الكتاب.. غَور المعرفة الأعمق!
المعرفة هي مصدر القوة والتفوّق، هي مهبط الإلهام ومنطلق الأهداف، هي موطن التنوير وصانع الفارق، فما كان للعرب في غابر الزمان أن يتقلدوا زمام العلم والحضارة دون المعرفة، وما كان لأوروبّا أن تستيقظ من سبات القرون الوسطى لولا المعرفة، وما كان لأفراد من أمثال “سقراط” و “أرسطو” و”ابن سينا” و “ابن الهيثم” و “أبي بكر الرازي” و “الخوارزمي” و “أديسون” و “نيوتن” و “إسحاق أينشتاين” و “بيل غيتس” و “ستيف جوبز” وغيرهم الكثير أن يتفوّقوا على سائر الناس لولا المعرفة.
لو طرحتُ عليك السؤال التالي: كيف وصلت إلى هذه الصفحة وتمكّنت من قراءة هذه المقالة الآن؟! فسوف تكون إجابتك بالطبع هي أنّك نقرت على عنوان المقالة للدخول إليها وقراءتها. من خلال هذه الإجابة يمكننا أن نستخرج تعريفًا مبسّطًا للمعرفة، وإيضاح علاقتها بالمعلومة، كالتالي:
المعلومة عبارة عن حقائق مستقلّة لها قيمة ووجود خارجي سواءً عرفتَها أم لم تعرفها، وسوف تكون وفق الإجابة المذكورة آنفًا أنّ “النقر على عنوان المقالة ينقلك إلى صفحة أخرى تحوي تفاصيل المقالة”. قد يجهل بعض كبار السن المبغضين للتقنية هذه المعلومة، لكن هذا لا يعني أنّها معدومة الوجود والقيمة!
المعرفة ببساطة هي إدراكك للحقيقة (المعلومة)، فأنت من خلال إدراكك للمعلومة أعلاه، اكتسبت معرفةً جديدةً بشأن الدخول على محتوى المقالة لقراءته والاطلاع عليه، ومن ثمّ سخّرتها لهذا الأمر، وها أنت تتكرّم بقراءة هذه المقالة الآن!
![]() |
| وحده مصدر المعرفة المعمّر الذي لا يشيخ |
إذن فلا يمكن للمعرفة أن تتشكّل وتتجلّى دون معلومات، والأمثلة تطول وتطول على أهمية المعلومات ومدى الدور الذي تلعبه في كل المجالات وخطورة إهمالها، فلو قرّرتَ – مثلًا – مشاهدة بعض الأفلام الوثائقيّة التي تستعرض الصراعات العسكرية على اختلاف ظروفها أو طبيعتها أو التقنيات المستخدمة فيها بشيء من التدقيق، فسوف تجد أن للمعلومة الأهمية الكبرى في حسم المعركة لصالح أحد الأطراف، وأنّ غيابها قد يتسبّب في انتكاس موازين القوى وارتكاب الأخطاء الاستراتيجية أو التكتيكية الفادحة، وقس على ذلك ما يجري في مجال الأعمال حين تكون المعلومة هي المبتغى الأهم في مضمار المنافسة بين الشركات، أو ممارسات القراصنة عبر الإنترنت من خلال التصيّد أو الهندسة الاجتماعية أو غيرها، كل ذلك من أجل تحقيق تلك الغاية الكبرى، وهي المعرفة، بصرف النظر عن التقييم الأخلاقي للأهداف المرجوّة من ورائها، فالمعرفة هي المقصد الأهم للشريف والدنيء على حدٍّ سواء.
عند الحديث عن المعرفة وأهمّيتها، يأبى الكتاب إلّا أن يكون صاحب المكانة الأسمى في هذا الموضع، حتى ليكاد يعلن استئثاره بكنوز المعرفة لنفسه، وذلك لعدد من الاعتبارات الوجيهة التي من أهمّها: أنّه وحده مصدر المعرفة المعمّر الذي لا يشيخ، وأنّه وحده المصدر المتمرّد على حدود الزمان والمكان، فالعالم يقرأ الآن مقولات عظماء فلاسفة وعلماء الإغريق الذين قضوا نحبهم قبل الميلاد بعدّة قرون، كما يقرأ مؤلّفات العلماء والفلاسفة والمفكّرين الذين فارقونا بالأمس، أو يعيشون بين ظهرانينا اليوم أينما كانوا، ولولا الكتاب ما علمنا عن الأقدمين شيئًا، وربّما دخلنا في حلقة مفرغة نعيد فيها اختراع العجلة من جديد في كل مرة، أضف إلى ذلك أن الكتاب هو المرجع الواقعي والحقيقي حين تتلاشى الكائنات الافتراضيّة مع انقطاع التيار الكهربائي أو تعطّل شبكة الإنترنت، وهو المرجع المعتمد في كلّ باب، حتى إنّ المعلومات التي اكتفينا – للأسف – بتلقّيها من العالم الافتراضي، اعتمدت بشكل أساسي على الكتاب، مع التنويه على أهمية الإنترنت كمصدر للمعرفة، وإنّما يكمن الإشكال في الاستغناء به عن الكتاب، وهذا مبحث آخر يضيق عنه المقام.
لم يكن شروع الإنسان في الكتابة سوى اللحظات الأولى من الانفجار المعرفي الهائل الذي يحاكي الانفجار الكوني بدويّه وعظمته، ولئن كان الثاني قد تمخّض عن مجرّات وكواكب ونجوم وشهب ونيازك، فقد تمخّض الثاني عن كُتُب الدينٍ والأدب والفلسفة والفكر والفن والتاريخ والسياسة والطب والهندسة والحضارة والتنمية الذاتيّة والاجتماعيّة وغيرها.
لا تستهن بما يمكن للكتاب أن يفعله في حياتك، فمفعوله يتجاوز ما تستطيع تصوّره، وقرار مصاحبته سيكون حدثًا مفصليًّا يستحق التأريخ بجدارة في حياتك، فطريقتك في انتقاء كلماتك وتحديد أولوياتك ونظرتك تجاه نفسك وتجاه الآخرين وتجاه الحياة بأسرها، وأسلوبك في التعامل مع المشكلات، وتمكّنك من صياغة أفكارك على نحو أكثر منطقيّة وتماسك، إلى غير ذلك من الأمور، ستشهد عهدًا جديدًا مع الكتاب، هذا على المستوى الفردي، فكيف لو كان الجميع يقرأ؟! قد توافقني على ما سبق -نظريًّا على الأقل-، ولكن لعلّك لن تصدّقني لو أخبرتك بأنّ الأثر الإيجابي للكتاب لا يقتصر على الجانب المعرفي والسلوكي والفكري واللفظي فقط، بل إنّ تأثيره الإيجابي يطال الجانب الصحّي أيضًا! تابع قراءة المقالة من فضلك.
![]() |
| تأثيره الإيجابي يطال الجانب الصحّي أيضًا! |
هل سبق وشعرت بالراحة البالغة والهدوء النفسي والصفاء الذهني والطاقة الإيجابية بعد إنفاق شيء من الزمن بصحبة كتاب؟! في الغالب ستكون إجابتك بنعم، وأنّ هذا كثيرًا ما يحدث لك، خصوصًا إن كانت القراءة تمثّل فرضًا حياتيًّا محبّبًا لك، ومن المهم أن تدرك أن ذلك الذي حدث ويحدث لك ليس إلّا جزءٌ من مفعول القراءة السحري، فالقراءة تمنحك الصحة أيضًا!
في عصرنا الحاضر، ومع تطوّر العلوم الطبية، اصطلح العلماء على إطلاق اسم “ببليوثيرابيا” على أحد الأساليب الطبية في العلاج، وهو أسلوب العلاج بالقراءة، وذلك بعد أن ثبت تأثيرها الإيجابي، ومساعدتها في تحسين صحة الإنسان النفسية والجسدية.. نعم، والجسديّة أيضًا!
هناك الكثير من البحوث والدراسات التي تثبت منافع القراءة الصحية، ومنها ما نشره موقع (Medical News Today) الموثوق والمتخصص في نشر الأخبار الطبية من دراسات عدّة تشير إلى عوائد القراءة العظيمة على صحّة الإنسان.
إحدى تلك الدراسات قام بها باحثون من جامعة “ييل” (Yale) الأمريكية، وانتهت إلى نتيجة مدهشة مفادها أنّ الأشخاص البالغين ممّن يقضون أكثر من 3 ساعات ونصف الساعة أسبوعيًّا في القراءة، يكون احتمال وفاتهم أقل بنسبة 23%، بالمقارنة مع أولئك الذين لا يقرأون!
بعد استعراض الدراسة أعلاه، نقل الموقع المذكور ما نصّه: “في حين أن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد الآليات الدقيقة التي يمكن للقراءة من خلالها إطالة عمر القارئ، إلا أنهم أشاروا إلى دراسات سابقة وجدت أن القراءة تستطيع تعزيز التواصل بين خلايا المخ، ممّا قد يخفّض من مخاطر الأمراض العصبيّة التي من شأنها تقصير العمر”.
وأظهرت دراسة أخرى أجراها باحثون من جامعة “ساسكس” (Sussex) البريطانية عام 2009، أنّ القراءة تسهم في تخفيض مستويات التوتر إلى ما يقارب 68%، وبهذه النسبة تتفوّق القراءة على الاستماع إلى الموسيقى أو الخروج للمشي كممارسات تساعد على خفض مستوى التوتّر، علمًا بأن التوتّر هو أحد العوامل المشاركة في حدوث ما يقرب من 60% من جميع الأمراض، أضف إلى ذلك أنّ التوتر يمكن أن يزيد من نسبة الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة 50%، والأمراض القلبيّة بنسبة 40%.
ولا تتوقّف فوائد القراءة الصحية عند هذا الحد، فهناك دراسات أخرى أسفرت عن نتائج مهمة، منها أن القراءة تسهم في إبطاء التدهور المعرفي مع التقدم في السن، وتعزيز الذكاء والمهارات الاجتماعية والنوم الهادئ.
ختامًا..
ليس من السهولة اختزال موضوع بهذا الحجم في مقالة، وقد حاولت تفادي الإطالة قدر المستطاع خشية أن يقع القارئ في براثن الملل، متمثّلًا قول أجدادنا الأوائل: “يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق”، وأستحضر هنا اقتباسًا رائعًا للكاتب والفيلسوف الأمريكي “رالف إيمرسون” إذ يقول: “ليس هناك معرفة لا يمكن أن تشكّل قوّة”.. دمتم بخير.
مقال شيق وممتع ومفيد أيضاً أحسنت.
المقالة رائعة حقا و اسلوبك شيق و جميل و انت تحسن اختيار المواضيع بالفعل.
موضوع رائع حقا سلمت يداك
أتمنى أن يقدر المجتمع أهمية المطالعة وتصير المكتبة جزءا مهما من حياتنا، أنا قرأت أكثر من 60 كتابا و حلمي أن يكون عندي مكتبة صغيرة، حاليا متوقفة عن القراءة بسبب الدراسة لإني تاسع،أشعر أنني فارغة وشىء فيني ناقص، فأنا لم أقرأ من فترة طويلة،الانترنت لا يمكن أن يعوض الكتاب أبدا !
اشكر الكاتب القدير على هذا الموضوع الجميل واتفق مع المعلق احمد كامل في ان الاستاذ وليد من افضل من يكتبون في هذا الموقع لكني اختلف معه في تقييمه للموضوع. اعتقد المقال الحالي مفيد وقيم جدا لان الكتاب الورقي فعلا مظلوم في وقتنا المعاصر. وليس شرطا ان يكتب الكاتب ليثير اعجاب القراء فقط بل يكتب عن ما هو مقتنع به, وعتبي على ادارة الموقع عدم نشر المقال في الواجهة الرئيسية معه انه اغنى واكثر قيمة من معظم ما هو منشور هناك.
شاكر للجميع المشاركة والتفاعل مع المقالة، وأخصّك بالشكر أخي أحمد كامل على ما تفضّلت به من ثناء، وكذلك ما تطرّقت إليه من انتقاد، وهو موضع قبول واحترام واهتمام، وإن كنت أختلف معك بزعمي أنّ المقالة احتوت على معلومات جديدة قد لا يعرفها الكثير، وعمومًا أرى أنّ مثل هذه المواضيع تظلّ على قدر كبير من الأهمية بصرف النظر عمّا تشتمل عليه من معلومات مطروقة مسبقًا طالما أنّها لم تحظَ بالعناية المستحَقّة، ولا يخفى عنك أخي الكريم ما يقاسيه الكتاب من عزوف وهجران في عالمنا العربي.
وبالنسبة لما ذكرتَه بشأن اختيار الصور لبعض مقالاتي السابقة، فلا شك فيما يوليه الأستاذ إياد العطّار من حرص وجهد في سبيل إخراج المقالات على أفضل وجه ممكن، وأتفهّم مدى صعوبة إيجاد الصور المناسبة لبعض المواضيع، وقد سبق وواجهتُ صعوبات مماثلة، ولذلك أشكره وأعذره على كل حال، مع التأكيد على أنّ مقالاتي تُنشر كما هي ولا تتعرّض للتنقيح.. أكرر شكري للجميع.
بمناسبة هاذا الموضوع عن الكتاب ارجو من ادارة الموقع الاهتمام قليلا بقسم مكتبة الموقع لانها لم تشهد اي تحديث منذ قرون!!!!!!!
فعلًا لا شيئ يضاهي فائدة ومتعة قراءة الكتب ، الكتاب خير صديق في العزلة ، صديق يستفاد منه طوال الوقت
اخي العزيز احمد كامل .. لو تعلم الجهد والتعب الذي الاقيه في تنقيح المقالات لعذرتني
بالنسبة لمقالات الاخ وليد فانا لا انقحها مطلقا لانها ليست بحاجة لتنقيح اصلا .. هو من الكتاب المعدودين في الموقع الذي يرسل مواضيع مكتملة الاركان من جميع الجوانب .. لكني احتار احيانا في وضع الصور خصوصا عندما يكون الموضوع غير محدد .. اي ليس عن شيء معين معروف مثلا شخصية او مكان ما .. بل يكون عن شيء ذو طابع فلسفي كلامي .. وقد اقضي ساعات طويلة لايجاد وتحرير صور مناسبة ..
موضوع جميل وشكرا استاذ وليد على هذا المقال
في الواقع للكاتب اسلوب مميز جدا ولا اجامل حين اقول انه افضل من يكتبون في هذا الموقع من ناحية الاسلوب والاملاء وترابط الجمل والفقرات وارجوا ان لا يزعل مني احد لكنه رأيي الشخصي
الانتقاد الوحيد للاستاذ وليد هو اختيار المواضيع
مثلا هذا المفال عن “الكتاب” لا يقدم شيء جديد للقاريء لانه مطروق كثيرا اعني قيمة الكتاب والصراع بين الانترنت والكتاب الورقي وكيف ان الكتاب هو ناقل المعرفه عبر العصور وما الى ذلك في مديح الكتاب واعلاء شأنه ..
ليت الكاتب يستغل اسلوبه الفريد لتقديم مقالات اكثر غنى وتشويق تقدم معلومه جديده للقارئ على غرار موضوع “قناص تكساس اشهر المغالطات” الذي كان تحفه فكريه مع ان التنقيح والصور افقدته جزء من جماليته واتمنى ان لا يزعل استاذ اياد من هذا الانتقاد لان التنقيح والاضافه للمقالات يجب ان تكون في حدود لكي لا تضيع فكرة الكاتب الاصليه
اعود واتمنى على الاستاذ وليد ان يتحفنا بشيء جديد ومفيد في مجال العلم والغرائب والتاريخ والفلسفة والاجرام الخ اعني الامور التي تجذبنا لهذا الموقع وتدفعنا للتعليق والتفاعل
موضوع جميل جدا لكن هل كل هذه المعلومات صحية بنسبة تسعين بلمية تقريبا
المعرفة قوة باي مجال كانت. سلمت يداك على كتابة هذا المقال
أخي الكريم أشكرك على هذا المقال رغم أنك أختصرت
قدر المستطاع لوطال المقال لساعات سوف اقرئه بلا
ملل.لقد عرفنا منذ الصغر ان الكتاب هو أوفى صديق
وأجمل أنيس لاكن في هذا الزمان بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي أصبح أغلب الناس يتواصلو عبر هذه الشبكة في مجالات شتى وتجاهلو الكتاب الذي هو
منبع المعرفة وشكراً
القراءة اكثر شيئ يستهويني واحبه من قلبي فعلا.
شكرا على المقال انت انسان راق كمقالك تماما.
تحية لك من المغرب