الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

سليمان النبي والغراب

بقلم : نينون - باريس

حكاية الغراب من اغرب الحكايا واجملها

هذه الأسطورة التاريخية من كتاب أساطير شعبية تأليف "عبد الكريم الجهمان" . وهي إحدى الأحداث التي مرت في حياة نبي الله سليمان بن داوود ، الذي وهبه الله الحكمة ومعرفة لغة الطيور ، وسخر له الكثير من المخلوقات . كما أنه كان -عليه السلام- يعرف منطقتها ويخاطبها بلغاتها ويفهم إشاراتها . وكانت الطير تجتمع عنده كل يوم عندما يجلس في مجلسه العام لتقدم له فروض الطاعة وتأتمر بأمره ..

وتنتهي عما لا يريد وتظلله عن حر الشمس إذا طار على بساطه .

وكان سليمان بن داوود -عليه السلام- حاذقا بصيرا دقيق النظر كثير الفحص للأمور والبحث وراءها!

ولاحظ سليمان -عليه السلام- أن الغراب هو آخر من يحضر من الطير في الصباح .. كما أنه أول من يطير عند نهاية الجلسة في المساء . وظن سليمان عليه السلام أن هذا التصرف غير دائم . فراقبه سليمان ووجد أن هذه قاعدة لم يشذ عنها الغراب في يوم من الأيام ، وعلم أن وراء هذا التصرف سرا .

ذات يوم طلب سليمان بن داوود الغراب وخلا به في مجلس خاص .. وأفضى إليه بتلك الملاحظة وهي أنه آخر الحاضرين وأول المنصرفين فما السبب في ذلك؟ . هل هو ضيق بهذه الجلسة . ونفور منها .. أم كراهية لأحد من الحاضرين فيها أم نوع من العصيان والجفاء الذي يسلكه العاجزون؟

والدي شيخ كبير
وعندما انتهى سليمان بن داوود من كلامه ، قال الغراب: إنني استميحك يا نبي الله العفو .. وأعتذر إليك عن سوء تصرفي .. ولكنني أؤكد لك أن هذا التصرف ليس مبعثه كراهية لمجلسكم .. ولا كراهية لأحد فيه وليس نوعا من العصيان . فأنا وآبائي وأجدادي لم يكن فينا واحد ممن عصي ولي أمره ، أو خرج من ربقة الجماعة . ولكن والدي شيخ كبير قد تساقط ريشه .. وبقي في وكره لحمة لا يسترها شيء . وأنا أخشى عليه من جوارح الطير أن تأكله فأغطيه بجناحي . وأبقى بجواره حتى تذهب جميع الطير وإذا ذهبت جئت إليك وإذا انتهت الجلسة كنت أول الطيور انصرافا .. خوفا من أن يسبقني إلى والدي أحد جوارح الطير أو يسبقني إليه عدو من الأعداء فيفتك بشيخ لا يستطيع الهرب .. ولا يستطيع الدفاع عن نفسه .

وهذا يا نبي الله هو السبب في تصرفي الذي يبدو شاذا وقد يدل على شيء من الجفاء .. ومعاذ الله أن أسلك مسالك الجفاة أو الشاذين!

فسر نبي الله سليمان بن داوود عندما علم بالسبب وسأل الغراب عن عمر والده فقال: أنه يبلغ من العمر ثلاثمائة من السنين .

وقال سليمان للغراب: احمل والدك إلينا لنسأله عن أغرب ما شاهده وما مر عليه في هذا العمر الطويل!! فقال الغراب: سمعا وطاعة يا نبي الله .

وطار الغراب مسرعا إلى مكان والده حتى وصل إليه متأخرا واستغرب الوالد من ولده هذا التأخر .. فأخبره بما حصل .. وقال: إن نبي الله سليمان طلب إحضارك عنده!

فقال الغراب الشيخ: وماذا يريد مني سليمان . إني رمة هامدة لم يبق في من القوى إلا قوة لساني .. فسمعي ضعيف! ونظري ضعيف! وجسمي ضعيف . وكل ما في ضعيف .. ومنظري منظر بشع حيث أن جمال الطير بالريش . وأنا ليس على جسدي إلا الزغب .

قال الغراب لوالده: وما رأيك؟

فأجاب الغراب الشيخ: الأمر إليك . فأنا أعتبر نفسي قد انتهيت من هذه الحياة فلا أخشى أحدا ولا أرجو أحدا . وليس أحب إلي من أن ألقى مصيري المحتوم . فليس في العيش بالنسبة إلي إلا الآلام والأمراض والوساوس النفسية ، والأحلام المزعجة!

علاوة على أنني صرت عبئا ثقيلا عليك يا ولدي العزيز ، فقد شغلتك عن كثير من شؤونك الخاصة . وفرض وجودي عليك بهذه الحالة سلوكا خاصا . بلا شك إنه قيد ثقيل يكبلك .

وقال الغراب لشيخه: لا عليك من هذه الأمور فتلك ديون نؤديها لمن سبقنا ويؤديها إلينا من لحقنا . وإنني أرى تلبية الدعوة وسوف أحملك على ظهري في وكرك . وسوف نصل دون تعب أو مشقة .
وعندما رأى الغراب الشيخ تصميم ولده على هذا الأمر وافق عليه .

وحمل الغراب والده على ظهره .. وطار به حتى وصل إلى نبي الله سليمان .. نظر نبي الله إلى الغراب الشيخ فمسح جسده العاري بيده فاكتسى جسمه ريشا أسود لماعا .. ونفخ في جسمه المهدم فعاد إليه شبابه .

ثم نظر إليه سليمان بن داوود فرأى أن إحدى عينيه مفقودة . وأنه لا يرى إلا بعين واحدة ..
فسأله نبي الله سليمان عن سبب فقدانها .. كما سأله عن أغرب ما رأى وما سمع في عمره الطويل .
فقال الغراب: إن أغرب ما مر علي في حياتي هو قصة فقداني لعيني هذه .
وأشار الغراب إلى عينه المفقودة .
فقال سليمان بن داوود للغراب: قص علينا هذه الحادثة .

فقال الغراب سمعا وطاعة . لقد كنت في أيام شبابي كثير الحركة .. كثير الأسفار والانتقال من بلد إلى بلد .. للبحث عن الرزق .. ولمعرفة ما حولي ولاختيار أحسن الأمكنة وأخصبها .
مررت بمدينة عجيبة
أثناء تجوالي مررت بمدينة عجيبة .. يعيش أهلها في خصب ورخاء .. ويحيط بمدينتهم سور من حديد فوقه شرفات من ذهب وقد أعجبني منظر هذه المدينة التي لم أر لها مثيلا في حياتي الطويلة على كثرة ما رأيت من المدن .

وقد وقعت على سورها لأنظر إليها وإلى أهلها .. وبقيت ساعة من النهار مأخوذا بروعة هذه المدينة وحسن تخطيطها ، وقوة بنائها والرخاء العظيم الذي يعيش فيه أهلها وقد بصر بي أحد سكان المدينة وأنا فوق السور . فلم أشعر بعد دقائق معدودات إلا بناقة تخرج من المدينة .. ثم تساق إلى أن قربت مني .. ثم ذبحت وأشير إلي أن هذه ضيافتي . فنزلت من شرفات السور .. وصرت آكل من لحم هذه الناقة التي أضافتني إياها تلك المدينة بضعة أيام . حتى أتيت عليها كلها وبعد ذلك واصلت أسفاري وتنقلاتي من بلد إلى بلد ومن مدينة إلى مدينة .. وأنا لا أكل ولا أمل . لأني كنت أعيش في عنفوان شبابي وأجد لذة عظيمة في التنقل من بلد إلى بلد كما أنني أزداد بذلك خبرة وعلما وسعة اطلاع . إلا أنني في كل تجوالي لم أجد أحسن من تلك المدينة التي أضافني أهلها بناقة كاملة ..

وقد غبت عن هذه المدينة فترة طويلة من الزمن ثم تاقت نفسي إلى رؤيتها مرة ثانية .. فطرت حتى وصلت إليها فحلقت عليها عدة مرات لأتمتع بمنظرها العجيب . ثم وقعت على إحدى شرفات سورها التي انقلبت إلى شرفات من فضة وبقيت منتظرا لأرى هل ما زال أهلها على ما كانوا عليه من كرم ورخاء .

وبعد فترة وجيزة بصر بي أحد سكان المدينة فأخرج إلي كبشا وذبحه خارج السور ثم أشار إلي بأن هذه ضيافتي . فنزلت من فوق شرفات السور وصرت آكل من لحم ذلك الخروف عدة أيام حتى أكلته كله . ثم غادرت المدينة مواصلا تنقلاتي وتجوالي .

اخرج لي كبشا وقال هذه ضيافتي
وغبت عن هذه المدينة إلى ما شاء الله ثم اشتقت إليها وإلى أهلها ثانية فعدت إليها ووجدت أن أحوالها قد تقهقرت . وأن ذلك الرخاء قد تقلص . وأن تلك المدينة قد بدأت تخيم عليها سحب الكآبة والجدب والعوز . فوقعت على إحدى شرفات السور التي انقلبت إلى حديد .

ومكثت فترة من الزمن حتى رآني أحد السكان فلم أشعر بعد فترة وجيزة إلا بدجاجة يخرج بها أحد السكان ثم يذبحها ويشير إلي بأن هذه ضيافتي . ونزلت من فوق السور وأكلت تلك الدجاجة في أول يوم ثم غادرت المدينة متنقلا من بلد إلى بلد متفكرا في هذه الدنيا وتقلباتها . وبعد مدة طويلة ، عدت إلى تلك المدينة التي سورها من حديد . وشرفاتها من ذهب . وحلقت فوقها عدة مرات . لكني فوجئت برؤية حالها قد تقهقرت بسرعة مذهلة . وأن ذلك النعيم والرخاء الذي كان يخيم عليها قد تقلص . وخلف بعده الفقر والعوز .

ووقعت على السور ناظرا مفكرا معتبرا . وقلت في نفسي سبحان من يغير ولا يتغير . كيف انتقلت هذه المدينة وأهلها من ذلك الخصب والرخاء والسعادة والهناء إلى هذا الفقر المدقع تبدو مظاهره على السكان في كل ركن . وفي كل ميدان .

ويواصل الغراب كلامه ونبي الله سليمان منصت إليه ، متعجب من هذه المدينة وأهلها .
قال الغراب: وبينما أنا في زيارتي الأخيرة على إحدى شرفات السور . وإذا بأحد السكان يسير في أحد الشوارع فيراني . ثم يقترب مني رويدا رويدا . وبلمح البصر شعرت بحجر ينطلق من يده فيصيب عيني فيفقأها . وكان يقصد قتلي ليأكلني ويطرد بلحمي ويلات الجوع التي يعانيها .

لقد كان هذا الحجر الذي أصاب عيني مفاجأة غريبة ما كانت تخطر على بالي . فأنا من عادتي الخوف والحذر وافتراض أسوأ الافتراضات للنجاة من شرور البشر إلا أنني كنت آمنا مطمئنا إلى سكان هذه المدينة لأنني لم أعتد منهم إلا الكرم والفضل والإحسان . ولم يسئ إلي أحد منهم في يوم من الأيام .
ثم أن هذا الرجل لم ينحن ليأخذ الحجر من الأرض أمامي . والذي يظهر أنه كان قد أعده في جيبه قبل أن يراني . ولهذا فقد جاءني الحجر ممن لا أتوقع أنه يسيئ إلي .
كما أن إمارات الغدر لم تظهر من هذا الإنسان لآخذ حذري منه .
لهذا وقع المحذور وفقدت نصف نظري . وطرت من فوق سور هذه المدينة . وأنا لا أكاد أرى طريقي من شدة الألم وهول المفاجأة الغادرة التي جاءتني من حيث كنت تعودت الكرم ومن حيث كنت انتظر الإحسان .

وغبت يا نبي الله عن هذه المدينة ردحا من الدهر لا أعرف عدد سنينه . ثم إني أحببت أن أعرف إلى أين انتهت بهذه المدينة حوادث الدهر . وعرفت أن أمر هذه المدينة في إدبار . منذ أن ذهب منها الأخيار ، ولم يبق فيها إلا الأشرار .

وكنت عازما في هذه المرة أن آخذ حذري . فإن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين كما أنه لا يؤخذ بعد النذر إلا هتيم . وحلقت فوق المدينة فلم أر لها أثرا . وهبطت من عليائي حتى قربت من الأرض ، ولكنني لم أر تلك المدينة .

اختفت المدينة وتراكمت فوقها الرمال
لقد اختفت تماما . وتراكمت فوقها الرمال . حتى لم يظهر فيها أي أثر يدل عليها . تعجبت أشد العجب . وجعلت أنتقل من رأس كثيب إلى رأس كثيب لعلي أرى من يدل على المدينة . ولكنني لم أر شيئا مع أنني جازم ومتيقن أن المدينة تحت تلك الرمال .

وعندما يئست من وجود آثار لهذه المدينة طرت منها وقد أوجست في نفسي خيفة ووحشة . وخشيت أن يحيق بي ما حاق بهم من عقوبة وعذاب .
وختم الشيخ الغراب حديثه هذا لنبي الله سليمان بأن قال: إن هذه هي أغرب قصة جرت لي في حياتي .

وقال سليمان عليه السلام للغراب: هل تعرف الآن أين موقع هذه المدينة؟ .
فقال الغراب: نعم إنني أعرف موقعها كما أعرف هذا الشخص الذي حملني إليك وأشار إلى ولده .
وطار سليمان بن داوود على بساطه الذي تحمله الريح ، وطار الغراب وتبعه البساط الذي صار يطير بسرعة الغراب .

وعندما توسطوا الصحراء رأوا الغراب يحط على أحد كثبان من الرمال العالية . وهبط البساط على نفس الكثيب الذي وقع عليه الغراب ، وعليه نبي الله سليمان ومن حوله حاشيته وأركان مملكته .
وقال الغراب إن هذا هو موضع تلك المدينة . ونظر نبي الله إلى ذلك المكان وإذا هو كله رمال فوق رمال . وليس هناك أي أثر لمدينة أو لحياة أو أحياء .
وأراد نبي الله أن يتأكد أكثر فأكثر . فأعاد السؤال مرة ثانية على الغراب قائلا: هل أنت واثق من نفسك بأن هذا هو مكان المدينة ؟.
فقال الغراب: إنني واثق تمام الثقة ورقبتي هذه رهينة عندكم إذا كنت غير صادق فاقطعوها .

ونظر نبي الله سليمان إلى تلك الأرض فإذا هي رمال قد ركب بعضها فوق بعض حتى صارت كهضبات الجبال ، الأمر الذي يجعل المرء لا يصدق أن تحتها مدينة كانت آهلة بالسكان .
ودعا نبي الله سليمان الرياح الأربع فحضرت بين يديه . وقال للجنوب أريد أن تهبي على هذه الرمال فتزيحيها عن مكانها إلى مكان بعيد . فاعتذرت ريح الجنوب لنبي الله بأنها ضعيفة . ولن تستطيع حمل هذه الرمال من مكانها إلى مكان آخر .
فقبل نبي الله عذرها لأنه يعلم ضعفها وخورها في كثير من الأوقات والمناسبات .
وقال نبي الله للشمال مثل ما قاله للجنوب ، فأجابت الشمال نبي الله سليمان: إنني قوية عاتية . وأخشى إذا انطلقت ألا أبقي في هذه الأرض رملة فوق رملة أو حجرا فوق حجر . وقبل نبي الله عذرها لأنه يعرف قوتها . ويخشى أن تزيح الرمال ثم تهدم بقايا المدينة المطمورة إذا كانت هناك مدينة تحت تلك الكثبان .
وقال نبي الله للريح الشرقية مثل ما قال لأختيها فاعتذرت له بعذر لم يحفظه الراوي إلا أنه أقنع به نبي الله سليمان .
ولم يبق الآن إلا الريح الغربية وقال لها نبي الله مثل ما قال لأخوات لها من قبل فأبدت استعدادا تاما بتنفيذ الأمر . وسألها نبي الله عن المدة التي تستطيع فيها إتمام هذا العمل . فأجابت: أربع وعشرون ساعة .
واشترط نبي الله على الريح أن تنقل الرمال فقط أما المباني والحيطان فيجب أن تحافظ عليها محافظة تامة وألا تزيل حجرا من فوق حجر .
فأبدت الريح استعدادا وكتبت بذلك تعهدا وشرعت في عملها . وطار سليمان بن داوود فوق بساطه هو وحاشيته ومعه الغراب الشيخ وابنه .

وعندما جاء الغد واقترب الموعد الذي حددته الريح الغربية للانتهاء من مهمتها طار سليمان بن داوود فوق بساطه ومعه الحاشية التي حضرت عند بدء هذه العملية . ومعه الغراب الشيخ وابنه .
وعندما هبط البساط بنبي الله سليمان وحاشيته وجد الريح قد انتهت من مهمتها . ورأى مدينة كاملة تصفق أبوابها الرياح . ورأى ذلك السور العتيد الذي عمل من الحديد لحماية المدينة . إلا أنه لم يحمها من قدرة الله التي تقهر كل قوي وتذل كل جبار .
وتعجب نبي الله سليمان من هذه المدينة واتساعها وقوتها . كما تعجب حاشيته أكثر منه ونادى نبي الله في المدينة: هل فيها أحد من الأحياء؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية وثالثة وعندئذ أجابته حية بأنها موجودة في بئر من الآبار المردومة بالرمال .
وذهب سليمان بن داوود إلى جهة الصوت ووقف على حافة البئر الذي تستقر في قعره الحية وسأل نبي الله هذه الحية عن هذه المدينة وكيف فني أهلها ودفنتها الرمال؟.

فقالت: يا نبي الله إنني أنا التي قتلت سكان هذه المدينة بأجمعهم . وعندما مات السكان وصارت النباتات هشيما تذروه الرياح انهالت الرمال شيئا فشيئا حتى غطت المدينة بأجمعها وجعلتها كثبانا لا أثر للحياة فيها .
وقال نبي الله للحية: وكيف أهلكت مدينة بأجمعها؟
فقالت الحية: لقد ذهبت إلى البئر الوحيدة التي يوجد فيها الماء العذب والتي يستقي منها أهل المدينة بأجمعهم . فنزلت إلى قاعها وتمددت في غار من الغيران القريبة من الماء . وصرت أشرب من هذا الماء حتى يمتلئ جوفي . وأترك ما شربت حتى يمتزج بسمومي . ثم اقذف ما شربت في الماء حتى يتسمم . فأي شخص يشرب من هذا الماء يهلك حالا . بهذا قضيت على سكان هذه المدينة .

وسألها نبي الله عن اسمها وعن الدوافع التي دفعتها إلى هذا العمل الإجرامي الخطير . فقالت الحية: اسمي لس وأنا لا أعرف دافعا محددا . إلا أنني كنت مدفوعة إلى عملي هذا بحكم طبعي ، وبحكم شعوري نحو بني البشر في أنهم لو وجدوني لقتلوني . لذا فمن حقي إذا استطعت قتلهم أن أقتلهم . إنه أمر منطقي لا غبار عليه .
وعندما انتهت المناقشة إلى هذا الحد سكت نبي الله وسكتت الحية .

ثم قال نبي الله للحية: اخرجي من هذا البئر لأرى قدرة الله في خلقك . وأجابت الحية بأنها تخشى البشر ولا تأمن شرورهم . وأنها مستعدة لامتثال الأمر ولكن على شرط أن يعطيها النبي عهدا وميثاقا بألا يمسها أحد بسوء .
وأمنها نبي الله سليمان وقال لها: اخرجي بأمان الله وعلى حكم شرع الله .

واستمرت تخرج وتنطوي
وفهمت الحية من هذا الكلام أمانا مطلقا . وبدأت تخرج من البئر . وصارت تنطوي في أرض فضاء حول تلك البئر . واستمرت تخرج وتنطوي إلى أن كادت أن تملأ ذلك الفضاء .

وسئم نبي الله من طول الانتظار حتى يتكامل خروج الحية من البئر . وسألها هل بقي من جسمك شيء كثير لا يزال في البئر؟
فقالت الحية لسليمان عليه السلام: إذا رأيتم الشامة الزرقاء التي في ظهري فاعلموا أنه قد خرج نصفي . ونظر نبي الله وإذا الشامة الزرقاء لم تخرج بعد . واستمرت الحية في الخروج والتكور . ونبي الله ينتظر خروج الشامة الزرقاء بفارغ الصبر .

وبعد فترة من الوقت خرجت الشامة الزرقاء من البئر . وتكورت مع جسم الحية في ذلك الفضاء الواسع الذي يحيط بالبئر .
وعندئذ رفع نبي الله سليمان سيفه وضرب الحية ضربة شديدة على تلك الشامة الزرقاء ، التي هي منتصف جسم الحية . وبهذه الضربة ماتت الحية . وعجب أحد رجال الحاشية: كيف يؤمنها نبي الله ثم يقتلها ؟.
وسأل ذلك الرجل نبي الله وقال له: يا نبي الله كيف تؤمنها ثم تقتلها ؟.

فقال سليمان: أخرج العدو بأمان الله . ثم اقتله بشرع الله . وقد أعطيناها الأمان بموجب حكم الله . وحكم الله أن القاتل يقتل وهي تستحق القتل بشخص واحد فكيف وقد قتلت أهل مدينة بأكملها . فاقتنع ذلك الرجل وسكت .

وأمر نبي الله بأن يقطع رأس تلك الحية فقطع وأخذت أنيابها . ونصبت أنياب لس على باب من أبواب تلك المدينة . وصار السكان يتوافدون لسكن تلك المدينة بعد أن زال عنها الخطر وأعلن أن المدينة قد صارت آمنة مطمئنة .

وعادت المدينة إلى حالتها السابقة من عمران ورخاء واستقرار . وعندما كثر السؤال والجواب عن هذا الناب . صار الغريب يسأل ما هذا فيقال له ناب لس . والجاهل يسأل عنه فيقال له ناب لس . فصار ناب لس المنصوب على بوابة هذه المدينة وقصتها هي حديث الغادي والرائح والقريب والبعيد ثم ما زال ناب لس يتكرر على الألسنة كلما جاء ذكر هذه المدينة . حتى علقت بها هذه الكلمة وصارت لا تعرف إلا بها أي "نابلس".

إلا أن الراوي لا يدري هل كان مسرح هذه الأحداث هو نابلس المدينة التي في فلسطين أم نابلس أخرى . قد طواها الزمان في طوايا النسيان .

تاريخ النشر : 2018-11-05

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر