الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عندما تُغتال الزهور: الساكورا و التوليب - الجزء الخامس و الأخير

بقلم : Samer Saleh

تجرعت من نفس الكأس التي سقيتها لغيري و تذوقت نفس الآلام

المكان: جبهة سنغافورة.

الزمان: 12 سبتمبر 1945 م.

تمتم السيد "فوشيدا" بضعف:

 تواصل الوضع غامضاً مبهماً ، تتضارب فيه المعلومات و الأقاويل و حتى الأخبار ، الحلفاء يعلنون تقدمهم في آسيا على حساب اليابان و قيادة الجيش تنفي ذلك ، و نحن المقاتلون ضباطاً و جنوداً عالقون على الجبهات لا نعلم حقيقة ما يحصل .

و دفعة واحدة تنقلب الموازين و يتحول الصياد إلى فريسة فيتقهقر الجيش الإمبراطوري و يبدأ حملة تعبئة قواته للدفاع عن اليابان ، تسقط جزيرة ايو جيما أخر القلاع المنيعة في مارس 1945 م بعد شهر و نصف من المعارك الدامية ضد الجيش الأمريكي.

بعد ثلاثة أشهر فقط نخسر معركة جزيرة اوكيناوا و مئة ألف رجل من رجالنا.

في أغسطس 1945 م كانت النهاية التي لم تخطر ببال بشر، الولايات المتحدة العدو الأشرس للإمبراطورية تلقي قنبلتيها النوويتين على مدينتي هيروشيما و ناكازاكي و تحولهما إلى ركام من الجثث و الحجارة.

و أُصدرت إلينا الأوامر من القيادة بالاستسلام تباعاً و رفعت كتيبتي الراية البيضاء في 12 سبتمبر 1945 م و أُخذنا جميعاً كأسرى حرب ، أو لأقل ما بقي منا حياً بعد أن أقدم آلاف القادة و الضباط و الجنود على الانتحار في الثكنات و المعسكرات قبل وصول الجيش الأمريكي إليها.

عدت إلى طوكيو سنة 1946 م فخُيّل إلي بأني أزورها لأول مرة ، مدينة انتشر فيها الفقر و الفاقة و الأمراض و رائحة الموت و الحزن.

قصدت منزلنا فوجدته قد تحول إلى ملهى على الطراز الغربي ، و عرفت بأن الحرب قد قضت على ثروة والدي التي استثمر مجملها في أعمال تجارية مشتركة مع صديقه القائد "ميتسودا" الذي انتحر في الصين بعد هزيمة الجيش فلحق به والدي بعد أيام.

عندها باعت والدتي المنزل و جمعت ما يمكنها جمعه و هربت برفقة شقيقتي إلى منزل والدها في مدينة أوساكا.

قضيت في طوكيو بعض الأيام لترتب السفر ثم رحلت بدوري إلى أوساكا ، فلم يعد لدي في العاصمة شيء يربطني بها لا أسرة و لا أصدقاء و لا منزل.

****************************

المكان: أوساكا.

الزمان: 1947م.

بدأت مدينة اوساكا و كغيرها من مدن اليابان تلملم جراحها و تتعافى شيئا فشيئاً من آثار الحرب ، و إن كان الأمر أشد صعوبة على مدينتي هيروشيما و ناكازاكي المنكوبتين اللتان هجرهما سكانهما هرباً من الإشعاعات و من بقي بهما كان لا يقوى على الحراك من الفراش.

وجد "إيتاما فوشيدا" ذو الثلاثين عاماً عملاً كمدرس في مدرسة إعدادية صغيرة في ضاحية أوساكا يعيل منه أسرته المنكوبة و جديه الطاعنين في السن و يفتح أمامه أبواب حياة جديدة بعيدة عن الحرب و قتلاها و دمارها.

**************************

المكان: أوساكا.

الزمان: السابع من مارس 1999م.

تناول "إيتاما فوشيدا" صورة زوجته و حدق فيها قائلاً:

ـ انتهى بي المطاف كمدرس في أوساكا أحاول ككل اليابانيين في تلك الفترة فتح صفحة جديدة في حياتي و نسيان الماضي ، و لكن والدتي و التي لكأنها كبرت خمسين سنة في عشر سنين ظلت تقول بأني سأظل عالقاً في الماضي ما لم أتزوج و أنجب و أحصن روحي و أنقذها بتكوين أسرة.

كانت تلح و كنت أتغاضى فتلح أكثر فأتجاهل أكثر و لكني أشفقت عليها في النهاية ، و علمت بأنها تطارد أي بصيص للفرح يدخل حياتنا الكئيبة و أنها تريد أن تسعد و لو لساعات قليلة من خلالي و خلال أختي "ميوكو".

فتزوجتك دون أن أعرفك أو تعرفيني حقاً ، كنت رجلاً في الثانية و الثلاثين أعرجاً و أبتراً و فارغ الفؤاد، و كنتِ فتاة في الواحدة و العشرين جميلة و كاملة و مليئة بالحياة سكبتِ خلاصة روحك في كأسي المجذوذ فأشفقت أن أجذك معك فكتمت سري الأسود عنك و خبأت مفاتيحه في جيب سري في محفظتي ثم نقلتها إلى صندوق خشبي دفنته في قبو المنزل.

أما بقية الحكاية فأنت تعرفين جميع تفاصيلها.

*******************************

المكان: أمستردام.

الزمان: الخامس من يونيو 1999م.

عادت "ربيكا" و زوجها "فيليب" في وقت متأخر من حفلة الفرقة السمفونية بأمستردام التي تعزف بها ابنتهما "سيلفيا"، و كانت مدبرة المنزل و الممرضة قد عادتا إلى منازلهما بمناسبة عطلة نهاية الأسبوع.

ما كاد الزوجان يبدلان ملابسهما و يتناولان دوائهما و يستعدان للنوم حتى رن جرس الهاتف.

تبادلت "ريبيكا" نظرات قلقة مع زوجها فعرف ما يدور بخلدها فقال:

ـ إنه يرن على هذه الحال منذ شهرين ، ألن تجيبي؟.

ـ سيتوقف بعد لحظات كالعادة.

ـ و لكنه سيعاود الاتصال غداً و بعد غد و كل يوم حتى تجيبي.

تنهدت "ربيكا" و قالت:

ـ ما الذي يريده الآن؟.

ـ أجيبِ اتصاله و ستعلمين ، دعينا ننهي هذه المسألة و إلى الأبد عزيزتي.

ترددت "ربيكا" قليلاً ثم رفعت سماعة الهاتف و همست بصوت مرتعش:

ـ مرحباً.

فجاءها صوت فتاة شابة تتحدث الألمانية بطلاقة قائلة:

ـ مرحباً ، إسمي "ايا هاتومي" و أريد التحدث إلى السيدة "ربيكا فون درمون" من فضلك.

ـ أنا "ربيكا فون درمون" ما الأمر؟

ـ مرحباً سيدتي، أنا مترجمة محلفة من اليابان مدينة أوساكا و أتصل بالنيابة عن السيد "إيتاما فوشيدا"

إرتعشت "ريبيكا" عندما سمعت الاسم و همست بصوت أشد ضعفاً:

ـ ما حاجتك؟.

ـ السيد "فوشيدا" جالس إلى جانبي الآن أتسمحين لي بفتح مكبر الصوت حتى يتمكن من الحديث معك ؟ نظرت المرأة إلى زوجها الجالس بجانبها و وضعت يدها على سماعة الهاتف و قالت:

ـ إنه يريد الحديث معي.

شعر "فيليب" بالرعب الذي يخيم على زوجته فانتابه الخوف عليها و الندم على تشجيعها على الرد على الهاتف فمد يده المرتعشة و ضغط على يدها محاولاً استجماع كل قوته و قال:

ـ افعلي ما تريدين يا عزيزتي ، لا تجبري نفسك على شيء.

عجزت "ريبيكا" عن تحديد موقفها و ساد الصمت لوهلة و بدأت بعدها الفتاة بالمناداة:

ـ مرحباً سيدة "فون درمون" هل تسمعينني ، مرحباً ، مرحباً ، هل ما زلت على الخط ؟.

استجمعت "ريبيكا" شجاعتها و قالت:

ـ بلى أنا هنا ، افتحي المكبر لو سمحت ،

و قامت هي أيضاً بفتح مكبر صوت هاتفها و أمسكت يد زوجها باحثة عن المساندة من الكف التي طالما مدتها بالعزاء.

بعد برهة ليست بالقصيرة سمعا صوتاً ضعيفاً أجش ، لا يكاد يميز منه سوى نبراته المهتزة ، أصاغت "ربيكا" السمع و قلبها يكاد يخرج من صدرها.

و بعد أن أنهى الرجل كلماته قالت الفتاة بجانبه:

ـ السيد "فوشيدا" يقول: لقد كنت دائماً أفكر في الاتصال بك ، و البحث عنك بعد انتهاء الحرب و لكني لم أملك أية معلومات عن المكان الذي اتجهت إليه ، بل إني لم أكن أعرف حتى إن كنت على قيد الحياة ، على مدى سنوات طويلة حاولت البحث عن عنوانك في هولندا بمساعدة صديق لي يعيش هناك و لكن الأمر كان عسيراً جداً و شبه مستحيل ، لذلك تخليت عن تلك الفكرة نهائياً و احتراماً لرغبتك لما عرفتها.

صمتت الفتاة و عاد الصوت العجوز الوهن لتعود الفتاة للترجمة:

ـ لكن الأمر لم يكن سهلاً قط ، أعلم بأنه لا يحق الآن يا "روكو" التذمر.

قاطعتها "ربيكا" بعنف:

ـ لا تناديني بهذا الاسم و اطلبي منه أن يتوقف عن مناداتي به.

ارتبكت الفتاة و بدأت بالاعتذار نيابة عن السيد "فوشيدا" الذي شعر بالخزي من وقوعه في هذا الخطأ غير المقصود ثم واصلت بحذر:

ـ لم يكن الأمر سهلاً مطلقاً و رغم نهاية الحرب و عودتي إلى اليابان و رغبتي في العيش كإنسان جديد يكفر عن أخطاء ماضيه ، فإن ثقل الذنب الذي أحمله فوق عاتقي بسبب ما قمت به معك في الماضي كان يزيد سنة تلو أخرى و يوماً بعد يوم.

لقد فقدت الكثير أثناء الحرب و فقدت أكثر بنهايتها و تجرعت من نفس الكأس التي سقيتها لغيري و تذوقت نفس الآلام التي تسببت فيها لك و للآخرين.

و بصوت متهدج خنقته العبرات قال السيد "فوشيدا":

ـ أعلم بأن الاعتذار لألف سنة قادمة لن يمحو الألم الذي سببته لك و لن يغسل العار و لا الخزي اللذان لوثت بهما نفسي و أسم عائلتي ، أنا أستحق الموت على فعلتي و حتى الموت ليس بكافِ ، و لكني اليوم لا أملك سوى كلمات الاعتذار و إحساس صادق بالندم و الخزي لأقدمهما لكِ .

و زاد نشيج العجوز و هو يقول:

ـ لم يمر يوم واحد طوال الخمسين سنة الماضية لم أتمنى فيه الموت بسبب ما أعانيه من عذاب الضمير و من الكوابيس و الأرق ، و لكن حتى الموت كان عصياً علي بسبب أسرتي التي لم يبقى لها من معيل سواي.

لم أذق طعم السعادة و لا راحة البال ، ملاحق دائماً بخزي الماضي و بيقظة الحاضر ، أسير مطأطئ الرأس ، حسير النظر خاويَ الروح من هول ما اقترفت يداي.

أرجوك أشفقي على رجل عجوز بلغ من الكبر عتياً و اصفحي عني و امنحيني هبة الموت بسلام .

انهمرت دموع "ربيكا" على خديها في صمت تتبع خطوط تجاعيدها، و لكنها لم تكن تبكي من أجل "فوشيدا" بل كانت تبكي لما حل بها و ما عانته بسبب الحرب و بسببه ، و لأنه و باتصاله هذا و بكلماته تلك أعاد إليها نفس مشاعر الألم و الخوف و القلق التي كابدتها و هي تقطع نهر اليانغتسي برفقة خمسين شخص في قارب صيد صغير لا يكاد يتسع لعشرين شخص ، و هي تقطع الحدود البرية النائية نحو مالاي في الظلام مرتعبة محاذرة انكشاف أمرها ، و هي مختبئة بين السلع و البضائع المهربة في مخزن احدى سفن التهريب التي ترجو أن توصلها إلى أوروبا ، تذكرت تلك الشهور العشرة التي قضتها على متن السفينة دون أن ترى هي و أبنها الرضيع نور الشمس و رعبها كلما هبت عاصفة أو أُطلقت إشارة تحذير من اقتراب دورية أو سفينة ما.

كل تلك الذكريات الموجعة التي عادت إليها مجدداً كانت تلح عليها بأن تصرخ في وجه "فوشيدا" بأنها لن تسامحه أبداً و بأن عليه العيش مع حقيقته كقاتل و سفاح و مغتصب ، كانت تريد أن تقص على مسامعه ما رأته من أهوال رحلة هروبها و من عجزها على التأقلم مع حياتها بعدما حصل ، و عن كوابيسها التي ستغدو معها كوابيسه أحلاماً وردية ، كانت تريد أن تعلمه كيف ربت أبنها الذي لم ترغب يوماً أن يكون هو من بين جميع الرجال والده.

و لكن كل تلك الأفكار انحسرت و انسحبت إلى ركنها في ذاكرتها و استعادت "ربيكا" هدوئها و نظرت إلى زوجها فابتسم لها و أدركت عندها أن لديها الكثير لتحميه، فقالت دون أن تعني حقيقة ما تقول :

ـ ما فعلته معي أكبر من قدرة الإنسان على الصفح و لكني في المقابل لا أريد أن ظل عالقة في دوامة الماضي معك ، فأنا اليوم لدي كل ما أريده زوج محب ، عائلة دافئة و نفس مطمئنة و لذلك سأنسى الماضي و سأنساك معه فأرجو أن تفعل المثل .

فأجابها "فوشيدا":

ـ هل هناك بصيص أمل و لو ضعيف في أن تغفري لي؟

فأجابت ببرود:

ـ لا أعلم.

أغلقت "ربيكا" مكبر الصوت و همت بإغلاق السماعة و لكنها ترددت قليلاً مثيرة حيرة زوجها الذي شك لوهلة في رغبتها في كشف سر "ميلان" ؛ ثم قالت مخاطبة "فوشيدا" مباشرة:

-Lass uns nicht wiedersehen

حاولت الفتاة ترجمة الجملة و لكن العجوز أجابها بألم :

ـ لقد فهمت ما قالته ، أرجوك انقلي لها اعتذاري مجدداً ، و وعدي بأني سأفي بالعهد هذه المرة .

وضعت "ربيكا" سماعة الهاتف بيد مرتعشة و تناولت صورة "ميلان" الموضوعة على منضدتها بجانب السرير و همست:

ـ هذا الأفضل لك و لي و للجميع.

و تمددت بجانب زوجها و احتضنته و همست:

ـ دعنا ننسى الماضي و كأنه لم يحدث و دعنا لا نتذكر من هذه الليلة سوى حفلة "سيلفيا" و عزفها الرائع.

******************************

المكان : أوساكا.

الزمان : ربيع 1955م.

يقف "إيتاما" و إبنته "روكو" ذات الخمس سنوات أمام بائع متجول للكتب ، يبحث الأب بين أكوام الكتب القديمة عن قصة للأطفال يقدمها إلى ابنته فتقفز فرحاً و تبدأ بتصفحها بينما يلفت انتباه والدها قاموس يسحبه بلهفة و ينقد البائع الثمن و يسير خلف "روكو" و هو لا يقل انشغالا عنها بتصفح قاموسه.

كان ينتقل بين صفحاته بلهفة متمتماً جملة حفظها عن ظهر قلب : " Lass uns nicht wiedersehen"

فجأة يقف "إيتاما فوشيدا" في منتصف الطريق لا يلقي بالاً إلى المارة و لا العربات و لا حتى إلى طفلته الممسكة بتلابيبه تطلب إليه قراءة القصة لها. كانت تعلو وجهه علامات الخيبة و الحزن فاليوم أخيراً تمكن من معرفة ما تقوله تلك الجملة التي تركتها له "ربيكا" أو "روكو" كما يحب مناداتها ، و في قرارة نفسه تمنى لو لم يعرف ما تعنيه حتى تظل ذكرى جميلة منها لا تشوهها في مخيلته و ذاكرته جملتها القاسية القائلة " دعنا لا نتقابل مجدداً أبدا".


النهاية 

تاريخ النشر : 2018-10-27

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر