الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

شظايا الروح - الجزء الثاني والأخير

بقلم : حسناء الفرجاني - المغرب
للتواصل : https://m.facebook.com/el.hassnae.39

لا زالت الحرب تلقي قذائفها العفنة في كل أنحاء بلده

 

يقف على غير عادته على ضفاف أطلال الماضي ويتمعن قليلاً في نوستالجيا الذكريات، يرى تلاطم أمواج طيفه مع صلابة صخور الأيام، يكبر يوماً بعد يوم أما ذاك الطفل القابع في أعماقه فلا يشيخ ، وعندما تتناسل المصائب و يطفو بعضها فوق بعض ، حينها تستفيق البراءة داخله ويبكي بحرقة عما لا يمكن أن يواجهه ، وقت مرير عاشه و لا زال يكابد العيش من أجل زواله ، و في خضم زوبعة الأحداث شيء ما في داخله ذابل يقاوم الاندثار ما بين قسوة الماضي وصلابة المستقبل، و في محاولاته الألف للنجاة يرسم له قناعاً مرهفاً ، متعباً و يائساً على ملامحه مخبأ بذلك كل شيء فيه جميل، ضحكته، تفاؤله و حتى ثرثرته لم تسلم من بطشه، فأصبح يتملكه صمت رهيب، سكون قاتل لم يسلم من سؤاله المعتاد، في أي تيه سأعبر إذ لم أنجو بالأساس؟!.

هذا ما أحس به نيسان للتو، وهو مستلقي على سرير المشفى، يغوص بفكره العميق غير مصدق لما يعيشه من مأساة بشرية تقشعر لها الأبدان، حقاً أحداث مميتة غيرته في ليلة وضحاها إلى كتلة بشرية حزينة جامدة تتخللها شظايا روح ضائعة.

كان في تلك اللحظة مستسلماً ، منهاراً ، متعباً ومدمراً بالكامل من ذكريات ماضيه القريب، ساكن و هائم بمخيلته على غير عادته وهالة السواد تحت عيناه تتخذ لها حيزاً من ملامحه التعيسة تلك بسبب عدم نومه الليلة الماضية ، كانت روحه ممزقة إلى أشلاء و مجرد شظايا حطام دامي تسكن جثته البشرية فتضفي طابعاً كئيباً على تعابير وجهه ، ففي غرفة المشفى صباحاً تساؤلات قاتمة تنهال في عمق داخله اتباعاً  لآمله في أجوبة منه لتشبع محتواها البائس، فكيف يمكن له العيش بسلام إن كان ما بداخله تدمر، تلاشى واندثر بلا عودة! وهل في أمل للعيش بسعادة حقة ما دامت نوستالجيا الذكريات تعشش في كل ركن من أركان ذاكرته فتمحوا بذلك كل ابتسامة ؟ أرادت أن تخط على محياه في كل لحظة!. كانت دوامة  إشكالات سوداوية حزينة تبعت في نفسه الضياع ولحسن حظه انفك منها بطرق على باب غرفة المشفى، وسرعان ما انجلى ذاك الصوت بدخول الطبيبة التي تحدثت معه بالأمس.

دخلت سيليا بخطوات وئيدة وعيناها ترمقان حالة اليأس التي سكنت روح نيسان، ابتسمت في وجهه ثم افتتحت الحوار قائلة: "

-صباح الخير ، كيف حالك الأن؟!.

نظرت إليه بابتسامة باهتة ثم تابعت كلامها قائلة:

-أنا متأكدة تماماً من قدرتك على المقاومة بالانفلات من هوة الضياع المنسوجة من طرف شبح الحرب ، أليس كذلك؟!.

بابتسامة حزينة أجابها:

- مرحباً ، ثم التفت إليها و بنظرات تملؤهما شرارة الانتقام والتوعد تابع حديثه قائلاً:

- ربما سأكون بخير حينما أطفئ لهيب انتقامي من طغاة أنجاس عبثوا بأرواح طيبة حتى صار شبح الموت ينهش جثثهم الطاهرة يوماً بعد يوم إلى أن أضحت المقابر مدناً لهم تحت الأرض.

التفتت سيليا إلى يمينها و سحبت كرسياً كان بجانبها ثم جلست وأجابته:

-الدفاع على البلد من الحرب بطريقة ذكية ذات استراتيجية محكمة هو انتقام رادع لمن تسول له نفسه أن يطأها ، أما الإنسان الذي يريد أن يتولى تلك المهمة ويثقل كاهله أحداث مؤلمة فعليه أولاً أن يرتمي في أحضان الأحداث المفرحة وينساب في تغضُّناتها كأنما أعتق من أغلال الزمان والمكان و ولج في مساحات الأبد التي تردع الماضي الأليم من التسلل إليه والإقامة فيه و في سعادته تلك ستنبثق روح جديدة متفائلة بالانتصار لا الهزيمة.

-نظر إليها مبتسماً كأنما استوعب ما تود إيصاله إليه ثم قال: ما دمت أؤمن بالمقولة التي تعتبر بأن الشهيد مثله مثل طائر الفينيق الذي يُولد من رحم رماده من جديد كلما ظنوا أنه مات و احترق ، لذا فأنا سأكون بخير و ذلك بتواجدهم الروحاني معي.

- ربتت بيدها على كتفه ثم أردفت قائلة: صدقت فالشهيد سيظل الإنسان الأسمى الذي حلم به أفلاطون والإنسان الخارق الذي ظل عنه نيتشه، لذا من الواجب علينا أن نستذكر كل شهيد في هذا الوطن كذكرى أيام ولادتهم.

-معك حق فالشهيد بمعناه الخالص النقي يعلو مفهوم التسامي والأمة التي تنسى عظمائها لا تستحق بتاتاً تضحيتهم المثالية تلك.

سكتت سيليا قليلاً وأدخلت يدها اليمنى في جيب مأزرها فأخرجت هاتفها ونظرت إلى الساعة ملياً ثم أعادته إلى مكانه وقالت:

- أتعلم ؟ قبل دخولي إلى غرفتك علمت من إحدى الممرضات بأن اسمك نيسان، وهذا اسم والدي أيضاً.

-قال باسماً: إن كان حقاً أسمك جوري مثل والدتي ، فربما نظرية العوالم المتوازية ستشمل الأسماء أيضاً.

-ابتسمت ثم أجابت: أسم والدتك جميل ، أما أنا فإسمي سيليا.

سكتت قليلاً وظلت تنظر إليه لثانية من الزمن ثم تابعت حديثها قائلة :

-أتعلم أن مسمى الحنين بدأ يعبث بمشاعري و يضعفني حينما ترمقك عيناي، فملامح والدي تشبهك كثيراً بل و كأنك نسخة طبق الأصل عنه.

بعدما أكملت عباراتها سالت دمعة على خديها التي مسحتها خلسة عن مرآه ، و حينما أرادت أن تتابع حديثها قاطعها نيسان قائلًا:

-يقولون بأن اشتياق الأموات لنا يجسد على هيئة شخص لا زال على قيد الحياة، و في نظرتنا للآخر الغريب المشبعة بالحنين جسر تواصل روحاني يربطنا مع أرواح غالية ارتادت حتماً المقابر.

-نظرت إليه ملياً ثم أجابته بابتسامة حزينة كأنما تخاطب والدها عن طريق نيسان: إن كان كذلك، فدعني أخبرك أمراً ، لن ينعم الطغاة مهما فعلوا ما دام أملنا في الحرية قريب.

-أجابها باسماً : أظن بأن رسالتك هاته قد طغت عليها عبارات التوعد على جمل الاشتياق. أليس كذلك ؟.

-لا على العكس من ذلك، فتكراري لهاته الجملة مجرد اشتياق وحنين لقائلها فحسب، فقد كان والدي يردد هذه الجملة في ذاك اليوم حينما توفيت والدتي نتيجة طلق ناري، ربما عبارة عادية لكن وقعها على نفسي كفيل بإحراق سعادتي الداخلية وتحويلها إلى رماد شجن دائم.

تأوهت ثم قامت من على الكرسي وتابعت حديثها قائلة: لا عليك ، دعنا من هذا الآن ، لقد مررت بغرفتك و وددت أن اطمأن عليك كما أنني أردت أن أخبرك أيضاً بأنك تستطيع الآن أن تغادر المستشفى ، فحمداً لله على سلامتك يا نيسان.

وما إن أكملت جملتها هاته حتى غادرت غرفته.

الساعة الثامنة مساءاً من نفس اليوم، كان نيسان قد استرجع شيئاً ما قوته الجسدية بعدما خرج من المستشفى صباحاً ، في هذه الأثناء أسدل الليل ستاره و صقيع كانون الأول قيد حركة نيسان مما جعله يمشي بخطوات متزنة و حزينة، أما نظراته فكانت أكثر حدة من ذي قبل، و بالرغم من جسده الهزيل الذي ما فتئ يتعافى إلا أن روحه أقوى أو ربما هي كذلك ، ما دام يحاول هو أن يقويها فهي عزاءه في أن يظل صامداً واقفاً على قدميه بثقة عمياء ،ظلت لخطواته صوت يتيم في اللامكان ، تأفف وحدته، صمته، وعالمه ، و ما زاد خوفه اللاإرادي في تلك الليلة الحالكة السواد هو أزيز الرصاص، فصوت ارتطامه يسمع من مكان خفي، و ما جعل صوته يسود المكان سوى صمت يغرس نابه منقضاً على ضجيج أبكم، حيث تقوقع الجميع ساكناً في منازلهم ما جعل المدينة تتحول إلى سكون قاتل مطبق يسكنه أذان صاغية قادرة أن تسمع حتى همساً ، و ما زاد الليل سواداً  انقطاع التيار الكهربائي و هذا ما أضعف رؤيته و جعله يتخذ قراراً بالجلوس بالقرب من إحدى المباني الشبه المدمرة.

ظل نيسان ساكناً في مكانه باحثاً عن السعادة النسبية المتجسدة في تفتيشه المتواصل عن الطمأنينة في القلق ، عن السلام في الحرب، و عن السعادة في الأحزان والآلام، إنسان مدمر بالكامل و لا زال يفتش عن حقائق هاربة داخل معادلة التناقض والتعارض ، فيخفي بذلك مشاعر الحنين والاشتياق، و في بحثه ذاك لم يستطع أن يجد جواباً للأشياء الضائعة في متاهة ما يحدث.

في الجانب الآخر كانت سيليا متواجدة بالمقهى و في عيناها حديث يروى كلما أمعنت النظر في المدى البعيد ، كلاهما كان ساكناً و نظراتهما تحكي الكثير ، نيسان و سيليا رغم اختلاف المكان إلا أن الزمان حافظ على اجتماعهما معاً إذ تبادلا حوارهم المنسجم رغم بعدهما، كان حواراً قصيراً و لكنه يختزل في عمقه حديثاً يطول ، افتتح نيسان الحوار قائلاً:

-شيء غريب أن يتحقق حلمي بعد ثانية من الزمن من استيقاظي، و في واقعي ذاك أغفو مجدداً على قصف لأستفيق في المشفى ، لا زلت حتى الآن لم أستطع استيعاب ما حدث و حتى تصديقه و مسايرته.

-أخذت سيليا رشفة من كوب الشوكولا الساخن ثم أردفت في داخلها قائلة: من الصعب جداً مسايرة واقع تعيس خاصة و إن كانت مرارته تتعلق بموت أحبتنا ، حينها نكون ملزمين فقط على أن نشرب خمر التناسي لا النسيان حتى الثمالة.

-وضع يده على خده بعدما سكت ضجيج داخله قليلاً ، ثم تأوه و تابع مناجاته مع نفسه: النسيان ما هو إلا وسيلة لقتل أنفسنا رويداً رويداً بعدما تندلع مجازر الحنين داخلنا، فنموت ببطء و تتلاشى معنا ضحكتنا ، ابتسامتنا و كل شيء فينا جميل.

-إن كان النسيان والتناسي مجرد ستار شفاف يخدعنا بإخفاء المكشوف، فهل من سبيل لردع أحداث الماضي وتغيير الواقع بعيشنا الحاضر براحة نسبية شيئاً ما؟!.

أزال نيسان يده من على خده و اتكأ على شظايا حائط وظل ساكناً و شارداً كأنما يفكر في جواب ، أما سيليا فقد اتكأت على كرسي المقهى وبعد صمت لم يدم طويلاً قالاً في آن واحد:

-ما دام الفلك دوار فحياتنا لن تتوقف إلا بموتنا وبعجلة التغيير نستطيع الفوز في مضمار الحرب بأياد بيضاء ، و هنا ستنبثق راحة أبدية تجتاح أعماقنا فنستصيغها من مساعدتنا بإنقاذ أرواح الغير وانتشالهم من مستنقع البؤس والدماء إلى عالم هادئ نسبياً و مداواة جراحهم النفسية والجسدية حتى يتأتى لهم معايشة الأمر بقوة وإرادة كبيرين، لربما يكون في تغييرهم هذا تغييراً شاملاً لما حولهم و لما يحدث ، من يدري ربما شيء بسيط في شكله قد يكون ذا تأثير عميق فيما قد يحدث مستقبلاً ، و لعل القادم سيكون أجمل بإذن الله .

هذا ما اتفقا عليه داخلياً بعدما كان كل واحد منهما يتواجد في مكان مغاير تماماً عن الآخر، بعد ذلك تنهدت سيليا ومسحت جبينها أما نيسان فقد استفاق من حديثه الداخلي ذاك حينما سمع بكاء طفل صغير قطع أنين السكون ، وما إن التفت يمنة حتى لمح فتى يقارب عمره حوالي تسع سنوات، كان مختبئاً بشظايا حطام حائط وغبار يمتزج بدموع براءته فيعبث بإيضاح ملامحه شيئاً ما لكل شخص ، رمقه بؤبؤ عيناه للوهلة الأولى، ومن شدة حزنه و قسوة البرد عليه ضم يديه الشبه المتسختين على ركبتيه وانحنى برأسه الصغير إلى أسفل وصار لنحيبه أنيناً قاتلاً كالسم الزؤام يسري في عروق سامعه فينقبض قلبه حتى الاختناق ، نهض نيسان متجهاً نحو الطفل الصغير وساقاه ترتجفان من شدة البرد وأصبح يتعثر بأكوام الركام.
وما إن اقترب منه حتى ذرفت السماء دمعاً كأنما تواسي الصبي عن بُعد، أزال نيسان معطفه وحينما أراد أن يضعه على كتفي الصغير حتى رفع الآخر بصره إليه ، وبعينين حزينتين تملؤهما الدموع نظر إليه ملياً ليقف بعدها ويركض مبتعداً عنه حتى اختفى ظله خلف زاوية جدار مهدم تلاشى جزئه العلوي ليصير مجرد تراب، أما ما تبقى منه فقد شكل كومة أحجار متراصة قاومت طغيان الحرب وحافظت على هوية واجهة منزل الذي ابتلع وجوده الهندسي شبح الدمار مخلفاً مكانه ركام ولم تعد له طاقة على الصمود أكثر، فهو صار على حافة الانهيار واندثاره بات وشيكاً و في أي لحظة ، هذا ما بعث الخوف في نفس نيسان من أن يدفن الطفل تحت أنقاض هذا الحائط المتداعي ، لهذا انطلق بسرعة خلفه وما أن وصل بالقرب منه حتى صدم بما رآه ، لقد تفاجأ برؤيته علباً من الكرتون مبسوطة على الأرض و فوقها حصير ممزق و متسخ شيئاً ما و تناثرت عليه بعض الألعاب القديمة والمستعملة ، أحس نيسان بضيق شديد و تساءل مستغرباً : أيعقل أن هذه الزاوية المنهارة هي مأوى لهذا الطفل اليتيم؟!
 استجمع نيسان قواه واقترب أكثر من الطفل الصغير وجلس بالقرب منه والتفت إليه باسماً و بصوت يملأه التوسل والتودد قال له:

-أيمكن أن تستضيفني في منزلك الجميل لأبيت عندك الليلة فليس لدي مكان أذهب إليه.

فرك الطفل عيناه واقترب منه قليلاً ثم قال: أنت أيضاً تعرض منزلك للقصف؟!.

-فتح نيسان فاه قائلاً : أهذا هو منزلك؟ و أشار بأصبعه إلى الحطام المتراكم خلفهم.

أومأ الصغير برأسه مجيباً إياه:

- أجل ، هذا منزلي الذي هدم منذ عشرون يوماً بقنبلة شريرة التهمت الحياة بداخله ولم تسلم منها ألعابي و لا كتبي و لا حتى والدي.

قاطع نيسان كلامه بسرعة خاطفة، متفادياً إيقاظ الحزن الدفين داخله مديراً دفة الحوار في اتجاه مغاير قائلاً:

-أعتبرك موافقاً على مبيتي معك الليلة و بهذا نكون صديقين ، لكن أنت لم تعرفني بأصدقائك الآخرين ، ( و رفع حاجبيه مشيراً إلى ألعابه).

ابتسم الطفل الصغير مستغرباً:

-إنها مجرد ألعاب ، أو تعلم شيئاً ؟ إنها ألعاب صديقي يازن .

- يازن!.

- أجل ، يازن أبن جيراننا ، منزله كان هنا في ناصية الحي ، و أشار بأنامله الصغيرة إلى منزل متفحمة جدرانه و متآكلة زواياه و منهار تماماً ، كان ذا منظر مخيف يسكنه الموت المطبق الذي سلب مكان الأحياء و أرواحهم.. وعشش هو بردائه الأسود الحالك.

-يازن .. إنه اسم جميل ترى ما اسمك أنت؟.

اقترب الطفل الصغير من نيسان وجلس بمحاذاته وكأنه استأنس شخصه الغريب وأجاب بلا تردد:

- أسمي آلاء وأنت؟

- ااه آلاء أسم جميل ، و أنا إسمي نيسان ، ما رأيك يا أخي الصغير في...

قاطعه آلاء متعجباً :

- أخاك ؟!.

-أجل ، فأنت تذكرني كثيراً بأخي حينما كان صغيراً .. لذا أنا ...

قاطعه الصغير مستفسراً :

- وأين هو الآن ؟.

- تنهد نيسان ثم تابع حديثه: إنه في مكان آمن حيث لا خوف ولا حزن و لا الآلام.

- و أين هو ذاك المكان؟.

- إنهم هناك ، و أشار نيسان بأصبعه إلى الأعلى ، نظر ألاء إلى السماء و قال:

-أتقصد تلك النجوم المتلألئة في السماء ؟!.

أنظر أبي وأمي هناك ، و أشار إلى نجمتين تشعان بجانب بعضهما البعض.

ضحك نيسان بأعلى صوته ثم أكمل حديثه:

-لا ، لم أقصد هذا، كل ما أقصده أن شهدائنا في مكان أصفى من لون السماء وألمع من النجوم.

كان فم ألاء مفتوحاً وعيناه جاحظتان فعقله الصغير لم يستوعب هذه الأحجية الغريبة ، في تلك اللحظات لمح نيسان سيليا تخرج من المقهى المقابل للحي ، انتفض واقفاً منادياً إياها بأعلى صوته.

مرت ثلاث عشرة سنة و لا زالت الحرب تلقي قذائفها العفنة في كل أنحاء بلده، ولم تشفي غليلها بسلب أرواح آلاف الأبرياء كل يوم، كان هادئا على غير عادته الطفولية ، و شمس فارطة الحضور تنسل أشعتها من زجاج نافذة المقهى و تلامس بحرارتها الجنونية جسده ، يجلس في زاوية منعزلة وأمامه على الطاولة يتواجد فنجان قهوة وجريدة حملها وبدأ يتصفحها ببطء وعنوان كتب بالخط الأحمر العريض آثار فضوله وسارع بقراءة محتواه :"الحرب ما هي إلا جنون العاقل ومجرد دائرة صراع وتناحر تشكل بالأسلحة فتخرس القوانين ، لكن ما بين إيديولوجيا الحرب وفلسفة السلم نزاع يختصر تعقيده في مواجهة العظماء للموت من أجل نجاة وطن ، مفهوم العظمة هنا لا ينحصر بتاتاً في النرجسية بل يمكن أن يرمز لشخص قادر أن يجعل نفسه متفرد ومتميز بأعماله ، الإنسانية التي يمكن أن نعتبرها خارقة وبطولية وترسخ بذكرى تظل حية في الأذهان.

اليوم العاشر من تموز و هو اليوم نفسه الذي يصادف ذكرى موت الدكتورة سيليا رمز الإنسانية، مرت خمس سنوات على وفاتها و لازال الجميع يتذكرون أعمالها الخيرية ومساعدتها النبيلة في إحياء البسمة وإشعال فتيلة شمع الأمل وسط ظلمة المآسي المنسوجة في أعماق الروح البشرية، سيليا و زوجها نيسان و أبنهما آلاء المتبنى، عائلة صغيرة عاشت في أحلك الظروف، وكابدت معاناة كبرى ومع هذا لا زالت تقاوم الحرب بأنبل الوسائل، إذ قامت سيليا بعلاج ملايين الأشخاص وإنقاذ حياتهم بتشييد مستشفى مجاني وذلك بمساعدة نيسان ، لكن للأسف مرضها في الآونة الأخيرة وجب عليها الابتعاد عن أي مصدر ضغط أو إرهاق يؤثر سلباً على صحتها ويسرع بها إلى حافة الهلاك وهذا كله يجتمع في مهمتها الإنسانية تلك، وبالرغم من ذلك أكملت مشوارها الطبي النبيل لأن الطهارة داخلها لم تتقبل أبداً فكرة ابتعادها عن مساعدة أبناء وطنها، لذا توفيت بعد سنة من اتخاذها قرار العودة إلى عملها ليكمل نيسان وآلاء طريقهما في اتجاه شيئاً ما مغاير، إذ أنشئا جمعية تتكفل بحماية أطفال يتامى الحرب لتضمن لهم حياة شيئاً ما كريمة ، مشروع خيري بسيط لكن كان له الفضل في مساعدة الآلاف من ضحايا الحرب و لا زال ينبوع عطاءه يفيض بخير لا ينضب.

هذا الشعب الأعزل لكل واحد منه طريقته في الدفاع عن أرضه من الطغاة، لكن تلك العائلة اختارت السلم في إحياء النفس بالتئام شظايا الروح وترميم الجروح المنشئة بالحرب من أجل عيش سعادة نسبية في دمار الحياة، أو بالأحرى صناعة الحياة أمام آلة الموت ليظل السؤال هنا ملحاً : إلى متى هذا الصراع القائم؟! وهل ستخسر الحرب نزالها أمام من قرروا البقاء والمواجهة ليتلاشى شبح وجودها رويداً بين ثنايا أرواح تندفع كلما سمعت كلمة شهادة .

بعدما انتهى من القراءة قام بطي الجريدة و وضعها بالقرب من فنجان القهوة ثم قال باسماً : "جميلة هاته العبارة "صناعة  الحياة أمام آلة الموت". هذا ما نطق به فحسب ثم سافر بعيداً في جغرافيا الماضي و في عينيه حنين لذكرياته السعيدة والحزينة ، صوت رنة قصيرة في هاتفه جعلته ينتفض من حلم يقظته ويعود إلى واقعه المعاش، حمل الهاتف وقرأ الرسالة النصية التي كان فحواها عبارة عن دعوة والده نيسان للالتقاء به في جمعية "بصمة أمل" من أجل أن يساعده في إتمام عمل ما هناك ، نهض آلاء ملبياً رغبة والده بسرعة وحينما قام بدفع فاتورة الحساب هم بالخروج من المقهى .

النهاية ....

تاريخ النشر : 2018-09-10

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر