التنقل بين ناجٍ ومحارب

يقال إن السفر يوسع الأفق، لكن في المواصلات العامة، السفر يوسع شيئًا آخر تمامًا: صبرك (أو ضغط دمك، حسب الظروف). إنها تجربة تشبه الأفلام السينمائية، حيث تجد كل أنواع الشخصيات، الدراما، وحتى مشاهد الأكشن التي تجعلك تتساءل: هل أنا في حافلة أم في جزء جديد من سلسلة “المهمة المستحيلة”؟

عندما تقرر ركوب وسيلة نقل عامة، فأنت عمليًا تدخل مغامرة لا يمكن التنبؤ بها. قد تصل إلى وجهتك، وقد تنتهي بك الرحلة إلى إعادة تقييم قرارات حياتك. لكن لا تقلق، فجميع وسائل النقل تضمن لك جرعة كافية من الإثارة، سواء اخترت الحافلة، التاكسي، أو القطار.

لنبدأ رحلتنا في عالم المواصلات، حيث تنقسم الطرق إلى ثلاثة أنواع: طريق مزدحم لا يتحرك، طريق مليء بالحفر والمطبات التي ستعيد ترتيب فقرات ظهرك، وطريق فارغ لكنه محجوز بالكامل لسيارات المسؤولين الذين يسيرون بسرعة الصوت. والآن، اربطوا الأحزمة (إن وجدت)، ولننطلق!

محطة الحافلات: حيث يموت الأمل ببطء

المحطة هي المكان الذي يُختبر فيه صبر الإنسان ويصل إلى مرحلة متقدمة من الزهد القسري. إنها نقطة التقاء الأحلام والطوابير التي لا تنتهي، حيث يقف الجميع بانتظار حافلة قد تأتي… أو لا تأتي أبدًا.

عندما تصل إلى المحطة، ستجد مشهدًا مألوفًا: العشرات من الأشخاص متجمدون في أماكنهم، يحدقون في الفراغ وكأنهم أبطال في فيلم درامي عن الانتظار الأبدي. البعض يتفقد ساعته كل عشر ثوانٍ، وكأن عقاربها ستغير قوانين الفيزياء وتجعل الحافلة تظهر فجأة من العدم. آخرون يتنهدون بعمق، في محاولة للتواصل روحانيًا مع الكون ليعجل بقدوم المركبة الأسطورية.

وفي كل محطة، هناك ذلك الشخص الذي يقفز في كل مرة يلمح فيها شيئًا يتحرك في الأفق، فيبث الأمل في قلوب المنتظرين… قبل أن يكتشف الجميع أنها ليست الحافلة، بل شاحنة نفايات جاءت لتذكيرهم بأن وجودهم هنا بلا جدوى.

ثم، فجأة، بعد نصف عمر من الانتظار، تظهر الحافلة في الأفق، بطيئة كأنها خرجت للتو من معركة شرسة. في هذه اللحظة، يتحول الحشد المتحضر إلى فرقة كوماندوز مستعدة للانقضاض، فالبقاء للأسرع، والقانون الوحيد هنا هو “من يصل أولًا، يجلس… ربما”.

بمجرد أن تفتح الحافلة أبوابها، يختفي أي مظهر من مظاهر التحضر، ويتحول المنتظرون إلى كائنات برية مدفوعة بغريزة البقاء. لا أحد يهتم إن كنت عجوزًا، مريضًا، أو حتى شفافًا… فالبقاء للأقوى، والجلوس رفاهية لا تُمنح إلا لمن يجيد فن المناورة والدفع الاستراتيجي.

يبدأ المشهد الأول بالاندفاع الجماعي، حيث تتحرك الجموع كأنها موجة بشرية تحمل معها كل من يقف في طريقها. تجد نفسك فجأة داخل تيار جارف، قدميك لم تعد مسؤوليتك، وذراعاك تتحركان وفق إرادة الحشود. شخص ما يدفعك للأمام، شخص آخر يدفعه من الخلف، وفي لحظة ما، تفقد القدرة على تحديد موقعك الأصلي، لكنك تعلم أنك تتجه إلى الداخل… بالقوة.

هناك نوعيات مختلفة من الركاب في هذه المعركة:

“المقاتل الشرس”: لا يهتم بأي شيء سوى الوصول إلى المقعد، ولو اضطر إلى استخدام مرفقيه وكتفيه كأدوات قتال.

“المراوغ المحترف”: ينساب بين الأجساد مثل دخان كثيف، يتحرك بسرعة ودقة، ويجد طريقه إلى الداخل دون أن يلمسه أحد، ربما تدرب في ساحات القتال أو في طوابير الخبز.

“المظلوم الأبدي”: يقف في الزاوية يشتكي من قلة الأدب وسوء الأخلاق، لكنه رغم ذلك، ستجده يدفع في اللحظة الأخيرة ليضمن مقعدًا.

“العالق الأبدي”: نصفه داخل الحافلة، ونصفه الآخر في الخارج، محاصر بين حقيبة ظهر ضخمة وكتف شخص غريب، ينتظر معجزة لدخول عالم المقاعد أو الخروج بحياة سليمة.

وبينما تتصاعد التوترات، يتعالى صوت السائق بغضب: “تقدموا للداخل! هناك مساحة فارغة في الخلف!”. الجميع ينظر لبعضهم في حيرة… عن أي مساحة يتحدث؟ عن الفراغ الذي لا يراه سوى سائقي الحافلات؟ أم عن البُعد الموازي الذي يُفترض أننا قادرون على الانتقال إليه بمجرد أن يصرخ؟

في النهاية، بعد معركة حامية، تجد نفسك واقفًا في مكان غير محدد، محشورًا بين حقيبة ضخمة وشخص يشكو من ارتفاع الأسعار، وأنت تحاول استيعاب كيف نجوت من هذا الطوفان البشري… فقط لتبدأ المرحلة التالية من الجحيم: رحلة الحافلة نفسها!

كنتُ أقف عند باب الحافلة، وسط الزحام، أنوي الصعود ولكن بأخلاق… يا لغبائي! أمامي كانت هناك عجوز واهنة، تتحرك ببطء شديد، كأنها تحاول حل معادلة فيزيائية مع كل خطوة تخطوها نحو الداخل. قررت أن أتصرف بإنسانية وأمنحها الأولوية، فهي كبيرة في السن، ولابد أن الحياة قد قست عليها بما يكفي، فلماذا لا أساعدها وأتركها تصعد قبلي؟

لكن لسوء حظي، لم يكن هذا القرار بطوليًا في نظر الجميع، وبالتحديد في نظر السيدة الضخمة الواقفة خلفي، التي يبدو أنها تخرجت بمرتبة الشرف من أكاديمية المصارعة الحرة. فجأة، دوّى صوتها في أذني كصفارة إنذار:

“اسرعي بالصعود!”

حاولت أن أوضح لها بلغة الإشارة -لأن الكلام لم يكن مسموحًا وسط هذا العراك- أن العجوز أمامي هي السبب في التباطؤ، لكن يبدو أن التفسير لم يكن ضمن أولوياتها. في جزء من الثانية، شعرتُ بيدٍ حديدية تمسك بي، وبحركة محترفة أشبه بحركات المصارعين، سحبتني إلى الوراء قائلة بصوت صارم:

“إذن لا تصعدي إطلاقًا!”

وهكذا، وجدت نفسي فجأة خارج الطابور، مخلوعة من مكاني كأنني قطعة أثاث قديمة لا تلائم ديكور الحافلة. بينما العجوز -التي كنت أتعاطف معها- واصلت صعودها بسلام، وكأن قانون الأولويات لا ينطبق إلا على الحمقى أمثالي.

أما السيدة الضخمة، فقد شقت طريقها إلى الداخل بمهارة، وحصلت على مقعد بينما بقيتُ أنا في مكاني، أستوعب حجم الخطأ الفادح الذي ارتكبته حين اعتقدت أن الأخلاق لها مكان في معركة الحافلات.

بعد أن تجاوزتَ صدمة السحب العنيف والتدافع الهمجي، تجد نفسك أخيرًا داخل الحافلة. لكن طبعًا، وكما هو متوقع، لا يوجد أي مقعد شاغر. في الواقع، أنت محظوظ لأنك تمكنتَ من وضع قدم داخل المركبة دون أن تُسحق بين الجموع. تنظر حولك بحثًا عن بصيص أمل، كرسي يتيم، زاوية مهجورة… لكن لا شيء، فقط بحرٌ من الركاب المتشبثين بأي شيء ثابت كأنهم في فيلم نهاية العالم.

عندها، يبدأ الجزء الحقيقي من المعاناة: الوقوف أثناء تحرك الحافلة. وهنا، أؤكد لك أن أي شخص يستطيع البقاء واقفًا داخل حافلة متهالكة مليئة بالمطبات دون أن يسقط أو يتأرجح، يستحق شهادة في التوازن الرياضي. فبمجرد أن يتحرك السائق، تشعر وكأنك دخلتَ مسابقة غير معلنة في رياضة ركوب الأمواج، لكن الفرق أن الأمواج هنا عبارة عن طرق محفّرة، والسائق هو قائد سفينة قراصنة قرر أن ينتقم من كل الركاب بسبب حياته البائسة.

تبدأُ بالتشبث بأول شيء تقع عليه يدك، لا تدري إن كان عمودًا حديديًا، حقيبة شخص ما، أم حتى كتف إنسان بريء، المهم ألا تسقط. ومع كل مطب، تومض الحياة أمام عينيك، وتجد نفسك تقفز في الهواء كأنك تجري تمارين أكروباتية إجباريًا.

الموقف يزداد إثارة عندما تبدأ الحافلة في التوقف فجأة، فهنا تنقسم فئات الركاب إلى:

المحظوظون الجالسون الذين ينظرون إليك بشفقة زائفة، بينما يستمتعون بمقاعدهم الثمينة.

الراكب البهلواني الذي يتدحرج مع كل مطب، لكنه بطريقة ما ينجو من السقوط الكامل.

المتمسك بالحياة الذي يلفّ ذراعيه حول العمود الحديدي كما لو كان حب حياته، ولن يتركه حتى لو احترقت الأرض.

الذي تخلى عن كل شيء… هذا الشخص استسلم، لا يحاول حتى التوازن، فقط يترك القدر يقرر اتجاه سقوطه.

ومع كل محطة، يدخل المزيد من الركاب، ويصبح الأمر أشبه بلعبة “كم شخصًا يمكننا حشره في علبة سردين؟”. في النهاية، تدرك أنك لم تعد كائنًا بشريًا، بل جزءًا من كومة بشرية متلاصقة تتحرك معًا في تناغم قسري… حتى تأتي المحطة الأخيرة وتتحرر، ولو مؤقتًا، من هذا العذاب.

وأنت واقف هناك، محشور بين الأجساد المتلاصقة، تبدأ رحلة أخرى من العذاب… حفلة الروائح! فجأة، تدرك أن أنفك لم يعد مجرد عضو في وجهك، بل أصبح ضحية حرب كيميائية لا هوادة فيها.

أول ما يضربك هو ذلك المزيج الغريب بين العرق واليأس والتوابل. إنه خليط يصعب تصنيفه، لكنه كفيل بإيقاظ أي حواس خاملة لديك. ثم تبدأ الأنواع بالتميّز، واحدة تلو الأخرى، وكأن كل راكب قرر أن يترك بصمته الخاصة:

رائحة “لم يرَ الماء منذ الأزل”: هذا النوع يجعلك تتساءل إن كان بعض الناس لديهم حساسية من الصابون والماء، أم أنهم يعتبرونهما مؤامرة كونية ضدهم؟!

رائحة “عطر الحفلات القاتل”: هناك راكب قرر أن يغمر نفسه في زجاجة كاملة من العطر الرخيص، الذي يحمل اسمًا فرنسيًا لكنه يُصنع في مستودع مشبوه. النتيجة؟ اختناق جماعي وضباب عطري سام.

رائحة “المأكولات المحمولة”: شخص ما قرر أن يكون وقته في الحافلة هو الوقت المثالي لأكل شطيرة مشبعة بالثوم والبصل، ناشرًا عبقًا يستقر في أنفك إلى الأبد.

رائحة “أحذية انتهت صلاحيتها”: هذه تأتي غالبًا من الشخص الذي قرر أن يخلع حذاءه بكل وقاحة وكأنه في صالون منزله، ناشرًا موجات قاتلة تجعلك تعيد التفكير في كل قرارات حياتك.

رائحة “المزيج النووي”: وهي عندما تتداخل كل الروائح السابقة، مكوِّنةً سحابة غير مرئية لكنها محسوسة بشدة، تجعل حتى أقوى أنوف العالم تستسلم.

وبينما تحاول كتم أنفاسك والهروب من هذه الكارثة البيئية، تدرك أنه لا مفر. كل محاولة للتنفس مجرد مغامرة خطرة، وكل محطة تمر بها لا تحمل لك الأمل، بل المزيد من الركاب والمزيد من… الروائح!

وأنت واقف هناك، محاولًا الحفاظ على توازنك وسط الأمواج البشرية والمطبات القاتلة، يظهر فجأة موزع التذاكر. إنه ليس مجرد موظف عادي، بل قوة طبيعية مدمرة، شبيهة بإعصار بشري قرر أن يختبر مدى قدرتك على التمسك بالحياة.

يبدأ رحلته الأسطورية من مقدمة الحافلة، وهو يتنقل بخفة مذهلة بين الركاب، كأنه لاعب سيرك محترف، يدس يده بين الأكتاف والظهور، ويمدّ التذاكر كأنه يسلم أسرارًا عسكرية خطيرة. لكن المشكلة ليست في تذاكره، بل في آثاره الجانبية.

عندما يمر بجانبك، تتأرجح الحافلة فجأة، فتجد نفسك تدور مثل دوامة مغناطيسية، تحاول النجاة بينما يدفعك من الخلف بكتفه كأنك بوابة دوّارة.

عندما يحاول الوصول إلى الراكب خلفك، يمدّ جسده بالكامل، ويستخدمك كحاجز دعم دون استئذان، فتشعر أنك جزء من أثاث الحافلة وليس كائنًا بشريًا.

عندما يعيد لك الباقي، تكتشف فجأة أن يدك لم تعد يدًا، بل أصبحت صندوقًا تبرعات مفتوحًا للهواء الطلق، والنجاح في التقاط النقود بدون إسقاطها أشبه بمهمة مستحيلة.

والأسوأ من ذلك؟ موزع التذاكر لا يهتم إن كنت على وشك السقوط، أو إن كانت الحياة تومض أمام عينيك، فهو لديه مهمة مقدسة: توزيع التذاكر بأي ثمن! لذا، عندما يمر، لا تحاول المقاومة، فقط استسلم للعاصفة ودع القدر يأخذ مجراه… أو استعد للسقوط بشكل سينمائي وسط الحافلة، وسط ضحكات الركاب المحظوظين الجالسين!

وأخيرًا، بعد رحلة من المعاناة التي تصلح لأن تكون فيلمًا وثائقيًا عن البقاء على قيد الحياة، تصل محطتك! لكن لا تفرح كثيرًا، لأنك لم تصل بعد. لا تزال هناك عقبة أخيرة، النجاة من معركة الوصول إلى الباب.

تنظر أمامك، فتجد جدارًا بشريًا من الركاب المتلاصقين، وكأنهم جزء من بنية الحافلة نفسها. تحاول التحرك، لكن لا أحد يكترث بنداءاتك الخجولة:

“عفوًا، اسمحوا لي بالنزول” → لا أحد يسمعك، حتى لو صرخت.

“لو سمحتم، أنا أنزل هنا” → مجرد صوت خافت وسط زحام الحياة، لا تأثير له.

تحاول التسلل ببطء بين الركاب → تنجح لثانيتين قبل أن تجد نفسك عالقًا بين حقيبة عملاقة وكوع حاد.

ثم تبدأ المرحلة الثانية: التحول إلى محارب في معركة النجاة. وهنا عليك اتخاذ أحد الخيارات التالية:

  1. أسلوب التدافع المحترف: تدفع بخفة، ثم تدفع بقوة أكبر، حتى تبدأ التيارات البشرية في التحرك معك وكأنك فتحت سدًا مائيًا.
  2. أسلوب الزحف والتسلق: إن لم تستطع التقدم بشكل طبيعي، قد تضطر للقفز فوق حقيبة أو التمسك بمقبض ما والتأرجح كمحارب نينجا.
  3. أسلوب النداء الطارئ: تبدأ بالصراخ بكل ما أوتيت من قوة: “أنززلللللللللل!!!!” وهنا فقط، قد تتحرك الجموع بدافع الخوف وليس الاحترام.
  4. أسلوب الاستسلام: تقبل مصيرك وتقرر النزول في المحطة التالية، حيث تبدأ رحلة العودة الجديدة وسط نفس المأساة.

إذا نجحت أخيرًا في الوصول إلى الباب، فلا تفرح بعد. لا تزال هناك المرحلة النهائية: قفزة الإيمان. فبمجرد أن يصل السائق إلى المحطة، يفتح الباب بينما الحافلة لا تزال تتحرك قليلًا، وكأنها تعطيك فرصة أخيرة لاختبار مهاراتك في القفز على أرض الواقع. تقفز؟ تنزلق؟ لا أحد يعلم، المهم أنك خرجت حيًا… وهذا إنجاز يستحق الاحتفال!

التاكسي: عندما يصبح العثور عليه معجزة إلهية

بعد معركة الحافلة الملحمية، تقف عند الرصيف، تلملم أنفاسك، ثم تقرر: “كفى! سأستقل تاكسي، وأرتاح قليلاً.” فكرة جميلة… لكن المشكلة؟ التاكسيات تختفي فور أن تحتاجها!

قبل لحظات، كنتَ ترى عشرات التاكسيات تمر أمامك كأنها أسراب مهاجرة، لكن بمجرد أن فكرت في إيقاف أحدها، اختفت جميعها، كأنها كائنات أسطورية تتلاشى عند النظر إليها مباشرة! تنظر يمينًا… يسارًا… لا شيء! الشوارع فارغة تمامًا، وكأن الحياة نفسها تآمرت ضدك.

ثم، بعد يأس وانتظار طويل، يظهر أخيرًا تاكسي وحيد من بعيد، يقترب… تكاد تبكي من الفرح، تلوّح له بكل حماس، لكنه يمر بجانبك ببرود، وكأنك شبح غير مرئي! ربما كان يختبر قدرتك على التحمل؟ لا بأس، تحاول مرة أخرى.

وأخيرًا، يتوقف أحدهم! لكن لا تتسرع بالاحتفال، فقد دخلت في مرحلة جديدة من التعذيب: التفاوض مع سائق التاكسي المتكبر.

“السلام عليكم، ممكن تذهب إلى (وجهتك)؟”

ينظر إليك السائق من المرآة، ثم يعبس كأنه سمع شتيمة: “إلى هناك؟! لا لا، مستحيل، الطريق مزدحم.”

تحاول استمالته: “لكنها قريبة جدًا، خمس دقائق فقط!”

يهز رأسه وكأنه عالِم فيزيائي يحلل معادلة مستحيلة: “آه… لا لا، الوقود غالي اليوم!”

ثم يأتي الاحتمال الأسوأ: المساومة. إذا قرر السائق أن “يتكرم” عليك بتوصيلك، فإنه يطلب أجرة تجعل رحلتك تبدو وكأنها سفر بين المجرات، وحين تذكره بالعداد، ينظر إليك بازدراء وكأنك أهنته شخصيًا!

أما إن كنت في ساعة الذروة، فالسيناريو يصبح أكثر إهانة: أنتَ من يتوسل للتاكسي، وليس العكس! السائق يتأملك، يدرس حالتك، يقرر إن كنتَ تستحق الركوب أم لا، ثم قد يتفضل عليك بمقعده إذا كنتَ محظوظًا… وإلا، سيتركك تنتظر للأبد، تفكر فيما إذا كان عليك العودة إلى الحافلة… والدخول في الكابوس من جديد!

وأخيرًا، بعد مفاوضات شاقة تشعرك أنك وقّعت على معاهدة دولية، تصعد إلى التاكسي، تأخذ نفسًا عميقًا… لكن لا تتنفس الصعداء بعد، لأنك الآن دخلت في مرحلة جديدة من الابتزاز العاطفي والقيادة الفوضوية!

أول شيء، السائق لا يمكنه تفويت الفرصة ليجعلك تشعر أنك اقترفت جريمة عظيمة بركوبك معه:

“آه يا أخي، كنت راجع للغداء… بس خلاص، راحت عليّ! عائلتي تنتظرني، والكسكسي برد، لكن الله غالب، لازم نخدم!”

“تعرف؟ أنا أصلاً ما كنت رايح في اتجاهك، لكن ما دام ربي رزقني بك، نقول الحمد لله.”

وأنت، الجالس في المقعد الخلفي، لا تعرف هل تعتذر أم تدفع له “تعويض نفسي” على خسارته العظيمة؟ لكن لا تقلق، فهو لم ينتهِ بعد…

وأنت تعتقد أن الطريق سيمضي بسلاسة، يتوقف فجأة بجانب تاكسي آخر، ينزل النافذة، ويبدأ في تبادل الحديث مع صديقه! وأنت؟ رهينة في الخلف!

“آه خويا، واش راك؟ واش حال السوق اليوم؟ الزحمة قاتلة، ياو البلاد راحت خلاص!”

وصديقه يرد بحماس، وأنت تجلس هناك تتساءل: “هل نحن في طريقنا لمصير مجهول، أم أنني سأشيخ هنا؟”

تحاول التململ قليلًا، لكن لا أحد يهتم، لأن نقاشات سائقي التاكسي مقدسة ولا يجوز مقاطعتها.

بمجرد أن يقرر السائق أخيرًا أنه أنهى لقاءه الدبلوماسي، ينطلق بسرعة جنونية، متجاوزًا كل قواعد المرور، وكأنه في سباق الفورمولا 1.

الإشارات الحمراء؟ مجرّد اقتراحات!

الخطوط الفاصلة بين المسارات؟ مجرد ديكور!

مراعاة السيارات الأخرى؟ مستحيل، فهو الملك المتوج للطريق!

يتجاوز السيارات بشكل خطير، يدخل بين الشاحنات، يمر من ممرات غير مخصصة، وأنت في الخلف تتحول إلى تمثال جامد، تمسك بالمقعد وكأن حياتك تعتمد عليه، تحاول كتم أنفاسك مع كل مناورة جنونية.

وفي النهاية، عندما تصل إلى وجهتك أخيرًا، تنزل مترنحًا، تنظر للشارع، ثم تقرر شيئًا واحدًا: “المرة القادمة، سأمشي على قدميّ… أو ربما أعود إلى كابوس الحافلة!”

القطار: الأسطورة التي لم أختبرها بعد!

بعد معاركي العظيمة مع الحافلة، ومفاوضاتي المرهقة مع التاكسي، يقفز إلى ذهني تساؤل وجودي: “ماذا عن القطار؟” أليس من المفترض أن يكون وسيلة نقل مريحة، سريعة، وربما أقل درامية؟

لكن هنا تكمن المشكلة العظمى… أنا لم أركب القطار من قبل! لا أعلم إن كان ذلك نعمةً يجب أن أشكر القدر عليها، أم كارثةً تحرمني من فرصة خوض تجربة ملحمية جديدة.

كل ما أعرفه عن القطار هو مما أسمعه من الناجين الذين عادوا من رحلاته، أولئك الذين يروون قصصهم وكأنهم خاضوا حربًا شرسة. بعضهم يقول لك: “آه، القطار رائع، لا زحام، لا اختناق، ولا من يدوس على قدميك!” فتشعر للحظة أن هناك أملاً في الحياة.

لكن سرعان ما يظهر آخر ليكسر أحلامك: “هل تمزح؟ القطار؟! يا صديقي، إنه مجرد حافلة ضخمة تمشي على سكة حديد!” ثم يبدأ بسرد الكوارث: التأخير الأبدي، المقاعد التي تختفي كما لو أنها مجرد سراب، الأبواب التي تغلق فجأة، والركاب الذين يتصرفون كأنهم في سوق شعبي.

وهكذا، أقف عند محطة القطار، أتأمل المسافرين، وأتساءل: “هل أجرب؟ هل أخوض هذه المغامرة؟ أم أنني سأعود أدراجي بهدوء، متظاهرة بأنني لم أفكر حتى في الأمر؟”

حتى يحين ذلك اليوم… سأظل أعيش في سلام، جاهلةً بأسرار القطار… وربما هذا أفضل!

3.4 11 الأصوات
Article Rating

أزيز الصمت - مديرة دائرة التحرير والنشر على كافة أقسام الموقع

جزائرية الأصل والهوى، عالمة أحياء وأستاذة محاضرات دينية ومعلمة للقرآن والتجويد. كاتبة ومدققة، وأحمل الشعر في كياني، وقد حازت أعمالي على عدة شهادات أدبية في مجال القصص القصيرة والشعر، آخرها من مجلة نور الثقافية. كما شغلت سابقًا منصب رئيسة جمعية خيرية فرع الإناث بالتطوع.

مقالات ذات صلة

16 تعليقات
همس الصوت -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
الادارة
همس الصوت -مديرة التحرير والنشر للمنوعات
4 شهور

مرحباً المقال ممتع جداً لكني قرأته من الهاتف، وهو أمر مزعج لي بسبب الصداع، فقلت يااه لو كنت قرأته من صحيفه؟ المهم اني مع كل ضحكه ألم، وأنا سهله الضحك ههه.
انا بلا فخر ركبت جميع انواع المواصلات
الا الطائرة، ركبت القطار و الميكروباص الذي لم تجربيه عذاب جمع الأجره، وسيارة شبه عربة الخضار والصناديق والبهايم لا أدري كيف تركب لكن هى الوحيده المتوفره، أما القطار يا عزيزتي
في مصر هو شريان المحافظات مثل نهر النيل، تقابلي شعب مصر الأقليم الجانوبي فيه، ويا سلام لو بدأنا من الإسكندرية وليس القاهرة، ههه لكن قلب النار هو محطه رمسيس الرئيسيه اهم محطات مصر هى التي تذحم فيها البشر قبل رمضان وقبل العيد بيوم وطبعا قبل العيد
ده معركه، ترب الصورة التي نشرتها مصيبه للمال اهو كده بالحرف، بسبب ده ناس ماتت بشكل فزيع، تخيلي لو حادث
قطار بسيط حدث وما اكثره ليس بسبب تحطم بل حريق، وطبعا بداخل القطار باعه وحمام وغيره وغيره، اولا بنسبه للروائح لا يوجد أقذر من حمام القطار ،
وبنسبه للساعه شاي قهوة فهم الغذاء الدائم، لكن تخيلي قطار لطيف جميل مزدحم ولا في الخيال حرفيا تظلي محبوسه فيه كام ساعه؟ يوم كامل طبعاً
٢٤ ساعه لمن يعيش في اسوان، رحله مع قومه من البشر، لن لا تقلقي ليس دوما
هذا، في الأيام العاديه يزحم اول محافظات بعدها يروق بعد كام ساعه.
أنهيت اضافتي عن القطار الجميل هه

السديم
السديم
4 شهور

ان الحافلات خصوصا في بلدي يسقط على وصفك . حرفيا البقاء للاقوى في الجلوس .والضعيف له الوقوف
لكن هل تذكرين حادثة المحفظة ياترى؟

فتحي حمد - مدير الإشراف والتواصل للتجارب
الادارة
فتحي حمد - مدير الإشراف والتواصل للتجارب
4 شهور

رمضان كريم عليكم
فعلا وقت الزحام يضيع المرء بين الزحام يصبح الانسان بلا قيمه يتحول الناس لقطعان هائجة لا تعرف الرحمة البقاء فيها للاقوى والاشرس و اضحكني من يحتضن عمود الحافلة كأنه حبيبته ههههه فعلا شر البلية ما يضحك لقد مررنا بهذه المعانة والمرارة اثناء سنوات الجامعة.وهناك شيء اخر مخجل ان بعض الناس المرضى يستغلون الزحام والتدافع في التحرش انه مجتمع يجمع المتناقضات كلها في نفس الوقت اتذكر مرة كان رمضان خرجت متاخرا وجدت متسوله تتسول كنت مسرعا ولم اتوقف عندها لما مررت عليها ولم اعطها شيءا دعت علي قالت:الله لا يسهل عليك.وحدث وجدت نفسي في سيارة اجرة وضعتني في منطقه تبعد عن مدينة درنه مسافة 160 كم كنت وحيدا على بوابه مهجورة الساعه الثالثة ليلا.اقلتني سيارة مارة لدرنه دخلتها مع اذان الفجر.حادثه اخرى كنت راجعا لدرنه ولم يكن هناك سيارات اجرة سجلت اسمي في احداها وذهبت احظر حقاءبي وجدت شخصا جالسا مكاني قلت له انا سجلت واسمي فتحي حمد قال حتى انا اسمي فتحي حمد ولم يدعني اصعد انتحل اسمي واخذ مقعدي هههه فعلا ذكريات مضحكة اتذكرها الان اما في وقتها كانت كارثة ههه.ابدعتي اختنا ازيز لقد وصفتي بدقه وبراعة كوارث النقل عندنا جزاكي الله خيرا.ورمضان كريم عليكم.

علي فنير
عضو
علي فنير
4 شهور

ازيز الصمت تحية طيبة ورمضان كريم عليك وعلي العائلة الكريمة وكل احبابنا اهل الجزائر الكرام .
في السبعينات والثمانينات في ليبيا خضنا كل ما تفضلتي بقوله قبل ان نتمكن من اقتناء سياراتنا الخاصة فهي ليست قصص خيالية بل هي واقع للاسف في اغلب الدول العربية .
اتذكر في مطلع الثمانينات كنت استقل الحافلة للذهاب الي الجامعة كانت الحافلات مكتضة بالركاب ولا تمر رحلة بدون مشاكل ومناكفات اذكر مرة عندما دخلت الحافلة منطقة شعبية تفضي طريقها الي الباب الخلفي للجامعة حيث كليتي التي ادرس فيها قيام مجموعة من الاطفال برجم الحافلة بالاحجار وكأن الشيطان الاكبر قد دخل منطقتهم فوجب رجمه !!

تحياتي لك مقال ممتع وساخر بأمتياز صغته بأسلوبك الجميل ولغتك الساحرة التي لا تمل

تمنياتي لك بكل خير

علي

علي فنير
عضو
علي فنير
4 شهور

صحيح هذا رأيي ايضا الامر متعلق بالعقلية وليس بمرور السنين ولا التطور وكأنها جينات تورث من جيل الي جيل

UCF
UCF
4 شهور

ان مقال هذا قمة الإبداع لقد كفيت ووفيت وشرحت ما يمر به الركاب بالتفصيل الممل

عمانية
عمانية
4 شهور

يامااامي هذا خيال فلم ولا شي واقع صار؟؟!!!!!

ابو محمد
ابو محمد
4 شهور
ردّ على  عمانية

هههههه اعتقد خيال فلم

وشهركم مبارك يا كابوسيين

دخلنا اول ساعه من اول ايام شهر رمضان المبارك الله يتقبل من الجميع

عمانية
عمانية
4 شهور
ردّ على  ابو محمد

كل عام وانت طيب ويعل ربي يجعلنا من عتقائة حن وكل الموجودين

ابو محمد
ابو محمد
4 شهور
ردّ على  عمانية

وكل عام وانتي وجميع متابعي كابوس والامة العربيه والأسلاميه بخير وسلام

وربنا يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ويحفظ بلادنا العربيه والأسلاميه من كل عدو متربص

اللهم امين

عمانية
عمانية
4 شهور

الحمدلله ههههههههه

زر الذهاب إلى الأعلى