الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

أطياف تستجدي البقاء

بقلم : مقدسية - فلسطين

لا زالت أشباح من رحلوا بالماضي تجول في المنزل القديم

 

أنا سيدة فلسطينية أبلغ من العمر الكثير ، فقد اعتدت منذ طفولتي أن أقضي معظم وقتي في بيت جدي حيث كان عتيقاً فقد تم إنشائه في عام ١٩٤٠م في قرية صغيرة تعداد سكانها قليل ، تقع شرقي مدينة القدس ويحيط بهذا البيت العتيق الكثير من أشجار الزيتون والسرو والتوت والمشمش ، حيث كانت أوراق تلك التوتة الضخمة تفرش الأرض توتاً ناضجاً وأوراقاً قد حان موعد رحيلها.

كنت تلك الطفلة الصغيرة النحيلة جداً التي ترتع وتلعب معظم النهار حول ذلك المنزل وكان جدي قد بلغ من العمر آخره وكاد يصل إلى التسعين وكنت أراقبه وهو يعتني بأشجاره ويلملم الحصى من تحتها ويروي ظمئها وكأن تلك الأشجار من لحمه ودمه ، كان لي عمتان كبيرتان بالسن يقطنان مع جدي وكانت حياتهم بسيطة جداً ، في يوم من أيام تموز الحارقة أراد أبي وأمي أن يقضيا الإجازة في بيت والد أمي الموجود في مدينة أخرى بعيدة ولم أرد أن أذهب معهم وفضلت البقاء مع جدي وعماتي ، وفي اليوم التالي عصراً سمعت جدي يبكي وعماتي يصرخن بحرقة وأخذت ألح بالسؤال ما الخطب ؟
فنظرت إلي عمتي ومسحت على وجنتي وقالت : لا تقلقي فأنتي ما تبقى لنا ، لم أفهم ما القصد من كلام عمتي ، وبعد أيام قليلة أدركت بأن أمي وأبي لن يعودا.

ومرت السنين وكبرت وأصبحت مراهقة وما زال جدي الذي فقد حاسة السمع منذ أن كان شاباً يعتني بأشجاره وعماتي يخبرنني قصص الماضي وأخباره وكانت الأيام تمضي بسلام ، حتى جاء ذلك اليوم الصعب حيث رحل جدي وترك نظارته ذات الإطار البني الكبير وحطته وعقاله وترك أشجاره حزينة ، والعجيب أن تلك الأشجار أخذت تذبل منذ رحيله حتى عماتي وكأنهن هرمن بسرعة بعد رحيلة وسيطر البؤس على عالمنا واحتلت الكآبة أنفسنا ولكن رضينا ومضينا.
وبعد فترة وجيزة أخذت أسمع صوت عكازة جدي تطرق على الأرض وأسمع صوت المجرفة ترتطم تحت الشجرة المجاورة للنافذة في غرفة المعيشة كل ليلة بعد الفجر وكنت لا أتجرأ على إلقاء نظرة لأرى ما يجري فقد أيقنت أن روح جدي تأتي وتطوف في المنزل وتعتني بالأشجار ، وبعد مضي القليل من الوقت ادركت بأن تلك الشجرة قد عادت إلى عهدها القديم مخضرة وزاهية وكنت انظر تحتها وكأن أحداً ما قد اعتنى بها ، انتابتني حيرة كبيرة وأخبرت عماتي عما يجري ولم يعلقن على الموضوع وتجاهلن الأمر.

مر الوقت مسرعاً و رحلت إحدى عماتي جراء نزيف مفاجئ في الدماغ وبقيت عمتي الأخرى المريضة التي لا تغادر سريرها إلا لقضاء حاجة وكانت تستند إلى عكازة طبية كبيرة وكانت تثير ضجة عند استعمالها ومع الوقت ساءت حالتها وأصابها فشل كلوي ، و في أسبوعها الأخير عانت كثيرا ًحتى رحلت أخيراً وارتاحت من آلامها.
أصبحت وحيدة في ذلك المنزل وكنت لا أطيق حلول الظلام وكأنهم موجودين حولي ، فكنت أسمع صوت مجرفة جدي تحت الشجرة وأسمع صوت عكاز عمتي وكأنها تتجول في المنزل وأسمع أنين خفيف يصدر من المطبخ الصغير المهترئ فكانت جميع الأصوات تتداخل وكأنهم يتحدثون إلي بهذه الطريقة !

أصبحت اسمعهم كل ليلة وأجبر نفسي على النوم وأصبحت حياتي تعيسة جداً وقررت أخيراً أن أرحل إلى بيت خالي القاطن في المدينة المجاورة وحزمت أمتعتي وعزمت على الرحيل وكانت تلك الليلة الأخير في منزل جدي ، لم استطع النوم في تلك الليلة فكانت أصواتهم وكأنها تعاتبني على الرحيل وكنت أشعر بطاقة قوية تحيط بي ، و في اليوم التالي أغلقت النوافذ وحملت أمتعتي وخرجت وعندما ابتعدت عدة أمتار نظرت إلى الوراء مودعةً فرأيت ثلاث طيور بيضاء ترفرف فوق المنزل وتصدر صوتاً عنيفاً مضطرباً فأخذت أبكي بحرقة وكأن قلبي ينزف شوقاً وحنيناً ، ولوحت لهم بيدي ومسحت دمعي ومضيت قدماً في طريقي .

تاريخ النشر : 2018-11-07

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر