رماد الثقة: حين يأتيك الغرق من جفاف الآمنين

أنا فتاة جامعية، أخطو في مقتبل العمر بنقاء سريرة، لم أكن أعلم أن طيبة القلب في زمننا هذا قد تُصنف كخطيئة. ساقني القدر لتعارفٍ مع شاب من قريتنا (فهو من أقاربي المعارف)، تآلفت أرواحنا حتى غدونا في عامنا الأول جسداً واحداً بنبضين. كان حباً صادقاً، ينمو على مهل في دهاليز الأمل، بانتظار خطوة رسمية تجمع شتاتنا تحت ضوء الشمس.
وفي المقابل، كان لي في بيتي ملاذٌ آخر؛ ابنة خالتي. فتاة في ربيع عمرها بمرحلة الثانوية، لم تكن قريبة فحسب، بل كانت ظلي، وأختي التي لم تلدها أمي، وبئر أسراري العميق. كنت لها الأم البديلة، والمعلمة التي تذلل لها صعاب الدروس، والرفيقة التي تقطع معها الطرقات تأميناً لخطواتها. كان بيتي بيتها، وقلبي حصنها.
تبدل الطقس فجأة، وبدأت خيوط الحكايات تتشابك بغرابة. برودٌ مفاجئ أصاب ذلك الحبيب، وتجاهلٌ بطيء بدأ يتسلل إلى تفاصيلنا. وفي ليلةٍ هادئة، عبر مكالمة هاتفية، ألقى إليّ بكلمة عابرة كجمرة مخفية: “إن ابنة خالتكِ قد تسللت إلى حسابي، وشاهدت تفاصيلي”!
مررتُ الموقف بقلبٍ أعمى، فكيف لأختي الصغرى أن تكون مصدراً للريبة؟ لم أكن أعلم أن خلف تلك الشاشة الصغيرة كانت تُحاك خيوط المؤامرة، وأن طفلتي المدللة بدأت تبسط شباكها حول من أحب، وأن ذاك الذي ظننته رجلاً من أقاربي ويصون غيبتي، قد فتح لها أبواب الغواية واستقبل اندفاعها الطائش بكل خسة.
وجاء اليوم الذي انشقت فيه الأرض تحت قدمي. اتصالٌ هاتفي من خالتي مزق سكون حياتي؛ صوتها يرتجف غضباً وهي تخبرني: “لقد اكتشفتُ أن ابنتي تخون ثقتنا وتتحدث مع شاب من وراء ظهورنا”.
سألتُها والأنفاس تكاد تخنقني: “مَن؟”. وحين نطقَت باسمه، شعرتُ وكأن صاعقة من السماء هبطت لتسحق روحي. لم تكن الصدمة في خيانته هو فحسب، بل في نظرات عائلتها التي تصوب نحوي سهام الاتهام، ظناً منهم أنني كنت غطاءً لعلاقتهم الآثمة بحكم قربنا، بينما الحقيقة المرة أنني كنت الضحية الأكبر التي تُذبح خلف الكواليس! لقد ترك ذلك الخائن نساء الأرض جميعاً، واقتحم حِمى قريبتي، وهي بكل جحود داست على كل يدٍ مددتها لها لتسرق قطعة من روحي.
بعد فترة من القطيعة والوجع، عاد يحاول التواصل معي مجدداً، باحثاً عن ثغرة يعود منها لحيّزي. في البداية، كنت رافضة تماماً ومستنكرة لكل أعذاره، لكنه بذكائه وأسلوبه استطاع إقناعي بأنه كان مظلوماً، وأن ابنة خالتي أيضاً بريئة من سوء النوايا، وأن الأمر لم يكن سوى سوء تفاهم عابر تم تضخيمه.
ولأنني أحببته بصدق، ولأن رغبتي كانت جارفة في أن يعجّل بخطوتنا الرسمية والخطوبة ليعوّضني عما فات وننهي هذا التشتت وسط الأقارب، سامحته وقبلت عودته؛ كان أملاً مغلفاً بسذاجة الغفران. عاد إليّ بشغف ولهفة في بداية الأمر، لكن هذا الشغف لم يدم طويلاً. سرعان ما انطفأ حماسه، وعاد بارداً متجاهلاً كما كان، مبرراً إهماله بضغوط عمله وظروف حياته.
السقوط الأخير للأقنعة
لم يطل انتظاري خلف وعوده الزائفة بالخطوبة والاستقرار، حتى جاءتني الطعنة القاضية التي نسفت كل ما تبقى. لقد وصلني من مصدر موثوق، وبأدلة قاطعة لا تقبل الشك، أنه يخونني مجدداً ولكن هذه المرة مع فتاة أخرى تماماً. هنا استيقظت من غفلتي تماماً، وأدركت أن بعض البشر لا يتغيرون، وأن تجاهله لم يكن ضغط عمل أو سعي للخطبة، بل كان انشغالاً بخيانة جديدة وسقوطاً جديداً.
الخاتمة: الانبعاث من وسط الرماد
تلك الطعنة المزدوجة لم تكسرني، بل أعادت تشكيلي. لقد خسرتُ شخصاً لم يعرف معنى الرجاء، وفتاةً بعثرت دماء القرابة لأجل نزوة عابرة. لكنني كسبتُ نفسي. اليوم، أقف على أطلال تلك الخيانة وأنا أشد صلابة، أنظر إلى الماضي لا بعين الانكسار، بل بعين الكبرياء. لقد غادرا حياتي معاً، وكأن الخبيثين قد تلاقيا ليُطهرا طريقي. رحلا.. وبقيتُ أنا، شامخة، قوية، وعصيّة على الكسر.
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري