هشام الذهبي .. بابا نويل العراق

البدايات

في بغداد. المدينة التي اعتادت أن تعدّ جراحها كما يعدّ الناس مواسم حصادهم، كان الليل يطول أكثر مما يجب، وكان الموت يطرق الأبواب بجرأة لا يعرفها ضيف آخر، هناك، في الأزقة الضيقة التي تشبه مصيدة فئران، وُلدت حكاية رجل لم يهب المال ولا الجاه ولا الجيوش، بل وُهب قلباً لم يعرف النوم منذ أن سمع أول صرخة طفل تُطلق بلا أم ولا أب.

اسمه هشام الذهبي. رجل لم يُسجل اسمه في دفاتر الساسة ولا على لافتات الحملات الانتخابية، لكنه كُتب بخط باهت على جبين كل يتيم التقطه من الشارع.. كُتب كتعويذة خفية تقول: “ما زال هناك أب واحد لم يرحل بعد”.

blank

البيت الذي صار حضناً

بدأ الأمر حين صادف طفلاً تائهاً بين إشارات المرور، جسد صغير يتسول الخبز، وعينان أكبر من عمره تحدقان في الفراغ كما لو أنه يقرأ شيئاً لا نراه، لحظة واحدة كانت كافية لتغيّر مسار حياة هشام، لحظة رأى فيها وجهه القديم، وجه العراق نفسه، ممزقاً.. ضائعاً.. يبحث عن حضن يختبئ فيه.

شيئاً فشيئاً، صار هشام جامع الأرواح، يجمعهم كما تُجمع العظام من تحت الأنقاض، بيت صغير فتحه بيديه صار أشبه بملجأ للملائكة الجريحة. لكنه في نظر الغرباء لم يكن سوى بيت يزدحم بأطفال لا يحملون سوى أسماء نصف مكتملة، وأجساد تحمل آثار الضرب والجوع والتشرد.

blank

كل طفل التقطه كان يروي له حكاية أقرب إلى الكوابيس، طفل وجدوه ملفوفاً ببطانية سوداء عند زاوية مسجد ..كان يبكي بلا صوت، كأنه خاف أن يوقظ الموت النائم بجواره. آخر كان يبيع المناديل عند الإشارات، وحين سأله هشام عن أسرته، أشار بيده الصغيرة نحو جدارٍ مثقوب وقال .. “هناك دفنوهم”. طفلة في السابعة نامت بجوار كلب ضال أياماً طويلة، وكانت تقول إن دفء الكلب أنقذها أكثر من دفء البشر. أما أصغرهم، فكان يضحك بشكل غريب كلما ذكروا كلمة “أب”.. كأن الكلمة تحولت في ذهنه إلى نكتة سوداء لا يفهمها إلا هو.

blank

ومن بين تلك الوجوه.. كانت هناك طفلة صغيرة ترتدي فستاناً أزرق باهت اللون، فقدَ بريقه من كثرة الغبار، في إحدى يديها دمية قماشية بلا رأس، وفي الأخرى قطعة خبز يابسة تقضمها ببطء. حين اقترب هشام منها، رفعت رأسها بخجل، وكانت عيناها أشبه ببركتين من الدموع الجافة.. لا تبكي، لكنها تحمل ملامح من بكى حتى لم يعد يملك دمعة واحدة. قالت بصوت متقطع: “أبي وعدني أن يعود”.. ولم تكن تدري أن وعده قد دُفن في مقبرة جماعية منذ سنوات.

قصص ليست من كتب الرعب. بل من واقع يومي كان هشام وحده يجرؤ على النظر في عينيه.

الطريق الشائك

ولأن العراق بلد يعرف كيف يبتلع أبناءه، لم يكن طريق هشام مفروشاً بالورود، واجه محاولات التشكيك.. التهديد.. وحتى التصفية. لكن الرجل الذي صنع من قلبه بيتاً للأيتام لم يتراجع، كأنه أدرك أن الموت الذي أخذ آباءهم لن يكتفي إلا إذا تركهم نهباً للشارع، فقرر أن يكون الحاجز الأخير بينهم وبين العدم.

أصوات من الداخل

الأجمل أن شهادات الأطفال أنفسهم جاءت لتؤكد أن هذا البيت لم يكن جدراناً باردة بل حضناً دافئاً. يقول محمد عبد الله .. الذي دخل البيت صغيراً: “عندما جئت إلى الدار قيل لي إنني أستطيع أن أتعلم.. وهنا تعلّمت القراءة والعزف”.
أما أحمد، الذي صار اليوم طالباً جامعياً في قسم الهندسة . فيقول: “أنا أحد الأشخاص الذين صنعهم هشام الذهبي.. كنت منذ عام 2006 في الصف الابتدائي، والآن أنا أدرس في كلية الهندسة”. بينما يحكي مصطفى، الذي تعلم الرسم بين جدران الدار: “نجحت في الصف الخامس الابتدائي.. وتعلمت الرسم وأنجزت لوحات تعبر عن حبي لوطني”.

المعجزة الصغيرة

العجيب أن هشام لم يُنجب من صُلبه. لكنه أنجب مئات الأبناء من جراح غيره، وكأن القدر سخر منه ليصير أباً في زمن صار فيه الأب مجازاً لا حقيقة. هؤلاء الأطفال الذين شبّوا في بيته صاروا دليلاً على أن الدم ليس شرطاً للقرابة، وأن الأمل يمكن أن يُورّث مثلما يُورّث الاسم.

ولأن الأمل نفسه يبدو أحياناً كائناً غريباً في بلاد تعبت من الحروب، كان العالم يندهش من هذا الرجل، كيف لم يجنّ؟ كيف لم ينكسر؟ كيف لم يتلوث باليأس مثلما تلوث كل شيء حوله؟.. الجواب لم يكن عند هشام.. بل عند أولئك الأطفال. فقد كانوا انعكاسه الحقيقي، كانوا معجزته الوحيدة.

blank

الخاتمة

في النهاية، لا يحتاج الأمر إلى معجزة سماوية كي يتغير العالم. أحياناً يكفي رجل واحد يقرر أن يفتح باباً صغيراً في مدينة كبيرة مسكونة بالرعب.. رجل يصر أن يصير أباً لأطفال لم ينادوه يوماً إلا باسمه، لكنه في قلوبهم كان الأب الوحيد الذي لم يرحل.

تحرير وإشراف : أزيز الصمت .

تدقيق ومراجعة : جمال علي العابد .

5 1 تصويت
Article Rating
بواسطة
Almaktouninitiative
المصدر
Wam ae

مقالات ذات صلة

13 تعليقات
جيفارا
جيفارا
4 شهور

استاذباسم الصعيدي.
سلمت وسلمت اناملك، ايها الكاتب الرائع.
كم نحن بحاجه لمثل هذه المواضيع الانسانيه،
كي تصحينا من غفلتنا.
وتبعث في نفوسنا بذور الرحمه والقيم الانسانيه.
مدننا مليئه بالاطفال المعذبين ،
الذين يعانون التشرد والضياع والبؤس .
فلا ملاجئ تأويهم، ولاجمعيات خيريه تكفلهم.
ولاحكومات تقوم بواجبها نحوهم.
ولا مجتمع يتقبلهم.
فما ذنب هؤلا الاطفال الابرياء؟
وماذا جنوا ؟
حتى ينظر اليهم المجتمع نظره دونيه،
بانهم اطفال شوارع، وابناء حرام وانهم لايستحقون الرعايه والعطف والاهتمام.
فمثل هذه الافرازات ، هي نتيجة الصراعات السياسيه، والنزاعات المسلحه في كل البلدان المنكوبه،
ولايستثنى منها بلداننا العربيه.
وكذلك نتيجة الفقرالمدقع، والاوضاع المعيشيه المترديه التي تعاني منها آلاف الاسر.
مايؤدي الى خلاف الاباء، وتفرق الاسره ،وضياع الابناء.
ولنفترض ان بعض هؤلا الاطفال الابرياء،
خرج الى الدنيا نتيجة غلطه سريريه.
فليس من العدل ان نحملهم وزر ابائهم.
ولايجب ان نعاقبهم على ذنب لم يقترفوه.
مع العلم ان هؤلا الاطفال اذا تِركوا ،
يهيمون على وجوههم في الشوارع،
والميادين العامه.
سوف يصبحون صيد سهل للعصابات الاجراميه، الذين سيستغلونهم في شتى انواع الاعمال الاجراميه والاخلاقيه.
وبالتالي:
سوف يصبحون في المستقبل من اعتى المجرمين.
التي تفخر بهم تلك البلدان وتلك الحكومات الفاشله.

همس الصوت -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
الادارة
همس الصوت -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
4 شهور

الصور تظهر النبل أحببت جدا المقال

فرح - مديرة الإشراف والتواصل للمنوعات والمتفرقات
فرح - مديرة الإشراف والتواصل للمنوعات والمتفرقات
4 شهور

قرأت عن هشام الذهبي في بغداد، وكيف أصبح رمزًا للعطاء والرحمة للأطفال المحتاجين. قصته تذكرنا بأن الإنسانية لا تعرف حدودًا، وأن قلوبًا صغيرة يمكن أن تصنع فرقًا كبيرًا في حياة الآخرين.

لوريكا
لوريكا
4 شهور

استاذ باسم الصعيدي🙏🏻🫴🏼

دائماا تذهلني باختياراتك👌🏼. من قصص الرعب إلى قصص الإنسانية.. هذا التنوع رائع🫰🏼🫰🏼🫰🏼
ككردية✌🏻شعرت وكأني أقرأ عن الكثير من الرجال في شعبنا الذين فتحوا بيوتهم وأحضانهم للأيتام والمشرردين، خاصة بعد الحروب والمااسي التي مررنا بها في كردستان.

هشام الذهبي ليس مجرد رجل يعتني بأيتام، بل هو أب لمئات الأرواح التي كاد اليأس يبتلعها. في مجتمعاتنا الشرقية، حيث تمزقت العائلات بسبب الحروب والعنف، يبقى أمثال هشام هم الخيط الرفيع الذي يربطنا بالإنسانية.

أكثر ما لمسني هو أن هشام لم ينجب أبناء من صلبه، لكنه أنجب مئات الأبناء من رحم المعاناة. هذا هو العطاء الحقيقي، وهذا هو معنى الأبوة🤍👏🏻.

شعبنا الكردي يعرف جيداا معنى اليتم وفقدان الأب، ولهذا نقدر هؤلاء الرجال أكثر من غيرهم. رحم الله هشام الذهبي وأمثاله، وجعل ما يقدمونه في ميزان حسناتهم.

شكراا لك على تسليط الضوء على هذه القصة الإنسانية الجميلة 👏🏻👏🏻

روكسانااااااا✌🏻🐦‍🔥

مريام مريام
مريام مريام
4 شهور

فعلا له من اسمه نصيب

ابو محمد
ابو محمد
4 شهور

للاسف الأنسانيه تكمن في بعض القلوب فقط
فنرى بعض الاباء والأمهات يتخلوا عن اولادهم
ونرى النقيض من ذلك ايضآ عند البعض

جميل التنوع في المواضيع المختاره للموقع والأجمل هو انت ايها الأنسان بأسم

طارق الليل
طارق الليل
4 شهور

سلام الله عليكم اخي باسم
واسعد االه اوقاتكم بكل الخير
وتحية لك على هذا المقال الانساني الجميل فوصفك لمعاناة اطفال الشوارع الذي التقطهم هشام الذهبي من الشوارع لهو وصف يجعل القلب يتعاطف والعين تدمع وكم من يتيم في مجتمعاتنا العربية كان الشارع بيته مو ملاذه يفترشون الارض ويلتحفون السماء ينتظرون هشام ذهبيا آخر
فما فعله هشام الذهبي هو تجسيد للانسانية في اعظم صورهافالنبي صلى الله عليه وسلم يقول
أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة و اشار باصبعة السبابة والوسطى.
وقوله تعالى (( يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربه ))
وقوله تعالى (( الم يجدك يتيما فأوا ووجدك ضالا فهدى * فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ))
صدق الله العظيم
فقد بدأ باليتيم قبل الضال و المسكين
فأنا شخصيا جربت اليتم من الابوين فقد ذقت مرارتها ونار الحرمان منذ الطفولة والحمدلله بعد معاناة سخر الله لي عمي رحمة الله تخشاه كان الاب والصاحب والصديق ولكن اقدار الله اخذته في حادث مروري لتبدأ معاناتي الاصعب
واليتيم هنا ليس من فقد اباه او امه فقط بل كل من ليس له اهل ولا كافل
فكم من يتيم كان هشام الذهبي كافلهم فقد كان الاب والصديق فسبحان الله هشام الذهبي لم يخلف ابناء لكنة خلف انسانية اعطته الكثير والكثير من الابناء
ولتعلم يا صديقي ان الشائع الشخص الذي ليس له ابناء تكون رأفته اقل من الذي له ابناء وعرف الابوة وذاق العطف والحنان
ولكن هشام فاق جميع الاباء في عطفه وحنانه
تحياتنا لهذا الرجل اينما حل وهل وجعل الله احسانه في ميزان حسناته
وتقبل خالص التحايا والســـــــــــــــلام

عمانية
عمانية
4 شهور

جعل من جابة الجنة وربي ينتقم من الي دمر العراق وبلاد المسلمين

Manal🌹
Manal🌹
4 شهور

معلومات من اجمل ما قرأت ياباسم
لم اسمع به من قبل
لكن العنف ضد الاطفال وايلامهم هي نقطة ضعفي
لا اعرف
هل يملك اقرباء واهالي وجيران هؤلاء المساكين
قلوبا كقلوب البشر
ترى هل هم من لحم ودم ومحسوبون على الانسانية
بارك الله به
رجل من زمن النور
اكرمه ربي في الدارين ووهبه كل مايتمنى

كل الشكر لك يا باسم من اعماق القلب
مبدع كعادتك

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 شهور

يبدو ان الوقت ملكك استاذ باسم فانتاجك غزير ورائع بالنسبة لهشام الذهبي فهو حقا ذهبي بافعاله العظيمة وحتى ان لم يذكره التاريخ الا انه يكفي ان يذكره كل من اعتنى بهم تحية لك استاذ باسم
ملاحظة مقالتي الجديدة تنتظر منذ اشهر وتبكي في الزاوية لكي انشرها لكن الوقت عدوي اللدود

علي فنير
عضو
علي فنير
4 شهور

صباح السعادة صديقي العزيز باسم مقال رائع يضاف الي مقالاتك في العالم رجال زرعوا الابتسامة علي شفاه آلاف الأطفال انتشلوهم من الضياع بلمسة سحرية تغيرت اقدارهم هذا رجل بحجم وطن فتحية له.
الأم تريزا واحدة من الأساطير التي غيرت مصير ملايين الأطفال حول العالم ويبقي الحب والرحمة هو خط الدفاع الأول في اوطان مزقتها الحروب وذاق أطفالها اليتم.
للأسف لو كان هذا الرجل من الغرب لأحتفي به العالم وكتب عنه وأصبح معروفا وتبرع له آلاف الميسورين لكي يكمل مهمته.
تحياتي لك ودمت ودام مداد قلمك .

ابو هشام
ابو هشام
4 شهور

جعله الله في ميزان حسناته هذا الضمير الحي هذا الرجل الصلح فعلن لقد ادمعت عيوني والله بارك الله فيه ومن امثاله تحياتي للكاتب وبرك الله فيك وحفظك بحفظه

كرمل
كرمل
4 شهور

اسم على مسمى
بارك الله فيه وفي امثاله

زر الذهاب إلى الأعلى