سرداب تونس الملعون: حيث اختفى الإمام

في أحد أحياء المحمدية التونسية القديمة، كان هناك منزل لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه. لم يكن منزلاً عادياً، بل كان بوابة إلى عالم آخر؛ عالم تسكنه مخلوقات لا ترى بالعين المجردة، لكنك تشعر بها في كل زاوية، وفي كل صدع بالجدار، ومع كل خطوة تسمعها خلفك عندما تكون بمفردك.
الشيخ عبد المجيد البغدادي، إمام مسجد معروف، كان يروي قصته للناس ويقسم بالله أنها أغرب ما واجه في حياته مع الجن، لدرجة أن الصحف تحدثت عنها بعد وفاته بطريقة مريبة، كما لو أن شيئاً ما كان يريد أن تبقى هذه القصة حية.
البداية: أرملة وابن اختفى
كانت امرأة فقيرة تعيش مع ابنها الوحيد في ذلك المنزل القديم، ولم يكن لديهما أحد في الدنيا سوى بعضهما البعض، لكن القدر كان له رأي آخر.
دخل الابن سرداباً تحت المنزل، وهو مكان يعرفه أهل المنطقة باسم “الدواميس” — وهي كهوف سرية تحت الأرض حُفرت منذ قرون — فخرج منها وقد فقد عقله، ثم اختفى تماماً.
سنتان كاملتان.. لم ترَ الأم ابنها طوال هذه المدة. كانت تجلس وحدها في ذلك المنزل المتداعي، تسمع أصواتاً تخرج من الجدران ومن تحت الأرض، وترى أشباحاً لأشخاص يظهرون في الغرفة ثم يختفون. كانت تجهز الطعام لتجده بعد لحظات ممزوجاً بالشعر والقاذورات دون أي تفسير.
ثم عاد الابن فجأة.. لكن شيئاً ما لم يعد يشبه البشر فيه؛ نوبات صرع، نظرات مرعبة، وصمت طويل يقطعه فجأة صراخ غريب في منتصف الليل، وكأن صوتاً ليس صوته يخرج من أعماق جسده.
الجريمة المنسية: كيف أذى الولد الجن؟
لم تروِ الأم القصة كاملة في البداية، فقد كانت تخشى أن يُحكم على ابنها بالجنون، أو الأسوأ من ذلك أن يُقتل، لكن الحقيقة كانت أفظع.
قبل سنوات، عندما كان الابن لا يزال صبياً ويلعب في فناء المنزل الخلفي، وجد حجراً غريباً منقوشاً عليه رموز لا يفهمها. ظنه لعبة، فرفسه بقدمه وهو يضحك، ثم كسره إلى نصفين. لم يكن يعلم أن ذلك الحجر كان علامة قبر لأحد الجن.
وليس أي جن؛ بل كان قبر “ميمون بن سليمان”، أحد كبار الجن في تلك المنطقة، الذي سكن الأرض قبل البشر بآلاف السنين. كان سكان المنطقة القدماء يعرفون ذلك المكان، ويتركون القرابين عند الحجر كل عام لاسترضائه، لكن الولد الصغير كسر الحجر، والأدهى من ذلك أنه مشى فوق المكان وتبول عليه دون أن يدري.
لم يمر اليوم التالي حتى بدأت الأم تلاحظ تغيراً على ابنها؛ صار ينام في غير وقته، ويستيقظ فجأة ليضحك من غير سبب، ويتحدث مع شخص لا تراه. قال لها مرة: “هناك رجل أسود يقف في زاوية غرفتي كل ليلة، ويقول لي إنني سأدفع الثمن”.
كان “الرجل الأسود” هو ابن ميمون، الذي أقسم ليجعلن حياة هذا الولد جحيماً. وفي إحدى الليالي، اختفى الولد بعدما دخل السرداب الذي كان مدخلاً لديار الجن، ولم يخرج منه إلا بعد سنتين. وحين عاد، كان جسده حاضراً لكن روحه لم تكن ملكه بالكامل.
وصول الشيخين
عندما يئست الأم، طلبت المساعدة من الشيخ عبد المجيد البغدادي، فاستعان بصديقه الإمام الجريدي وتوجها إلى ذلك المنزل المتهالك الذي كان يبعث الرعب في النفوس قبل دخوله.
أخبرتهما الأم بالحقيقة كاملة هذه المرة، فسكت الشيخان لحظة، ثم قال البغدادي: “إذا كان الأمر كما تقولين، فإن ابنك لم يدخل ديارهم طوعاً، لقد استدرجوه.. وهو الآن ليس ممسوساً فقط، بل مديون بدم”.
بدأ الابن يصرخ بمجرد رؤيتهما، وقال إنه يرى رجلاً أسود طويل الذراعين يضربه بعكاز. وفي إحدى الليالي، استيقظ الابن ليجد أسنانه مكسورة وفمه مليئاً بالدم، وقال له الرجل الأسود: “هذا مقابل كل قطرة بول نزلت على قبر أبي”.
قرر الشيخان التدخل وبدآ بقراءة القرآن، وفجأة انقطعت الكهرباء. في الظلام الدامس، سمعا خطوات ثقيلة تتحرك حولهما وتدور بهما؛ تقترب ثم تبتعد كأنها تتلاعب بهما. وعندما عادت الإنارة بعد دقائق رهيبة، كانت الأرض مغطاة بآثار أقدام ملطخة بالنجاسة.. آثار لم تكن موجودة قبل دقائق، ولم تكن لبشر.
سمع البغدادي صوتاً يهمس في أذنه: “أنت تريد أن تخرج ما ليس لك. الولد دفع ثمن ما فعل.. اتركوه، أو ستدفع أنت أيضاً”. لكن البغدادي لم يرتدع.
قرار المخاطرة
غادر الشيخ البغدادي المنزل بعد تلك الليلة، لكن الفضول والواجب ظلا ينخران عقله. سأل الأم عن السرداب، فرفضت إطلاعه عليه في البداية خوفاً عليهما، لكنه أصر.
بعد أيام، عاد البغدادي ومعه الجريدي، ووصلا إلى السرداب: فتحة مظلمة تؤدي إلى أسفل، تنبعث منها رائحة الأرض الرطبة والعفن، وسكون ثقيل كأنه يبتلع الصوت. وقبل أن ينزلا، سمعا صوت الولد من الداخل يردد: “عودا.. أو ستدفعان الثمن مثلي”.
دخلا حاملين مصباحاً صغيراً، لكن الضوء كان عديم الفائدة كأن الظلام نفسه يلتهم النور. سارا عشر دقائق فقط دون أن يتوغلا بعيداً، لكنهما فوجئا فجأة بأن الصحراء تحيط بهما من كل مكان! كيف وصلت الصحراء إلى هنا وهما في باطن الأرض؟ أم أنهما خرجا من السرداب إلى مكان آخر دون أن يدريا؟
ثم رأيا النار، ومخلوقات ترقص حول لهيب مشتعل، ليس لها شكل بشري، وتحرك أجسادها بطريقة خارجة عن الطبيعة. وفي وسط الدائرة، رأيا الولد جالساً على ركبتيه، وعيناه زجاجيتان، وفمه يفتح ويغلق دون صوت.
صاحب الجمل الأسود
ثم ظهر؛ رجل يمتطي جملاً أسود اللون، ليس كالجمال التي يعرفونها، فقد كان أطول، وأشد سواداً، وعيناه تشعان بوهج غريب. نزل من جمله، ومشى نحو الشيخين ببطء، ثم قال بصوت عميق جعل الهواء يرتجف: “أنتم تعلمون ماذا فعل هذا الولد؟ قبر أبي لم يكن مجرد حجر، كان عهداً بين أجدادكم وأجدادنا. حافظنا على سلامتكم قروناً في مقابل أن تتركوا لنا هذا المكان، ثم جاء هذا الصغير فكسر الحجر، وتعدى على القبر بأقذر ما يكون”.
تقدم خطوة وتابع: “أبي لم يمت ميتة عادية، بل قُتل بسلاح فيه فضة وحديد في حرب بين قبائلنا. جسده احترق، ولم يبقَ منه إلا رمل القبر وذلك الحجر. كسرتم الحجر فكسرتم قبره، والآن روحه تائهة لا قرار لها”.
التفت نحو الولد وقال: “أنا لا أريد قتله، أريد أن يعيش كما عاش أبي في القبر؛ سنتين من العذاب مقابل كل دقيقة كرامة انتزعها من أبي”. ثم حذرهما بصوت جمد الدماء في عروقهما: “عودا.. ولكن إياكما أن تنظرا خلفكما مهما سمعتما”.
الصرخة التي قطعت الصمت
خرجا من السرداب مسرعين، البغدادي في المقدمة والجريدي خلفه. امتثلا للتحذير ولم ينظر أي منهما وراءه، رغم أنهما سمعا أصواتاً لا تطاق؛ أصوات بكاء، صراخ، ضحكات مكتومة، ثم همساً قريباً جداً من آذانهما.
وأثناء خروجهما.. سمع البغدادي فجأة صرخة مرعبة من خلفه؛ كانت صرخة الشيخ الجريدي، ثم اختفى الصوت تماماً.
توقف البغدادي وتجمد في مكانه، وأراد أن ينظر خلفه لكنه تذكر التحذير، فظل واقفاً لثوانٍ مرت كأنها دهور، ثم خرج وحده. انتظر الجريدي طويلاً عند فوهة السرداب، لكنه لم يخرج أبداً.. لقد اختفى الإمام الجريدي تماماً عن الوجود.
النهاية: سر اختفى إلى الأبد
بعد أسابيع، حاول البغدادي العثور على السرداب مرة أخرى لكنه لم ينجح، كأن الأرض قد انطوت على نفسها وابتلعت البوابة. هُدم المنزل لاحقاً، وأقيم فوقه مسجد أُطلق عليه اسم الإمام الجريدي.
أما الولد؟ تقول بعض الروايات إنه عاش بعدها سنوات كالأموات يأكل ولا يشبع، ينام ولا يستريح، ينظر إلى الناس بعيون زرقاء باهتة كأنها ليست عيون بشر. وفي كل ليلة جمعة، يخرج من بيته ويمشي باتجاه المكان الذي كان فيه السرداب، ويقف أمام الجدار الخالي ساعات، يهمس بكلمات لا يفهمها أحد.
ومات بعد خمس سنوات. قال من غسله إن جسده كان أبرد من الجليد، وعيناه ظلتا مفتوحتين حتى بعد الموت، تنظران إلى شيء لا يراه الأحياء.
أما الشيخ عبد المجيد البغدادي، فبعد أشهر فقط، عُثر عليه ميتاً داخل منزله.
- النمل يلتهم رأسه.
- أطرافه مخلوعة من جسده، كما لو أن قوة هائلة قد مزقته.
السؤال الذي بلا جواب
هل كانت حكاية البغدادي مجرد أسطورة تناقلها الناس، أم أن ذلك السرداب لا يزال موجوداً فعلاً؟ هل هو هناك، تحت الأرض، في مكان ما في المحمدية التونسية، ينتظر من يجرؤ على فتح بابه من جديد؟
يقولون إن المسجد الذي بني مكان المنزل يشهد صلوات خمس مرات في اليوم، لكن البعض يؤكد أنهم في الليل، بين الأذان والإقامة، يسمعون صوتاً يأتي من تحت أساس المسجد.
صرخة رجل اختفى منذ زمن. صوت الشيخ الجريدي، لا يزال يصرخ في الظلام.
وأخيراً… سؤال لك أنت
بعد كل هذه التفاصيل المرعبة، بعد اختفاء إمام وسقوط آخر ميتاً بأبشع صورة، بعد سرداب يختفي فجأة من الوجود ويظهر الصحراء في باطن الأرض، بعد أن عرفت كيف أذى ولد صغير أحد الجن بكسر قبره والتبول عليه…
هل تصدق مثل هذه القصص؟
هل تعتقد أن الجن يمكنهم امتلاك البيوت والأجساد، فتح بوابات إلى أماكن أخرى، اختطاف البشر في وضح النهار؟ أم أن كل هذه الحكايات مجرد خيال شعبي، ولد من الخوف من المجهول، وتضخم مع كل راوٍ يضيف تفصيلة جديدة؟
ربما هناك من سيضحك ويقول إنها أساطير قديمة لا تسمن ولا تغني من جوع. وربما هناك من سيقسم بالله أنه عاش شيئاً مماثلاً، وأن عالم الجن ليس بعيداً عنا كما نتصور.
لكن الأغرب ليس القصة نفسها. الأغرب أن كل من حاول الاقتراب من الحقيقة – الجريدي، البغدادي، حتى الولد نفسه – دفع ثمناً باهظاً. هل هي المصادفة؟ أم أن هناك من لا يريد لهذه القصة أن تُروى؟
السؤال ليس عن صحة القصة وحدها. السؤال أعمق من ذلك: لماذا نحتاج إلى تصديق هذه القصص؟ لماذا نرتعب ونحن نستمتع؟ هل لأننا نبحث عن إجابة للأمور التي لا تفسير لها في حياتنا اليومية؟
في النهاية، القرار لك. لكن تذكر فقط… إذا سمعت يوماً خطوات خلفك في مكان لا يوجد فيه أحد، وحاولت ألا تنظر…
ربما تكون قد فهمت لماذا لم ينظر الشيخ البغدادي خلفه.
تنويه: نُشر هذا الموضوع سابقاً بقلم الكاتب (آدم بوقطف). وتأكيداً من إدارة التحرير على حفظ الحقوق المعنوية والأدبية لكُتّابنا، نعيد طرحه اليوم لما في أسلوب الكاتبة الجديدة من إضافة مميزة تستحق النشر.
تحرير، تدقيق ومراجعة: رنين.
صورة وجرافيك: روميساء طارق البدري.