جهاد

انعسكت أشعة شمس الغروب على صفحة السماء فاستحالت الزرقة إلى لون برتقالي متوهج، ثم رويدا رويدا تدرجت إلى لون محمر ساحر، وكأن السماء قطعة كعك دهنت بمربى المشمش.
تجمع سرب من طيور السنونو الرمادية في الجو ثم أخذ يغدو ويجيء بمرح بين السحب البيضاء المتناثرة حتى أن صوت خفقات أجنحتها قد طغى على هدوء المساء.
على تلة عالية وقرب نبع ماء جار تجلّت قامة مديدة لشاب حسن الهيئة، نظيف الهندام وعليه بشائر من كَبر في يسر ونعمة. حدقتاه العسليتان ذوات نظرة متألقة، وله وجه ذو سمرة خفيفة يتألق في ضوء الغروب المشرق، بينما شعره الكحلي الكثيف يبدو وكأنه قطعة سرقت من الليل.
مد ذراعيه الطويلتان فوق رأسه مستنشقا عبير المساء الفواح، ثم طقطق عظام رقبته المتشنجة، انطبعت على شفتيه نظرة اطمئنان مسالمة وزفر أنفاسه في راحة… وقد بدت تلك اللحظة المثالية وكأنها ممتدة لا نهاية لها، لحظة يمكن أن يتجمد لها الزمن وتخضع لها قيود التاريخ، بيد أن الشاب استدار قليلا للخلف وفي لحظة انكسر السحر! عيناه الناعستان انطبعت داخلهما نظرة رعب، اتسع بؤبؤه وارتجفت رموشه، فتح فاه ليصيح مستنجدا لكن الحروف علقت على أطراف شفتيه، مرت بجسده قشعريرة وقف لها شعر جسمه ووجد نفسه يتراجع للخلف مرتجف البدن.
الأرض الصلبة تحت قدميه استحالت فراغا فهوى جسده في الهواء وحلقت طيور السنونو على مقربة منه حتى كاد يلمس أجنحتها، عبثا حاول أن يرواغ مصيره لكن لا مهرب.
ارتطم جسده على الأرض بقوة هشمت أضلاعه، انغرست صخور الوادي الناتئة في جسده ممزقة لحمه بعنف، ساحت دماؤه الحمراء فوق الطحالب الجافة واستحال كل ما حوله أحمر، لكن ما كان يرعبه فوق التلة تجلى أمامه من جديد؛ كرسي أسود كأنه شيطان متجسد، له أربع عجلات…نعم، لا شيء غيره.
انهمرت دموع الشاب مدرارا وهو يحدق بالكرسي، تخبطت يداه في دمه وأخذ يصيح مستنجدا، لكنه مهما زحف فوق الصخور ظل الكرسي ملاحقا له كأنه ظل ثان لا يختفي وإن غابت الشمس وما كان له أمام هذا سوى أن يستسلم.
أغمض عيناه علّ الكابوس
ينتهي وقد كان، حين فتح حدقيته من جديد كان الكابوس قد اختفى، تلاشى الألم والرعب ورأى أمام عينيه الدامعتين سقفا أبيضا به مصباح مضيء، حرك رأسه قليلا فلمح نافذة واسعة تطل على حديقة مشذبة أجمل تشذيب وإن كان يظن بهذا أن واقعه أرحم فقد كان واهما، التفت برأسه فإذ بالكرسي الأسود على مرمى نظره، مركون عند زاوية قريبة، يحدق به كأنه شيطان ينتظر وقت الانقضاض.
تسارعت خفقات قلبه وشدت يداه على ملاءة السرير الزرقاء، دفع نفسه بعنف ليحاول الهرب فباغته ألم حاد في ذراعه اليسرى، رفعها فإذ بها مضمدة بالكامل، نبش الضمادة بأظافره فإذ به يتفاجئ بجرح مقطب في رسغه. غضّن جبينه بغضب جمّ وبدأ يعبث بالجرح محاولا فتحه.
صدر في الغرفة صوت باب يفتح، رفع بصره نحو الصوت فإذ به يرى شابا أجنبيا يرتدي رداء الممرضين، حدق به هذا لثوان ثم اندفع نحوه فرفع ذراعيه فوق رأسه وقيّد حركته، شتم بلغة إنجليزية ذات لكنة أمريكية واضحة:
«ما الذي تظن نفسك فاعلا؟ لقد عانينا في تقطيب هذا الجرح!»
رواغ المريض وصاح بنفس اللغة، وإن غلبت عليه لكنة عربية واضحة لم تتلاءم مع طلاقة لسانه:
«ما شأنك؟ دعني، قلت لك دعني!»
لم يبال الممرض الشاب بصياح هذا الأخير قط، أمسك الذراع اليسرى بحدة ثم حدق في الجرح بتمعن:
«تبا، لقد انفكت غرزتان من الأربع. أجننت يا رجل!»
إن كانت ذراعيه مكبلتان فعليه ركل هذا الممرض المتغطرس بعيدا عنه، لكنه ما كاد يطبق هذا الخاطر حتى فجع بالحقيقة المرة.
دفاعه الجامح خبى وكأنه نار قد أخمدها المطر، ترك نفسه للممرض يفعل به ما يشاء حتى أن هذا شكك في هدوئه المريب، تركه بعد تردد واتجه لخزانة الأدوية وعيناه لا تحيدان عن مريضه.
أعاد الممرض تقطيب الجرح وإغلاق الضماد ورغم كل هذا لم يتحرك مريضه قط وكأن الوقت جمده، بدت عيناه ذابتلان وكأن الحياة فقدت كل معنى.
بالنسبة لجوزيف -الممرض- كان هذا التصرف مريبا جدا، فقد عُرف هذا المريض بجموحه وكأنه نمر بري، نهاره صياح وغضب وليله أرق وتعب. ضغطه كلعبة ملاهي يرتفع تارة وينخفض تارة آخرى، يصاب بنوبات غضب تستوجب دخول طاقم طبي كامل لتهدئته وربما إبرة منومة، وآخر ما اقترفته يداه محاولة انتحار بسكين الزبدة! ضغط السكين على لحمه حتى مزقه مستغلا فترة غياب الممرض المرافق.
في النهاية صُنف كمريض شديد الخطورة، مما وجب إسناده إلى ممرض أكثر خبرة يراقبه أربعا وعشرين ساعة.
لكن هذا المريض المجنون، كان يملك وسامة أذهلت عقول الممرضات، فعيناه الواسعتان وملامح وجهه المميزة كانت تملك حسن ووسامة عربية حقة، ووسط هذا المحيط الممتلئ بالشقر ذوي العيون الزرق مثله بدا هذا المريض كشيطان عربي آسر!
مضت ساعات طويلة لم يتحرك فيها المريض قيد أنملة، لبث على حاله ساهما في الفراغ وكأنه ميت بعينان مفتوحتان ثم بغتة انتفض دفعة واحدة، حدق به جوزيف متعجبا، جهاز القلب اضطربت موجاته وكذلك أنفاس المريض.
حرك رأسه فوق الوسادة وأشار بنفس مقطوع نحو الستائر آمرا بصوت لاهث:
«أسدلها»
نهض جوزيف متقدما نحو النافذة، أمسك الستارة الرمادية بين أصابعه وأسدلها بسرعة، لكن لم يكن هناك ما يستوجب ذلك، كل شيء كان هادئا، كل شيء كان اعتياديا، المرضى في الحديقة والممرضين حولهم، السنونو تحلق في السماء والشمس تتألق في بهاء مستعدة للمغيب، غروب لطيف ومذهل، لكن كيف لممرض أن يفهم مزاج مريض ربما أصيب باختلال عقلي ناتج عن صدمات!
استدار نحو مريضه الثائر وقال بهدوء:
«هل أضع لك قناع الأكسجين؟»
حدجه المريض بنظرة غاضبة فابتلع كلماته المنمقة التي كان يود قولها تاليا، اتجه ببطء نحو الكرسي القريب من السرير وجلس عليه مثلما كان، هيه، أيا يكن!
حل المساء سريعا وحانت ساعة الزيارة المسائية، فُتح باب الغرفة الخاصة ودخل زوجان إلى الغرفة، رفع جوزيف بصره اليهما وابتسم برسمية ثم وقف:
«مساء الخير يا سيدي»
حدق به الرجل بنظرة تقيمية، كان نسخة طبق الأصل عن ابنه أو لربما العكس هو الصحيح، ورغم سنواته التي تجاوزت الأربعين كان لا يزال يحتفظ بقوة الشباب وهيبة الكبار. افتر ثغره عن ابتسامة مرحبة ومد يد مصافحا:
«مرحبا، لا بد أنك جوزيف؟ أنا خالد»
«تشرفت بك يا سيدي»
حدجته المرأة بنظرة معتذرة، ونبست بشيء ما بلغة عربية، ضحك الرجل وقال مترجما:
«عسى أنا ابننا جهاد لم يزعجك»
أومئ جوزيف بصمت:
«هذا عملي يا سيدي. اعذرني سأكون خارج الغرفة. استدعيني إن طرأ طارئ»
تبخر جوزيف من أمامهم كقط هارب من سجن مزعج.
أما جهاد المعني أمره، فقد كان غارقا في نوم متعرق، فتح جفنيه إثر لمسة والدته وحدق بها للحظات بصمت.
مدت يدها نحو ذراعه اليسرى وحملتها برفق بين يديها، اندفعت الدموع من عينيها المرسومتين بالكحل:
«لماذا؟»
سحب جهاد ذراعه منها وقال بجفاء:
«أرجوك يا أمي لا تطرحي أسئلة عقيمة. إن رأسي تكاد تنفجر من الصداع»
تقدم خالد للأمام، رفع جهاد بصره نحوه وأجفل حين أتاه صوت والده بتوبيخ صارم:
«أتعي ما فعلته بنا يا ولد! لقد تلقينا بلاغا خلال الفجر ينبئنا أنك حاولت الانتحار. هل أنت تتوق كثيرا للتعفن في جهنم؟»
هز كتفاه:
«إني أتعفن فعلا ها هنا. ظهري بدأ ينسلخ من هذا السرير اللعين»
ضم شفتاه في حدة، فيم زفر خالد نفسا هائجا:
«ما خطبك!»
«خطبي؟ هه! وتسألني يا أبي؟»
صمت لهنية، اعتدل في جلسته ورفع رأسه:
«في الحقيقة هو ليس خطبا واحدا، بل هي عديدة أتريدني أن أعددها لك سيد خالد؟»
رفع أصابعه ومضى يعدد عليها:
«أولها، في كل يوم أجد أجنبيا ملعونا فوق رأسي بصفة ممرض يراقبني وكأني طفل في الحضانة. ثانيها؛ طعام هذا المكان بلا نكهة لا يمر عبر الحلق ولا يكفي هذا بل يجبرونني على ابتلاع أدوية سخيفة ويحقنون بشرتي بالإبر حتى إني واثق أن الماء سوف يتسرب مني كغربال عمّا قريب! ولا يكفي هذا، بل إن جرح العملية الفاشلة لا يزال ينخر ظهري ويؤلم كالجحيم!»
توقف للحظة عن الحديث حين رأى دموع والدته، غضن جبينه بغضب وصاح:
«أتبكين؟ إني من يجب أن يبكي أماه! فالأسوأ من هذا كله أني غدوت مشلولا لعينا! توقفي عن البكاء، توقفي»
اقترب منه خالد بصرامة:
«لا تصح في أمك!»
رفع جهاد رأسه بحدة، اشتعلت عيناه العسليتان:
«نعم، آمرني وسأطيع، يجب أن أكون الحمل الوديع الذي يستمع للأوامر ويبتسم رغم أن ظهره يحترق! آكل وأنام، أبتسم وأقهقه، لا أبكي، لا أشكي، لا أصرخ، أيجب أن أعيش كفأر؟ لكن حتى الفئران تصيح إن شعرت بالألم!»
رفع يداه لرأسه وضغط صدغيه بقوة بغتة، تمتم بصوت خافت:
«بل يجب أن أصرخ، ماذا أفعل إن لم أصرخ، هذا الكرسي لا يفارق خيالي، وكلما أغمضت عيناي رأيتني أغرق في دمي!»
امتدت يدان فأحاطت عنقه، تغلغل عطر نسائي لحلقه وارتطمت وجهه بحضن دافئ، اغرورقت عيناه وساحت الدموع على وجنتيه، قال بصوت باك:
«أريد أن أصرخ يا أمي. دعوني أصرخ، من فضلكم دعوني أصرخ…»
شدته إليها بقوة، دمعها يبلل رأسه وعيناها ذابلتان مثل عينيه:
«اصرخ يا حبيب أمك، اصرخ حتى يتشتت الألم ويرتاح قلبك»
وكأنها كانت الإشارة، أغمض عيناه فرأى الكرسي الأسود ماثلا أمام عينيه، تصاعد صداعه وبدأ يصرخ معبرا عن بعض من الألم الذي يحرق قلبه ويكويه بالنيران. صرخ حتى تجاوزت صوت صرخاته جدران القاعة، صرخ حتى بحّ صوته واختنق بلعابه فأمسى صوته مزيجا بين السعال والصراخ.
ظل يصرخ متمسكا بتلابيب أمه، مغمضا أجفانه بقوة عن واقعه؛ صرخ حتى استحال صراخه لشهقات متقطعة..وصاح حتى شعر أنه ثمل قد فقد تركيزه.
فتح عيناه في النهاية ورفع رأسه قليلا، حدق في أبيه للحظة فرأى حدقتيه محمرتان وكأن عيناه استحالت صحنا من الدماء.
ثقلت رأس جهاد وارتفع رنين جهاز القلب الموصول به، تخدر لسانه وبقيت الكلمات عالقة على شفتيه، حرك رأسه وحدق نحو الزاوية فرأى الكرسي الأسود لا يزال هناك ووجد أن السبيل الوحيد للهروب هو أن يترك نفسه لقمة سهلة في وجه غيبوبة طويلة، لكن حتى وسط ظلامه…كانت هناك دماء.
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
وضعت ملاحظة بجانب القصة لتنشر معها، لكن لا بأس، أنا ممتنة لطاقم التحرير على جهودهم.
أما بالنسبة للملاحظة فسوف أضعها ها هنا:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، طبتم وطاب مساؤكم.
أريد أن أنوه أنني كتبت هذه القصة القصيرة اعتمادا على نصيحة الأخ عبد الله، فلي رواية كاملة تتحدث عن جهاد، هذا الشاب العربي الصغير الذي استحال بين ليلة وضحاها قعيد كرسي متحرك.
ما قرأتموه هو قطرة من روايتي الطويلة التي تتجاوز عدة صفحات.
فشلت في نشر الرواية ورقيا بنفسي، وعندما أرسلتها لدار نشر حصدت تقييما ممتاز من لجنة القراءة لكن النشر كان مناصفة..وحتى وقت قريب لم أكن سوى طالبة صغيرة تأخذ مصروفها من أهلها، فكيف لي نشر رواية؟
لذا نشرتها على واتباد، أو لنقل دفنتها هناك مع أمل أن ينبت القبر زهرا…وحاليا ليس لي رغبة في نشرها ورقيا لأني أطمح أن أكتب رواية أفضل منها تستحق أن تخلد بين دفات الورق.
هذه أول رواية أدبية لي، لكنها جاءت بعد تعب ثلاث سنوات من البحث والتخطيط والتدقيق، منحتها ما لم أمنح أي قصة أخرى من قصصي، ورغم قراري بعدم نشرها ورقيا لكني ما زلت أتمنى أن تجد لنفسها قراءا يعتزون بها كما أفعل.
يمكنكم أن تجدوا الرواية على الواتباد في حسابي ra-ch-ad-e
الرواية متوفرة أيضا على مكتبة نور لكن للأسف جودة الملف ليست جيدة لأني نشرتها قديما.
لا أطلب منكم قراءتها فأنا أدرى بفتور القراءة، يكفيني أنها ستخلد هنا في كابوس مدة طويلة، يكفيني أنها وجدت مكانا يحتويها.
دمتم بخير.
هههه ، قصة جيدة ، وبها الكثير من المعاني والاقوال القوية ، فقط هي قصة درامية ، رتمها بطيء ، وهذا الطبيعي في القصص الاجتماعية والدارمية التي تحمل حالات معروفة بين البشر ، لكن لا استطيع أن انكر بأنني قرأتها بعناية من باب الفضول ، وقد كانت زاخرة بالمعاني ورائعة ، عملا رائعا ايضا ، تعلمت الكثير هنا .. عمت مساءا
هذا رائع 🥹
إنّه أسلوب الأدباء الكِبار.
جِهاد هو ذاك المُعاق الّذي يأبى تكلُّفَ الصّبر والبطولة والضّغط المفروض على المريض، انّه إنسان يمقت كرسي الشّلل.
تبًّا للشّلل! في حُلُمي أن يُجدّد الدّماغ خلايا الجذع الشّوكي أو even better يتكيّف ويخترع خلايًا جديدة كي يمشي المشلول.
قصّة رائعة تسرد معاناة 15 مليون انسان بصوت جهاد، وأعجبني بل استلبّني سرد الطّرف الثّالث التّعبيري والحِسّي قبل قنبلة عاطفة الأم وابنها.
أهلا يا قارئي العزيز، يسعدني مرورك وتحليلك للكلمات والحروف.
أنت محق، جهاد كتبت لتكون صوتا لملايين الناس ممن يعيشون نفس حالته.
عدا أن الرواية ليست كئيبة على الاطلاق بل كتبتها لتكون شمعة مضيئة مليئة بالفرح.
هذه القصة هي كما يقولون- فلاش باك- لما حدث قبل احداث الرواية.
سعيدة لأنها أعجبتك، أما وصفك للأسلوب بأنه اسلوب الكبار لهو مدح أكثر مما أستحق فأنا مازلت أحاول وأخطئ، ولي في هذا الموقع قصص شتى تتباين أساليبها بين الجودة والابتذال.
شكرا لمرورك.