القبر الذي فاح مسكاً

بقلم: محمد عبد الرزاق ابراهيم – سوريا

لن أنسى ما حييت ذلك اليوم… منذ قرابة أربع سنوات، في زمن تبلدت فيه المشاعر وصارت القسوة عنواناً لقرارات جائرة. أُجبرنا نحن وأهل مدينتنا على نقل رفات موتانا من المقبرة القديمة، لمجرد أن قراراً صدر بتحويل ذلك المكان الساكن إلى ساحة صاخبة لألعاب الأطفال… وكأن ذكريات الراحلين وحرمة قبورهم لا وزن لها أمام رغبة عابرة في التحديث.

كان يوماً ثقيلاً تختلط فيه مشاعر الغضب بالحزن، والخشوع بالرهبة.

كنا نفتح القبور واحداً تلو الآخر، والقلوب ترتجف، حتى وصلنا إلى قبر عمّ والدي “عاصم.”

عاصم… ذلك الرجل الذي سمعت عنه منذ طفولتي من أفواه الجدات والعجائز ، رجلٌ أفنى عمره في الزهد والورع والفقر الشريف ، لا يعرف من الدنيا إلا القليل، ولا يأنس إلا بالقرآن، خاصة في آخر أيامه.

كان بسيطاً إلى حد أن الناس ربما لم يلتفتوا إليه كثيراً في حياته… لكن الله وحده يعلم منازل عباده.

قال والدي إنه أدركه وهو في الخامسة عشرة تقريباً، وكان يومها شيخاً كبيراً قد أنهكه العمر، لكنه لم يترك مصحفه من يده حتى آخر أنفاسه.

وحين فُتح قبره… ساد الصمت.

تراجع الرجال مذهولين، وتجمدت الكلمات في الحناجر.

لم يكن الجسد قد تحلل أبداً ، كان كما لو أنه دُفن بالأمس فقط، بملامحه وهيئته ذاتها، وكأن الزمن مرّ فوق القبر ولم يمسّه.

لكن الأعجب من ذلك كله… تلك الرائحة.

رائحة مسكٍ فواحة ملأت المكان، طيبةٌ على نحو لا يمكن وصفه.

أقسم أنني ما شممت في حياتي عطراً يضاهيها نقاءً وطمأنينة. كانت لحظة جعلت القلوب ترتعش رهبةً، وكأن الله أراد أن يرسل لنا إشارة صامتة تقول: “إن لعبادي الصالحين شأناً لا تدركه الأبصار.”

رحمك الله يا عاصم… يا من عشت خفيفاً على الدنيا، عظيماً عند الله. قلّما نجد في هذا الزمن رجالاً يشبهونك. رجالاً يرحلون بصمت، لكن آثارهم تبقى شاهدة على صفاء أرواحهم.

لقد بلغت — فيما نحسب ولا نزكي على الله أحداً — مقام الصالحين والعارفين، وترك الله في قبرك آيةً تهز القلوب وتوقظ الغافلين.

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: Be happy.

مراجعة وإشراف: رنين.

4.4 5 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

12 تعليقات
الحمد لله
الحمد لله
11 ساعة

سبحان الله

بدر
بدر
6 أيام

لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم

رحمه الله تعالى

محمد
محمد
1 شهر

اللهم ارزقنا جميعا حسن الخاتمه مثل هذا الاخ والشيخ الجليل

تاج
تاج
1 شهر

رحم الله جدك واسكنة الجنة رائحة المسك من علامات حسن الخاتمه

رنين - نائبة مديرة دائرة التحرير والنشر
رنين - نائبة مديرة دائرة التحرير والنشر
1 شهر

مثل هذه القصة سمعتها من قبل عن رائحة المسك في القبر، شيء عجيب فعلا !

صاعد الكابوسي
صاعد الكابوسي
1 شهر

رحمه الله رحمة واسعة ، جعله الله آية !

عزام السوداني الكوشي
عزام السوداني الكوشي
1 شهر

جدك ده ولي صالح له الرحمة و المغفرة ان شاء الله تعالي

مستشعر بالطرف الآخر
مستشعر بالطرف الآخر
1 شهر

رحمة الله على الحاج عاصم ..

اصدقك يا صاحب التجربة ، فهناك العديد من الشواهد و الأدلة ، التاريخية التي تؤكد كلامك ، حول أولئك الصالحين .

Last edited 1 شهر by مستشعر بالطرف الآخر
أسعد
أسعد
1 شهر

لااله الا الله محمد رسول الله حقاً هناك قبور تفوح منه المسك لقد رايت قبور وشممت المسك يفوح منه والناس يعلمون ذلك انه يفوح المسك من تلك القبور خاصه عندما تمسك قليل من التربه وتشمها انه الخاتمه الحسنه لقد توفق هذا الرجل رحمه الله برحمته الواسعه نسأل من الله ان يلحقنا به صالحين :شكرآ

احمد علي
احمد علي
1 شهر

انه لرجل صالح فعلا ياصديق، مكان الصالحين والاوفياء عند الخالق يختلف تماما عن مكانهم في الدنيا، في الاعلي.. وفي سابع سماء .. الخالق موجود ومعه الملائكة، وهم متنزهون عن الاحقاد والمصالح والظلم، ويعلمون جيدا من هو العم عاصم من الداخل..

اما علي الارض يوجد البشر، وهؤلاء لديهم مبررا لاي شيء سيء يفعلونه، فالحقد، والغيرة، والظلم، لهم مبررا احيانا عند البعض، كل ما هوبشع لدي البشر لايظهر للعيان، بل يختبيء في داخلهم، وعلي العيان يظهر الجميع امامك مثاليون ومحبين للود والالفة، والعم عاصم الصالح الطيب يمكن ان يحاربوه وينعتوه بما ليس فيه، بالرغم من انه صالح، لكن السيءين دوما يكرهون الصالحين، كما تكره الافاعي العصافير!

بالتاكيد لن يكون الامر عادلا اطلاقا مع وجود بشر، الله امرهم بكف الاذي والعدل والتنزه عن الاحقاد، ولكنهم يفعلون ما يحلوا لهم تحت مسمي انهم بشر وغير مثاليون، مع ان تلك الامور بسيطة للغاية ولاتحتاج للمثالية، فقط انه مبررا للطغيان والظلم، الكلام كلاما عاما ونعيشه اجمعين في حياتنا اليومية، في كل بقاع الارض وليس في مكان معين، ليس كل البشر اناس سيءون وحقودون بالطبع، يوجد هؤلاء الجيدون ايضا والذين يمتازون بنزاهة واخلاق راقية تكاد لا توصف..

رائحة المسك من قبر هذا الصالح تكريما له من قبل الخالق.. عمت مساءا

عمانية
عمانية
1 شهر

يا مال الجنة الباردة يا عم عاصم 💗💗💗هذي بركة القران ونور القران وخاتمة اهل القران ربي يرزقنا حسن الخاتمة ويرزقنا القران💗💗💗

حسن محمد محمود
حسن محمد محمود
1 شهر

سبحان الله… يا حظ هم شم رائحة الجنة وهم في الدنيا

زر الذهاب إلى الأعلى