الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

هيباتيا العَالِمة التي قتلها علمها

بقلم : مروة على - مصر
للتواصل : [email protected]

امرأة عاشت للعلم و قتلها الجهل

 
الاسكندرية في العصور القديمة كانت منارة للعلم ،وذلك قبل وبعد ميلاد المسيح عليه السلام ، فكان يأتيها العلماء والفلاسفة من كل حدب وصوب وبخاصة من اليونان لغلبة الثقافة الهلينستية في هذه المدينة ، من هؤلاء الفلاسفة هيباتيا وكانت تُعرف أيضا بهيباشيا ، الفيلسوفة وأول امرأة تصبح عالمة رياضيات وفلسفة وأيضاً فلك ، رغم شهرتها إلا أن نهايتها أليمة بسبب كونها عالمة أو بسبب كونها امرأة تجرأت على تقاليد المجتمع الجديدة .
وفي هذا المقال عزيزي القارئ سنتعرف أكثر على هيباتيا المرأة والفيلسوفة.


حياة هيباشيا :

كانت عالمة و فيلسوفة فائقة الجمال


ولدت هيباتيا بالأسكندرية سنة 350م وقالت المصادر التاريخية أنها مصرية المولد ، ذات أصول إغريقية ، وأباها الفيلسوف وعالم الرياضيات ثيون ، ومن أشهر علماء الفلسفة في ذلك الوقت ، فبرعت هيباتيا في الفلسفة مثل أبيها ، ودرست وتثقفت على يد نخبة من علماء هذا العصر ، مع أن الفتيات كن ممنوعات من التعليم وفُضِّل لهن ملازمة بيوت أهلن حتى الزواج.


ارتبط اسم هيباتيا بالفضيلة والأخلاق والعلم ، والجمال حيث قيل بأنها من أجمل نساء زمنها ، مما عُرف ورصده التاريخ أنها برعت وكانت فذة في تدريس فلسفة أفلاطون وأفلوطين على وجه الخصوص ، مما جعل طلاب العلم من الوثنيين والمسيحيين للهروع إليها للتعلم ونالت شهرة واسعة آنذاك وتخطت هذه الشهرة مدينة الاسكندرية.

وقع في حبها العديد من طلابها لكنها صدتهم

نالت العلم على يد والدها ثيون theon العالم وأمين مكتبة الأسكندرية في وقتها وزملاءه في مكتبة الاسكندرية ، حيث اعتبرت مكتبة الاسكندرية نبراساً للعلم وهدى ينهل منه الراغبون ، فإلى جانب شتى الكتب في مجالات العلم والمعرفة من طب وفلسفة وفلك إلى وجود علماء متميزين ، قد شكل كل ذلك شخصية هيباتيا العالمة والمُعلمة التي شغف بها طلابها ، فكما تقول بعض المصادر قد وقع في حبها بعض من طلابها ، إلا أنها صدت الجميع ونحن لا نعرف إذ كان هذا كرهاً في الزواج أم حباً في العلم.
وهناك مصادر أخرى أو بالأحرى روايات تؤكد زواجها من أحد زملائها الفلاسفة ، ولم تتضح بعد صحة هذه الرواية !


وما يشغل بالي هنا أثناء كتابة المقال : كيف ترفض امرأة جميلة الزواج؟
وإن رفضته حقاً كما قيل تاريخياً ، فسيكون هذا عجيب في زمن كانت العائلات تتحكم في مصير فتياتها من زواجٍ وغيره.
ومصادر تروى أنها عزباء بإرادتها ، وقد قالت عندما سألوها عن الزواج : لقد تزوجت الحقيقة .


كل يوم يمر على هيباتيا كانت تزداد ثقة في علمها ، ويزداد طلابها عدداً إلى جانب التفاف المثقفين حولها ، لكن يبدو أن هناك من كان يرفض أفكارها حول الدين وطبيعة فكرها عن الإله ، فاتهمت بالكفر والوثنية وأنها من أتباع أفكار فلاسفة لا يؤمنون بالله ، مع هذا ظل الطلاب المسيحيون يترددون على حلقتها العلمية ، فأشع العلم شعاعه واقترب منها الناس في الطرقات ليسألوها عن شرح الكتب الفلسفية المُعقدة .
مع كل مؤلفاتها لم يصلنا منها إلا النذر اليسير ، وهي عبارة عن مقتطفات قد نُقلت عنها من علماء أو كتاب آخرين .

ظل الطلاب يتوافدون على حلقتها رغم محاربتها

برع تلامذتها ومنهم سنيسيوس الذي أصبح أسقفاً على قورينة في برقة غرب مصر ، ومع أنه كان مسيحياً إلا أنه عشق الفلسفة و أستاذتها وقد شهد عصر الاضطهاد الوثني في أواخر القرن الرابع الميلادي حيث تم إحراق كتب العلماء الوثنيين ، و قد أكد أن هيباتيا معلمة قديرة تتفوق بعلمها على مدارس أثينا اليونان وبخاصة في الفلسفة، وأما أوريستوس أشهر تلامذتها فأصبح الوالي على الاسكندرية وكان في صدام مع الأسقف كيرلس الأول ، وقد أرجعوا هذا الصراع السياسي بين الوالي والأسقف ، لهيباتيا وأن الحاكم أوريستوس يستمع لأفكارها وينشد منها الآراء ويقدرها ويعظم دورها باعتباره تلميذاً سابقاً لها .


موت هيباتيا :

أخرجوها من عربتها و قتلوها بوحشية

خرجت هيباتيا كعادتها بعربتها تخترق شوارع الاسكندرية ولم تكن تعلم أن ساعتها قد حلت ، فهي ترى جمع غفير من أناسٍ قد التفوا حول عربتها فجأةً ، ليُخرجوها منها بعنفٍ بعد أن انتهت من إلقاء إحدى محاضراتها ، ثم جرودها من ملابسها فأصبحت عارية الجسد ، وكأنه تأويل لتجريدها من أفكارها الوثنية والأفلاطونية المُحدثة ، وواصلوا جرها بحبل قد لٌف حولها ، ليتمزق جسدها الضعيف بلهيب تعذيبه على يد الغوغاء وقد قيل بأن أحدهم كان راهباً صغير السن يُدعى بيتروكان مقربًا من الأسقف السكندري كيرلس الأول ، و بعد ذلك سلخوا ما تبقى من جلدها وهي حية حتى وقعت جثةً هامدة وقد شهدت طرقات الأسكندرية آهات هيباتيا وشربت من دمائها الحارة في هذا اليوم غير العادي في تاريخ هذه المدينة.

كان اليوم حاراً ، وازدادت حرارته بإحراق جثة هيباتيا عقب جرها وقتلها في كنيسة القيصروم caesarium سنة 415 م.

فيلم Agora مستوحى من حياتها

هيباتيا ملهمة الكتاب والفنانين على مر العصور ، فقد اختزل الجميع قصتها في كلمات شفقة ومنهم من سرد وقائع موتها الشنيع والسينما قد التفتت لموتها وسردوا فيه سيناريو مبدع تاريخي درامي يجسد حياتها المليئة ببعض الألغاز المحيرة ومنها سبب موتها ، ولحظة من ألم باعتقادي لم يجسد ألمها الحقيقي ، ويبقى فيلم أجورا Agora ، فيلماً عن شخصية ماتت بسبب علمها أو ربما اختلاف فكرها عمن حولها.
هكذا ماتت هيباتيا وحيدة تعلو شهقتها تساؤلات : هل سبب موتها الصراع السياسي بين الحاكم وأسقف الأسكندرية واليهود ؟ أم كانت ضحية التنافس بين العلم والدين؟
وهل موتها قد غير من مفاهيم الحياة ، في أن ليس كل علم بوثنية؟ وأن الدين يحض على العلم الذي يأخذ بيد الإنسان لرفاهيته؟
وهل فاق الجهل في مجتمعها لدرجة أن من قتلوها قد أفلتوا من العقاب؟
وقد أعجبتنى مقولة " إن الدين ليس بديلاً من العلم والحضارة. ولا عدواً للعلم والحضارة. إنما هو إطار للعلم والحضارة، ومحور للعلم والحضارة، ومنهج للعلم والحضارة في حدود إطاره ومحوره الذي يحكم كل شئون الحياة"

وفى الختام ماتت هيباتيا وأياً كان سبب موتها ، فقد بقي منها مأساتها التي تُحكى مع كل الأجيال .


المصادر : 

1 - هيباتيا - ويكيبيديا
2 - كتاب تاريخ مصر في العصر البيزنطي تأليف د/ صبري أبو الخير سليم

تاريخ النشر : 2018-08-30

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر