت المحكمة رأي دكتور " برنارد سبيلسبري " ، وكان هذا من دواعي سروره ، إذ كان الطبيب المتهم من خصومه الألداء !

حاول سير " سبيلسبري " تفنيد ادعاءات الطبيب ، وأدعي في المقابل أنه لا صحة لوجود أخطار على حياة المجني عليها من الحمل ، وقدم دليلا بحالة يعرفها أنجبت طفلا سليما معافي وهي في التاسعة من عمرها، لكن المدهش أن دكتور " بورن " تمكن من التغلب على خصمه ، ونجح في جعل المحلفين يتجاهلون شهادته لأول مرة منذ ظهور هذا الاختصاصي اللامع على مسارح المحاكم في بريطانيا العظمي كلها ، وحصل دكتور " بورن " على البراءة ، وأصدر القاضي حكما تاريخيا بأن للطبيب الحق في إجراء عملية إجهاض إذا ما ثبت بالدليل العلمي القاطع وجود خطورة على الأم من الناحية الصحية أو النفسية من استمرار هذا الحمل .

وخرج " سبيلسبري " من المحكمة لأول مرة مدحورا وبدأت مرحلة الأفول في حياته !.

 أحزان الأيام الأخيرة

برنارد سبيلسبري في سنواته الأخيرة : الأسد في خريفه !

بالرغم من أنه من المحال الإلمام بكل القضايا التي عمل عليها اختصاصي علم الأمراض الأكثر شهرة وبريقا سير " برنارد سبيلسبري " ،فإنه من المقبول تماما الإعلان بأنه ، وربما حتى اليوم ، الطبيب الشرعي الوحيد الذي لمع نجمه بشكل يضاهي نجوم السينما والتليفزيون ورجال الصحافة وأساطين السياسة ، كان ظهور " سبيلسبري " في قاعة المحاكمة يعني ، حرفيا ، أن المتهم صار مقضيا عليه ، وأن الجانب الذي يقف فيه العالم المرهوب قد ربح القضية سلفا ..بيد أن حياة الرجل الشخصية لم تسر على نفس هذا المنوال التصاعدي الطيب ، فقد كانت الحرب العالمية الثانية ( 1939-1945م ) وبالا على الرجل الشهير من الناحية الأسرية لا المهنية ، وتزامنت بداية الحرب مع بداية تدهور صحته الجسدية ، وفي عام 1940  أصيب بسكتة دماغية ، كما فقد ابنه الثاني " بيتر  " ، الذي مات جراء القصف النازي على مستشفى سانت توماس ، ومن ثم زاد تدهور صحته مع تفاقم حالته النفسية والعصبية سوء، وبدأ يعجز عن تشريح الجثث لإصابته بالتهاب المفاصل ، ثم فقد ابنه الأكبر " آلان " الذي قضي بمرض السل عام 1945م ، وزادت حالة الأب الصحية والنفسية سوء حتى أصيب بالاكتئاب ، ومن ثم قرر أن ينهي حياته بشجاعة مثلما عاشها بشجاعة .. وفي شهر ديسمبر من عام 1947م  أحضر فريق العمل الذي يساعده وقدم لهم هدايا عيد الميلاد ، ثم تناول طعامه وحيدا في نادي كان عضو فيه، ومن ثم ذهب إلي معمله وأغلق الباب على نفسه وفتح صنبور الغاز ، ليقضي نحبه وهو في السبعين من عمره ، وقد تم حرق رفاته ، بناء على وصيته ، يوم 22 ديسمبر ، في محرقة جولدرز جرين Golders Green وتم نثر رماده في حدائق الذكري Gardens of Remembrance.  .. ويبدو أنه اختار لنفسه هذه النهاية قبل أن يعجز عن الحفاظ على ميراثه العلمي العظيم ويجرفه تيار الوهن والشيخوخة ويفقد مجده الذي تعب طويلا لتحقيقه !

للشهرة سطوتها : هل غلب غروره نظرته الحيادية ؟!

سبيلسبري في طريقه إلي المحكمة : واثق الخطي يخفي وجهه من رجال الإعلام !

كان دكتور " سبيلسبري " نجما ما في هذا من شك ، وكان من العسير لأى إخصائي علم أمراض آخر أن يقف أمامه أو يفند حججه ويدحض أدلته ، وكان القضاة وهيئات المحلفين ينبهرون بأدائه العظيم دائما ، وغالبا ما يكون الحكم في صالحه بشكل مؤكد مسبقا ، بيد أنه ، ككل إنسان آخر ، معرض لأن تدير الشهرة رأسه ، وتدفعه دفعا إلي التشبث برأيه والعناد والمكابرة ضد خصومه ، خوفا على نجاحه وشهرته الكبيرة من أن يلحقها أذي أو نقص ، وقد رأينا في قضية الشاب " نورمان ثورن " كيف أن كثير من زملاء المهنة بالنسبة لدكتور " سبيلسبري " فندوا آرائه ،وجهروا بخطأ النتائج التي توصل إليها من عملية التشريح التي قام بها لبقايا " إلسي كاميرون " ، وعلى رأسهم دكتور " روبرت برونتي " ، إلا أن هيبة " سبيلسبري " تغلبت على كافة الشكوك ذات الطبيعة العلمية .. ولكن الآن ، وبعد التقدم الكبير في وسائل البحث الجنائي ، يكون من حقنا أن نسأل : هل أخطأ " برنارد سبيلسبري " في نتائج فحوصاته وتسبب في أدانة أشخاص أبرياء !

سوف نعطي مثالا واحدا للمفاجآت التي أسفرت عنها إعادة الفحص والدراسة للأدلة المتبقية من بعض القضايا التي عمل عليها " سبيلسبري " ، ولاقي بسببها شهرة مدوية وهي قضية دكتور " كريبن ".

من المؤكد أن دكتور " كريبن " تصرف بشكل يؤكد تورطه، وأن الأفعال التي أقدم عليها عقب ذيوع اختفاء زوجته " كورا " تقطع بأنه لم يكن بريء الساحة تماما ، لكن هل قتل " كريبن " زوجته فعلا .. وهل البقايا في قبو الفحم هي للزوجة المغدورة حقا ؟!

 دراسة مثيرة أجراها فريق طبي أمريكي على البقايا المنسوبة إلي " كورا كريبن " ، برئاسة الطبيب " ديفيد فوران "    David Foran ، أخصائي علم الأمراض بجامعة ميتشجيان ، خرجت بنتائج صادمة ، إذ عمد الفريق إلي تعقب الأقرباء الأحياء للزوجة الأمريكية التي اختفت في لندن عام 1910م ، وقد تم اختيار الأقارب من ناحية الأم لسهولة مطابقة الحمض النووي الميتوكدندري Mitochondrial DNA  الذي يورث عن طريق الأم فقط.

دكتور ديفيد فوران أبحاثه تؤكد أن البقايا في قبو دكتور كريبن لا تعود إلي زوجته

وانتهت عملية المطابقة والمقارنة  إلي تأكيد كون تلك البقايا في منزل دكتور " كريبن " لا تخص " كورا " بأي حال من الأحوال ، لانعدام الصلة الجينية بينها وبين الأقارب الأحياء للمرأة المختفية ، وفي المقابل فإن دلائل على وجود امرأة غامضة ، ظهرت لتعيش مع شقيقة " كورا " في نيويورك تحت اسم Belle Rose ، وهو بالمصادفة مشابه جدا للاسم المستعار الذي كانت تستخدمه " كورا كريبن " في مسارح لندن Belle Elmore ، والأغرب أن المرأة التي ظهرت فجأة في الولايات المتحدة ، آتية من إحدى جزر برمودا ، كانت مغنية أيضا مثل " كورا " ،بل ودخلت البلاد بعد فترة وجيزة من اختفاء الأولي وفي نفس العام تماما !

هل هذه كلها مصادفات قدرية محضة ،أم أن " كورا " ببساطة خططت للهروب من زوجها وتوريطه في قضية مقتلها فرارا من زواج فاشل ،أو ربما من ورطة ما كانت عالقة فيها في لندن !

كورا كريبن : هل دبرت خطة محكمة للهروب من زوجها وتوريطه في الأمر؟

هذه الدلائل تضاف إلي حقيقة أن الندبة التي وجدت على البقايا المنسوبة إلي " كورا كريبن " ليست نتيجة لعملية جراحية ، بل مجرد طية جلدية ، مثلما أشار فريق الدفاع عن دكتور " كريبن " ، أثناء محاكمته الشهيرة ، مدللين على ذلك بوجود بصيلات شعر حية فيها مما يقطع بكونها ليست ندبة جراحية !

صحيح أن " سبيلسبري " تمكن من الالتفاف حول تلك الحجة مقدما حجة أقوي منها ، وهي ظهور هذه البصيلات في نهايات الندبة لا في منتصفها، إلا أن والد الطب الشرعي الحديث لو عاش حتى عام 2007م ، وهو عام إجراء البحث الجديد ، لما تمكن من أثبات قضيته بالصورة القطعية التي فعلها قبل نحو مائة عام ، وذلك لأن التقنيات الحديثة أثبتت شيئا صارخا ومحطما لكل الأدلة ضد دكتور " كريبن " ، فقد كانت البقايا البشرية في قبو منزله تحوي كرموسوم y  ، أي أنها ليست بقايا أنثي أصلا .. بل هي لذكر .

كل هذه الأدلة الحديثة تعضد الرأي القائل ببراءة دكتور " كريبن " ، ولكن من ناحية أخرى فإن الرجل قد قام ، قبيل اختفاء زوجته ، بشراء خمس قمحات من سم سكوبولامين ، وثبتت عليه عملية الشراء من كيميائي محلي تمكن من التعرف عليه ، ولم يستطع " كريبن " أبدا أن يقدم تعليلا مقبولا لشراء هذه الكمية من تلك المادة السامة ، كما أن آثار هذه المادة الفتاكة بالإضافة إلي مادة الهيوسين  hyoscine  كانت موجودة في الرفات ، كما أن هروبه الهلوع عبر المحيط مع صديقته ، إيثل " يشكك بقوة في براءته ، وبالمثل فإنه ليس من المنطقي أن تهرب " كورا " من زوجها ، وتترك خلفها مجوهراتها وملابسها الثمينة ولا تأخذ شيئا من متعلقاتها !

لا تزال القضية ملغزة وصعبة ، لكن خطأ دكتور " سبيلسبري " المحتمل قد يعني أنه أرسل أشخاصا أبرياء إلي المشنقة ، ليس بسبب ضعف التقنيات العلمية في هذا العصر وحسب ، بل ربما ، وهو الأكثر خطورة ، بسبب شدة اعتداده بنفسه وترفعه عن الاعتراف بالخطأ .. فهل يكون " كريبن " مثلما قال " نورمان ثورن " عن نفسه:

أنا شهيد السبيلسبرية  I am a martyr to Spilsburyism ؟!

ملاحظات :

  • يذكر موقع freemasonrymatters أن تاريخ ميلاد " برنارد سبيلسبري " هو يناير 1877 بينما تحدده موسوعة ويكيبيديا وغيرها من المواقع ب16 مايو من نفس العام
  • الطب التجانسي (Homeopathy) : هو فرع من فروع الطب يعتبر " صامويل هانيمان " مؤسسه ، وهو يقوم على مبدأ المثل يعالج المثل .
  • يستحيل الإلمام بكل القضايا التي عمل على حلها دكتور " سبيلسبري " لذلك أكتفينا بأشهرها وأكثرها تأثيرا وإثارة للجدل ، وللقارئ الكريم المحب للاستزادة من سيرة حياة هذه الشخصية العظيمة أن يرجع للروابط المرفقة في نهاية الموضوع .

مصادر المقال :

1 – موسوعة ويكيبيديا مادة : Bernard Spilsbury ، Hawley Harvey Crippen ، Herbert Rowse Armstrong، George Joseph Smith ، Norman Thorne.

2 – Norman Thorne - Murderpedia

3 – Patrick Herbert MAHON - Murderpedia

4 – Sir Bernard Spilsbury, Professional Expert

5 – 10 Notorious Historical Murders Solved Using Early Forensics

6 – 100 years on, DNA casts doubt on Crippen case

7 – Bernard Spilsbury - the First Forensic Scientist?

8 – Forensic Experts and Hubris

9 – FAMOUS FREEMASONS – BERNARD HENRY SPILSBURY The Real Life Incarnation of the legendary Sherlock Holmes

تاريخ النشر : 2018-08-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر