عائلتي و الجن

بقلم: هيلين

أنتَ… أجل، أنتَ أيها القارئ! برأيك؛ لماذا يكرهنا الجن؟ ولماذا يتعمدون إخافتنا؟ طالما طرحتُ هذه الأسئلة على عائلتي، وكان جوابهم دائماً: “بسبب غيرتهم منا، ولمكانتنا العالية عند الله”. اقتنعتُ بهذا التفسير في البداية، لكنني الآن أجدني أتساءل: ربما لا يكون هذا هو السبب الوحيد؟ ستقول لي: “ولماذا لا؟”. لا تقلق، أنا أفهم حيرتك، ففي النهاية قد يختلف رأيي عن رأيك، والله أعلم بالصواب.

مرحباً، أُدعى هيلين، أبلغ من العمر سبعة عشر عاماً. أعيش مع أسرتي في إحدى المدن، حيث تسير حياتنا بهدوء واستقرار. تهتم عائلتي بنا كثيراً أنا وشقيقاتي؛ أجل، ليس لدي إخوة ذكور. وبالتأكيد، لم آتِ إلى هنا لأحدثكم عن الجانب اللطيف والهادئ من حياتي، فنحن يا سادة، نعشق الرعب… وما أدراك ما الرعب!

كان لجدي رحمه الله خمسة أبناء: أربع فتيات، وفتى واحد هو أبي. كانوا قديماً يعيشون في مناطق صحراوية حيث تقع بعض مزارعهم؛ ولا تسألني كيف توجد مزارع في وسط الصحراء! لم تكن مزرعة بالمعنى الحرفي الخصب الذي تتخيله في الريف، بل كانت أشبه ببيئة برية معزولة. كان والدي وعماتي يروون لنا ما كان يحدث معهم هناك، ولم يكن الأمر غريباً بالنسبة إليهم؛ ببساطة لأنهم يدركون أن الجن يستوطنون تلك الأماكن الخالية، إذ لم تكن البيوت متلاصقة جداراً بجدار كما هو الحال الآن، بل كانت تفصل بين الدار والأخرى مسافات شاسعة.

كان أبي يخبرني أنه عندما كان يلعب مع أخته الصغرى “ليلى” بجوار المنزل، كان يلمح كل مساء مصباحاً أبيض يضيء من بعيد. لم يكن يعيره اهتماماً في البداية، لكنه كان يخشى الابتعاد عن حدود المنزل، فالأمر بدا وكأن شخصاً خفياً يقف في عتمة الأفق حاملاً ذلك الضوء المنعزل. هذا ما رواه لنا عندما كبر وأصبح لديه أبناء.

بعدها انتقل أبي وجميع عماتي وجداي معاً إلى القرية التي أقطنها الآن عندما كنتُ في أشهري الأولى. ورغم الانتقال، كان أبي يذهب نيابة عن جدي (رحمه الله) لتفقد المزارع القديمة، وأحياناً يتأخر هناك، ويعود ليؤكد أنه لا يزال يرى ذلك المصباح الأبيض يضيء له من بعيد في قلب الفراغ!

أما عمتي الصغرى، فكانت تبهرنا بقصصها، وقد علقت في ذاكرتي قصتان لها؛ قالت في الأولى: “مرة، عندما كنت في العاشرة من عمري، لمحت دجاجة وظللت أركض خلفها”. (لا أعلم صراحة ما الذي دفعها لمطاردتها، ربما كانت تشتهي وجبة شهية من الدجاج والأرز!). استمرت في الركض وراءها، ووفت وصفها قائلة: “كانت تلك الدجاجة فائقة السرعة، وكأنها تطير!”. لم تتوقف عمتي عن الركض إلا عندما ظهرت والدتها التي كانت تبحث عنها بذعر. أخبرتها عمتي بشأن الدجاجة، فنظرت الجدة حولها لكنها لم تجد دجاجاً ولا حتى أثر أقدام في الرمل! سألتها: “ما لونها؟”، فأجابت عمتي: “بيضاء!”. بصراحة، كنت أظن دائماً أن الجن يفضلون اللون الأسود! فقالت لها والدتها حينها بحسم: “نحن لا نملك دجاجاً أبيض في مزارعنا…”. يا ترى عزيزي القارئ، لو لم تظهر الجدة في تلك اللحظة، إلى أين كانت ستقودها تلك الدجاجة المزعومة؟ كما أخبرتني عمتي أيضاً أنها رأت ذات مرة نخلة، وكلما اتجهت نحوها، شعرت أن النخلة تتراجع وتبتعد وكأنها تسير! فماذا كانت تريد تلك النخلة من عمتي؟

أما عمتي الكبرى، فيجب أن أتخذها قدوة لي؛ إنها نموذج حقيقي للشجاعة! تملك عمتي بعض الأغنام التي ترعاها وكأنها أبناؤها، وتضعها في تلك المزرعة القديمة المعزولة. أجل يا سادة، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ تقول عمتي الكبرى إنها تبيت هناك يومين من كل أسبوع بمفردها. لم يعد هناك بشر، فالجميع هجروا المكان، ولم يتبقَّ سوى بعض الحقول التي يمر عليها أصحابها نادراً. تؤكد عمتي أنها تسمع ليلاً أصوات نباح كلاب شديدة، وأصواتاً أخرى غريبة ومجهولة تصدر من الخارج. والمثير للريبة، أنه فور انتهاء تلك الأصوات، تنقطع الكهرباء تماماً عند حلول منتصف الليل!

ورغم ذلك، لم تكن عمتي ترمش خوفاً، فهي لا تخشى هذه الألاعيب؛ بل كانت تمضي بهدوء وتنام وكأن شيئاً لم يكن. في إحدى المرات، كانت تتابع مسلسلاً وفجأة انقطعت الكهرباء، ويبدو أنهم كانوا حريصين جداً على مواعيد نومها! الغريب أن الكهرباء كانت تنقطع كل يوم إثنين تحديداً، وعندما تسأل أصحاب المزارع المجاورة في الصباح، يؤكدون أن الكهرباء لم تنقطع عندهم، والمنطقة أساساً لا توجد بها كلاب ضالة! إنها تعرف يقيناً من الفاعل…

يظهر لنا في النهاية، أعزائي القراء، أن العلاقة بين عالمي الجن والإنس تقوم في كثير من الأحيان على الخوف المتبادل. فالخوف البشري من الجن لا ينبع من ضعف حقيقي في الإنسان، بل هو رد فعل طبيعي ورهبة غريزية من المجهول ومن مخلوقات لا نعرف مظهرها الحقيقي، تذكيها القصص المتوارثة التي تضخم من قدراتهم وتظهرهم بمظهر الأقوياء بينما هم في الحقيقة ضعفاء. هم يستغلون هذا الخوف لصالحهم، فحين يلمسون ضعفنا يزدادون تجرؤاً علينا لإخافتنا. ولا ننسى أولاً وأخيراً أنهم مجرد مخلوقات، والأجدر بنا أن يكون خوفنا وخضوعنا للخالق وحده، لا للمخلوق.

حرر بجهود مشكورة للمحررة والمدققة: همس الصوت.

مراجعة وإشراف: رنين

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
1 التعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
همس الصوت
همس الصوت
16 دقيقة

أمي وهى صغيره رأت سيده تسير بي بمصباح، ولم يصدقها احد، ورأت أطفال ينشدون في المقابر بي ملابس بيضاء، القصص متشابه أمي أيضًا عاشت في قريه

زر الذهاب إلى الأعلى
1
0
Would love your thoughts, please comment.x