“خاتمٌ في اليد.. هل كان حلماً أم عقداً أبدياً…

بقلم : سدن _ العراق
خاتمٌ في اليد، وزمنٌ متوقف.. حين أصبحت كوابيسي واقعاً
ما زلت أنظر إلى إصبعي، إلى ذلك الأثر الغائر الذي يشبه كسرة في الجلد، وأتساءل دائماً: هل وقعتُ عقداً أبدياً في عالم لا يعرفه البشر؟
لم يكن حلماً عادياً، بل كان تجربة انسلخت فيها روحي من هذا العالم. وجدت نفسي في قاعةٍ فسيحة لم أرَ مثلها في حياتي، قاعةٍ غريبة الأطوار، كل ما فيها كان يفتقر تماماً للألوان، كفيلم سينمائي قديم أبيض وأسود. كنت جالسةً على كنبةٍ عتيقة، وبجانبي رجلٌ ببدلة بيضاء ناصعة، لكن ملامحه كانت مشوشة كأنها مغطاة بضبابٍ لا يمكن اختراقه، باستثناء شعره الأسود الفاحم. كانت أمامي طاولة خشبية صغيرة، ذات ملمسٍ عتيق، استقرت فوقها أوراقٌ تنتظر توقيعي.
مدَّ يده؛ كانت يداً جميلةً بشكلٍ لافت، بأصابع طويلة وشاحبة، وبشرتها باهتة كبقية عالم ذلك الحلم، باردة كأنها منحوتةٌ من الرخام، يزينها خاتمٌ غريب النقوش. أمسك بيدي بقوة، وألبسني خاتماً مماثلاً، ثم دفع الورقة أمامي. لم أتردد، بل وقّعتُ وكأن إرادتي كانت مُسيرة، بينما كانت جدران القاعة تختفي خلف حشودٍ متجمهرة حولنا. كانوا جميعاً يرتدون ثياباً تلمع ببريقٍ باهتٍ وغريب، أما وجوههم.. فلم تكن موجودة، كانت مجرد ضبابٍ رمادي، فلم أستطع تمييز من هم أو كيف يبدون. استيقظتُ حينها، لا أصرخ، بل كنت أرتجف بصمت، وأنا أشعر أن جزءاً مني قد حُبس هناك، في ذلك العالم الباهت.
لكي تفهموا كيف وصل بي الحال إلى هذا الرعب، وكيف تحول منزلي إلى معبرٍ لزوارٍ لا يعرفون قوانيننا، يجب أن أعود بكم إلى تلك الأيام الشتوية التي قررت فيها أمي ترتيب غرفنا في الطابق الثاني.
لم يكن منزلاً عادياً؛ فنحن نسكن في عزلةٍ موحشة بين منزلين مهجورين ومظلمين، يحيطان بنا كحارسين من زمنٍ غابر، مما جعل الطابق الثاني -وتحديداً غرفتي المطلة على الخارج- في مواجهة مباشرة مع ذلك الظلام المحيط. كان شتاء مدينتنا قارساً، مطراً لا يتوقف حتى نهاية الربيع، وبرقاً لا يكف عن ضرب السماء بهديره المخيف طوال تلك الأشهر. كانت جدران غرفتي تظل باردةً كالثلج، حتى مع وجود المدفئة، كان بخار أنفاسي يتصاعد بوضوح في الهواء، وكأن الغرفة ترفض الدفء، وتصر على أن تبقى جزءاً من ذلك الشتاء الأبدي.
في إحدى تلك الليالي، كنت أبكي في غرفتي بعد شجار تافه مع أختي، وسط بكائنا، ضرب برقٌ عنيف جداً بجانب الطابق الثاني، هزةٌ لم أشهد مثلها من قبل، جعلتنا ننهض مذعورتين ونهرب إلى الطابق الأرضي.
لكن الأحداث الغريبة لم تتوقف عند هذا. ففي إحدى الليالي، رأيت في منامي شاباً فائق الوسامة، ملامحه كانت محفورة في ذاكرتي. وبعد يومين فقط، طُرِق باب منزلنا. استرقت أنا النظر من النافذة.. وتجمدت الدماء في عروقي؛ كان هو! نفس الشاب، نفس الملامح. سأل أمي عن شخصٍ لا وجود له في شارعنا، فأجابته ببرود، وشعرت حينها ببرودة تسري في جسدي وكأن الواقع بدأ ينهار.
تتالت الأحداث بعدها؛ فبجانب الخاتم الذي لا يزال أثره محفوراً في إصبعي، بدأت أستيقظ صباحاً لأجد خدوشاً غامضة على رقبتي وظهري، لا أجد لها تفسيراً. أما الرعب الأكبر، فكان في ليلة كنت أشاهد فيها فيلماً مع أخي؛ حيث لمحنا كائناً قصيراً برأس ضخم يسير أمام نافذتي بحركة مشوهة، كان أخي شاهداً معي على هذا الكيان الذي خرج من رحم المنزل المهجور المجاور لنا.
منذ تلك الليلة، أصيبت ساعة غرفتي بالجنون. تعطلت أولاً عند السابعة إلا ربع، ثم توقفت نهائياً عند الحادية عشرة وعشرين دقيقة. تركتُ الساعة كما هي، توقفت حياتي عند تلك اللحظة التي أدركت فيها أن المنزل المهجور ليس مجرد طوب وحجارة، بل هو معبر لكياناتٍ لا تعرف قوانين عالمنا.
أنا أكتب لكم اليوم.. لا لأسأل “لماذا”، بل لأحذر من أن بعض الأحلام ليست مجرد أضغاث، بل هي دعوات لزوار لا يرحمون. فهل من بينكم من استيقظ ليجد أثراً لعهدٍ وقعه في نومه، أو رأى شخصاً من حلمه يقف عند بابه في وضح النهار؟
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
واووو، لي عودة للتعليق، فالامر هنا مرعبا للغاية.. عمت مساءا