أسطورة ماما بينات (الأم العظيمة)

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

عندما تزور ولاية الشلف الساحلية الجزائرية وتحديدا مدينة بني حواء يستوقفك شاطئها الساحر الجمال وجبالها المطلة على البحر هناك يقبع ضريح ابيض جميل يقابل البحر الازرق وتنمو قرب الضريح شجرة تين وقرب الضريح توجد شواهد قبور لستة نساء ، عندما تسأل سكان المنطقة عن الضريح يجيبون بإنه قبر الرومية أي الاجنبية فما هو سر هذا الضريح ولمن تعود شواهد القبور تلك ؟

blank
رمت بهن الامواج الى الساحل بعد غرق سفبنتهن

قبل أكثر من قرن من الزمان وتحديدا في شهر جانفي من عام 1802 انطلقت سفينة فرنسية حربية من ميناء تولوز اسمها لوبانيل (le panel) كانت وجهتها امريكا الجنوبية وبالضبط مستعمرة سان دومينيك التي كانت تابعة لفرنسا في ذلك الوقت وقد كانت مهمتها هي قمع التمرد الحاصل هناك ، كانت السفينة تحمل اكثر من 200 راكب من بينهم عدة راهبات هولنديات ، عندما اصبحت السفينة وسط البحر هبت عاصفة قوية تلاعبت بالسفينة وقذفتها بين الامواج فغرق من غرق وأما الناجون فقد قذفتهم الامواج الى السواحل الجزائرية مع حطام السفينة الغارقة ، قبل غرق السفينة اعتقد القبطان انهم قريبون من الساحل الاسباني لكنه كان مخطئا، وسرعان ما شاهد الصيادون حطام السفينة ومدافعها تقذفها الامواج الى الشاطئ فسارعوا لتفقد الامر والبحث عن ناجين وقد تم انقاذ عدة أشخاص من بينهم تسع نساء.
بعد انقاذ الركاب لجأت النساء الى دار الاسلام وهي زاوية لتعلم القرآن الكريم خاصة بالمتصوفين وأقمن هناك .

كانت تلك النساء راهبات مسيحيات عشن واندمجن في المجتمع الجزائري نظرا لحسن المعاملة التي تلقينها من سكان القرية والتي أصبحت اليوم مدينة. فرغم اختلاف الدين والعادات واللغة الا أن الراهبات تعلمن اللغة وكل ما يتعلق بعادات المنطقة وتزوجن من رجال جزائريين ودخلن الاسلام أما الراهبة الاكبر سنا واسمها جيان والتي سميت ماما بينات فيما بعد أي أم البنات والتي كانت في الخمسين من عمرها فلم تتزوج بل عملت على علاج الناس ومساعدتهم بحكم أنها كانت ممرضة من قبل فكانت تجمع الاعشاب من الجبل وتعالج كل من يطرق بابها فقصدها السكان من كل مكان كما تميزت بالحكمة فاستشارها السكان في مشاكلهم وحتى حكماء القرية كانوا يطلبون رأيها لما عرفوه من حكمتها ورجاحة عقلها وبقيت ماما بينات تعالج السكان وترشدهم فأحبها السكان وتعلقوا بها خاصة وأنها استعملت طرق علاجية لم يعرفها السكان من قبل فظن الكثيرون أنها ولية صالحة وبقيت كذلك الى أن ماتت ودفنت في ضريح بناه لها السكان مقابل البحر عرفانا لها .

blank
ماتت ودفنت في ضريح بناه لها السكان

في عهد الاستعمار الفرنسي للجزائر قام المستعمر برتولوتي بالاستيلاء على معظم أراضي منطقة بني حواء واستغل وجود الضريح الذي يقدسه السكان فأعاد بنائه بعد انهياره في زلزال عام 1954 وقام بغرس شجرة تين ذو نوعية جيدة احضرها من ايطاليا الى الجزائر قرب الضريح ومازالت الى اليوم موجودة كما قام بغرس التين في الاراضي المجاورة وادعى امام السكان البسطاء أن هذا التين مبارك لأنه من وراء البحار مثل ماما بينات ومن موطنها أيضا . كما قام برتولوتي باستغلال شهرة الضريح والتين الموجود قربه بكثرة في الاشهار لمنتوجاته فقام ببناء مصنع لمربى التين ووضع كرمز اشهاري لمنتوجه صورة للضريح و شجرة التين قربه . ومازال المصنع موجودا الى اليوم بمنطقة بني حواء.

blank
داخل الضريح توجد عدة قبور بدون اسماء او تواريخ

تقول الاسطورة في المنطقة أن الفتاة قبل تتزوج لابد لها من زيارة الضريح لنيل بركة الأم العظيمة ، وحتى بعد الزواج على العروس أن تزور الضريح مرة أخرى وأن تقوم بأخذ حفنة من تراب الضريح وتقوم بتأمله جيدا فاذا كان يحتوي على أي حشرة تتحرك كنملة مثلا أو أي شيئ أخر فمعناه أنها ستنجب أولادا ، أما اذا كانت حفنة التراب خالية فهذا يعني أنها لن تنجب أطفالا. وعليها أخذ حفنة تراب أخرى وأكلها لتحل بركة الأم عليها وتنجب .
أما الاطفال الذين تتعسر مشيتهم يؤخذون الى عين ماء تسمى عين ماما بينات ويغسلون أجسامهم هناك فيتمكنون من المشي.

كما كان الناس قديما يقيمون الولائم التي تسمى ا(الوعدة) في اللغة المحلية للمنطقة تقام هذه الطقوس تكريما للأم العظيمة فتذبح الذبائح وتوزع على سكان المنطقة والفقراء أيضا.

هناك من يشكك في الاسطورة ويقول أنها مجرد أساطير قديمة وحكايا للجدات لكن ما تفسير حطام السفينة ومدافعها الموجودة الى اليوم على شواطئ بني حواء وماذا عن الضريح الموجود على تلة مقابل البحر وماذا عن الشواهد الستة لرفيقات الأم ماما بينات الموجودة قرب الضريح اذا كانت هذه اسطورة فلمن هذا الضريح اذن؟

الكثير من المختصين في التاريخ يقولون أن حادثة غرق السفينة صحيحة وان الراهبات الهولنديات بقين في الجزائر وتزوجن أيضا صحيحة و ان ماما بينات هي شخصية حقيقية نضرا لوجود رسالة أرسلتها الى الجنرالات في ذلك الوقت تقول فيها أن السكان سيساعدونها للعودة الى الوطن ، لكن فيما بعد قررت البقاء مع بقية الراهبات نظرا لكرم أهل المنطقة ومساعدتهم لها فردت لهم الجميل بعلاجهم ومساعدتهم . كما أن أمر دخولها الاسلام لم يؤكد فهناك من يقول أنها ماتت على دينها.

blank
قامت السفارة الهولندية في الجزائر بترميم الضريح

في عام 2008 قامت السفارة الهولندية في الجزائر بترميم الضريح وتزيينه برخام وأشكال جميلة وكذلك الشواهد الستة للراهبات اللواتي رافقن ماما بينات في الرحلة .

في نظري أنا اعتقد أن البشر ومهما اختلفوا في الدين أو العادات أو اللغة فان نقاء القلب كفيل بأن يزيل كل العوائق واسطورة ماما بينات هي أفضل دليل على ذلك فامراة ورفيقاتها تقطعت بهم السبل في البحر استطاعوا العيش والتأقلم في بيئة مختلفة كليا عن ما عهدوه في وطنهم كل هاذا بسبب حب الناس لها ومساعدتها وعدم التمييز بينها وبينهم وتقبلها كواحدة منهم .

وأنت عزيزي القارئ مارأيك في هذه الاسطورة؟

كلمات مفتاحية :

– Le Mausolée de Mama Binette

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

20 تعليقات
كرمل
كرمل
4 سنوات

جميل عزيزتي نور?

امرأة من هذا الزمان
امرأة من هذا الزمان
4 سنوات

جميل جدا…ولكن هذا ليس غريبا عن جميلة الجزائر….سلمت يداك استاذتي?

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 سنوات

شكرا لك من اعماق قلبي ?????

يسري وحيد يسري
يسري وحيد يسري
4 سنوات

قصة إنسانية ممتازة رغم تأرجح ثبوت تحققها تاريخيا بين الحقيقة والأسطورة ، إلا أن العبرة التي تُستخلص منها تتخطى حاجز التاريخ بل وكأن القصة في حد ذاتها تاريخا فقط لمن أراد أن يرى العالم بعينين ذهب
تحياتي أستاذة نور وإلى اللقاء في مقال قادم بإذن الله

باولا
باولا
4 سنوات

مقال رائع عزيزتي ?
تحياتي ?

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 سنوات
ردّ على  باولا

?????

لا اعلم
لا اعلم
4 سنوات

كرهت جزء الذي يتعلق بالتبرك بالضروح والشفاء هذا كله من شرك بالله فالشفاء كله بيد الله سبحانه وتعالى ورزق الاولاد كله من رزق الله الله يهدينا ويثبتنا على طاعته

اول من المانيا
اول من المانيا
4 سنوات

مقال ممتاز اشعر بالحزن على الراهبات

ريماس
ريماس
4 سنوات

القبور اللي معاها لمن طالما الباقيات تزوجن وأسلمن، وهي كما اعتقد لم تسلم واللذين دفنوا معها اكيد نهجوا نهجها، سأبحث عن القصة وأتحرى عنها
لأن في غموض في القصة / شكراً لك مقالة مدهشة

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 سنوات
ردّ على  ريماس

لقد بحثت كثيرا قبل الكتابة هناك معلومات متضاربة لكن الاغلب ان القبور للراهبات حتى بعد اسلامهن دفنوا هناك تكريما لهن تحية لك

ملاك
ملاك
4 سنوات

مقال رائع نعم في الحقيقة زرت الشلف هذا العام وزرنا هذا الضريح انه رائع??
تحياتي لك مقال روعةة??

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 سنوات
ردّ على  ملاك

شكرا ????

ورود
ورود
4 سنوات

سواء اكانت حقيقة ام اسطورةاعتقد انه لايجوز التبرك وعمل ضريح وذبح الذبائح لانسانة عادية لانها تصبح شرك بالله

؟!!
؟!!
4 سنوات
ردّ على  ورود

صحيح كلامك…

لكن القبور تبدو مهملة، والدليل على إهمالها تكفل السفارة الهولندية بترميمها عام 2008، فلعله كان أمرا قديما، هذا إن كان!!

barbara
barbara
4 سنوات

مقال جميل
لكنني لا اميل لتصديق كل شيء
لذا رايي في الاسطورة انها قصة جميلة و حسب

صاعد
صاعد
4 سنوات

الكثير من المختصين في التاريخ….

يبدو لي هذا الأقرب إلى الواقع…
لكن إذا كن تلك الراهبات قد تزوجن من جزائريين من أهل المنطقة، فالسؤال الذي يطرح نفسه:

أين نسلهن؛ فالعهد قريب!!

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 سنوات
ردّ على  صاعد

العهد ليس قريب انه قرن من الزمان وربما هناك سكان من نسلهن

boss
boss
4 سنوات

شكرا جزيلا على المقال انا من ولاية شلف

نور الهدى الاخضرية
نور الهدى الاخضرية
4 سنوات
ردّ على  boss

لا شكر على واجب كم تمنيت زيارة ولاية الشلف ومنطقة بني حواء

boss
boss
4 سنوات
ردّ على  boss

مرحبا بيك

زر الذهاب إلى الأعلى