كوكو.. الأعجوبة الذكية في عالم الغوريلّا

إن عُجِبَ لأمر “هانز” الحصان الذكي، الذي كان متمكّنًا من حل المسائل الحِسابيّة بالضرب بحوافرِه، فلأنّه حصان لا غوريلا. ولا يعني ذلك أنّ الغوريلا أسطورية الذكاء بطبيعتها، لكن لكل مجال أسياده؛ ومثل اليوم غوريلا اسمها “كوكو”، حققت ما لم يحققه أي حيوان آخر، لتقف كأعجوبة حيّة ودليلٍ صارخ على الذكاء إذا ما فاقَ المُعتاد.
تنتمي الغوريلا لعالم “الرئيسيّات”، وهي طائفة من الثديّيات نشأت تاريخياً فوق الأشجار، وتوسعت الهُوّة تدريجياً بين حجم أدمغتها وأجسامها. ورغم كتلتها العضلية الضخمة وحجمها الهائل الذي يزن مئات الكيلوغرامات، إلّا أنّها كائنات رقيقة، مُرهَفةُ الإحساس، وذكيّة جدًّا حتّى إنّها تعي مفهوم القبيلة والمعارك الائتلافية. وليس غريبًا أن تفعل، فحمضها النّووي يتطابق مع جينات الإنسان بنسبة تقارب 98%.
تتميز الغوريلا تشريحياً بأذرع أطول من سيقانها، وأقدام مرنة تحسبُها أيادٍ، كما أن شعرها يُماثل جِلدَها في اللّون. وتنقسم الغوريلات لفصيلتين إفريقيّتين رئيسيتين: الشّرقيّة والغربيّة، وتلك الأخيرة هي السلالة التي تنتمي إليها بطلتنا “كوكو”.
بداية الأسطورة.. قشّة سان فرانسيسكو
في حديقة حيوان سان فرانسيسكو الأمريكيّة عام 1971، وُلِدَت تلك الرضيعة (أو “القشّة” كما يُطلَقُ في العربية على صِغار القردة). كانت ولادتها حدثاً عاديّاً لم يتنبّأ أحد بأنه سيتفرّد، لِيُرِيَ العالَمَ أذكى حيوان على وجه الأرض، وأقدره على التّواصل بلغة الإشارة البشريّة، والتّعبير العاطفي الواعي.
تألّقت كوكو في اختبارات عديدة وهي تحاور مختبريها بلغة الإشارة الأمريكية المُمَنهجة، وكان الفضل في ذلك لعالمة النّفس الحيوانيّة “فرانسين باترسون”، التي ربت بدنيًّا ونفسيًّا على كوكو منذ أن كان عمرها عاماً واحداً في هذه الدُّنيا. في البداية، كانت كوكو مجرد فرد ضمن مجموعة أُريدَ فحصها لمشروع علمي يُعاين قدرات الغوريلّات، لكنها سرعان ما نجحت واستلبت الإهتمامَ كلّه حتّى غدت شهرتها عالمية.
أفادت الدكتورة باترسون بأن كوكو أتقنت “لغة الإشارة الخاصّة بالغوريلا”؛ إذ طوّرت حركات خاصة بها نابعة من فهم ذهنها لحركات جسدها. وبلغت تلك الإشارات نحو ألف إيماءة تعبّرُ عبرها عما يقارب ألفين من مفردات اللغة الإنجليزية.
قياس الذكاء الخام
كيف استطاع كائن حيواني أن يُحرِزَ في دماغه معدّل ذكاء يتراوح بين أواخر الثّمانين وأوّل التِّسعين بمقاييس البشر؟
لقد أُخضِعَت كوكو لعدد من الامتحانات لفحص معدل ذكائها، منها اختبار “كاتيل” الشهير. وهو نظام حسابي يستثني الخلفيّات الثّقافيّة والبيئيّة، ويستخلص من الخاضع له “ذكاءه الخام الحُر” البعيد عن المحفوظات والكلمات والمعادلات المسبقة. يتطلب هذا الاختبار حل مشكلات عبر التّفكير المنطقي البحت؛ ورغم أنه يُجرى بورقة وقلم، إلا أن مضمونه يتكون من أحاجٍ بصرية تحتاجُ إلى تركيب وفصل وتركيز ذهني عالي لملاءمة الأشكال المتناسقة (تماماً كأنظمة التحقق الرقمي الحديثة “الكابتشا”، ولكن بأسلوب منطقي أعقد يتطلب حذف خط أو تمرير نقطة).
في هذه الاختبارات المعقدة، نجحت كوكو في فهم الأحاجي وتركيب الأشكال، وحقّقت معدّل ذكاء مذهل وصل إلى 90 درجة!
كوكو وكرة الكرات.. رثاء على قافية الحزن
إلى جانب العقل، أبرزَت كوكو ذكاءً عاطِفِيًّا واهتِمامًا واعِيًا بِغيرها. ففي عام 1983، وكان ربيعها الثّاني عشر، شعرت كوكو برغبة في أنيس، فطلبت من رعاتها بلغة الإشارة أن يحضروا لها “قِطَّةً حقيقية”.
حاول رعاتها مواربتها خوفاً عليها، فأعطوها لعبة على شكل قط، لكن الغوريلا الذّكية فهمت الحيلة، وأشارت بكفّيها بعلامة الحزن (بأن مدّت أصابعها ورقّت يدها اليُمنى فوقَ اليُسرى في خط قطري هابط مع تعابير وجه صارمة تعبر عن الزعل والرفض). وأمام هذا التعبير العاطفي الصادق، لم يجد الرعاة بداً من إعطائها جرو هرّة حقيقي أمنت له كوكو.
والغريب أن التماسها هذا كان بالتزامن مع أعياد الميلاد، وكأن معرفتها شملت المناسبات الإنسانية وعطاياها!
اصطفت كوكو الهرّة من بين مجموعة هررة، واختارت لها هرّة رماديّة ذيلها قصير، وأسمتها بلغة الإشارة: “كرة الكرات”. ومن هنا نشأت أرق رابطة عاطفية؛ إذ عُرِفَت كوكو بحمل الهرّة الصغيرة بعناية فائقة كما لو كانت طفلتها، تُعلقها على كتفها وتُربت عليها وتعتني بها.
لكن “كرة الكرات” لم تكن ذكية بما يكفي لتعرف أن حريتها خارج السياج ستحرمها حضن كوكو الدافئ؛ إذ تسللت إلى الشارع الخارجي صدفة فاصطدمت بها سيّارة وماتت.
أحدث موت الهرّة صدمة وحزناً كبيراً لكوكو، وصاغت في رثائها مرثية رمزية بلغة الإشارة، بكلمات متقطعة وخارجة عن القواعد، لكنها حملت قافية مبكية؛ إذ أشارت قائلة: “سيّء.. حزين” (Bad – Sad)، متبعة ذلك بحركة انقباض الجبهة الباكية، مما يعني أنها كانت على دراية تامة بمسمّيات المشاعر التي جسّدتها بنحيبها وبكائها الحقيقي.
كوميديا الطاعة والمكر
شَمِلَ إدراك كوكو الخارق حتى فهم الفكاهة الإنسانية. في أحد البرامج الوثائقية، استعرضت مدربتها باترسون رسائل موجهة من الأطفال وفضّتها أمام كوكو؛ وكان من بينها رسالة يبدي فيها طفل إعجابه بكوكو ويسألها عن اسمها الأوسط أو لقبها، فأشارت كوكو فوراً بالقول: “الشيطان!”. لقد كانت دعابة ذكية تؤكد فهمها لفكرة الكوميديا والمفارقة.
وفي لفتة فكاهية أخرى تشبه لقطات التلفاز، أقدمت كوكو على نعت مدربتها باترسون بأنها “غوريلا” ثم ولّت هاربة تضحك، لتسوقها نحو القفص في لعبة مطاردة ودغدغة شهيرة تلاعب بها القرود أخواتها.
ولم تقف فكاهتها عند هذا الحد، بل تعدته إلى “مكر التملص من العقاب”. تروي خبيرة كشف الكذب باميلا ماير في إحدى حلقات “تيد إكس”، أن كوكو أثناء تعايشها مع رعاتها، انتزعت صُنبور مياه من مكانه وخربته، وعندما سألوها باستنكار عمن فعل هذا؟ أشارت بإصبعها فوراً نحو قطتها الصغيرة البريئة وكأنها تقول: “هي الفاعلة!”؛ تماماً كما نرى في قصص الرسوم المتحركة الساخرة.
بمثل هذا الوعي الخارق، يصبح من الطبيعي جداً أن تُكتب السيناريوهات وتُرسم القصص المصورة عن ذكاء وتجنيد الغوريلّات، كما في سلسلة “كوكب القردة” (Planet of the Apes)، أو قصص “حرب الغوريلا” المصورة، وحتى التحديات الفرضية التي تنتشر اليوم على منصات التواصل حول سيناريوهات مواجهة الغوريلا للبشر؛ فحتمًا من تملك إحدى أقوى لكمات الطبيعة وأقوى العقول لن تُستضعف.
الرسالة الأخيرة.. والرحيل الصامت
قبل وفاة كوكو الغوريلا عام 2018 عن عمر يناهز سبعاً وأربعين سنة، تركت رِسالةً أخيرة وثّقتها “مؤسّسة الغوريلا” غير الهادفة للرّبح. كانت الرسالة مزيجاً بين كلمات متقطعة تحمل شعور كائن عاقل؛ إذ وقّعت كوكو تلك الرسالة إشارياً وسجّلتها المؤسسة حروفاً.
وصفت كوكو نفسها والطبيعة في تلك الرسالة بكلمة واحدة: “الحُب”، ثم ولّفتهما معاً لتخبر البشرية في كلماتها الأخيرة بأنهما ليسا مجرد شعور، بل هما فعل وممارسة.. “أنا والطبيعة نُحِبُّكم”.
أما آخر ما لفظته من إشارات دون أن تخلّده الصحف الرسمية، فكانت كلمتان تفيضان بالأسى والوعي بالذات؛ إذ أشارت وهي في مضجعها الأخير: “صبور”.. ثم.. “كهل”.
لقد أعلنت بذكائها استسلامها للشيخوخة، وماتت بعد ذلك من ذلك الداء الأبدي (التقدم في السن)، لتنتهي دورة حياتها بشكل طبيعي، تاركة خلفها لغزاً علمياً وإنسانياً لن ينسى.
تحرير، تدقيق وإشراف: رنين.
أهلًا أخي ويف..
مقالة رائعة بحق.. مشوقة وغنية بالمعلومات.. وقد استمتعت كثيرًا بقراءتها من بدايتها حتى نهايتها
والمفارقة الطريفة أنني كنت قد انتهيت من كتابة مقالة عن كوكو الغوريلا وأرسلتها للنشر.. لأتفاجأ بأنك سبقتني إلى تناول الموضوع نفسه.. ولكن بأسلوب مميز ومادة ثرية أضفت إليها الكثير من التفاصيل التي تجعلها مرجعًا ممتعًا للقارئ
لذلك أرجو من إدارتنا الموقرة التكرم بحذف المقالة التي أرسلتها عن كوكو الغوريلا .. حتى لا يتكرر الموضوع.. خاصة بعد هذه المعالجة الجميلة التي قدمتها
كل الشكر لك على هذا الجهد الرائع ..وفي انتظار إبداعاتك القادمة
دمت بكل الود والتقدير
باسم
آخ قلبي 😔 يا للهول لقد أُعيدَت هيكلة هذه المشاركة المتواضعة الّتي أطمر رأسي في الأرض من شدّة تواضعها إلى شيء رائع ومناسب لموقع كابوس. لذا آخ يا عقلي. مذهل! سأُقارن بين جهود التّجديد هذه ونصّي الأصلي الّذي أجحفتُ بحقّه ولم أنقّحه وعرّيتُهُ من التّشويق وتحمّستُ أكثر ممّا نسّقت.
شكرًا للمحرّر، لقد احتجتُ حقًّا لانقشاع الغمامة، مجرّد قبول الموضوع وترقيته فوق مشاركة الأسطورة أحمد علي يُسعدني، لكنّي سأجتهد في قراءة هذه السّطور الفرانكنشتاينيّة كي أتعلّم كيفَ أصيغ المعلومة 🤩 وربّما في المستقبل وبعد تخرّجي وتعلّمي لكورس تحرير ويب سأنضمّ لطاقم تحرير كابوس 🤗
تحياتي لك يا صديقي، وأسعدني جداً تعليقك اللطيف! لا داعي لأن تطمر رأسك في الأرض، فلولا المادة المعرفية الثرية والشغف الكبير الذي كتبت به النص الأصلي، لما خرجت هذه السطور بهذا المظهر.
أسلوبك في الحقيقة ثري، راقٍ، ويحمل طابعاً فلسفياً فخماً، لكنه أحياناً قد يكون نخبوياً أو صعباً على عامة الناس وعلى طبيعة القراءة السريعة لمواقع النت، لذا كان دوري هنا هو مجرد تبسيط وتوجيه هذا القلم الفخم ليتناسب مع ذائقة جمهور الموقع.
فخورة بوجودك معنا، وأتمنى أن أراك مستقبلاً فرداً أساسياً في طاقم تحرير كابوس 🙂