ثمار غريبة : القصيدة التي أصبحت إيقونة لظلم العبودية في امريكا

هل يمكن للاشجار ان تثمر جثثا بشرية! .. نعم حدث ذلك في امريكا

بقلم : اياد العطار

تفتخر الولايات المتحدة الأمريكية اليوم كون رئيسها أسود البشرة , وتعد ذلك دليلا على ترسخ ثقافة قبول الآخر وتلاشي النزعة العنصرية التي كانت سمة مميزة لشريحة واسعة من المجتمع الأمريكي لفترة طويلة . ومن حق أمريكا أن تفتخر , ومن حقها أن تتباهى على بقية الأمم .. خصوصا تلك التي مازال مواطنوها يتعرضون لصنوف التمييز على أساس عنصري وديني وطبقي .. ومن سابع المستحيل أن يتولى شخص من أقلياتها القومية والدينية منصب الرئاسة , أو حتى منصبا حساسا بالدولة , بالرغم من تشدقها الفارغ بالمساواة وانتقادها واتهامها المستمر لأمريكا بالعنصرية ! .

ثمار غريبة

ملايين الافارقة نقلوا بواسطة سفن العبيد .. انظر طريقة تكديسهم في القعر ..

لكن الانجاز الأمريكي لا يمحو تاريخا طويلا من العبودية ، كابد خلاله الملايين من ذوي البشرة السوداء شتى ضروب العذاب والقهر والألم فوق أرض العم سام . هؤلاء العبيد المساكين كان يجري اصطيادهم من الأدغال والقرى المحاذية لشواطئ القارة السوداء ، أو يتم شرائهم بالجملة من الزعماء الأفارقة المحليين مقابل السلاح والبضائع الرخيصة ، ثم يقيدون ويكدسون واحدا فوق الآخر في عنابر قذرة في قعر السفن الشراعية العابرة للمحيطات في ظروف لا تليق حتى بالحيوانات ، فيموت الكثير منهم خلال الرحلة الطويلة الشاقة وصولا إلى الموانئ الأمريكية ، أما من ينجو فيتم بيعه لأصحاب المزارع الشاسعة في الجنوب الأمريكي ، يصبح ملكا صرفا لسيده يفعل به ما يشاء ، يكد ويتعب من الصباح حتى المساء دون أجر ، لا يحصل سوى على بقايا الطعام التي تقدم أيضا لحيوانات الحظيرة ، وقد تتعرض زوجته أو أبنته للاغتصاب من دون أن ينبس ببنت شفة ، ويجلد ويقتل لأتفه الأسباب ، ويأخذ أطفاله ليباعوا أمام ناظريه من دون أن يستطيع فعل شيء .. يا لها من حياة تعيسة .. ترك لنا العبيد صورا منها في أغانيهم وأهازيجهم الحزينة التي كانوا ينشدونها في الحقول .. كهذه القطعة الشعرية التي تصور لنا معاناة وحزن أم أخذوا منها أطفالها واحدا تلو الآخر :

عندما أخذوا الأول بدئت بالعويل
انحنت سيقان القصب لشدة صراخها
التوت البراعم الخضراء
وانقلعت الجذور الجائعة

عندما أخذوا الثاني ، نحيبها
وصل إلى الغيوم ، أيقظ العواصف الماطرة
ومن مهجعها ، عاد
بشلالات منهمرة

مع الثالث تدحرجت تنهيداتها إلى الوراء
إلى حنجرتها ، اختنقت هناك
ومع الرابع والخامس
كان قلبها قد تحول لحجر

ثمار غريبة

صورة العبيد وهم يباعون في السوق ..

لكن أروع تصوير لعذابات أولئك العبيد لم يكتبه الزنوج (1) أنفسهم ، بل أبدعته امرأة بيضاء ضئيلة الحجم عرفت بمناهضتها الشديدة للرق ، أنها الكاتبة الأمريكية هارييت بيتشر ستو ، صاحبة الرواية الخالدة “كوخ العم توم” ، التي تعد واحدة من أروع نصوص الأدب الأمريكي والعالمي ، ويقال بأنها كانت سببا في اشتعال الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال الداعي لتحرير العبيد والجنوب المتمسك بالرق لاعتماد اقتصاده الزراعي على اليد العاملة المجانية التي يوفرها العبيد ، فتلك الرواية خلقت مناخا مناهضا للعبودية تكلل بعد عشرة أعوام بإعلان الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن لما عرف بـ “إعلان تحرير العبيد” عام 1863 ، والذي كان بمثابة الشرارة التي أشعلت الصراع الدامي .

ثمار غريبة

العبيد في حقول القطن .. صورة عمرها اكثر من 150 عام ..

لكن حتى بعد إلغاء الرق رسميا ، أستمر التمييز ضد الزنوج في أمريكا ، وكان أحيانا يأخذ طابعا عنيفا دمويا ، خصوصا في الجنوب حيث توجد ثقافة راسخة أساسها احتقار الزنوج ونبذهم ، إذ لم يكن معظم السكان البيض قادرين على استيعاب حقيقة أن يصبح عبيدهم السابقين مواطنين كاملي الأهلية يتساوون معهم بالحقوق والواجبات ، وكرد فعل على هذه الحقيقة المرة بالنسبة إليهم ، ظهرت عصابات ومليشيات مسلحة بيضاء أخذت على عاتقها مهمة إرعاب الزنوج لكي لا يطالبوا بحقوقهم خصوصا فيما يتعلق بامتلاك الأراضي . خير مثال على ذلك الإرهاب العنصري هي جماعة “كوكلس كلان” التي أقدمت على قتل وتشريد وإحراق ممتلكات آلاف الزنوج ، وكان أسلوبها المفضل يتمثل بشنق ضحاياها وتعليقهم على جذوع الأشجار .

ثمار غريبة

عصابة الكوكلس كلان تستعرض في الشارع 1920 ..

طقوس القتل الشريرة لم تكن مقتصرة على الجماعات العنصرية المتطرفة ، بل كانت تتخذ أحيانا طابعا حماسيا جماهيريا ، يشترك فيها الجميع ، ووثقت بعضها بالصور ، كما هو الحال مع الصورة موضوع مقالنا ، التي تظهر فيها جثتان مشنوقتان تعودان لكل من توماس شيب (19 عام) وإبرام سميث (18 عام) ، وهما زنجيان اتهما بقتل مالك مصنع أبيض يدعى كلود ديتير واغتصاب صديقته عام 1930 ، وكان لهما شريك ثالث يدعى جيمس كاميرون (16 عام) . جرى شنقهم في اليوم التالي لارتكاب الجريمة من قبل جماهير غاضبة اقتحمت مكان احتجازهم بتواطؤ من الشرطة المحلية ، حيث أشبعوا ضربا ثم سحلوا إلى ميدان عام ليشنقوا هناك على جذع شجرة ضخمة ، وعندما حاول ابرام تخليص نفسه من الحبل أنزلوه وكسروا يديه ثم علقوه مرة أخرى ، ولم ينجوا من الثلاثة سوى جيمس الذي أنقذه أحد الحضور قائلا بأنه لا علاقة له بالجريمة فأطلقوا سراحه . ولاحقا سجن جيمس لأربعة أعوام ثم أطلق سراحه وأصبح ناشطا بحركة الحقوق المدنية وعاش مديدا حتى توفي عام 2006 .

ثمار غريبة

شنق السود لم يكن امرا نادرا ..

عملية الشنق مرت من دون عقاب ، كان الشابان المشنوقان مذنبان فعلا بقتل الضحية أثناء محاولتهما سلبه ماله ، لكن أتضح بأنهما لم يغتصبا صديقته ، كانت تلك تهمة ملفقة . كما أتضح بأن جيمس كاميرون لم يشارك في القتل ، إذ غادر مسرح الجريمة قبل أن يتم إطلاق النار على كلود ديتير .

صورة الشابين المشنوقين سرعان ما انتشرت ووزعت منها ملايين النسخ ، لم تكن صورا نادرة آنذاك ، كانت هناك مئات الصور المماثلة لزنوج تم شنقهم على هذه الشاكلة ، الكثير منهم كانوا أبرياء لم يقترفوا أي جرم ، كان ذنبهم الوحيد هو أنهم سود البشرة ، جرى شنقهم غالبا من قبل عصابات وجماعات عنصرية متعصبة من اجل إرعاب السود الآخرين .

الصورة كانت ستمر مرور الكرام مثل غيرها من الصور ، لولا الصدفة التي ألقت بها بين أيدي المدرس ابيل ميروبول . كان قد رأى الصورة في إحدى الصحف فانطبعت في ذهنه على الفور وظل شبحها يطارده ويثقل وجدانه لعدة أيام ، وألهمته كتابة قصيدة قصيرة أصبحت لاحقا واحدة من أشهر القطع الشعرية في تاريخ أمريكا .. قصيدة بعنوان “ثمار غريبة” :

أشجار الجنوب تحمل ثمار غريبة
دم على الأوراق ودم عند الجذر
أجساد سوداء تتأرجح في النسيم الجنوبي
ثمار غريبة تتدلى من أشجار الحور

مشهد ريفي من الجنوب الباسل
عيون منفوخة وفم ملتوي
عطر أزهار المنغوليا ، طيب ومنعش
ورائحة مفاجئة للحم محروق!

هنا ثمار للغربان كي تأكل
للمطر كي يتجمع ، للرياح كي تمتص
للشمس كي تُفسد، للشجر كي ينفض
هنا ثمار غريبة ومرة

وقد زادت شهرة هذه القصيدة كثيرا بعد أن غنتها مطربة الجاز السمراء بيلي هوليدي عام 1939 فتحولت أغنيتها إلى أيقونة تذكر الأفارقة الأمريكان بما عاناه أجدادهم وآبائهم من تمييز وظلم .

أغنية ثمار غريبة لبيلي هوليدي .. من أشهر اغانيها

1 – زنج : كلمة عربية تشير إلى ذوي البشرة السوداء الداكنة ، خصوصا سكان الساحل الشرقي لأفريقيا الذين كان يؤتى بهم إلى البلاد العربية ليباعوا كرقيق في أسواق النخاسة . وكان منهم بعض المشاهير كالجاحظ وزرياب وكافور الإخشيدي . وقامت لهم ثورات وانتفاضات نتيجة التمييز ضدهم وسوء أحوالهم المعيشية ، أشهرها ثورة الزنج في بطائح العراق خلال العصر العباسي .

المصادر :
……………

Strange Fruit – Wikipedia
Strange Fruit: A protest song with enduring relevance
“Strange Fruit”: the story of a song
Lynching – Wikipedia
Greyfriars Kirkyard – Wikipedia
Slavery in America

0 0 الأصوات
Article Rating

اياد العطار

كاتب ، مؤسس موقع كابوس ، محب للغموض ، عاشق للتاريخ ، مولع بالقراءة ، يميل للآراء المنطقية رغم ان موقعه بعيد كل البعد عن المنطق ويدعو للمحبة والتسامح رغم انه يكتب عن الجريمة والرعب!.

مقالات ذات صلة

52 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
القلب الحزين
القلب الحزين
5 سنوات

لا حول ولا قوة إلا بالله.

محمد١.
محمد١.
5 سنوات

هذه الفترة او الحقبة من الزمن تسمى ‘The Jim Crow era’

ارجو ان تنشروا تعليقي.

مولاتي Z
مولاتي Z
6 سنوات

يوجد فيلم يجسد هذي العنصريه القديمه وهو عن قصه حقيقيه عاشها زنجي كان يعمل في حقل للقطن اسم الفيلم The Butler

空
7 سنوات

لم اقدر على مقاومة الدموع في عيني ،بمجرد سماع هذه الأغنية المثقلة بمعاناة كم كبير من البشر ،سيظل إستعباد السود وإضطهادهم كل ذلك الزمن الوصمة الأكثر قبحا وبشاعة وفي تاريخ الأنسانية للأبد

زينب_سلطنه عمان
زينب_سلطنه عمان
8 سنوات

ما أبشع العنصرية.

شيماء-سلطنة عمان
شيماء-سلطنة عمان
8 سنوات

اكررررررره العنصرية ..
مستغربة وين ضماير الناس فزمن الجواري والعبيد

EXO
EXO
9 سنوات

انا لله وانا اليه راجعون
المهم سلمت يداك على الموضوع
وفقك الله
فايتينغ ^-^

موفق
موفق
9 سنوات

انا اتمنا يوم تذهب فيه العنصرية ليس فقط ضد السود بل ضد المتخلفين عقليا والاسلام والجنسية لانو الله حرم العنصرية هي عمل سيئ الله يخلصن من العنصرية
لانا ما بتريح ابدا انا بدي ارتاح

Esra
Esra
10 سنوات

ستظل العنصرية دائما شبحا يطاردنا في المنام وبقعة في أوراق كتاب هذا الزمان

ِAnfal
ِAnfal
10 سنوات

لا حول ولا قوة إلا بالله.. حسبي الله عليهم
وللعلم ما زال التفريق بين السمر والبيض منتشر في كل المجتمعات حتى العربية والاسلامية.. وبشكل كبير جداً كمان.

معتز
معتز
5 سنوات
ردّ على  ِAnfal

اوافقك الرئي بشكل كبير

ريماس
ريماس
10 سنوات

عنصرين بشكل فضيع الله يأخذوهم

هلا
هلا
10 سنوات

وما زال على فكره هذا الفكر الجاهلي منتشر للوقت المعاصر في اميريكا للأسف ..انا عن نفسي احس انهم ناس ذو تاريخ حضاري عريق وعن اللون انا مو زنجية بس افضل لون الزنوج لانه في بعض اللبحوثات اثبتت بأن كلما كان لون البشره داكن كلما بطأت عملية زحف الشيخوخه الى البشره و المصيببه مو عن جذي عن ان بعد ما رفسوا في بطن كرامتهم راحوا للبحر يسوون تان لبشرتهم يقولكم سبحان الله البقر بقر وتوني اصدق هل حكمه …وشكراً اخونا الكاتب هلى هذي المعلومه

هكر ksa
هكر ksa
10 سنوات

يا حبايب العبودية ماتتركز على البشرة السوداء بل البيض فيهم عبيد كل ما في القضية باختصار عصابات من عصر الجاهليه يحاربون البشر يقمون بخطفهم من بلادهم من نساء ورجال واطفال ويبوعونهم رغم عنهم تحت تهديد السلاح من شدة الجوع الى بلاد اخرى من يخالف يقتل منهم حتى نفس البلاد الافريقية تقوم العبودية بينهم من اجل المال من شدة الفقر وبعضهم يخطفونهم وتصديرهم الى بلدان الرذيله من انحاء العالم وفي الاصل كان حرا الى اصبح عبدا زي وضعنا الحال تصدير الشغالات بانظهم وقوانين واجور مالي في الجاهليه يبيعونهم رغم عنهم ولا يرجعون من العصابات بعض الدول سواء سود او بيض .

Nono Al-kofi
Nono Al-kofi
10 سنوات

استغفر الله العلي العظيم شگد متخلفين يعني شنوو ذنبهم اذا كانت بشرتهم سوداء مو همة اللي خلقو نفسهم ولا همة اختارو لون بشرتهم الله اختاره والله خلقهم حسبنا الله ونعم الوكيل …الله وأكبر

صبرينة
صبرينة
11 سنوات

حقا هذا مايسمى بسخرية القدر قاموا بقتل اناس لان ذنبهم الوحيد انهم ولدوا ببشرة داكنة اللون ونجد الان ان مايحكمهم رجل من ذوي البشرة الداكنة

أبو بسمه ( سلطنة عمان)
أبو بسمه ( سلطنة عمان)
11 سنوات

أختي mimi

بالعودة لموقع ويكيبيديا

الزنج وهو الاسم الذي أطلقه الجغرافيون العرب في العصور الوسطى للدلالة على الساحل الشرقي لأفريقيا وعلى سكانها السود, ومنها سميت زنجبار أحد طرفى أتحاد دولة تنزانيا حيث كان اسمها زنجبار أو زنج بر أى بر الزنوج وهي قي الساحل المواجة للجزء الجنوبى الغربي من الجزيرة العربية. وقد أطلق العرب على الرقيق الأسود (زنوج) نسبة إلى زنجبار (الساحل الشرقي لتنزانيا حاليا) حيث تم جلبهم من هناك كعبيد ومن ثم أطلق الاسم على جميع الجنس الأسود.

أبو بسمه) سلطنة عمان
أبو بسمه) سلطنة عمان
11 سنوات

سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره”

لمن لا يعلم عظم جريمة الاستعباد في الإسلام

حنين♠
حنين♠
11 سنوات

هذا هو. بني ادم

ميمي
ميمي
11 سنوات

اطالب من اياد العطار ان يكون اكثر دقة في اختيار كلماته و لفظ الزنوج هو مرفوض اجتماعيا و عنصرية في حد ذاته

سها
سها
11 سنوات

الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة الناس فيه سواسية كأسنان االمشط لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى

لا اله الا الله محمد رسول الله.. وافتخر بأنى مسلمة ^^

حنان
حنان
11 سنوات

حضرتك قلت امثلة عن زنوج كانت لهم مكانة كبيرة ولايزالو فى التاريخ العربى مثل كافور الاخشيدى اللى حكم مصر وده بسبب الثقافة الاسلامية التى لاتفرق بين اسود وابيض الا بالتقوى فى الوقت اللى الغرب بتاريخة الاسود لم يكن يسمح للزنوج بالحياة كبشر فضلا عن حكم بلادهم

زر الذهاب إلى الأعلى