الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

فتى الفقاعة : ولد ليعيش "سجينا" في فقاعة

بقلم : نوار - سوريا

قصة مؤثرة لفتى حكم عليه ان يعيش حبيسا فور ولادته

 الحرية مفهومها عميقٌ و متعدّد الجوانب ، لكنّي سأتحدّث عن أبسط أشكالها و هي العيش حرّاً على تماسٍ مباشرٍ مع الطبيعة و مع كلِّ ما يحيط بك ، و أنا أقصد حرفيّاً ما قلته . هل تتخيَّل نفسك ترى والديك دون أن تلمسهما ؟ يأتي العيد و لا تنال قبلة حنانٍ منهما ؟ تخرج للطبيعة ترى الورد دون أن تشمّه ؟ ترى العشب لا تعرف ملمسه الذي يدغدغ البشرة و لا تتعرَّض لأشعة الشمس و تقفز هائماً تطارد الفراشات و تلاحق الطيور ؟ لأن فعل أيٍّ من هذه الأمور يُعرّض حياتك للخطر ، و أي حياةٍ هذه التي تعيشها و أنت ترى العالم من خلال فقاعة ! حاجزٌ شفّاف يمنعك ، يقيِّد من حريّتك و يجعل عالمك محدوداً جدّاً . يقال أن فكرة العيش في فقاعة غزت الأفلام و الرسوم المتحرّكة متناسين أصلها الحقيقي الذي يتمثَّل بما حدث بالفعل مع الطفل "ديفيد فيتر" ، الفتى الذي أودُّ أن أسرد قصَّته عليكم .

القصة كاملة

ديفيد جي وزوجته كارول
 "ديفيد جي " و " كارول آن " زوجين أمريكيين من ولاية تكساس ، رزقا بطفلة اسمها كاثرين ، صحيحة البدن ، و من ثم رزقا بطفلٍ آخر توفَّي بسبب خللٍ بالغدَّة الصعترية الذي يؤدَّي إلى مرضٍ خطيرٍ جداً يدعى بـ نقص المناعة المركب الشديد "SCID " ، و هذا يعني أن الجسد لا يمتلك أدنى قوَّة مناعيَّة تقيه من أبسط الأمراض ، و هو مرض وراثي .

بعد أن توفّي لهما هذا الطفل أعدَّا نفسيهما لاحتمالية إصابة الطفل الآخر به ، فقد أخبرهما الأطباء أن نسبة ولادة أطفال لهما يحملون هذه المرض هي 50% ، لذلك تمَّت ولادة ديفيد ضمن أجواء معقَّمة جدَّاً خالية من أي جراثيم أو تلوّث ، إلى أن يتأكد الأطباء من وضعه الصحي ، و للأسف تبيَّن لهم أنه هو الآخر مصاب بهذا المرض ، لذا تم وضعه فوراً في غرفة بلاستيكيَّة عازلة تقيه وصول أي مكروبٍ أو جرثومة ممكن أن تؤذيه بعد ثواني فقط على ولادته .. و كان ديفيد قد وُلِد في الواحد و العشرين من أيلول/سبتمبر عام 1971 .

تم حبسه في غرفة بلاستيكية معقمة فور ولادته
في ذلك الوقت لم يكن هنالك حلٌّ سوى زراعة نقي عظام له قد يؤدّي إلى شفائه ، و تمَّ التّعويل على أخته كاثرين في نجاح هذه العملية ، فهي كانت المتبرِّعة بنقي العظام ، لكن للأسف لم تتطابق أنسجتها مع أنسجته ، و بانتظار وجود متبرع ملائم أو اكتشاف علاجٍ لمرضه حُكِم على الطفل ديفيد أن يعيش الحياة و هو محاطٌ بفقاعةٍ بلاستيكية و بشتّى أنواع الأجهزة و المطهِّرات و المعقِّمات .. حياةٌ لا أعرف كيف أصفها ، بالنسبة لي الموت أرحم منها .

فتح الطفل المسكين عينيه على الحياة و كلُّ شيءٍ يصل إليه يمر بعدَّة مراحل و ساعات من التعقيم و التطهير ، من أكلٍ و لبسٍ و حفَّاضات و غيرها ، حتى الهواء كان يتم تعقيمه عبر مضخّة ، كان الاتصال المباشر به يتم عن طريق ارتداء قفازاتٍ خاصة ، عندما كبر قليلاً و أصبح في عمر الثالثة حاول الأطباء جلب ألعابٍ لتسليته و إدخالها في غرفته - طبعاً لا داعي للقول بأنها معقمة - كان تعامل ديفيد مع هذه الألعاب صعباً لذا اضطرَّت طبيبته النفسية أن تتحايل عليه ليتأقلم مع وجودها ، بصراحة له العذر في ذلك ، طفلٌ ينشأ وسط هذا الجو الشاذ ما الذي ننتظره منه ؟!

اي تواصل خارجي يتم عن طريق القفازات

فيما بعد تم السماح لوالديه - تحت إشراف و رعاية طبية ملازمة - أن ينقلاه بفقاعته هذه و غرفته التي كانت أشبه بالشزنقة إلى منزلهما ، و ذلك ليعيش حياته بين أهله و ليلعب مع أخته ، و قد وافق الأطباء على إدخال جهاز تلفازٍ صغيرٍ إلى غرفته ليتسلَّى بمشاهدة الأفلام و الرسوم المتحرِّكة التي كان يحبّها كثيراً .. و مرّة سُمِح له بالذهاب إلى السينما مع أصدقائه و تمَّ نقله هناك عن طريق الفقاعة الشفّافة التي تحيط برأسه و التي كانت تُستخدم عند نقله من و إلى المشفى .. يعني باختصار حرص والداه و الجميع قدر الإمكان أن ينشأ ديفيد ضمن حياةٍ قريبة للطبيعية .

كانت الفقاعة هي كل حياته

لكن الطفل لن يبقى طفلاً للأبد ، و لابدَّ أن يأتي الوقت الذي يعي فيه ديفيد مرضه و خطورته ، حانت هذه الساعة عندما جرَّب ثقب فقاعته عن طريق حقنة نُسيَت معه بالخطأ ، فسارع الطبيب إلى إخباره عن الجراثيم و مدى خطورتها على حياته ، الأمر الذي شكَّل صدمة له و بات هوسه هذا الوحش المسمى جرثومة .. باح لطبيبته النفسية بكلام مؤثّر حين قال : كلُّ شيءٍ يُفرَض علي ، الغير من يحدِّد عليَّ ما أفعله و ما لا أفعله ، لماذا تهتمون بي و تدرّسونني و تعلمونني القراءة و تُتعِبون أنفسكم إذا كان هذا كلَّه بلا فائدة ؟ لقد أدرك الطفل في عمر الخامسة حالته تماماً و هذا ما جعل نفسيَّته متعبة و تصرّفاته غير مستقرة ، فالطبيعة البشرية المجبولة على حبِّ التواصل مع الناس و الانطلاق بحريّة و أن تكون سيد نفسك لا تتفق أبداً مع حبسك ضمن عالم لا يتجاوز حدوده بضعة أمتار !

الجهاز الذي صنعته ناسا خصيصا للفتى ليتمكن من الخروج

نالت حالة الطفل ديفيد تعاطفاً كبيراً مع الرأي العام بعد أن صوَّرت الصحافة هذا الطفل و شرنقته و تحدَّثت عن حالته ، كما أنه نال دعماً كبيراً من الحكومة لمتابعة وضعه الصحّي ، و في عام 1977 صنع باحثون في وكالة ناسا بدلة فضاءٍ مطوًّرة خصّيصاً من أجله ، و قد كلَّفت مبلغاً وصل لـ 50000 دولار أمريكي ، و ذلك من أجل جعله يتمكَّن من الخروج من غرفته البلاستيكية و التواصل الشبه مباشر مع الناس و العالم الخارجي ، كانت هذه البدلة مرتبطة بفقاعة تحيط برأسه يتدلى منها أنبوب قماشي طوله تقريباً متران و نصف و ذلك من أجل ضمان سلامته و عدم تعرُّضه للتلوّث .. و مع ذلك لم يكن مسموح له ارتداؤها سوى بضع ساعات في اليوم .

حتى امه لم يكن باستطاعتها ان تتواصل معه الا من خلف حاجز الفقاعة

كان من الصعب على ديفيد في البداية أن يتأقلم مع هذه البدلة ، و قد استخدمها عدَّة مرات و خرج إلى العالم و لعب مع الأطفال .. لكنه كلَّما تقدّم في السن كان قلق الأطباء نحوه يزداد ، فحالته بدت ميؤوس منها و تصرّفاته بدت عدوانيّة تعبيراً عن رفضه لوضعه ، و مع سيره نحو عمر المراهقة باتوا يتوقَّعون الأسوأ .. حتى أنَّ الحكومة قرَّرت تخفيض الدعم المقدم له بعد أن رؤوا ألّا نتيجة لتعبهم ، و كانوا قد صرفوا عليه قرابة الـ 1.3 مليون دولار ، حتى تعاطف الرأي العام معه كان قد انخفض .

و عندما بلغ من العمر اثني عشر سنة ، أي في العام 1983 و بعد انتظار متبرّعٍ تتطابق أنسجته مع أنسجة ديفيد تم التوصّل إلى إمكانيّة زرع نقي عظام من أنسجة غير متطابقة ، فوافق الوالدان على إجراء هذه العمليَّة له و كانت المتبرِّعة شقيقته كاثرين بالطبع .

كبر الفتى حتى ضاقت عليه فقاعته جسديا ونفسيا
تمت العملية وفق مخاوف الأطباء من فشلها ، لكنها بدت ناجحة في بدايتها ، و مع مرور بضعة أشهر نشأ أملٌ لدى الجميع عن احتمالية تحرِّر الفتى المسكين من هذه الفقاعة البغيضة ، لكن و للأسف مرض ديفيد ولأول مرّةٍ في حياته ، كانت تأتيه نوبات حمّى و إقياء و نزيف معوي شديد ، الأمر الذي أجبر الأطباء على إخراجه من شرنقته لعلاجه ، سألته والدته فيما إذا كان يرغب بالخروج منها فأجاب افعلوا أي شيء يجعلني أرتاح .

هناك و في أيامه الأخيرة تمكّن والديه و لأول مرة من لمسه بشكلٍ مباشر دون حواجز و دون إجراءات معقّدة .. طبعت والدته على خدّه القبلة الأولى و الأخيرة ثم فاضت روحه ناشدةً الحرية التي لطالما تمناها ، عن عمرٍ صغيرٍ لم يتجاوز الاثني عشر عاماً و بعد 15 يوماً فقط على إخراجه من تلك الفقاعة ، في الثاني و العشرين من شباط/ فبراير .

أدّى تشريح الجثّة إلى اكتشاف وجود فيروس " ابشتاين - بار " في نقي عظام كاثرين المتبرّعة و الذي لم يكن قابل للاكتشاف قبل عمليّة الزرع ، الأمر الذي أدّى لإصابة ديفيد بسرطان الغدد اللمفاوية و موته .

جديرٌ بالذكر أن والدي ديفيد تطلّقا فيما بعد ، ليصبح والده بعدها عمدة شيناندوا في ولاية تكساس ، أما والدته فقد تزوجت من صحفي كان قد كتب موضوعاً عن ابنها ، و إكراماً لديفيد تم إطلاق اسمه على أحد المدارس الابتدائيّة افتتحت في عام 1990 .

الجانب الأخلاقي من هذه القصة

هل من حقك ان تنجب طفلا حينما تعلم بأنه سيكون مريض ؟

أُثير في الرأي العام جدلاً عن عبثيّة إنجاب طفلٍ احتمال إصابته بالمرض هو 50 % و هي نسبة عالية جداً ، كما أنَّ الأطبّاء في مشفى تكساس و جّهوا اللوم لثلاثة أطباء - و هم الأطباء الرئيسيين الذين تابعوا حالته - حيث قالوا بأنهم استغلوا لهفة والدَي ديفيد على إنجاب طفلٍ يحمل اسمهما و شجَّعوهما على تنفيذ هذه الخطوة بغرض إجراء تجارب في مجال الجهاز المناعي على الطفل المولود ، ضاربين بعرض الحائط صعوبة عيش طفل ضمن فقاعة عازلة لعدّة سنين .. كان الأمر لا إنساني بالمرة ، فهم لم يفكّروا ماذا سيفعلون لو لم يجدوا علاجاً فوريّاً للوضع ! لكن أولئك الأطباء نفوا تلك التّهمة عنهم و قال الطبيب مونتغمري و هو أحدهم : لو لم يكن هناك أناس مستعدّين للمجازفة ما كنّا وصلنا إلى هنا ، و ما كان حصل أيُّ اكتشافٍ يفيد البشريّة و يجعلها تتطوّر في أيِّ مجالٍ من مجالات الحياة .

أطروحة الطبيبة ماري مورفي

ارادت نشر كتاب يناقش الجانب الاخلاقي لقضية ديفيد

كانت الطبيبة النفسيّة المشرفة على علاج ديفيد و تدعى ماري مورفي وضعت كتاباً عن تجربة ديفيد المليئة بالألم و المعاناة بعيداً عما صوّرته وسائل الإعلام من إظهار ديفيد سعيداً و مرتاحاً ، و قد صرَّحت فيما بعد أن ديفيد طلب منها كتابة تقريرٍ واقعي عنه . كان كتابها بعنوان " هل كان يستحق كل هذا العناء ؟ " ناقشت فيه الجانب الأخلاقي و الإنساني من هذه التَّجربة ، و مدى تسرّع البشر في سبيل اكتشافاتٍ علميّة جديدة ، كان في نيّتها نشره في العام 1995 لكن في اللحظات الأخيرة قبيل نشره والدي ديفيد منعاها من ذلك و هدّداها برفع دعوى ضدّها بعد أن سحبا الإذن الخطي الذي كانا قد أعطياه لها للكتابة عن ابنهما ، كما اشتكى بعض الأطباء من أنَّ هذا الكتاب يحوي محادثاتٍ تمت بين الفريق الطبي المشرف على العلاج و بين المريض و أهله ، مما يخرق قوانين مشفى تكساس التي تنص على خصوصيّة المرضى . باختصار سبّب كتاب مورفي بلبلة و جدلاً واسعاً بأنَّ الكلام الذي ذكرته و الأسئلة التي طرحتها لا يمكن تأكيدها خصوصاً بعد امتناع الشهود و من له علاقة بالقصّة عن إجراء أي مقابلة ، و بذلك لم يرَ كتابها - أو أطروحتها - النور .

نتائج حالة الطفل الفقاعة

وداعا ديفيد .. تخلص من فقاعته اخيرا .. هنا يرقد الى جوار شقيقه الذي مات قبله رضيعا

في الحقيقة تجربة ديفيد أدَّت إلى نتائج في المجال الطبي ، فقد عرف الأطباء من خلالها أن فيروس "ابشتاين - بار" من الممكن أن يسبّب السرطان ، و درسوا مدى خطورته عند زرع أعضاء تحمله في جسد إنسان سليم . كما غيّرت حالة ديفيد من الطريقة التي يتناول فيها الأطباء الحالات الوراثية ، و تزامنت تجربة الطفل الفقاعة مع ولادة الطب الجزيئي الذي يهدف إلى معالجة الخطأ الجيني بدلاً من محاربة نتائجه .. يعني انتهت تجربة الطفل ديفيد بسلسلة من النتائج و ساعدت على تقدم الطب نوعاً ما .

ختاماً

قصة الفتى ديفيد فيتر تطرح سؤالاً هامّاً مفاده ؛ إلى أيِّ حدِّ مسموحٍ للطب بالمخاطرة و المجازفة و التلاعب بأقدار البشر ؟ هل الغاية هنا تبرِّر الوسيلة ؟ هل إحراز تقدّم في مجال طبّي معين يشفع للسماح بولادة طفل محكومٌ عليه بالموت أو العيش بطريقة شاذَّة محاط بفقاعة غريبة منذ ولادته ؟ أين الجانب الأخلاقي في هذه المسألة و ما هو دوره ؟ بصراحة هذه الأسئلة دارت بذهني بعد كتابتي للمقال و لم ألقَ لها إجابةً شافية ، فلا يستطيع أحدٌ الإنكار بأنه لولا المغامرة ما كانت وجِدت العديد من الاكتشافات التي ننعم بنتائجها الآن .. ستظل قصة الفتى ديفيد بالنسبة لي قصة حزينة ، أتألّم كلما رأيت صوره يواجه العالم من خلال فقاعة ، كانت حياته قصيرة جداً لكنها مليئة بالمعاناة ، و ربما معها حق الطبيبة عندما عنونت كتابها بـ هل كان يستحق كل هذا العناء ؟

ما رأيكم أنتم ؟؟

 

ملاحظة:

فيروس ابشتاين - بار .. اسمه يتكوّن من اسمي العالمين اللذَين اكتشفاه ، و هو فيروس من فصيلة فيروسات الهربس ، من أشهر الفيروسات التي تصيب الانسان ، اكُتشِف عام 1964 عن طريق عيّنة تم أخذها من ورمٍ سرطاني ، يصيب جميع الفئات العمرية ، أعراضه تتمثّل بحمّى و التهاب الحلق و الغدد اللمفاويّة و يؤثّر على الطحال و الكبد و نادراً ما يسبب الوفاة . لوحظ أنّ له دور في إفشال الحمل أو ولادة طفل بتشوهات خلقية .. و لمعلومات أوسع عن هذا الفيروس راجعوا المصدر .

المصادر :

- David Vetter - Wikipedia

- Whatever Happened To "The Bubble Boy," David Vetter?

- Boy Who Spent His Life in a Bubble (24 pics)

- Bursting the Bubble

- فيروس إبشتاين-بار - ويكيبيديا

تاريخ النشر : 2018-09-21

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر