إنقاذ من الهاوية، حرفيًّا

مُذ طويت صفحة المرحلة الإبتدائية، وما أجملها من صفحة، زال بريق الرحلات عنّي.
ليس مغلوطًا أبدًا أنّي كنت أشتهي أن يُسِرَّ أساتذتنا بخبر إعلان رحلات ميدانية ترفيهية وتعليمية.. فيطير عندها قلبي فرحًا.. وأروح أخطط لابتياع ألذ الحلويات وأتخيل الإحتمالات التي يُخبّئها لي الغد.

في المرحلة الإبتدائية، كانت الرحلة بلسمًا يداوي روتين الأيّام..

أمّا في الإعدادية، فقد تغير الوضع ولست أدري لما.. لم أعد أكترث بأي خبر له صلة بالرحلات المدرسية.. حتى يوم إعلاني رئيسًا لمجلس الطلاب -وقد صادف يوم الرحلة- آثرت العودة للبيت.

بل من الطرفة عندما فزت بمسابقة قُطرية، أصرَّ الزملاء على أن أشاركهم رحلةً نظّمها المدير خصّيصًا كمكافئة، حدَّ أنهم كادوا يفجرون هاتفي من فرط دعواتهم ومجموعاتهم الإجتماعية.

ومع المرحلة الثانوية، تغيّبتُ عن إحدى الرحلات، ويومها شعرتُ أن سخط العالم وجّهه الوالدان لي..
“جالس في خلقتنا!” وغيرها..

هذه الإهانة شجّعتني على خوض رحلة جديدة هي آخر ما خضته في هذا المجال ولا رجعة في هذا الأمر..

لقد كانت في جنوب النقب، مسار صحراوي عند التلال..

كان ذلك من أضنى الأيّام وأكثرها شقاءً، وفي الواقع.. أكثرها إحراجًا..

في تلك الرحلة عنونتُ سببًا جديدًا لعزوفي عن الرحلات، ونصّه: كي لا تحرج نفسك!

بشكل رئيسي، ثمّة حدثان:
الأول أني كدت أفقد حياتي عندما انزلقت عن المسار، ولولا لطف المولى أوّلًا ونباهة صديقي السابق ثانيًا لرحت في خبر كان.
حسبُك أن المنحدر يصعب، بل يستحيل التشبث به.. وحتى لو سقطت وتدحرجت فلن يقوى جسدي على تحمل الضغط الناجم عن دورانٍ تنازلي على تلة شديدة الإرتفاع، ناهيك عن الجِراح والصخور البارزة.

نعم، لقد كانت ومضة ولحظة خاطفة، ومن حسن طالِعي أني عندما فقدت توازني، وجدت ذراعانِ تُعيدانني.

الحدث الثاني وهو أبسط:
كان يوجد مفترق صخري أملس، فوجدت نفسي مندفعًا للجانب المعاكس لخطتنا.. وأدركت أن من البديهي كونه معاكسًا لخطّتنا نظرًا لأنه يتطلب منك القفز لتصل إليه.. لا أذكر على وجه الدقة المسافة.. لكني أذكر تحذيرًا من أحد الطلاب، وعدلتُ عن المفترق من بعد تلقّيه، منتبهًا للطريق الصحيح.

شعرتُ بأني معزة.. لا أقود نفسي.. لا أفطن.. وأتزحلق في هاوية كفيلة بأن تُرديني جثّة هامدة.

كانت عن حق وحقيق رحلة مُتعبة بقدر لذّة الفطيرة التي اعتبرتُها أفضل جزء من تلك الرحلة الخطيرة، والتي قطعًا جعلت الوحدة + الغرف الآمنة تبدوان كجنّة.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

2 تعليقات
ابو العز
ابو العز
8 شهور

قصة تذكرنا بأن الحياة قد تنقلب في لحظة بين هاوية وظل نجاة احيانا لا يكون الفارق سوى ذراع تمتد في الوقت المناسب او تحذير عابر يغير المسار بين الخوف والامتنان ندرك ان لطف الله يسبق خطواتنا وان التجارب القاسية تترك فينا اثرا لا يمحى يجعلنا اكثر وعيا بقيمة الحياة واكثر امتنانا لرفقة الآخرين

عاشق الموقع
عاشق الموقع
8 شهور

ذكرتنا بأيام الابتدائية والصبا شكرا لك عزيزي

زر الذهاب إلى الأعلى