ديان فوسي.. المرأة الغوريلا

بقلم : محمد النطاح – ليبيا

إنها دايان فوسي، عالمة سلوك الحيوان التي ضحت بروحها من اجل الحيوانات و خاصة الغوريلات الجبلية التي كانت – ومازالت – على وشك الإنقراض بسبب إستيطان البشر لمناطقها و صيدها بطريقة غير قانونية. وقد أثمرت تضحيتها، اذ حالت دون انقراض تلك المخلوقات بعد ان درستها وعاشت بينها طوال 18 سنة وحيدة و منعزلة عن بني جنسها الذين كرهتهم بشدة و تجنبتهم و من بينهم اقرب الناس إليها.

لمحة عن حياتها

ديان فوسي في طفولتها
ديان فوسي في طفولتها

ولدت دايان في 16 ديسمبر/ يناير سنة 1932 في سان فرانسيسكو و تحديداً في كاليفورنيا في أمريكا، أبوها هو جورج اي فوسي الذي يعمل وكيل تأمينات و أمها هي كاثرين فوسي التي تشتغل في عرض الأزياء. لم تكن طفولة دايان مشرقة أبداً، و هذا ما ولد مستقبلها الكئيب، ففي سنة 1938 (اي حين كان عمرها 6 سنوات فقط) تطلق والداها بعد عدة شجارات محتدمة، و كان لهذا الحدث المؤلم تأثيراً كبيرا في نفس دايان البريئة. ذهب والدها بعد الإنفصال و غادر الأسرة، و بقيت هي مع والدتها التي إرتبطت في نفس العام برجل أعمال يدعى ريتشارد برايس، و الذي كان له تأثير سلبي في حياة دايان. أولاً،حرمها من التواصل مع والدها، و لم تبدِ أمها اي اعتراض على ذلك. ثانياً، عاملها بطريقة فظة للغاية دون مبرر، حيث كان يحتقرها و يعاملها و كأنها عبء ثقيل على الأسرة. ثالثا، لم يكن يسمح لها بالجلوس على طاولة العشاء معه و مع أمها، بل كان يُرسل لها الطعام في غرفتها. كل هذه الطاقات السلبية اثرت بطريقة سوداوية في حياة دايان، فمع إفتقادها للحياة العاطفية و المتزنة أصبحت ثقتها بنفسها مختلة. لم تكن تحب أمها، لكنها لم تكن تكرهها بتلك الدرجة التي تكِنُّها لزوج أمها. و بالرغم من كل هذه التعاسة المحدقة بها فإنها وجدت بعض الثغرات في حياتها التي ينفذ منها نور الأمل ليتشكل و يتجسد في الحيوانات، تلك الكائنات الرائعة التي أحبتها و إرتبطت بها بطريقة جمة.

بدأت رحلتها نحو حب الحيوانات منذ اول سمكة ذهبية حصلت عليها ، حيث تعلقت بها للغاية و اعتنت بها كما تعتني الأم الرؤوم برضيعها. و بعد ذلك إهتمت بالأحصنة، و تفننت في التفاعل معها و امتطائها.

بعد ان أنهت دايان مرحلتها الثانوية من التعليم إستعدت للإلتحاق بالجامعة و ارادت التخصص في الطب البيطري. و لكن لاح لها زوج أمها بوجهه الكظيم محاولا ان يعرقلها و يقف في طريق طموحاتها و أحلامها، و أراد منها دراسة الإقتصاد فرضخت لأمره ظاهرياً فقط لكي تسكته، ثم إمتثلت لرغباتها الجامحة و لم تهتم لأوامره و أسدلت الستار عليه و على توجيهاته الباطلة، و لها كل الحق في ذلك فكيف تمتثل لأوامر من ازدراها و إحتقرها بوحشية دون سبب يُذكر؟ فما كان من هذا الأخير إلا ان هددها بوقف رعايتها ماديا ، لكنها رمت تهديداته و توعداته عرض الجدار و عملت بجهد جهيد لتحقيق مبتغاها في الإرتباط بالحيوانات التي وجدت في كنفهم الراحة و الثقة. و لتسديد مصاريف الدراسة عملت كعاملة في مختلف المصانع و الدكاكين و إستمرت في مسيرتها لتحقيق أهدافها، تتعثر و تسقط حينا ، لكنها لا تبقى عاجزة على الارض. عموما، لم تكن دايان تحب الحديث عن ماضيها الأسود، و لم تكن تثق في اي بشري طوال حياتها.

الغوريلات

شُغفت بالغوريلات الجبلية
شُغفت بالغوريلات الجبلية

عام 1967 سافرت دايان الى رواندا في افريقيا ، و هناك شُغفت بالغوريلات الجبلية ايما شغف، و أنشأت مركزا للأبحاث هناك يسمى بـ “كاريسوكي” لدراسة الغوريلات التي كانت تستوطن تلك المنطقة، و توافد على ذلك المركز الكثير من العلماء من أنحاء العالم.

حز في نفس دايان اعداد الغوريلات المحدود، حيث لم يكن يتجاوز بضع مئات، و قررت إنقاذها من الإنقراض و لذلك درستها دراسة مطولة و مكثفة و تفاعلت معها بطريقة مباشرة عبر تقليد عاداتها و أصواتها، فكانت تصدر أصواتا مفخمة كعلامة جلية للغوريلات بأنها لا تنوي اذيتها، و تتقدم زحفاً على بطنها لأن رفع القامة يمثل تهديداً و إعتداءً على الغوريلات ، واكتشفت ان هذه الحيوانات الضخمة والقوية ليست خطرة كما يصوره فيلم “كينغ كونغ”King Kong، و كان الغوريلا الأقرب إليها إسمه “ديجيت” حيث انه كان الألطف و الاكثر ودا معها، و كانت تتعرف إليه عبر علامة واضحة فيه، و هي إصبعه الأوسط المكسور.

الصيادون غير الشرعيون

يتم قتل الغوريلات من اجل لحومها او تستعمل اجزاء من اجسادها كالايدي والرؤوس كتذكارات ا
يتم قتل الغوريلات من اجل لحومها او تستعمل اجزاء من اجسادها كالايدي والرؤوس كتذكارات او وصفات في العلاج الشعبي الصيني او في ممارسة السحر

كانت دايان تمقت الصيادين بشدة، و ازداد ذلك بعد ان تم قتل الغوريلا الأحب إليها “ديجيت” من قِبلهم عبر اصطياده و قطع رأسه. و بعد الحادثة المريرة التي خلفت غضباً عارماً في نفسها قامت بمكافحتهم بشدة، فقبضت على الكثير منهم و اذلتهم و اهانتهم و ادخلت بعضهم للسجن. و قبل ذلك كانت تستعمل وسائل متعددة في ابعاد هؤلاء الصيادين عن كوخها و غوريلاتها، منها انها كانت تجوب الغابات ببطء رهيب و هي ترتدي احد أقنعتها المخيفة لترعبهم فيولون على أعقابهم مذعورين.

المرض

في سن مبكرة اصيبت بمشاكل صحية
في سن مبكرة اصيبت بمشاكل صحية

في سن مبكر،اصيبت دايان بمشاكل نفسية و رئوية ثم داء الإنسداد الرئوي المزمن لأنها كانت مدخنة شرهة، و بسبب ذلك أصبحت لا تقوى على الحراك جيداً فقَلَّت زياراتها لأحبابها الغوريلات وكانت تستخدم أسطوانات الأكسجين عندما ينقطع النفس عليها إثر نوبات السعال الحادة او القيام بمجهود مكثف.

الموت

يشوب الغموض موتها
يشوب الغموض موتها .. على الارجح قتلت على يد الصياديين غير الشرعيين

أُغتيلت دايان على يد بني جنسها في 27 ديسمبر 1985، و كانت محقة في عدم الإرتياح لهم، و لا تزال حادثة موتها غامضة و مفتوحة للمحققين و الشرطة منذ 30 سنة، فقد وُجدت دايان مقتولة في كوخها ، وكان واضحا انها قتلت بواسطة ضربات قوية بالفأس. ولم تُقتل بدافع السرقة، اذ ان القاتل لم ينهب شيئاً من ممتلكاتها الثمينة، كآلاف الدولارات و الشيكات السياحية و المجوهرات. و يُعتقد ان من قتلها هو احد الصيادين غير الشرعيين بعد ان أفسدت عليهم دايان الغنائم النفيسة التي يمكن لهم ان يحصلوا عليها من اصطيادهم للحيوانات النادرة بدافع الإنتقام.

الكتب و الأفلام

blank
تم انتاج فيلم عن حياتها من بطولة الممثلة سيغورني ويفر

ألفت دايان كتاباً يسمى “غوريلات في الضباب” و هو مشهور و ذائع الصيت، لكن عنوانه لم يُعجب احداً. كما تم تأليف فيلم على اسم كتابها سنة 1988 و فيه تم عرض العديد من زوايا حياتها الشخصية و مسيرتها مع الحيوانات و تفاعلاتها معهم.

ختاماً

حُزَّت هذه القصة في نفسي، تماما كقصة ايد جين. فأنا لا أستغرب لرغباتها الغريبة، لأن الذين اشرفوا عليها و ربوها لم يكونوا في المستوى الذي يسمح لهم برعاية الأطفال، لكن لظروف الحياة الواقعية ايضا لمستها الخاصة. آسف على الإطالة وأتمنى ان ينال الموضوع إستحسانكم، و أردت ان اختم المقال بقول مأثور خلده التاريخ لدايان فوسي و هو:

((عندما نفهم الحياة بكامل أنواعها و مفاهيمها، يصبح لدينا إهتمام أقل للماضي و نظرة ابعد و انجح للمستقبل.)).

المصادر :

– Dian Fossey-Wikipedia
– Dian Fossey-Gorilla Fund
– Dian Fossey-Btitannica
– Dian Fossey-The Gorilla Organization

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

19 تعليقات
القلب الحزين
القلب الحزين
6 سنوات

إن الحيوانات أنقى بكثير من البشر فهم يقتلون لسبب أما نحن فنقتل للمتعة.

سالم ليبي
سالم ليبي
7 سنوات

الانسان الابيض هو داء على هذا العالم ونرى ذلك من تكنولوجيا الخطيرة متمثله في الاسلحة والقنابل
مشكلة الاحتباس الحراري ورائها الانسان الابيض

جودي
جودي
7 سنوات

الحمدلله هذه المرة الأولى التي أقرأ بها عن شخص كانت طفولته صعبة ولم يتحول الى قاتل هذا معناه أن الإنسان يستطيع ترجمة معناته الى شيء مثمر ذي قيمة.شكرا” للكاتب موضوع جميل .

أبو جاسم
أبو جاسم
7 سنوات

لقد قرأت هذه نفس القصه

إيناس
إيناس
7 سنوات

لقد أعجبني الفيلم كثيرا و شاهدته أكثر من مرة و شكرا على محاولتك الجميلة في سرد قصة حياة ديان فوسي الرائعة

مني
مني
7 سنوات

كل الشكر لاستاذ اياد العطار والقائمين علي الموقع

مني الفناجيلي
مني الفناجيلي
7 سنوات

الفقر والجهل هو ماجعل الصيادين يقتلوا الغوريلات هي انسانة رحيمة بالغوريلات الفرق هو التعليم التنور والوعي

د:- ساره
د:- ساره
7 سنوات

المعيشة مع الحيوانات ابرك من الناس احيانآ

جازيه
جازيه
7 سنوات

القصه حلوووه

بيري الجميلة ❤
بيري الجميلة ❤
7 سنوات

مع أنني ضد من يعتزل الناس ليعيش بين الحيوانات حيث اراه مرضا نفسيا وتوحش إلا ان هذه المرأة معها حق لأنها تعرضت لقسوة البشر التي دفعتها لتفضيل الحيوانات عليهم ، مسكينة احزنتني ماتت في سبيل الدفاع عن الحيوانات ، لا تستحق القتل ولكن يا ليتها لم تعيش في ذلك المكان المخصص للحيوانات أي الغابة كانت مخاطرة منها

ياسمين
ياسمين
7 سنوات

قصة جميلة ومؤثرة جدا، إن هذه القصة تعلمنا كيف نجاهد أنفسنا ولا نستسلم مهما كانت الظروف لضعفنا ومشاكلنا .
أشكرك أخي محمد على هذا المجهود بإنتظار جديدك .

رند
رند
7 سنوات

مقال جميل شكرا ☺️

Thunder black
Thunder black
7 سنوات

مقال جميل اخي محمد

بس لدي ملاحظه بسيطه انت كتبت

ولدت في سان فراسيسكو وتحديدا في كاليفورينا ولكنها العكس

ولدت في ولاية كاليفورينا وتحديدا في مدينة سان فرانسيسكو

هههههههههه عطلت من الاختبارات وفاضي وماعندي شي وصرت ادقق على تفاصيل

اعتبرها مزحه مني اخي محمد وشكرا على مقال

مي
مي
7 سنوات

مقال جميل ومؤثر
شكرا

Lost soul
Lost soul
7 سنوات

شاهدت الفيلم
وكان مؤثر لدرجة مؤلمة حقا
كنت اضنه فيلما عاديا عندما شاهدته ولكن بعد بحثي وجدت ان قصتها حقيقية
وان هنالك لقطات في الفيلم كانت للشخصية الحقيقية
اجل لابد انهم قتلوها لأنها كانت تسعى لإيقاف اصطياد الغوريلا الجبلية خوفا من تعرضها للإنقراض
…مقال جميل …

S.M
S.M
7 سنوات

فعلا الانسان أخطر كائن على وجه الأرض 🙁
الموضوع جميل شكرا لك

الخيالي
الخيالي
7 سنوات

غريب امرهم جاءوا من امريكا الى افريقيا للاعتناء بالغوريلات وانفاق الاموال الطائله, يمكن هذه محاوله لتحسين سمعه الامريكان حول العالم..

هاني
هاني
7 سنوات

الصيادون الغير شرعيون هم في الغالب جهلاء الماده والطعام لديهم اهم بكثير من البيئه وانقراض تلك الحيوانات

مـجنــــن الجـــــــ�ــــــــــــن
مـجنــــن الجـــــــ�ــــــــــــن
7 سنوات

اعتقد انني قرات هذه القصه في احد المقلات بلموقع لم اعد اذكر جيدا!
لاكن قصتها حزينه جدا جدا

زر الذهاب إلى الأعلى