الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ماريان باخماير : الأم المنتقمة

بقلم : Mark - Sudan

قررت ان تأخذ حقها بيدها

ولدت ماريان باخماير (Marianne Bachmeier) عام 1950 ونشأت في زارشتيت , وهي منطقة في المانيا الغربية لجأ اليها والدها هربا من السوفييت ، وذلك لأنه كان عضوا هاما في سلاح الطيران النازي. ولاحقا انفصل والداها فتزوجت امها مجددا .

كانت ماريان فتاة جامحة صعبة المراس , معتزة بشبابها , لم تمتنع عن استغلال حريتها لأبعد حد , ما ترتب عليه عواقب وخيمة كان عليها تحمل تبعاتها وقسوتها .. لم يتحمل والداها تصرفاتها الطائشة فقاموا بطردها من المنزل في اولى اعوام مراهقتها. ولم يطل الوقت حتى حملت ماريان وانجبت بدون زواج ، وهي لم تزل في عمر السادسة عشرة .. وكانت هذه اولى مشاكلها التي وجب عليها التعامل معها والاتعاظ منها .. لكنها لم ترتدع ، وسرعان ما وقعت في نفس الغلطة بعد عامين فقط , هذه المرة مع صديقها المقرب , وقبل ان تنجب ابنتها الثانية , تعرضت للاغتصاب بينما كانت تقضي سهرتها في ملهى ليلي ..

كانت فترة عصيبة على ماريان .. كيف ستربي طفلين ؟ .. من أين ستطعمهم ؟ .. كانت بالكاد تملك المال لتعيل وتصرف على نفسها , ناهيك عن حالتها النفسية المتدهورة بعد مرورها بحادثة الاغتصاب العنيفة التي تركت اثرا عميقا في نفسها ... فما كان منها الا ان تستسلم مجبورة لفكرة عرض الطفلين للتبني , وبالفعل تم اخذ الطفلين منها وتبنيهما.

الطفلة انا باخماير
في العام 1973, انجبت ماريان طفلتها الثالثة والاخيرة , وبعدها مباشرة قامت باجراء عملية تعقيم لنفسها لكي لا تنجب مرة اخرى , واطلقت على طفلتها الصغيرة اسم (آنا) وتولت تربيتها بنفسها .. ولم تدخر جهدا في بذل كل ما بوسعها لأجل صغيرتها الحبيبة.

في الخامس من مايو عام 1980 آنا ذات السبع اعوام لم تذهب لمدرستها , بل توجهت من دون علم أمها لزيارة أحد أصدقاءها , وهو طفل من نفس عمرها , لكن آنا لم تصل أبدا لمنزل ذلك الصديق واختفت آثارها تماما ..

اتضح لاحقا ان شخصا يدعى كلاوس غرابوسكي , رجل ثلاثيني , ذميم الهيئة , أصلع وملتح , يعمل قصاب .. قابل آنا في طريقها الى منزل صديقها وقام بخطفها .. واحتفظ بها في منزله لست ساعات اقدم بعدها على خنقها مستخدما جورابها الطويل .. قاومت الصغيرة بكل قوتها ولكن خارت قواها الضعيفة وسمع غرابوسكي صوتا يخرج من انفها فعلم انها تلفظ انفاسها الاخيرة.. وبدأ يفكر في طريقة للتخلص من آثار جريمته , فقام بربط جثة الطفلة جيدا ثم حشرها في صندوق ومن ثم دفنها في قبر ضحل.

ألقي القبض على غرابوسكي ووجهت اليه تهم اختطاف واغتصاب وقتل آنا باخماير , وقد دافع غاربوسكي عن نفسه اثناء المحاكمة بصورة مستفزة ، حيث القى اللوم على الطفلة ، زاعما بأنه لم تكن لديه الرغبة بالاعتداء عليها ولكنها حاولت ابتزازه وهددته باخبار والدتها انه قد لمسها بصورة غير لائقة , وذلك بغرض اخذ بعض النقود منه ..كان هذا الادعاء مؤلما جدا للوالدة المكلومة , إذ لم يكتفي القاتل بسلب حياة ابنتها بل القى اللوم عليها ايضا في سبب موتها!.

حرص المدعي العام على ذكر كل تفصيل الجريمة خلال أول يومين من محاكمته , مرفقا مع ذلك سجل سوابق المتهم , حيث تبين بانه مرتكب اعتداءات جنسية سابق وذو سجل اجرامي حافل بالموبقات , وقد تم احتجازه سابقا لادانته بالاعتداء على طفلين وحكم عليه بالاخصاء الكيميائي ونفذ الحكم فعليا عليه في عام 1976 , لكن ذلك لم يردعه عن القيام بجريمته الاخيرة بمجرد اطلاق سراحه.

صورة القاتل وقاعة المحكمة بعد مقتله على يد الام
لم تتقبل ماريان حقيقة موت طقلتها الغالية , لم تستطع التوقف عن البكاء , لم تعد تريد اي شئ من هذه الحياة , لقد فقدت اعز شيء على قلبها , كأنما قلبها قد اقتلع من بين ضلوعها .. ولم تجد سببا واحدا يدفعها لتحمل الحياة بلا ابنتها , وكذلك تحمل التفاصيل الدقيقة والمؤلمة للجريمة التى تليت على مسمعها مرات عديدة اثناء المحاكمة .. كانت كل كلمة كأنها سكين تنحرها .. لم تقدر على تخيل ماحدث , لم تصدق انه حقيقة , ودخلت في حالة عميقة من الاكتئاب فقدت معها اي احساس بالمنطق ..

في داخل قاعة المحكمة , في السادس من مايو عام 1981 , ثالث أيام المحاكمة , استطاعت ماريان بطريقة ما ان تقوم بتهريب مسدس من نوع (بريتا -ام 1934) الى داخل قاعة محكمة مقاطعة لوبيك الالمانية , وفيما كان الجميع منشغلين بالاستماع لوقائع الجلسة ، تسللت يد ماريان الى داخل حقيبة يدها بينما هي واقفة خلف غرابوسكي وصوبت المسدس باصرار نحو ظهره ثم ضغطت على الزناد ثماني مرات .. سبع رصاصات من اصل الثمانية اخترقت جسد غرابوسكي ممزقة احشاءه لترديه قتيلا في الحال ..

شعرت ماريان بنشوة الانتقام تغمرها ورددت على مسامع الحاضرين الذين لم تفارقهم بعد هدير تلك الطلقات المفاجئة المزلزلة .. كلمات فيما معناها انها تمنت لو انها صوبت عليه من الامام لتقتله.

ألقي القبض مباشرة على ماريان , ويعد ما قامت به اشهر حادثة انتقام داخل محكمة اهلية في المانيا , وقد جذبت هذه الحادثة تغطية اعلامية واسعة , وسافر عدد كبير من الصحفيين لتغطية الخبر , وسرعان ما تصدر الصحف عنوان : (ام تنتقم لمقتل ابنتها بقتل المدعى عليه في قاعة المحكمة ) ..

في الحقيقة أغلب الناس في المانيا اظهروا تفهما عميقا وتعاطفا مع ما فعلته ماريان.

تمت محاكمة ماريان , النطق بالحكم استغرق اربعة أشهر من الجلسات الحامية التي جذبت اهتماما كبيرا في ألمانيا الغربية خاصة وفي أوربا عامة.

ماريان باخماير خلال محاكمتها

في الثاني من نوفمبر عام 1982 تمت ادانة ماريان بالقتل من الدرجة الاولى كحكم ابتدائي .. وبعد 28 يوم من المفاوضات المستمرة بذل فيها محامو الدفاع جهودا مضنية لاقناع المدعي العام لتخفيض التهمة الموجهة للسيدة باخماير من قتل مقصود مع سابق الاصرار والترصد الى قتل غير متعمد مع اقتناء سلاح ناري بصورة غير قانونية , متعللين بأنها كانت تحت ضغط عاطفي شديد وغير مستقرة عقليا وعليه غير مسؤولة عن افعالها ,وانها اقتنت ذلك السلاح قبل اسبوع من المحاكمة بغرض الانتحار به وليس كمخطط مسبق للقضاء على غرابوسكي .. وهي نظرية لم تبذل ماريان جهدا في اثباتها حينما حاولت الانتحار بعد قضاءها لفترة ثلاث سنوات من أصل ست سنوات وهي الفترة التي حكم بها عليها ..وبناءا على هذه الظروف الاستثنائية تم اطلاق سراحها مبكرا وخضعت لعلاج نفسي مكثف.

عام 1985 تزوجت ماريان من معلم ألماني الجنسية وسافرت معه بعد ثلاث سنوات الى لوغاس في نيجيريا ليسكنا في المخيمات الألمانية هناك لتعليم الاطفال الافارقة , وبعد سبع سنوات تطلقت ماريان وسافرت الى سيسلي, وهناك تدهورت حالتها الصحية وتم تشخيص اصابتها بالسرطان مما ترتب عليه عودتها الى بلادها.

باعت ماريان قصتها بمبلغ مئتي وخمسين الف ماركة ألمانية , وفي العام 1994.. اي بعد 13 عاما من قتلها لغرابوسكي, وافقت على اجراء مقابلة اذاعية مع محطة ألمانية , وخلالها ذكرت عدة نقاط حول قضيتها. وظهرت مجددا في برنامج ((The Talk, الذي يعرض على قناة تلفزيونية محلية معترفة بأنها أطلقت النار على المدعى عليه في جريمة مقتل ابنتها بعد دراسة الأمر بتأني وذلك لتطبق القانون عليه , ولمنعه من نشر مزيد من الأكاذيب عن ابنتها.

ماتت في سن مبكر ودفنت الى جوار ابنتها

في السابع من سبتمبر عام 1996 فارقت ماريان حياتها البائسة عن عمر صغير ولم تكد تكمل عامها السادس والاربعين بسبب سرطان البنكرياس .. ودفنت في نفس القبر الذي دفنت فيه ابنتها قبل ستة عشرة عاما.. ليطوى بذلك آخر فصل من فصول قصتها...

مصادر :

- Marianne Bachmeier - Wikipedia
- Marianne Bachmeier - The Vengeance of a Mother

تاريخ النشر : 2018-11-17

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر