الزائر الصامت2

بقلم : BDOOR _ المملكة العربية السعودية

يُقال بأن لكل إنسانٍ عالمه الخاص، ولكن بالطبع ليس في واقعنا بل في أحلامنا. هناك نفعل ما نشاء متى ما رغبنا بذلك؛ إن أردنا أن نكون ملوكاً فسنُتوَّج ملوكاً. فها هو عالم الأحلام فضاءٌ بلا قانونٍ ثابت، باستطاعتنا فيه أن نفعل أي شيءٍ يخطر على بالنا، أو حتى ما لا يمكن لعقولنا تخيله. فلتسمحوا لي أن أسرد لكم بعضاً من القصص الغريبة العجيبة والتي حدثت بالفعل وليست من نسج الخيال. لا أريد أن أطيل عليكم أكثر، لذا دعونا نبدأ.

​قبل أكثر من ثماني سنوات وفي إحدى الليالي الباردة ذهبتُ إلى سريري وبدأتُ بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ظللتُ على هذا الحال لبعض الوقت إلى أن زارني النوم بغتةً. كنتُ ممسكةً بهاتفي، أنا متأكدةٌ من ذلك تماماً، قبل أن أغرق في نومٍ عميق.

​بدأتُ أرى كثباناً رمليةً حولي تبدو وكأنها لا نهاية لها، كان القمر محاقاً والظلام دامساً، والرمال تأتي وتذهب بخفة وكأنها تتراقص مع الرياح. هممتُ بالسير إلى الأمام دون أي وجهة لبعض الوقت، فما لبثتُ إلا أن لمحتُ أضواءً خافتةً من بعيد. شعرتُ ببارقة أمل تسري في جسدي، فبدأتُ أركض مسرعةً خوفاً من أن تتلاشى تلك الأضواء كالسراب. وها هي تقترب مني شيئاً فشيئاً حتى وجدتُ نفسي فجأةً داخل قريةٍ كبيرة مزينةٍ بأضواءٍ كثيرة وكأن أهلها يستعدون للاحتفال بشيءٍ ما. رأيتُ بائعين يعرضون بضائعهم هنا وهناك، وكان عبير العود ينتشر في الهواء بينما أصوات الأحاديث وضحكات الناس تعجُّ بالمكان، ومن فرط زحامهم لم أستطع حتى المرور من بينهم. كان وجهي يعلوه مزيجٌ من الدهشة والذهول؛ كيف لمكانٍ كهذا أن يتسع لهذا العدد المهول من البشر؟!

​تابعتُ السير متجاوزةً هذا الزحام المهول، أتنقل بنظراتي تارةً هنا وتارةً هناك، وفي تلك الأثناء لمحتُ أن بعض المتواجدين يرمقونني بنظراتٍ غامضة. لم أعر الأمر اهتماماً في البداية وظننتها مجرد فضولٍ عابر، ولكن بعد لحظاتٍ معدودة شعرتُ ببرودة تقترب من خلفي، وفجأة وقعت كلماتٌ هُمس بها بصوتٍ خافتٍ ونبرةٍ هادئة خلف أذني:

(أنتِ لستِ من هذا المكان فماذا تفعلين هنا؟!)

​التفتُّ بسرعةٍ إلى الخلف لأرى من صاحب الصوت، وفجأة عمَّ الصمتُ في أرجاء المكان، حلَّ السواد بدلاً من الأضواء المبهجة وتلاشى كل أولئك البشر من حولي في لمح البصر وكأن الأرض ابتلعتهم. خيّم الظلام على القرية بأكملها وظللتُ متجمدةً في مكاني عاجزةً عن استيعاب ما يجري، لم أدرِ ماذا أفعل سوى أن ألتفت يمنةً ويسرةً على أمل أن أجد أي مخرجٍ وسط تلك البيوت القديمة التي ظهرت فجأةً من العدم. وفجأة ظهر الزائر الصامت من جديد، رأيتُه بجانب أحد تلك البيوت واقفاً هناك؛ لم أتبين من ملامحه ولم أعلم إن كان يحدق بي أم لا فالظلام حوله كان دامساً. وبالرغم من الرعب الشديد الذي تملّكني إلا أنني استجمعتُ ما تبقى لي من شجاعة وفتحتُ فمي المرتجف بصعوبة، وقبل أن أنطق بحرفٍ واحدٍ، أتى صوت دوي قوي وعنيف. التفتُّ بسرعة والرعب يتملكني، اتجهت نظراتي المذعورة نحو ذلك البيت المهترئ الذي انبعث منه الضجيج، وفجأة ومن دون أية مقدمات انفتح الباب الخشبي بقوة شديدة ليخرج من عتمته شيءٌ حالك السواد خارق السرعة يندفع باتجاهي كالسهم. وقبل أن أستوعب ما يجري انقضَّ على إحدى يديَّ وعضَّها بكل ما يملك من قوة. صرختُ متألمةً وأنا أحاول يائسةً دفعه وإبعاده عني، واتضح لي أخيراً أنه قطٌّ أسود ضخم البنية بشكلٍ يثير الريبة. لمحتُ بوضوح لمعان عينيه الصفراوين، كانت تفيض بالحقد والكره حتى إن نابيه الأماميين كانا طويلين وبارزين بشكلٍ مخيف. كان لا يزال ممسكاً بيدي بقوةٍ ومطبقاً عليها، فاستجمعتُ ما بقي لي من طاقة ووجهتُ إليه ضربتين قويتين متتاليتين حتى استطعتُ أخيراً الإفلات من قبضة فكيه بعد عناء طويل. وبعدها ركضتُ مسرعةً أقطع أزقة القرية المظلمة، وكلما ابتعدتُ عنها أكثر وأكثر كلما تلاشت معالم القرية، حتى وجدتُ نفسي في نهاية المطاف أقف وحيدةً في عمق تلك الصحراء تائهةً من جديد تحت سكونها المرعب. لم أكن أملك أدنى فكرة عما يجب عليَّ فعله؛ كنتُ مرعوبةً حد الموت. وبعد لحظات قليلة شعرتُ ببرودة شديدة تسري في جسدي بالكامل وبيدٍ تمسك بكتفي، كانت يداً قارصة البرودة كالثلج. وقبل أن ألتفت لأرى صاحبها، إذا بي فتحتُ عينيّ ووجدتُ نفسي مستلقيةً على سريري وقلبي ينبض بعنف، كنتُ أتصبب عرقاً وأتنفس بصعوبةٍ بالغة بينما يداي تنتفضانِ من أثر الرعب الذي ما زال يتملّكني. نهضتُ بثقل واتجهتُ بخطىً مرتجفة نحو الحمام وغسلتُ وجهي بالماء لعلني أستوعب الأحداث في منامي، وبعدها مضى يومي كالمعتاد.

​مع مرور الوقت بدأتُ أنسى تفاصيل هذا الحلم المريب وتحولت الأيام من أسابيع إلى شهور، لكنني لاحظتُ مع الأيام أن ذلك الكيان الغريب بدأ يظهر في أغلب أحلامي تقريباً. كان بالهيئة ذاتها، يتبعني أينما ذهبت غارقاً في صمتٍ مميت ويحدق بي. وبمرور الزمن بدأتُ أعتاد وجوده تدريجياً كظلٍّ لا يفارقني، لكن اعتيادي عليه لم يبدد ذلك القلق الخفي الذي كان يفرضه حضوره الغامض.

​سأكشف لكم المزيد من غموضه في قصتي القادمة، أما الآن فسأكتفي بهذا القدر.

أتمنى لكم يوماً سعيداً.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
8 تعليقات
احمد علي
احمد علي
2 دقيقة

هههههه ، واووو ، الصورة …. ! حسنا ، الأمر رائعا حقا .

الأحلام هي جزء من الواقع ، جزء بما نفكر فيه أيضا ، لكن احيانا تكون الاحلام بسبب جهة خارجة وماورائية بعيدة عن خيال ورأس الانسان ، وغالبا من تكون أحلاما مفزعة ، حسنا ، لابأس ، كان قرينتك تحاول ملاطفتك واللعب معك قليلا ، لاتخافي ، لن يحدث شيء أكثر مما رويتيه .. عمت مساءا

رنين
عضو
رنين
4 ساعة

لم تصفي لنا أشكال الناس و ملابسهم !

BDOOR
BDOOR
2 ساعة
ردّ على  رنين

مساء الخير (رنين)
كل ما أذكره أن المكان مزدحم بالناس وملابسهم تبدو قديمه وكأنني أعيش

قبل 100 سنة للوراء لكن الشيء الذي أذكرها جيداً هي نظراتهم لي ،

هل أشبعت فضولكـِ الأن 🤭

أشكركـِ على التعليق الجميل .

BDOOR
BDOOR
2 ساعة
ردّ على  رنين

مساء الخير (رنين)

كل ما أتذكرها هوا أن ملابسهم تبدو قديمة وكأنني عدة 100 سنة للوراء لكن ما جذب

أنتباهي هي نظراتهم إلي .

هل أشبعت فضولكـِ الان🤭

سراب
سراب
5 ساعة

ياله من موقف مهيب من حسن الحظ انه لطيف قليلا لا يظهر تلك الوجوه المرعبة او الاصوات لا اعتقد انه سيكتفي بهذا القدر فقط ، اتشوق لقراءة التالي .
لوهلة حين قرأت ممسكه بهاتفي وسردتي الحلم تذكرت موقف حدث حين انتقلت بشكل اثيري ، انتقلت ثلاثة مرات ، بمره بعدما جلست مع عائلتي ذهبت لغرفتي المظلمة انسدحت على السرير بجانبي الايسر وامسكت بهاتفي الا وارى نفسي قد انتقلت لمنزل قديم (كمنازل القرى المفتوحه )والوقت كان صباحا ظللت جامدة لفترة ثم حركت يداي كانت يدي شفافه تتحرك ونسختها المادية ثابتة لا يمكنني حتى لمسها بل يدي الشفافه تعبر منها وحين امسكت هاتفي هناك رجعت لسريري ، وبكل مره ارجع فيها يهتز جسدي بقوة الامر اشبه بهزات الهاتف ، كل الانتقالات كانت ببقعة واحده فقط بالغرفة لذا ظننت انها بوابة او شي من له معرفة يخبرني

BDOOR
BDOOR
2 ساعة
ردّ على  سراب

مساء الخير (سراب)

صحيح ومن حسن حظي أنه يبدوا مسالما وكأنه يتفقدني ومن ناحية موقفك يبدو غريبا

بعض الشيء لا أعتقد بأنه يوجد جواب لما حدث معك و الشيء المخيف في قصتك هوا

انك تقول انك ترى جسدك الاصلي لكنك شفاف هذا م أخافني أكثر،

قصتي التالية أيضاً في الطريق✍️📖

أشكرك على التعليق الجميل.

محمد عبد الرزاق ابراهيم
محمد عبد الرزاق ابراهيم
5 ساعة

سرد مشوّق ومليء بالتفاصيل الحسية التي تنقل القارئ مباشرة إلى قلب الحلم. تصاعد التوتر كان متقناً خصوصاً في التحول المفاجئ من الأمان إلى الرعب، ووصف “الزائر الصامت” أضاف بعداً غامضاً يثير الفضول للاستمرار. نص جميل ويستحق المتابعة، بانتظار بقية الأحداث.

BDOOR
BDOOR
2 ساعة

مساء الخير (محمد)

لديك نظرة قارئ محترف في رصد التفاصيل الصغيرة وأنا أقدر مدحك في قصتي فهذا دليل

على أن قصتي قد أعجبتك وأنا أقدر ذالك و أشكرك على التعليق الجميل.

قصتي في الطريق ✍🏻📖

زر الذهاب إلى الأعلى
8
0
Would love your thoughts, please comment.x