الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

النبيل القاتل : لورد لوكان قصة لم تمت منذ أربعين عاما !

بقلم : منال عبد الحميد

رجل تحول الى لغز غامض من دون حل حتى يومنا هذا

في عام 1999 أعلنت محكمة بريطانية رسميا وفاة رجل يدعي " ريتشارد جون بينجهام " ، لكن ذلك الإعلان كان مسببا بغرض السماح لأسرته بالحصول على ممتلكاته  ولكن هذا الإعلان كان قانونيا فقط دون أي أثر في الواقع ، فلم يكن هناك جثة ، أو اشتباه في وفاة مؤكدة ، ولم يكن مكان دفن الإيرل السابع معروفا ، بل صدق أو لا تصدق فلم تكن مسألة موته محسومة على نحو واضح .. وذلك ببساطة لأن السيد " بينجهام " لم يُشاهد بشكل قطعي منذ خمسة وعشرين عاما قبل تاريخ إصدار إعلان الوفاة .. قيل أن الرجل نبيل الأصل شوهد في إيرلندا ، نيوزيلندا ، أفريقيا ، وحتى الهند ،ولكن ما من شائعة من تلك تم التأكد منها !

أما الإيرل نفسه فقد كان مختفيا لأنه ،وفي ليلة ما في عام 1974 تسلل إلي داخل منزله في  بيلجرافيا بوسط لندن لهدف واحد ، وهو قتل زوجته ،التي انفصلت عنه  ،وفشل في الحصول على حضانة أبنائه الثلاثة منها، لكنه وقع في خطأ بسيط ، فبدلا من أن يقتل " فيرونيكا دونكان " ، زوجته السابقة ، قتل ، وعن طريق الخطأ ، فتاة لا ذنب لها ، هي مربية أولاده " ساندرا ريفيت " ، ومن ثم أختفي ولم يُعثر له على أثر مرة أخري !

شهادة الوفاة الرسمية الخاصة بلورد لوكان صدرت في عام 2016 دون أن يُعرف مصيره النهائي .

قصة " ريتشارد لوكان " هي واحدة من أكثر قصص المجرمين الهاربين إثارة ،وقضيته لا تزال محل تحقيق وبحث حتى الآن .. برغم مرور أكثر من أربعين عاما على وقوعها !

الحياة السعيدة للوكان المحظوظ

الزوجين لوكان يوم زواجهما  : البدايات دائما ما تكون جميلة .. ومخادعة !

ولد " ريتشارد جون بينجهام " Richard John Bingham في الثامن عشر من ديسمبر 1934 ، ورث لقبه النبيل ( الإيرل السابع للوكان ) من قبل والته " كاتلين إليزابيث آن داوسون " ، وقد تلقي الوريث المنتظر ، كما هو متوقع ، تعليما راقيا وتخرج من كلية إيتون ، كما خدم مع حرس كولدستريم Coldstream بألمانيا الغربية ، وحصل على عضوية نادي كليرمونت Clermont Club، وعمل في مستهل حياته في بنك ميرشانت Merchant Bank, ،كان معروفا بذوقه الرفيع وميله للمقامرة، حتي أنه ترك عمله الأصلي ليحترف المقامرة ،وقد كان هذا الأمر الأخير أحد أسباب انهيار وفشل زواجه من " فيرونيكا دونكان " ، التي تزوج منها 20 نوفمبر عام 1963 ، وأنجبا معا ثلاثة أبناء ، بيد أن هذا الزواج سرعان ما تحطم نتيجة خلافات عديدة بين الزوجين ، كان أهمها بسبب خسائره في القمار ، وتم الانفصال عام 1972م.

لكن الأمر لم يكن قد انتهي بعد فقد كان لا زال ثمة رابط يغل الزوجين السابقين معا في علاقة شائكة ، وهو أطفالهما الثلاثة ، الذين حاول الأب الحصول عليهم لكن الزوجة كسبت قضية الحضانة ،برغم محاولات اللورد الشرسة للاستحواذ على حضانة الأطفال ، حتى أنه أقدم على التجسس على " فيرونيكا " ،محاولا أن يبرهن على أنها غير أمينة على أطفالهما ، كما حاول إثبات تهمة الجنون عليها ، إلا أن مزاعمه لم يتم التصديق عليها ، ورُفضت كل محاولاته لأخذ أطفاله سواء بالطرق القانونية أو بالقوة ، وكان واضحا أن أية محاولة من قبله لاستعادة أولاده سوف تُجابه بمقاومة شرسة منها  ، وقد كلفته القضايا المتبادلة بينهما 20 ألف جنيه أسترليني ، وساهمت خسائره في القمار في جعله على شفير الإفلاس ، وقد كان اختفاء زوجته النهائي هو الحل السحري لجميع مشاكله .. وعلى ذلك وبحسابات رجل لم يعد لديه ما يخسره قرر الإيرل الانتقام على طريقته !

ماذا جري في ليلة السابع من نوفمبر ؟!

منزل لورد لوكان

كان اللورد واثقا تماما من الخطوة التي أقدم عليها ، ولا أحد يعرف فيما كان يفكر ، وهو يتسلل بخفة إلي منزله الكائن برقم 46 بشارع لاور بيلجريف ستريت Lower Belgrave Street ببلجرافيا Belgravia أحد أحياء وسط لندن الأرستقراطية ، كان " ريتشارد " مهيأ تماما للإقدام على عمل جنوني في تلك الليلة ، لذلك حمل معه أنبوبا ثقيلا من الرصاص ، تسلل إلي المنزل ، الذي يعرف تفاصيله جيدا بطبيعة الحال ، واختبأ في القبو ثم أنتظر حظه !

كان بالمنزل ليلتها زوجته ، وأطفاله الثلاثة ، والمربية الجديدة " ساندرا ريفيت " ، التي حصلت على وظيفتها في أوائل عام 1974م .

كان " ريتشارد " يحفظ عادات زوجته جيدا ، لذلك كان يعرف أنها سوف تنزل في الساعة التاسعة مساء إلي المطبخ لتعد فنجانا من الشاي ، ثم تأخذه إلي غرفتها وتشربه قبل النوم ، وبالفعل في الساعة الثامنة و55 دقيقة مساء رأي اللورد من مخبأه شبح امرأة يدلف إلي المطبخ المظلم ، ومن ثم وثب نحوها وجذبها إلي القبو ،وعاجلها بضربات قوية بسلاحه الثقيل ، ويبدو من تأمل الوقائع أن اللورد " لوكان " لم يري وجه ضحيته جيدا، وربما يكون قد قام بجريمته كاملة تحت جنح الظلام اعتمادا على تأكده من كون المرأة التي يوجه إليها الضربات هي زوجته الكريهة ، فقد كانت بنفس الطول وحجم الجسم ،لكنه ، وفيما هو مشغول بتعبئة جثة المرأة التي هشم رأسها في حقيبة من القماش ، تجمد الدم في عروقه ، إذ سمع صوت زوجته تنادي " ساندرا" من أعلي السلم ، حينئذ أدرك " بينجهام " أنه لم يقتل سوي الفتاة البريئة " ساندرا ريفيت " وأن قصده الرئيسي ، وهو زوجته ، قد أفلت ونجا بحياته .

مسرح الجريمة ..

لكن الرجل قرر أن يكمل جريمته مهما كلفه الأمر ، فهاجم زوجته بدورها وسدد إليها بضع ضربات ، إلا أنه ربما لم يكن في وضع يسمح له بإنهاء ما بدأه ، وتمكنت زوجته ، بعد صراع بينهما ، من الإفلات منه ، لكنها لم تهرب ، بل سألته عما حدث للمربية ، فأخبرها بأنه قتلها عن طريق الخطأ .

المدهش هو ما حدث بعد ذلك ، فبشكل يقطع بكون " بينجهام " غير متزن نفسيا ومشوش ،ولا يعرف فعلا ما يفعله ، فقد أنصاع لعرض زوجته الذي ربما قدمته بغرض تهدئته، خشية أن يحاول قتلها مجددا ، وتركها تعرض عليه مساعدته في الفرار ، ثم تبعها إلي غرفة نومها ، تحدثت إليه " فيرونيكا " طالبة منه أن يبقي بالمنزل بضعة أيام لتشفي جروحه قبل أن يهرب ، وطلب " بينجهام " منشفة مبللة ، وأمرها بأن تضع المناشف على السرير لئلا يتلوث بالدم ، قد يشير هذا إلي كونه أصيب بجروح أثناء الصراع بينه وبين زوجته ، ودخل القاتل إلي الحمام ، وكانت تلك الفرصة التي تنتظرها " فيرونيكا " ،لأنها سارعت بالفرار من المنزل ، وأخذت تجري حتى الشارع وهي تصيح طالبة النجدة حتى وصلت إلي أول مكان عام صادفته وهو البار المسمى بلامرز آرمز . The Plumbers Arms

بار بلامرز آرمز .. هنا اختبأت ليدي لوكان من زوجها القاتل

الغريب أن " لوكان " بارح المنزل فورا ، لكنه بدلا من أن يبادر إلي الهروب بسرعة ، توجه إلي منزل يقع في تشيستر سكويرChester Square ، حيث بيت احدي زميلات ابنته في المدرسة ، ووالدتها التي تدعي " مادلين فلورمان " ، ودق " بينجهام " الجرس إلا أن " مادلين " تجاهلته عمدا ، ثم تلقت المرأة مكالمة غريبة ،وحاول القاتل دخول منزلها مرة أخري لسبب لا يعرفه أحد .

مادلين فلورمان .. لا يزال دورها في ليلة مقتل مربية آل لوكان غامضا

إلا أنه وبعد فشله في الوصول إليها غادر ، وقد تمت معاينة منزلها لاحقا وتبين وجود آثار دماء من فصيلتي A و Bعلى عتبة منزلها .

أما " لوكان " فقد تم التأكد من كونه تحدث هاتفيا إلي والدته فيما الساعة العاشرة والنصف والحادية عشرة مساء ، ثم روي لها قصة ملفقة عن هجوم تعرضت له زوجته في منزلهما ، وطلب من الجدة أن تذهب لتأخذ الأطفال من شارع بيلجريف ، وقد اقتحمت الشرطة المنزل ، بعد تلقيها بلاغا من الزوجة " فيرونيكا " ،أو والدة " بينجهام " ربما ، وعثرت على جثة المربية بداخل الحقيبة التي قام القاتل بتعبئتها فيها ، أما الزوجة فقد نُقلت إلي مستشفى سانت جورج لتلقي العلاج .

اللورد " لوكان " قاد سيارة من نوع فورد كورسير 42 Ford Corsair 42 مسافة ثمانية وستين كيلومترا حتى أوكفيلد / شرق ساسكس لرؤية أصدقائه من آل ماكسويل سكوت ، وكان لقاءه بالسيدة " سوزان سكوت " هو آخر مرة يتم فيها مشاهدته على الإطلاق !

أين أختفي قاتل المربية ؟!

المربية " ريفيت " دفعت حياتها ثمنا لخلافات زوجية لا شأن لها بها !

صباح الجمعة 8 نوفمبر وصلت قوة البوليس بقيادة رئيس الشرطة " روي رانسون " Roy Ranson  إلي مسرح الجريمة حيث تم التأكد من عدم وجود علامات دخول قسري إلي المنزل ، كما لوحظ ، أثناء الفحص الدقيق ، وجود عدة أغراض ملوثة بالدماء ، كان منها منشفة في حجرة نوم الزوجة ، التي أرسلت إلي المستشفى لتلقي العلاج ،  ودماء مراقة أعلي السلم ، حيث يفترض أنه المكان الذي تعارك فيه الزوجان " لوكان " ،وفنجانان وصحون ملقاة وسط بركة دماء ، وعديد من أوراق النباتات في الحديقة الخلفية لوحظت عليها آثار الدماء ، كان معني هذا أن القاتل كان مغطي بالدماء تقريبا ، ومن السهل ملاحظة رجل بهذه الحالة إذا ما تحرك على الطريق العام .

أثناء فحص الجثة تم التأكد من كونها قُتلت بواسطة ضربات من آلة ثقيلة على مقدمة الرأس، توافق أوصاف الماسورة المصنوعة من الرصاص التي وجدت بداخل المنزل ، وكانت التحقيقات الأولية قد وضعت عدة افتراضات عما حدث ، وتم استبعاد زوج " ساندرا " ،الذي انفصلت عنه ،" روجر ريفيت " Roger Rivett;، من جملة المشتبه بهم ، لكونه كان خارج المدينة ليلة وقوع الجريمة ، شهد والدا القتيلة بحسن علاقتها بمخدومتها السيدة " لوكان " وحبها للأطفال ،الذين تقوم على رعايتهم ، هنا تحديدا تكمن نقطة غموض ملفتة للنظر ، فمعني كل هذه الوقائع أنه إما أن السيدة " لوكان " أخفت تورط زوجها في الجريمة ، أو أنها كانت في حالة لم تسمح لها بتقديم شهادتها خلال الفترة الأولي بعد وقوع الحادث المروع .

ولتأكد ضلوع اللورد المفقود في الجريمة تم تعميم أوصافه لاحقا ،والإعلان بكونه مطلوب ، " لوكان " كان قد أتصل بوالدته في الساعة الثانية عشرة والنصف صباح اليوم التالي لوقوع الجريمة ، ووعدها بأن يبقي على اتصال معها.

ثم قادت التحقيقات الشرطة إلي عنوان آل سكوت ، الذين كانوا هم آخر من شاهد اللورد الهارب ليلة القتل ، وقد بقي في ملكيتهم لبعض الوقت ، وهناك قام بكتابة خطابين إلي عديله ، " بيل شاند كيد " ، الذي هرع سريعا ليتسلم الخطابين ، ثم قرأهما وقام بتسليمهما إلي قائد قوة التحقيق في جريمة بيت آل " لوكان " ، وذلك بعد أن تأكد من وجود آثار الدماء عليهما .

كان " لوكان " يزعم في رسائله إلي " شاند كيد " أنه شاهد رجلا يهاجم زوجته " فيرونيكا " في منزلهما ببلجريف ، وأنه تصارع معه ، مما أدي إلي إصابته ، وأن هذا المقتحم الدخيل هرب بينما كان " لوكان " في الحمام يعالج جروحه ! وطلب من صديقه أن يأخذ الأولاد في رعايته معلنا له بعض الترتيبات الأخرى الخاصة بالإنفاق عليهم ، كما أدعي " لوكان " أن زوجته سوف تتهمه بالمسئولية عن تلك الجريمة رغبة منها في الانتقام منه وتدميره !

رواية " لوكان " العصية على التصديق لم تجد آذانا صاغية لدي الشرطة ، وبدأت حملة لمطاردة القاتل ، وتم العثور على سيارته خالية  في نيوهافن Newhaven على بعد 16 ميلا من أوكفيلد ، وبداخلها وجد أنبوب رصاصي مغطي بلاصق طبي ، وقد شهد رجلين بأن " لوكان " كان متوقفا بسيارته في هذه المنطقة بين الساعة الخامسة والثامنة صباحا .

مالك السيارة الأصلي " مايكل ستوب " ، صديق " لوكان " ،ورفيقه في لعب الطاولة والجولف ، تلقي رسالة منه تُركت له في نادي سانت جيمس ، إلا أن " ستوب " أرتكب خطأ شنيعا إذ تخلص من المغلف الذي كانت الرسالة بداخله ، وبذا ضاعت فرصة ثمينة لمعرفة العنوان الذي تواجد فيه " لوكان " لآخر مرة !

القصة وفقا لرواية لوكان : توريط من زوجته !

اللورد لوكان قدم رواية مختلفة لما حدث

في الثلاث رسائل التي تركها " ريتشارد بينجهام " خلفه ،قبيل اختفاءه صبيحة يوم الجريمة ،لوحظ  ورود رواية مغايرة للأحداث تمسك بها الرجل بشدة ، فقد أدعي براءته من جريمة مقتل المربية ، وقدم رواية أخري تزعم أنه تعرض لهجوم من قبيل رجل غامض وجده يتسلل إلي منزله في بيلجرافيا ، بينما كان يزور زوجته السابقة وأبناءه ، وأن المقتحم الدخيل قد هرب بعد أن قتل " ساندرا " ، وأصاب اللورد والليدي " لوكان " بجروح خطيرة ، دفعته ، أي " لوكان " ، إلي الهروب إلي الحمام بحثا عن منشفة يمسح بها الدماء التي كانت تغطي جروحه ، قصة لا يسهل تصديقها ، كما أن سلوك " لوكان " التالي كان غير مفهوم ، فإقدامه أيضا على القيام بزيارة إلي بيت " مادلين فلورمان " ، والدة زميلة ابنته البكر " فرانسيس " ، بعيد الحادث مباشرة وهو مغطي بالدماء ، وهروبه بعد امتناع المرأة عن السماح له بالدخول ، وهنا يثور تساؤل مشروع للغاية : فماذا كان " ريتشارد " يريد منها بالضبط ؟

هل كان يريد الاختباء في منزلها ، أم أن ثمة علاقة ما كانت تربطه بها ، أو لعلها كانت تعرف شيئا معينا في صالح قصته وأراد أن يرغمها على إعلانه لتبرئة ساحته ؟!

قصص اللورد " لوكان " حول براءته من تهمتي قتل المربية والشروع في قتل زوجته لعبت على وتر قديم تمسك به " لوكان " ، أثناء محاولاته لانتزاع حضانة أطفاله عن طريق المحكمة ، حيث أدعي مرارا أن زوجته مجنونة ، أو مضطربة نفسيا ، بل وحاول إيجاد دليل على ذلك بمراقبة منزلها عن طريق أشخاص أرسلهم لأجل تلك المهمة ، ويبدو أن العلاقة بين الزوجين قد وصلت مرحلة بالغة الخطورة حد أن الكونتيسة " لوكان "  أصبحت تخشي على سلامتها حتى أنها قالت لمربية أطفالها السابقة ستيفانيا سافيتسكا أن عليها ألا تندهش ( لو قتلني يوما ما )! .

ورغم فشل إثبات هذه النظرية فإن القصة تم تداولها واستخدمت ، فيما بعد ، كأحد الروايات البديلة عما حدث في ليلة السابع من نوفمبر في بيت آل لوكان ببلجرافيا .

أغلبية من درسوا تفاصيل هذه الجريمة شككوا بقوة في هذه الرواية الضعيفة ، مقدمين أدلة على تهافتها ، أولها شهادات تقدم بها بعض من يعرفون " لوكان " عن قرب ، بعد وقوع الجريمة ، تفيد بأنه تحدث أمامهم عن الفوائد الجمة التي سيجنيها من قتل زوجته " فيرونيكا " ، أهمها هو استرداد حضانة أطفاله ، ثم حصوله على ثروة كبيرة تتيح له سداد ديونه في المقامرة ،واستعادة منزلته كرجل ثري من الطبقات النبيلة !

لكن السؤال الأهم في كل تلك القصة الغامضة هو : أين أختفي " ريتشارد جون بينجهام " منذ ليلة الجريمة  وحتى لحظة كتابة هذه السطور ؟!

اللغز المحير : اللورد تبخر في الهواء .. أربعين عاما من البحث عن خيط دخان !

Lucky lucan .. خدمه الحظ حتى آخر لحظة !

الطب الشرعي كذب رواية " لوكان " بشكل قاطع إذ كان على الأنبوب الرصاصي ، الذي وجد في مسرح الجريمة ،آثار دماء تعود إلي فصيلتي دم مختلفتين ، وهما من نفس فصائل الدم الخاصة بالمربية " ساندرا ريفيت " والليدي " لوكان " ، كما أن شعرا مشابها جدا لشعر الأخيرة كان موجودا على نفس الأداة ، التي تأكد على نحو شبه قاطع كونها أداة الجريمة ،

وعلى نفس المنوال فإن الدماء التي وجدت على عتبة منزل "فلورمان " تعود إلي نفس الفصيلتين ،وإذا كانت قصة " لوكان " ، حول المقتحم المجهول ، صحيحة فأي مبرر لوجود دماء المربية ودماء زوجته معا على ملابسه ، تلك نقطة ثانية ليست في صالح قصته ، لكن التأكيد الأكبر على كونه متورطا تماما هو هروبه واختفاءه التام بعد وقوع الجريمة ، فاللورد النبيل الأصل لم يظهر لها آثر فعليا منذ يوم الجمعة 8 نوفمبر 1974م ، وترك العالم يبحث عن إجابة هذا اللغز المحير : أين ذهب لورد " لوكان " ؟!

في حالة ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة فإن " ريتشارد جون بينجهام " الإيرل السابع للوكان سوف يكون في عامه الرابع والثمانين ، وليس مستبعدا تماما أن يكون لا زال حيا ، لكن السؤال أين هو الآن إن كان كذلك ، وأين كان مختبئا طوال ما يزيد على أربعين عاما إن كان قد مات ؟!

أعتبر لورد " لوكان " ميتا رسميا منذ عام 1999م بيد أن ذلك الإعلان القانوني لم يكشف حقيقة ما جري لقاتل " ساندرا ريفيت " بعد هروبه السريع ،كبير مفتشي الشرطة وكذلك زوجة الهارب أعلنا اعتقادهما في انتحاره بعد الجريمة كـ (رجل نبيل )، بينما أدعي صديق للوكان اسمه " جون أسبينال " أن لوكان قد أنهي حياته بالقفز من زورقه البخاري في الماء مع ثقل مربوط حول جسده ، لكن هذه النظريات كلها لم يقم دليل واحد عليها .

لورد لوكان ومراحل تقدمه في السن : صورة تخيلية !

الذي حدث هو عدة مشاهدات للوكان أو لأشخاص يشبهونه أعلنت وأدي بعضها إلي مواقف محرجة ،وأحيانا تم الكشف خلفها عن خدع رخيصة مدبرة ، أقرب تلك المشاهدات الزائفة كانت بعد وقوع الجريمة بفترة قصيرة ، حيث شك أحدهم في شخص خُيل إليه أنه يشبه لورد " لوكان " ، وبتتبع الشخص المقصود تم اكتشاف أنه مسئول بريطاني سابق يدعي " جون ستونهاوس "John Stonehouse ، وزير الاتصالات في حكومة رئيس الوزراء " هارولد ويلسون " ، ومن الطريف أن كان له قصة غريبة هو الآخر ،وقد دبر حالة موت زائفة لنفسه ليبدأ حياة جديدة مع عشيقته في أستراليا ، وقد زور قصة موته في 20 نوفمبر ، نفس شهر حدوث جريمة لوكان ، وتنقل بين أستراليا وكوبنهاجن ، لكن تم الاشتباه في كونه لورد لوكان ، وتم تتبعه واعتقاله يوم 24 ديسمبر من نفس العام ، وانكشفت حقيقة شخصيته وقصة موته المزيفة وأُعيد إلي بريطانيا وسُجن هناك .     

وستنهاوس : كاد يفلت بخطته البارعة لكن لورد لوكان أفسد عليه الأمر !

اشتباه آخر حدث لشخص مجهول في فرنسا في العام التالي ، 1975م ، لكن رجال البوليس لم يتمكنوا من تتبع الخيط ، ظهور آخر لشخص يُعتقد أنه لورد " لوكان " في كولومبيا ، ثم تبين ، عند التحقق من الأمر ، أنه رجل أعمال أمريكي يدعي " جون ميلر " .

كذلك فقد دفعت قصة هروب لورد " لوكان " بعض صائدي الجوائز ومحترفي الخدع إلي ادعاء أنهم أمسكوا به ، أشهر من زعم أنه أوقع بلورد " لوكان " هو " روني بيجز " Ronnie Biggs، الذي خرج على العالم معلنا ، في نبأ مثير تصدر صفحات الجرائد الأولي ، أنه قبض على لورد لوكان .

لكن مزاعم صائد الجوائز الشهير لم تصمد طويلا ، وسرعان ما تأكد من كونه كاذب ومخادع !

ادعاء روني بيجز بالإيقاع بلورد لوكان يتصدر عناوين الصحف

وحتى مع بداية الألفية الثالثة كانت قصة هروب " لوكان " لا تزال تثير حماسة الكثيرين للبحث عنه ، فقد أدعي محقق سابق في سكوتلنديارد أنه عثر على القاتل نبيل الأصل في الهند ، إلا أنه وجد نفسه في نهاية الأمر أمام مطرب يدعي " باري هالبين " Barry Halpin !

المثير للدهشة أنه حتى بعض المشردين ومن لا مأوي لهم تعرضوا للشكوك في كونهم لورد لوكان الهارب ، مثلما حدث مع رجل بريطاني مشرد في نيوزيلندا عام 2007م ، زعم من يعرفونه أنه اللورد القاتل !
هالبين : ناله نصيب من حمي البحث عن لورد لوكان !

برغم كل ذلك فإن أشد الشائعات رواجا هي التي ربطت بين لورد " لوكان " وبين الهروب إلي أفريقيا ،في شهادة قد تقدم حلا نهائيا للغز ،قالت امرأة نُشرت قصتها باسم " جيل فندلي " أنها قامت بترتيب سفر أولاد اللورد " لوكان " إلي كينيا ، ومنها إلي الجابون ليلتقوا بأبيهم الذي كان يعيش هناك ،وبالنظر إلي أن " فيندلي " عملت في كازينو يملكه " أسبينال " ، صديق لورد " لوكان " ،الذي أدعي أنه أنتحر بإغراق نفسه ، فإن شهادتها تعتبر ذات حيثية ،ووفقا لما ترويه فإن الأطفال لم يُسمح لهم برؤية والدهم ، فقط هو كان يراقبهم من بعيد أثناء تنزههم وقيامهم برحلات السفاري ، قد تشير تلك القصة أيضا إلي نوع من التواطؤ من قبل ليدي " لوكان " ،لمعاونة زوجها السابق في الهروب من عقوبة جريمته ، خاصة وأن سلوكها ليلة الجريمة يقطع بأنها كانت ترغب في السماح لزوجها بأن يفر بعيدا .

والمعتقد أن " أسبينال " والمليونير " جولد سميث " ، وهما من أصدقاء لورد لوكان ، بالإضافة إلي آخرين من عصبة أعضاء نادي كليرمونت قد شاركوا في خطة محكمة لتهريبه إلي أفريقيا ،ليستكمل حياته هناك بعيدا عن أيدي العدالة .

الزوجة ، ليدي " لوكان " ، من ناحيتها نفت جملة وتفصيلا هذه الشائعات ، وأعلنت أنها أطفالها لم يسافروا أبدا إلي أفريقيا ، متهمة " فيندلي " بمحاولة التربح على حساب سمعتها وسمعة أولادها .

لكن صورة كهذه يصعب جدا جدا تجاهلها في حقيقة الأمر إن كانت صحيحة فعلا وليست زائفة !

لورد لوكان في صورة يبدو فيها أكثر تقدما في السن مما كان عليه وقت وقوع جريمة قتل المربية .. هل هذا إثبات نهائي على حقيقة هروبه إلي أفريقيا ؟!

الشهادة الأكثر حسما للقضية أتت من شخص مقرب جدا للورد لوكان الهارب ، وهو شقيقه " هيو بينجهام " Hugh Bingham الذي أعلن عام 2012م أن أخاه قد هرب فعلا إلي أفريقيا وعاش بقية حياته هناك !

هيو بينجهام .. أعلن الحقيقة بعد مرور ثمانية وثلاثين عاما على وقوع الجريمة !

توفي الشقيق الأصغر للورد " لوكان " في جنوب إفريقيا ، حيث كان يعيش ، عام 2018 بعد صراع طويل مع المرض ، أي عقب مرور ست سنوات على تصريحه الخطير .. اللافت للنظر أن الأخ الأصغر قد أنتقل إلي إفريقيا بعد اختفاء أخيه ببضع شهور .. فلماذا .. هل ليكون بالقرب من اللورد الهارب ؟!

أخيرا حُسم اللغز الكبير : لورد لوكان هرب إلي أفريقيا !

ووفقا لتلك الشهادات الأخيرة فإن لورد لوكان قد عاش ما تبقي من عمره في القارة السمراء ، هربا من العدالة ودم " ريفيت " اللذين ينتظرانه في لندن ،لكن في نهاية الأمر يثور تساؤل مشروع وأكثر منطقية من كل ما سبق من تساؤلات :

هل خروج لورد " لوكان " من بريطانيا ، بعد ارتكاب جريمته ،تم بجهود أصدقائه من أعضاء نادي كليرمونت وحسب ، أما أن الأمر شمل أيضا تواطؤ من آخرين ، وعلى رأسهم زوجته ، التي قالت أنها لم تنسي أبدا الأوقات الجميلة التي قضياها معا ، أو ربما ، وهذا هو الأخطر ، تدخل لتهريب اللورد القاتل أشخاص في مواقع المسئولية في البلاد ،محاولين حماية الطبقة الأرستقراطية النبيلة من أن يجر أحد أفرادها في المحاكم ،ويدان كقاتل ملوث اليدين بدم بريء ؟!

كان إعلان الوفاة الذي صدر عام 1999 لا يسمح بإصدار شهادة وفاة للورد الهارب ، بل بمجرد إعطاء أسرته الحق في التصرف في أملاكه ، غير أن صدور قانون  the Presumption of Death Act عام 2013 سمح لابنه الوحيد " جورج بينجهام " بمحاولة جديدة لإثبات وفاة والده رسميا ، بغرض الحصول على لقب النبالة ، الإيرل الثامن للوكان ، وقد تحقق مراده يوم 3 فبراير عام 2016 حينما حكمت المحكمة العليا ،في جلسة استماع عقدتها ،بأحقية الوريث المنتظر في لقب عائلته ، وهكذا تم توثيق موت لورد لوكان رسميا وبشكل قانوني !

جورج بينجهام .. أصبح إيرلا للوكان في عام 2016

ماتت " فيرونيكا لوكان " في سبتمبر من عام 2017 ،عن عمر يناهز الثمانين عاما ،في بيتها بلندن .. وأخذت معها نصف السر وكل الحقيقة !

فيرونيكا لوكان .. هل كانت الحقيقة مخبئة في صدرها حتى الموت ؟!

وبرغم هذه الشهادات المؤكدة حول هروب لورد " لوكان " واستكماله لحياته في أفريقيا بعد عام 1974م ، فإن حقيقة موته لا تزال مجهولة .. كما أن مكان قبره ، فيما إذا كان قد مات ، غير معروف حتي الآن !

ملحوظة : يوجد موقع بعنوان لورد لوكان https://www.lordlucan.com/

وهو يقدم مجموعة من الصور والأدلة والتحليلات التي تثبت أن " لورد لوكان " فر إلي إفريقيا بعيدا عن أيدي العدالة ، وأنه لا زال على قيد الحياة ، يُدار الموقع من مدينة لواندا / أنجولا ، ولكن التثبت من حقيقة ما يقدمه من صور وأدلة لا يزال محل شك .

مصادر :

1 – John Bingham, 7th Earl of Lucan - Wikipedia

2 – John Bingham, 7th Earl of Lucan

3 – The Lord Lucan disappearance in photos

4 – Lord Lucan Richard Bingham Still Wanted For Murder

5 – Michael Stoop

6 – العثور على أرملة اللورد لوكان ميتة في منزلها بلندن

تاريخ النشر : 2018-12-05

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر