أسرار بلدة Black Hollow

ــ هاي إيثان، سمعتُ أنك ستنتقل اليوم، هل هذا صحيح؟

ــ نعم… أعتذر لأنني لم أخبرك مسبقًا يا ريان، لكنني بالكاد وجدت وقتًا ألتقط فيه أنفاسي. كنت مشغولًا بتجهيز كل شيء للانتقال… ثم إنك لو كنت مهتمًا فعلًا، لكنت سألت منذ البداية.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يتنهد ريان بخفة ويقول:

ــ حسنًا يا رجل، افعل ما تريد… لكن على الأقل أخبرني إلى أين ستذهب، حتى أعرف أين أبحث عنك إن اختفيت.

أجاب إيثان بينما كان ينظر عبر زجاج سيارته:

ــ أنا ذاهب إلى بلدة Black Hollow.

ثم أغلق باب سيارته ونزل متجهًا نحو متجر صغير على جانب الطريق، وأكمل حديثه بنبرة ساخرة:

ــ سمعتُ أنها مكان مناسب لأمثالي… الفواتير هناك رخيصة، والحياة هادئة وبعيدة عن الضجيج… أتفهمني؟

صمت ريان قليلًا، ثم قال بصوت أكثر جدية:

ــ تلك البلدة الملعونة! ألم أحذّرك منها من قبل؟ حتى سكانها أنفسهم يهربون منها.

قاطعَه إيثان وهو يخرج من المتجر، بينما صدر صوت الباب الأوتوماتيكي خلفه، ثم أخرج مفاتيحه من جيبه وأمسك الهاتف بين كتفه وعنقه:

ــ يا رجل، توقف عن هذه المبالغات السخيفة. إنها مجرد قصة اخترعها أولئك الريفيون لجذب هواة الخوارق… أو لإبعاد المتطفلين عن بلدتهم. لا تكن أحمقًا يا ريان.

ــ مهما يكن… فقط تأكد من سلامتك. وإذا لاحظت أي شيء غريب هناك، فاخرج فورًا واتصل بي، هل فهمت؟

تنهد إيثان بضجر وقال:

ــ حسنًا، حسنًا… عليّ أن أغلق الآن، ما زال أمامي طريق طويل.

ــ وداعًا.

انقطع الاتصال، وتعالى صوت إغلاق الهاتف.

تمتم إيثان وهو يرمي الهاتف على المقعد المجاور:

ــ أخيرًا… يا له من شخص مزعج.

أدار محرك السيارة، فدوّى صوته وسط الليل الهادئ، ثم انطلق على الطريق الطويل. مرت الساعات بطيئة، والرياح الباردة تعبث بشعره بينما كانت النجوم تتلألأ فوقه في سماء صافية ساحرة.

وبعد رحلة طويلة، بدأت ملامح Black Hollow تظهر أخيرًا بين الظلام.

أوقف سيارته عند مدخل البلدة، ثم نزل منها ونظر إلى الشوارع الهادئة والمنازل خافتة الأضواء، قبل أن يبتسم ابتسامة جانحة ويتمتم:

ــ تبًا… هذا المكان جميل فعلًا.

بدأ إيثان بإنزال حقائبه من السيارة، ثم أخذ يحملها واحدة تلو الأخرى نحو منزله الخشبي المتواضع. وما إن فتح الباب حتى هبّت نحوه رائحة الغبار والخشب القديم، وكأن المنزل كان مهجورًا منذ سنوات طويلة.

نظر حوله باشمئزاز؛ طبقات من الغبار غطّت الأثاث، وخيوط العناكب تدلت من الزوايا، وحتى الأرضية الخشبية كانت تصدر صريرًا مزعجًا مع كل خطوة.

كان الرجل الذي باعه المنزل قد أخبره أن المكان نُظِّف بالكامل وأصبح جاهزًا للسكن، لكن ذلك كان كذبة واضحة.

رمى حقيبته على الأرض وتمتم بغضب:

ــ اللعنة عليك يا ابن المحتال… كان بإمكانك على الأقل تنظيف هذا القبر قبل أن تبيعه لي.

تنهد بضيق، ثم حمل بقية أمتعته وصعد إلى الطابق العلوي حيث غرفة النوم. وعلى عكس بقية المنزل، بدت الغرفة نظيفة نسبيًا، وكأن أحدهم اهتم بها وحدها دون باقي المكان.

بعد أن رتب أغراضه ووضع حقائبه جانبًا، قرر الخروج لشراء أدوات تنظيف.

قاد سيارته نحو متجر محلي قديم يقع قرب وسط البلدة، يحمل لافتة باهتة كتب عليها:

ــ “Black Hollow General Store”.

وخلال طريقه، لاحظ شيئًا غريبًا.

الشوارع كانت شبه فارغة.

لا أطفال، لا أشخاص يتمشون، لا سيارات كثيرة… فقط صمت ثقيل يخيّم على البلدة بأكملها.

تذكر أن الموقع الرسمي للبلدة ذكر أن عدد السكان يقارب الألف نسمة.

قطب حاجبيه وقال في نفسه:

ــ ربما هؤلاء الناس لا يحبون الخروج نهارًا… خصوصًا مع هذه الشمس الحارقة. حسنًا، ليست مشكلتي على أي حال.

أوقف سيارته أمام المتجر، ثم نزل واتجه نحو الباب الخشبي القديم الذي أصدر رنينًا معدنيًا خافتًا فور دخوله.

بدأ يتجول بين الرفوف بحثًا عن أدوات التنظيف التي يحتاجها لمنزل ريفي مهمل منذ سنوات.

أخذ:

مكنسة خشنة لإزالة الغبار والأوساخ المتراكمة على الأرضية الخشبية.

ممسحة ودلوًا معدنيًا لتنظيف البقع والطين العالق.

منظفًا قويًا للأرضيات برائحة الليمون لإخفاء رائحة الرطوبة القديمة.

بخاخًا مضادًا للعفن ليستعمله على الجدران والزوايا السوداء.

أكياس قمامة كبيرة للتخلص من القاذورات والأوراق القديمة.

قفازات مطاطية سميكة حتى لا يلمس الأوساخ مباشرة.

قطع قماش وإسفنجًا لفرك الطاولات والنوافذ.

مبيدًا للحشرات بعدما لمح أكثر من عنكبوت أثناء دخوله المنزل.

بعد أن جمع كل ما يحتاجه، توجه نحو مكان الدفع.

كان خلف الصندوق رجل عجوز، بملامح قاسية ومتعبة. بدا وكأنه يقترب من السبعين، ربما في التاسعة والستين من عمره تقريبًا.

ابتسم إيثان تلقائيًا وقال:

ــ مرحبًا.

لكن العجوز لم تتغير ملامحه ولو قليلًا، بل أخذ يمرر الأغراض فوق آلة الحساب بصمت قبل أن يسأل بصوت خشن ومتعب:

ــ أنت جديد هنا يا فتى؟

اختفت ابتسامة إيثان تدريجيًا، وحل محلها شيء من الاستغراب.

ــ نعم، أنا جديد هنا… أيها العجوز.

رفع الرجل رأسه ببطء، ثم نظر مباشرة في عينيه وقال ببرود:

ــ من الوقاحة أن تنادي رجلًا عجوزًا بـ“أيها العجوز”.

أجابه إيثان بلهجة مستفزة قليلًا:

ــ وربما كان عليك أن ترد التحية بدل أن تبدو وكأنك تريد دفن أول شخص يدخل متجرك.

لم يجبه العجوز، واكتفى بابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت على طرف فمه.

أنهى الحساب، ثم أخبره بالسعر.

دفع إيثان المال وهو يبدو مستاءً، ثم حمل أغراضه واستدار متجهًا نحو الباب.

وقبل أن يخرج بخطوة أو خطوتين، سمع صوت العجوز يناديه:

ــ أيها الفتى.

توقف إيثان والتفت نحوه.

لكن هذه المرة، كان وجه العجوز جادًا تمامًا.

قال بصوت منخفض:

ــ اسمي والتر غريفس… وسأعطيك النصيحة نفسها التي أعطيتها لمن جاء قبلك.

ظل إيثان ينظر إليه باستغراب، بينما أكمل الرجل وهو يرمق أرجاء المتجر وكأنه يخشى أن يسمعه أحد:

ــ غادر هذه البلدة اللعينة ما دام ذلك ممكنًا… قبل أن تندم.

ثم صمت فجأة، وعاد للجلوس على كرسيه الخشبي وكأن شيئًا لم يحدث.

رمقه إيثان بنظرة مرتابة، ثم خرج وهو يتمتم ساخرًا:

ــ يا له من عجوز مختل.

عاد إلى سيارته، وألقى أكياس التنظيف في المقعد الخلفي، ثم قال بسخرية:

ــ بداية مختلفة فعلًا لحياتي الجديدة.

أدار محرك السيارة، ثم شغّل أغنية Back In Black لفرقة AC/DC.

امتلأت السيارة بصوت الجيتار الصاخب والإيقاع الحماسي العنيف، بينما كانت الطبول تهدر في الخلفية كأنها تدفعه دفعًا للسخرية من كل ما حدث.

طوال طريق العودة، ظل الإيقاع الصاخب يرافقه عبر شوارع Black Hollow الفارغة.

وحين وصل إلى المنزل، حمل أدوات التنظيف وبدأ العمل فورًا.

مرّت الساعات وهو يكنس الغبار ويفرك الأرضيات وينظف النوافذ القديمة. ومع كل حركة كانت سحب الغبار ترتفع في الهواء، فيسعل بقوة ويمسح العرق عن جبينه بضيق.

كان المنزل أشبه بحرب حقيقية ضد الأوساخ.

وبعد ثلاث ساعات كاملة، تمكن أخيرًا من تنظيف نصف المنزل فقط.

كان مرهقًا تمامًا، يتصبب عرقًا، وذراعاه تؤلمانه من شدة التعب، بينما حلّ الظلام خارج النوافذ.

لحسن الحظ، كان قد أعد عشاءه مسبقًا، ولم يتبقَّ سوى تناوله.

جلس على الأريكة القديمة وهو يأكل بصمت، لكن عقله بدأ يستعيد كلمات العجوز… والشوارع الخالية… ونظرات الناس الغريبة.

ثم ضحك فجأة وهز رأسه:

ــ مجرد عجوز مجنون… أما الشوارع الفارغة فلا بد أن لها تفسيرًا طبيعيًا.

ظل يفكر قليلًا، ثم قرر أنه في الغد سيخرج للركض صباحًا ويستكشف البلدة بنفسه.

أنهى طعامه، غسل أطباقه، ثم صعد أخيرًا إلى غرفته واستلقى على السرير، بينما كان الصمت الثقيل للبلدة يحيط بالمنزل من كل جانب.

استيقظ إيثان في الصباح وهو يشعر بإرهاق ثقيل، كأن جسده لم ينم أصلًا. فتح عينيه ببطء، ثم أطلق تثاؤبًا طويلًا وهو يحدق في سقف الغرفة الخشبي بعينين نصف مغلقتين.

بقي مستلقيًا لثوانٍ، قبل أن يسحب جسده المتعب خارج السرير بتكاسل شديد، متجهًا نحو الحمام القديم.

كان الحمام رثًّا ومتهالكًا؛ المرآة مشققة من أحد أطرافها، والصنبور يقطر ببطء مزعج. غسل وجهه، ثم بدأ بتنظيف أسنانه والاستحمام.

لكن ما إن لامس الماء شفتيه حتى عقد حاجبيه.

كان لطعمه شيء ثقيل… معدني تقريبًا.

توقف للحظة، ثم هز كتفيه قائلًا في نفسه:

ــ ربما مياه الريف مختلفة فحسب.

بعد أن انتهى، ارتدى ملابسه الرياضية وخرج مع خيوط الفجر الأولى ليبدأ الركض.

لكن ما إن وصل إلى الشارع حتى تباطأت خطواته تدريجيًا.

البلدة التي بدت بالأمس وكأنها مهجورة… كانت الآن تعج بالحياة.

رجال ونساء، أطفال يركضون، عجائز يجلسون أمام المنازل، وحتى الكلاب والقطط كانت تتحرك في كل مكان.

بدت Black Hollow وكأنها تحولت خلال ليلة واحدة إلى مكان مختلف تمامًا.

أخذ إيثان يركض ببطء وهو ينظر حوله بذهول واضح، قبل أن تخطر بباله فكرة.

اقترب من امرأة شابة كانت تحمل طفلها، ثم قال بلطف:

ــ مرحبًا… أعتذر عن إزعاجك أو اقتحام مساحتك الخاصة، لكن لدي سؤال صغير.

التفتت المرأة إليه، وحدقت فيه باستغراب، ثم قالت شيئًا لم يفهمه إطلاقًا.

كانت تتحدث بالألمانية..

تجمد إيثان للحظة.

ــ ماذا…

أعادت المرأة الكلام بسرعة أكبر وهي تشير بيديها، بينما بدا طفلها خائفًا منه قليلًا.

حاول الرد عليها بالإنجليزية ببطء، لكنها ازدادت حيرة.

كان المشهد غريبًا ومربكًا؛ شخصان يقفان أمام بعضهما، كل منهما يحاول الشرح بالإشارات ونبرات الصوت، لكن الكلمات كانت ترتطم بجدار كامل من عدم الفهم.

تنهد إيثان بضيق وقال وهو يمسح جبينه:

ــ ما الذي يحدث هنا بحق الجحيم؟

ابتعد عن المرأة، ثم حاول التحدث مع أشخاص آخرين.

لكن النتيجة كانت نفسها؛ لا أحد يفهم الإنجليزية.

ولا أحد يبدو قادرًا على استيعاب ما يقوله.

وبعد عدة محاولات فاشلة، خطرت له فكرة أفضل.

ــ صحيح… الترجمة! أخرج هاتفه بسرعة محاولًا تشغيل الإنترنت، لكن الهاتف لم يعمل.

الشاشة كانت سوداء بالكامل، وكأن الجهاز ميت قسرًا.

قطب حاجبيه وبدأ يفحصه بقلق، حتى إنه فتح الغطاء الخلفي محاولًا التأكد من البطارية والقطع الداخلية، لكنه لم يجد أي شيء محترق أو مفقود.

كان الهاتف سليمًا تمامًا لكنه لا يستجيب.

وقف وسط الشارع وعلامات الاستفهام تملأ رأسه.

وفجأة، سمع صوت زقزقة عصافير قرب الأشجار، فتذكر أنه لم يتناول فطوره بعد.

تنهد بتعب، ثم قرر الذهاب إلى متجر والتر غريفس لشراء بعض الحاجيات.

دخل المتجر وهو يتوقع ذلك الجو الكئيب الفارغ الذي رآه بالأمس، لكن مرة أخرى كل شيء مختلف.

كان هناك زبائن يتجولون بين الرفوف، ليسوا كثيرين، لكن وجودهم وحده كان كافيًا ليزيد شعوره بالغرابة.

أخذ ما يحتاجه، ثم وقف في طابور الدفع.

وحين وصل أخيرًا إلى الصندوق… تجمد مكانه.

الشخص خلف المنضدة لم يكن العجوز.

بل شاب في العشرينات، أشقر الشعر، حسن الملامح، يبتسم بود واضح. رفع الشاب رأسه وقال بلطف:

ــ أهلًا بك يا سيدي، هل أنت جديد هنا؟

ظل إيثان ينظر إليه لثوانٍ، قبل أن يجيب بتردد:

ــ نعم… أنا جديد هنا.

ابتسم الشاب بينما بدأ يحاسب أغراضه:

ــ حقًا؟ ومتى وصلت إلى بلدتنا المتواضعة؟

ــ أمس فقط.

هز الشاب رأسه وهو منشغل بالحساب، بينما كان إيثان يحدق فيه دون أن يشعر.

كان هناك شيء مألوف في ملامحه.

شيء يجعله يشعر بأنه رآه سابقًا… لكنه لا يعرف أين.

أخيرًا قال الشاب وهو يناوله الأغراض:

ــ هذا رائع. ستجد بلدتنا مكانًا طيبًا ومرحبًا… آمل أن تنسجم معنا.

أجابه إيثان وهو يدفع المال:

ــ آمل ذلك فعلًا.

غادر المتجر، وكان يفكر للحظة في سؤال الشاب عن العجوز، لكنه تراجع.

ــ ولماذا أهتم أصلًا بذلك العجوز الخرف؟

عاد إلى المنزل، حضر فطوره، ثم أكمل تنظيف ما تبقى من المنزل.

وقبل منتصف النهار، كان قد انتهى أخيرًا.

جلس على الأرض وهو يتصبب عرقًا، يلهث بتعب، ثم أرجع رأسه للخلف وهو يبتسم بفخر خفيف.

لكن ابتسامته اختفت حين وقع نظره على هاتفه الموضوع في الشاحن.

ما يزال ميتًا، لا شحن، لا استجابة، لا شيء.

أمسكه بين يديه وبدأ يقلبه بقلق.

ــ هل سقط مني؟ هل تعطلت البطارية؟ تبًا…

تنهد بضيق.

ــ إن اضطررت لإصلاحه فسأدفع مبلغًا لا أملكه أصلًا… لكنه لم يجد خيارًا آخر.

أخذ مفاتيحه وانطلق يبحث عن متجر هواتف.

قاد لساعات داخل البلدة… دون أن يجد أي متجر إلكترونيات.

ولا حتى محل صيانة صغير.

مع مرور الوقت بدأ شعور الاختناق يتسلل إليه.

ــ لو كان هاتفي يعمل لاستخدمت الخرائط اللعينة…

وبعد ساعات من البحث العقيم، وجد نفسه متوقفًا أمام متجر والتر غريفس مجددًا.

تنهد وقال:

ــ لو سألت ذلك الشاب اللطيف ربما يعرف مكانًا ما.

دخل المتجر ثم توقف مكانه؛ العجوز كان هناك.

وحده.

بالملامح القاسية نفسها… والنظرة الباردة نفسها.

رفع العجوز عينيه نحو إيثان، وفجأة اتسعتا بشكل مرعب.

سقطت الجريدة من يديه، ونهض بسرعة متجهًا نحوه.

بدأ يحدق في وجهه من كل زاوية، وكأنه يرى شبحًا أمامه.

أما إيثان فبقي صامتًا، لا يفهم شيئًا.

ثم أمسك العجوز كتفيه بكل القوة المتبقية في ذراعيه المرتجفتين وقال بصوت مخنوق:

ــ كيف فعلتها؟

رمش إيثان بصدمة، ثم أبعد يديه بعنف:

ــ عمّ تتحدث أيها العجوز؟ ابتعد عني، ما خطبك؟

خفض العجوز رأسه ببطء، بينما ظلت ملامح الذهول مرسومة على وجهه.

اتجه نحو كرسيه وجلس واضعًا يديه فوق رأسه كشخص تلقى صدمة هائلة.

اقترب منه إيثان بحذر:

ــ هل أنت بخير؟

ثم أضاف:

ــ وأين ذلك الشاب الذي كان هنا صباحًا؟

رفع العجوز رأسه نحوه ببطء وقال:

ــ شاب؟

صمت للحظة، ثم تابع:

ــ لا يوجد غيري في هذا المتجر منذ سنوات.

ضحك إيثان بسخرية:

ــ يبدو أن الزهايمر التهم دماغك بالكامل.

ثم بدأ يصف الشاب الأشقر بالتفصيل.

لكن العجوز أقسم مرارًا أنه لا يعرف أي شخص بهذه المواصفات، وأنه يعمل وحده منذ زمن طويل.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يسأل العجوز أخيرًا:

ــ لماذا جئت أصلًا؟

أخرج إيثان هاتفه ووضعه على الطاولة:

ــ هاتفي تعطل.

أخذ العجوز الهاتف، حدق فيه لثوانٍ، ثم وضعه على الطاولة فجأة وانفجر ضاحكًا.

نظر إليه إيثان باستغراب.

قال العجوز وهو يمسح دموع الضحك:

ــ سمعتُ دائمًا أن حظ الأغبياء لا يمكن تخيل قوته… يبدو أن ذلك صحيح.

ثم وقف متجهًا نحو النافذة وأكمل بنبرة غامضة:

ــ انسَ أمر هاتفك يا فتى… من المستحيل أن يعمل مجددًا.

قطب إيثان حاجبيه وأعاد الهاتف إلى جيبه:

ــ إن كنت لا تعرف شيئًا فلا تتفلسف. لم يمضِ شهر على شرائي له.

ثم استدار غاضبًا:

ــ جئت أبحث عن شاب وسيم… فوجدت عجوزًا مصابًا بالخرف يهذي أمامي.

وقبل أن يخرج، أمسك العجوز ذراعه بقوة مفاجئة.

قال بصوت مرتجف وهو يتصبب عرقًا:

ــ أرجوك… استمع إليّ.

حاول إيثان إبعاده، لكنه تفاجأ بقوة العجوز.

كانت قبضته قاسية بشكل غير طبيعي.

اقترب العجوز منه أكثر وهمس بأنفاس متقطعة:

ــ قد تكون… مفتاح خروجنا من هذا المكان…

ثم بلع ريقه بصعوبة وأكمل:

ــ لا أعرف لماذا لم يحدث لك ما حدث لغيرك… لكن لدي شعور بأنك قادر على كسر السلسلة.

وأخيرًا، تمكن إيثان بعد جهد من تحرير ذراعه والخروج من المتجر.

وخلفه، كانت صرخات العجوز وتوسلاته تتردد داخل المكان:

ــ لا تتركني أرجوك أيها الفتى!

عاد إيثان إلى سيارته وهو غاضب بشدة، ثم رفع كم قميصه ليتفقد مكان قبضة العجوز.

تجمد للحظة.

آثار أصابعه كانت مطبوعة بوضوح على جلده… كأنها حروق حمراء.

ابتلع ريقه ببطء، ثم ركب سيارته وعاد إلى المنزل.

قضى ما تبقى من يومه جالسًا في صمت، يعيد التفكير بكل ما حدث معه.

الهاتف المعطل… الناس الذين لا يفهمون لغته… الشاب الذي اختفى… والعجوز المجنون.

وأخيرًا، اتخذ قراره.

ــ غدًا سأغادر هذه البلدة اللعينة… وأصلح هاتفي… وأجد مكانًا آخر أعيش فيه.

ثم أطفأ الأنوار واستلقى على سريره، بينما كان الصمت الثقيل يبتلع المنزل مرة أخرى.

حلّ الصباح ببطء فوق Black Hollow، وكانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر النافذة لتسقط مباشرة على وجه إيثان النائم.

تحركت عيناه ببطء شديد قبل أن يفتحهما بتثاقل واضح، ثم أطلق تنهيدة متعبة وهو يحدق في السقف للحظات.

لكن ما إن تذكر ما كان ينوي فعله هذا الصباح… حتى اختفى كل ذلك الكسل فجأة.

نهض بسرعة وهو يتمتم:

ــ صحيح… سأغادر هذه البلدة اليوم.

أبعد اللحاف عن جسده، ثم أنزل قدميه نحو الأرض باحثًا عن نعليه. لكن…

لا شيء.

تجمد للحظة وحدق أسفل السرير.

ــ أين اختفيا؟

كان متأكدًا تمامًا أنه وضعهما هناك الليلة الماضية.

رفع رأسه وبدأ ينظر حوله بعينين ضيقتين، ثم انتبه فجأة إلى شيء آخر.

اللحاف نفسه.

لم يكن لحافه.

بل لحاف آخر لم يره من قبل.

قطب حاجبيه بسرعة، ثم أخذ يحدق في الغرفة بأكملها.

السرير ليس سريره.

الخزانة مختلفة.

الطاولة مختلفة.

حتى الستائر لم تكن الستائر نفسها.

وقف فجأة وهو يشعر بقشعريرة باردة تزحف عبر ظهره.

ــ ما هذا بحق الجحيم…

أخذ يدور بعينيه في المكان مرارًا وتكرارًا، محاولًا إقناع نفسه بأنه ما يزال نصف نائم.

لكن الشيء الوحيد الذي بقي كما هو… كانت حقيبته.

اقترب منها بسرعة وفتحها بعصبية، ثم بدأ يقلب الملابس بيديه.

كل أغراضه ما تزال هناك.

تنفس قليلًا، ثم خرج من الغرفة وهو يحاول تفسير الأمر.

ــ هل… هل تعرضت للسرقة؟

لكن حتى وهو يفكر بذلك، أدرك سخافة الفكرة.

أي نوع من اللصوص يغيّر غرفة كاملة دون أن يسرق شيئًا؟

وما إن خرج إلى الطابق السفلي…

حتى توقف مكانه تمامًا.

اتسعت عيناه بصدمة حقيقية، وانفتح فمه دون وعي. المنزل لم يعد منزله.

أو بالأحرى ما يزال منزله، لكن وكأنه نسخة أخرى منه.

التصميم نفسه والأثاث نفسه تقريبًا.

لكن كل شيء بدا أحدث، أنظف، وأكثر حياة.

أماكن التشققات اختفت، الخشب المهترئ عاد جديدًا.

الجدران بدت وكأنها طليت بالأمس.

حتى الأرضية لم تعد تصدر ذلك الصرير المزعج.

بدا المنزل وكأنه عاد عشرات السنين إلى الوراء.

وقف مذهولًا يتمتم بصوت مرتجف:

ــ ما الذي يحدث هنا بحق الله؟

قادته صدمته نحو الباب الخارجي.

وما إن فتحه…

حتى شعر بأن العالم كله انقلب رأسًا على عقب.

تسمر مكانه بالكامل.

في السابق، لم يكن أمام المنزل سوى أرض شبه جرداء وبعض الأعشاب اليابسة.

أما الآن…

فحديقة خضراء واسعة تمتد أمامه، تتوسطها أشجار ضخمة كثيفة الظلال، وأزهار ملونة تهتز مع نسيم الصباح.

لكن ذلك لم يكن أكثر ما صدمه.

الناس.

كان الشارع مليئًا بالمارة أكثر من أي وقت مضى.

رجال يرتدون ملابس قديمة الطراز، نساء بفساتين تعود لعقود مضت، وأطفال يركضون بين الأرصفة.

ثم لمح السيارات.

سيارات ألمانية قديمة للغاية، بتصاميم تعود تقريبًا إلى أواخر أربعينيات القرن الماضي، بعد الحرب العالمية الثانية بقليل.

سيارات سوداء ضخمة ذات هياكل معدنية ثقيلة، تمر ببطء فوق الطريق الحجري.

شعر إيثان بأن معدته انقبضت فجأة.

رؤية سيارات في البلدة بعد أن كانت الشوارع شبه فارغة خلال اليومين السابقين… جعلت عقله يزداد اضطرابًا.

ثم تذكر شيئًا آخر.

سيارته.

رفع رأسه بسرعة نحو المكان الذي أوقفها فيه أمام المنزل.

لكنها لم تكن هناك.

اختفت.

تجمدت أنفاسه.

ــ لا… لا، لا، لا…

أخذ يبحث بعينيه بجنون.

ــ هل سُرقت؟

لكن ذلك لم يكن منطقيًا.

سيارته مزودة بنظام حماية يطلق إنذارًا صاخبًا عند أقل محاولة عبث، كما أن نومه خفيف للغاية، وكان من المستحيل ألا يسمعه.

رفع يديه إلى رأسه وقال بصوت مرتجف:

ــ ما الذي يجري هنا؟

في تلك اللحظة، مرّ رجل قربه، ثم توقف وهو ينظر إليه باستغراب واضح.

قال الرجل بالألمانية: „Heilige Maria… Zieh dir etwas Anständiges an, Mann. Du siehst aus wie ein Landstreicher. Die Leute schauen schon.“

ومعناها: “يا إلهي… ارتدِ شيئًا محترمًا أيها الرجل، تبدو كمتشرد. الناس بدأوا يحدقون بك بالفعل.”

لم يفهم إيثان كلمة واحدة مما قاله الرجل، لكن حين أشار إلى ملابسه، أدرك الأمر أخيرًا.

كان لا يزال يرتدي بيجامته.

وشعر فجأة بحرارة الإحراج تضرب وجهه، خاصة بعدما لاحظ نظرات بعض المارة نحوه.

ــ تبًا!

عاد سريعًا إلى داخل المنزل، ثم فتح حقيبته وأخرج ملابس عادية وارتداها على عجل.

وقف أمام المرآة للحظات، يحاول تهدئة أنفاسه المضطربة.

لكن عقله كان يغلي بالأسئلة.

أين اختفت سيارته؟

لماذا يبدو كل شيء وكأنه عالق في زمن قديم؟

ولماذا لا أحد يتحدث الإنجليزية؟

أخذ مفاتيحه، ثم خرج مجددًا من المنزل.

وهذه المرة…

بدأ جولته داخل البلدة بعينين مليئتين بالخوف والترقب.

كان إيثان يمشي بأقصى سرعة، واضعًا يديه في جيبيه بينما كانت رأسه تغلي بالأسئلة.

ــ أين أنا؟ ما هذا المكان؟ ما الذي يحدث لي؟ هل أنا أحلم؟

وبينما كان يراقب كل شيء حوله بعينين متوترتين، لاحظ أمرًا غريبًا.

الجزء من البلدة الذي يعيش فيه هو فقط ما تغيّر بالكامل، أما بعض الأحياء الأخرى والجهة المقابلة من البلدة فما تزال كما رآها أول مرة جاء إلى Black Hollow.

المنازل نفسها، الشوارع نفسها، وحتى الإهمال ذاته.

كان يدرك جيدًا أن ما يحدث أمامه مستحيل… أمر يتجاوز المنطق والطبيعة تمامًا.

لكن السؤال الأهم كان:

ــ ماذا عليّ أن أفعل الآن؟ وكيف أخرج من هذا المكان؟

جلس أخيرًا على مقعد خشبي داخل حديقة صغيرة، بينما كان يراقب الأطفال وهم يلعبون الكرة قرب أمهاتهم. شبك أصابعه ببعضها في وضعية توتر واضحة، ثم أطرق رأسه غارقًا في أفكاره، وفجأة توقفت كرة قدم عند قدميه.

أنزل نظره إليها، ثم حملها بيده وأخذ يبحث بعينيه عن صاحبها.

حينها اقترب منه طفل صغير يرتدي قميص كرة قدم يحمل اسم ورقم Lionel Messi.

قال الطفل بلغة إيثان نفسها:

ــ يا سيدي، هل يمكن أن تعطيني الكرة؟

مدّ إيثان الكرة نحوه بشكل تلقائي، وظل يراقبه وهو يبتعد.

ثم…

استوعب ما حدث.

اتسعت عيناه فجأة، ولحق بالطفل بسرعة وأمسك بذراعيه وهو يقول بذهول:

ــ أنت… أنت تتحدث لغتي وتعرف كرة القدم أيضًا؟

ضحك بشكل هستيري من شدة الصدمة.

أما الطفل، فبدأ يشعر بالخوف.

وكان ذلك طبيعيًا تمامًا؛ رجل بالغ يمسك طفلًا بقوة بينما يبدو كالمجنون.

صرخ الطفل مرتعبًا.

وتلك الصرخة وحدها كانت كافية لتعيد إيثان إلى وعيه.

لكن ليس قبل أن تصل أم الطفل مسرعة.

دفعت المرأة إيثان بعنف وصفعته بقوة على وجهه وهي تصرخ عليه بلغته نفسها:

ــ هل جننت؟ ابتعد عن ابني أيها المريض!

سقط إيثان على جانبه فوق العشب، واضعًا يده على مكان الصفعة، بينما كانت الصدمة مرسومة على وجهه لكنه كان سعيدًا.

نظر إليها بعينين متسعتين وبدأ يكرر بضحك مرتبك:

ــ هذه لغتي… أنتم تتحدثون لغتي!

توقفت المرأة للحظة حين رأت حالته الغريبة، ثم أمسكت بيد طفلها وغادرت بسرعة، بينما بدأ الناس الذين تجمعوا حوله يتفرقون تدريجيًا.

وقف إيثان وهو ينفض آثار العشب عن ملابسه، لكن أفكاره كانت تزداد سوءًا.

بل شعر للحظة أنه على وشك فقدان عقله بالكامل.

وبينما كان يحاول تهدئة نفسه، اقترب منه رجل ووضع يده على كتفه.

التفت إيثان بسرعة، ليتفاجأ بشارة معدنية معلقة على صدر الرجل.

نعم، كانت البلدة تملك قسم شرطة صغيرًا.

قال الرجل بلهجة رسمية:

ــ تعال معي.

أخذه إلى مركز الشرطة المحلي، وهو مبنى صغير بطراز قديم، ثم أجلسه أمام مكتبه.

قال الشرطي:

ــ والدة الطفل أبلغت عنك، قالت إنك أمسكت بابنها بطريقة مخيفة.

لكن إيثان بالكاد كان يسمعه.

كان غارقًا في أفكاره إلى درجة أنه لم ينتبه حتى لصوت الشرطي وهو يناديه بغضب:

ــ أيها الرجل، هل تسمعني؟

رفع إيثان رأسه أخيرًا:

ــ نعم.

قطب الشرطي حاجبيه وقال بانزعاج:

ــ نعم ماذا؟ هل أنت غبي؟

ثم أعاد شرح سبب وجوده هناك، وبدأ يحاسب تصرفاته الغريبة، قبل أن يسأله:

ــ أنت جديد هنا، صحيح؟ لا أظن أنني رأيتك من قبل.

تردد إيثان للحظات. هل يخبره بالحقيقة؟

هل سيصدقه أصلًا؟

لكنه، وفي النهاية، أخبره بكل ما حدث معه منذ استيقاظه هذا الصباح.

كان الشرطي يستمع إليه بذهول متزايد… حتى انتهى تمامًا.

ثم انفجر ضاحكًا.

ضحك طويلًا حتى كاد يختنق، قبل أن يقول:

ــ يا رجل… أنت إما مجنون أو تتعاطى شيئًا قويًا جدًا.

ثم أخذ مفاتيحه وقال:

ــ انهض. سأوصلك إلى منزلك.

ركب إيثان السيارة بصمت، بينما انطلقت بهما عبر شوارع البلدة.

لكن كلما اقتربا من الحي…

شعر قلبه يهبط أكثر.

الحي عاد كما كان أول مرة جاء إلى هنا.

لا حدائق ضخمة.

لا سيارات قديمة.

لا أشجار عملاقة.

كل شيء عاد طبيعيًا.

حتى منزله بدا مجددًا بذلك الشكل القديم المهترئ.

والأهم، سيارته كانت متوقفة أمام المنزل.

كما لو أنها لم تختفِ أصلًا.

أوقف الشرطي السيارة، ثم التفت نحو قائلًا:

ــ استمع إليّ يا رجل، أيًّا كانت الأدوية التي تتناولها، لا تتوقف عنها.

ثم أضاف:

ــ كنت سأحتجزك لو ظننت أنك خطر، لكن بعد حديثي معك واختبارك في المكتب أعتقد أنك مجرد شخص يمر بضغط نفسي شديد.

فتح الباب وأشار له بالخروج:

ــ عد إلى المنزل، وخذ قسطًا من الراحة.

ثم غادر تاركًا إيثان واقفًا وحده أمام منزله.

كان يتصبب عرقًا بغزارة، يعصر عينيه بقوة وكأنه يحاول إجبار عقله على الاستيقاظ من كابوس طويل.

لكن الواقع ظل كما هو.

شعر بدوار شديد.

ثم انهارت ساقاه فجأة.

وسقط مغشيًا عليه أمام المنزل.

حين استعاد وعيه، كان الليل قد حلّ بالفعل.

وضع يده على الأرض بصعوبة، ثم رفع نفسه ببطء شديد وكأن جسده مصنوع من الصخر.

دخل المنزل مترنحًا، ثم نظر حوله بابتسامة مرهقة تشبه ابتسامة المجانين.

ــ نفس المنزل… كل ما حدث اليوم اختفى وكأنه سراب.

تقدم نحو غرفته ببطء، غير منتبه حتى لصوت معدته الفارغة من شدة الإرهاق.

وصل أخيرًا إلى السرير واستلقى محاولًا النوم.

لكنه لم يستطع.

ظل يتقلب مرارًا وتكرارًا، وعيناه مفتوحتان في الظلام.

كان خائفًا من النوم.

خائفًا مما قد يستيقظ عليه هذه المرة.

جلس أخيرًا وأخذ بعض أدوية القلق والأرق التي كانت داخل حقيبته، ثم تناول وجبة خفيفة على عجل، وبعد وقت طويل…

استسلم أخيرًا لنوم عميق وثقيل للغاية.

استيقظ إيثان هذه المرة دون ذلك الخمول الثقيل الذي لازمه في الأيام السابقة.

نهض من سريره بسرعة ممزوجة بالخوف والتوتر، ثم قال وهو يمرر يده فوق وجهه المتعب:

ــ هذه المرة الثالثة!

أمسك رأسه بكلتا يديه كالمجنون، وأخذ يتمتم بصوت مختنق:

ــ ما الذي عليّ فعله للخروج من هذا المكان اللعين؟ لماذا جئت إلى هنا أصلًا؟

حينها تذكر العجوز في المتجر.

توقف لثوانٍ، ثم قال لنفسه:

ــ للمرة الثانية ينتهي بي الأمر بالتفكير في ذلك العجوز.

خرج من غرفته بحذر، متوقعًا أن يرى التغيرات ذاتها التي حدثت بالأمس.

الحديقة.

السيارات القديمة.

الناس الغرباء.

لكن لم يحدث شيء.

المنزل كما هو.

الشوارع خالية كعادتها منذ يوم وصوله.

وسيارتُه ما تزال متوقفة أمام المنزل.

وذلك زاده توترًا أكثر.

شعر وكأن البلدة كلها تحبس أنفاسها بانتظاره.

قاد سيارته مباشرة نحو المتجر حيث العجوز.

لكن قبل أن يدخل، توقف للحظة أمام الباب الزجاجي.

تذكر ما حدث سابقًا؛ الشاب بدل العجوز، العجوز الذي أنكر وجوده.

تنفس بعمق وهو يفكر:

ــ ماذا لو كان الشاب موجودًا مجددًا؟ ماذا لو كان العجوز لا يعرف شيئًا؟

بعد لحظات من التردد، فتح الباب ودخل.

رنّ الجرس المعدني أعلى الباب بصوته المعتاد.

كان العجوز منشغلًا بترتيب الرفوف ولم ينتبه لدخول أحد.

اقترب منه إيثان أكثر، حتى شعر العجوز بوجوده فقال بضيق:

ــ انتظر قليلًا، ألا ترى أنني مشغول؟

لكن ما إن سمع صوت إيثان يقول بسخرية متعبة:

ــ وما الذي يشغلك عن خدمة زبائنك أيها العجوز؟

حتى تجمد العجوز في مكانه.

التفت نحوه ببطء، واتسعت عيناه بشكل مرعب، بينما سقطت العلب التي كان يحملها من بين يديه.

رفع إصبعه المرتجف نحو إيثان وقال بصوت متقطع:

ــ أ… أنت؟

ــ أنت ما زلت حيًا… بل وعدت أيضًا!

هنا انفجر شيء داخل إيثان.

اندفع نحو العجوز بسرعة وأمسكه من سترته بعنف، بينما كانت نظراته مليئة بالجنون والارتياب.

ــ أخبرني أيها العجوز! ما الذي يحدث في هذه البلدة اللعينة؟ من أنت وما هذا المكان بحق الجحيم؟

ارتبك العجوز وهو يحاول إبعاد يديه المرتجفتين عنه:

ــ اتركـ… اتركني أيها المجنون! ستكسر عظام هذا العجوز المسكين.

توقف إيثان فجأة.

نظر إلى يديه وكأنه أدرك لتوه ما يفعله، ثم تراجع عدة خطوات إلى الخلف وهو يلهث.

ــ أنا… أنا آسف.

مرر يده فوق وجهه بتوتر:

ــ لا أعرف ما الذي أصابني.

ظل العجوز يفرك كتفه المتألم بينما كان يحدق في إيثان بنظرات فاحصة وغريبة.

ثم اتجه نحو باب المتجر وقلب اللافتة من “مفتوح” إلى “مغلق”.

عاد بعدها ببطء، وسحب كرسيًا خشبيًا قديمًا وجلس عليه متنهّدًا.

رفع نظره نحو إيثان وقال:

ــ أحضر كرسيًا واجلس… يبدو أن هذا العجوز مدين لك بقصة طويلة.

ما إن سمع إيثان ذلك حتى أسرع بإحضار أقرب كرسي وجلس أمامه مباشرة، كطفل صغير يستمع لحكايات جده لأول مرة.

تنهد العجوز طويلًا، ثم قال:

ــ اسمي أرثر ميلر… ولدت في ولاية بعيدة عن هنا بسنوات طويلة، خلال فترة كانت فيها أمريكا تغرق في الكساد الاقتصادي العظيم…

كان العمل حينها حلمًا أكثر منه حقيقة.

الكثير من الرجال كانوا يتنقلون بين الولايات بحثًا عن أي فرصة للبقاء على قيد الحياة.

وكنت أحدهم.

قادني البحث عن العمل إلى Black Hollow.

وفي تلك الأيام… كانت البلدة مختلفة تمامًا وعامرة بالحياة.

مليئة بالناس.

وصلت إليها مفلسًا، ثم حصلت على عمل بسيط، وبعد سنوات تمكنت من فتح هذا المتجر المتواضع.

ولأول مرة في حياتي، شعرت أن الدنيا بدأت تبتسم لي.

ابتسم العجوز ابتسامة صغيرة متعبة، سرعان ما اختفت.

ــ لكن لا شيء يدوم… خصوصًا السعادة.

أخفض رأسه قليلًا ثم أكمل:

ــ في أحد الأيام استيقظت لأجد زوجتي وأطفالي الثلاثة ممددين على الأرض.

كانت زوجتي تسعل دمًا.

وأطفالي يرتجفون بعنف.

أخذتهم بسرعة إلى العيادة الطبية الوحيدة في البلدة.

أخبرني الطبيب، سامويل، أنه لم يرَ شيئًا كهذا طوال حياته.

وقال إن عائلتي ليست الوحيدة، بل إن معظم سكان البلدة أصيبوا بالحالة نفسها في الصباح ذاته.

حتى هو نفسه كان مريضًا، لكنه كان يقاوم بصعوبة.

قال إنه أبلغ السلطات الصحية الفيدرالية، وإن فرقًا طبية ستصل قريبًا.

أعطاني بعض المسكنات والأدوية، وطلب مني أن أتحلى بالصبر.

بقيت تلك الليلة بجانب عائلتي داخل العيادة، وفي الصباح…

استعادت زوجتي وعيها.

كنت سعيدًا للغاية…

قالت لي إنها بخير، وطلبت مني أن أفتح المتجر كالمعتاد.

رفضت بالطبع، لكنها أصرت.

قالت إننا بحاجة للمال من أجل الإجراءات وغيره من الأمور.

وفي النهاية… اقتنعت.

خرجت فقط لأجلب لهم الطعام.

كنت متفائلًا…

أفكر أن الدعم الطبي سيصل، وأن كل شيء سينتهي قريبًا.

لكن عندما عدت…

وجدت الجميع فاقدي الوعي مجددًا؛ زوجتي وأطفالي، وكل سكان البلدة.

ركضت نحو الطبيب.

كان الأطباء والممرضون ممددين على الأرض.

وحين دخلت مكتب الدكتور أخيرًا، وجدته يسعل دمًا أسود.

كانت عيناه حمراوين بالكامل، وجسده ساخنًا بشكل مرعب.

قال لي بصعوبة:

ــ أعطني المسكنات… من الدرج…

نفذت طلبه فورًا، وبعد أن هدأ قليلًا أمسك بذراعي وقال:

ــ استمع إليّ يا آرثر… لا يوجد مرض، الفحوص كلها طبيعية. لكنني رأيت حلمًا الليلة الماضية، حلمًا كان فيه جميع سكان البلدة؛ زوجتك… أطفالك… الجميع.

ثم همس:

ــ كان هناك شيء يكلّمنا… شيء… ليس بشريًا. وصفه كان أشبه بمخلوق ذي مجسات طويلة… كأنه أخطبوط هائل خرج من مكان لا ينتمي لهذا العالم. قال لنا إن ما يحدث “تشريف”، وأن علينا تقبّل وجوده. ثم أخبرنا… أن المقاومة بلا فائدة.

ارتجف صوت العجوز وهو يكمل:

ــ طلب مني الطبيب أن أهرب، ثم فقد وعيه أمامي. وعندما عدت لعائلتي… كان منظرهم أسوأ من أي كابوس. عروق حمراء تغطي أجسادهم، أعين سوداء بالكامل، وزبد أبيض يخرج من أفواههم. كل سكان البلدة كانوا بالحالة نفسها.

شعرت بالعجز لأول مرة في حياتي.

لكنني رفضت الاستسلام.

خرجت بسيارتي بأقصى سرعة محاولًا مغادرة البلدة، مقتنعًا أن الدعم الطبي بالخارج سيعرف كيف ينقذهم.

لكن كلما اقتربت من الطريق الخارجي… كان العالم يظلم فجأة، ثم أجد نفسي مجددًا أمام العيادة.

مرة… مرتين… عشر مرات… حتى انهرت.

خرجت من السيارة وبدأت أصرخ كالمجنون؛ أبكي، أضرب الأرض، وأتوسل لأي شيء يسمعني:

ــ لماذا يحدث هذا لي؟ لماذا دائمًا أنا؟ أريد فقط إنقاذ عائلتي!

ثم… شعرت بشخص يقف خلفي.

التفت بسرعة؛ كان الدكتور سامويل. قفز الأمل داخل قلبي فورًا، اقتربت منه بسرعة وقلت:

ــ دكتور هل أنت بخير؟ هل تشعر بتحسن؟

لكن… تجمدت الكلمات في حلقي. ذلك لم يكن الدكتور، كان جسده فقط.

أما الشيء الذي ينظر إليّ من خلال عينيه، فلم يكن بشريًا.

حين تحدث، كان صوته باردًا وغريبًا، وكأن عدة أصوات تتكلم في الوقت نفسه. قال لي إن البشر كائنات ضعيفة وبائسة، وقال إن هذا المكان أصبح ملكًا له. ثم بدأ يتحدث عن “الخضوع” وكأننا مجرد حيوانات.

حينها… فقدت السيطرة على نفسي.

أمسكت الدكتور وبدأت ألكمه بكل قوتي، كنت أصرخ:

ــ أعدهم إليّ! أعد عائلتي أيها الحقير!

لكن ذلك الشيء ضحك فقط، وقال لي:

ــ لا يهم كم تضرب هذا الجسد… فأنا لن أتأذى.

ثم اقترب مني وهمس:

ــ لكن هذا الطبيب… يشعر بكل شيء.

توقف العجوز للحظة، وارتجفت شفتاه:

ــ لم أفهم كلامه في البداية… فظننت أنه يحاول خداعي. ولهذا واصلت ضرب الدكتور، كنت أصرخ كالمجنون بينما الدم يتطاير من وجهه.

ثم… رأيت الدموع تنزل من عينيه، ليس دموعي أنا، بل دموع الدكتور نفسه. هنا فقط أدركت الحقيقة؛ كنت أضرب رجلًا يحتضر… رجلًا حاول إنقاذنا جميعًا.

خفض العجوز رأسه، بينما أصبح صوته شبه مكسور:

ــ وعندما توقف ذلك الشيء عن الكلام، توقفت أنفاس الدكتور أيضًا.

صمت طويل خيّم على المتجر، حتى إيثان لم يجد ما يقوله.

أما العجوز، فتابع بصوت ميت:

ــ قتلته بيدي… أنا… قتلت الرجل الوحيد الذي حاول مساعدتنا.

نظر إلى كفه المرتجفتين وكأن الدم ما يزال عالقًا بهما حتى الآن:

ــ حملته بعدها إلى المقبرة، حفرت له قبرًا بيدي، وغسلته، وكفنته، ودفنته وحدي.

وقف العجوز للحظة صامتًا، ثم قال وكأنه عاد لتلك اللحظة:

ــ وقفت أمام قبره طويلًا… ثم قلت له: “سامحني يا سامويل… كنت الطبيب الوحيد الذي بقي واقفًا بينما انهار الجميع. حتى وأنت تموت… كنت تحاول إنقاذنا. أما أنا… فقد قتلت الرجل الوحيد الذي مدّ يده لي”.

ساد جو من التوتر داخل المتجر؛ توتر وصمت ثقيل خانق.

ثم أكمل العجوز:

ــ بعد دفنه عدت إلى العيادة، جلست بجانب زوجتي وأطفالي، بدأت أحدث زوجتي وكأنها ما تزال تسمعني، أخبرتها بما فعلته، وبأنني لم أعد أستحق النظر في وجه أحد.

ثم… غلبني النوم هناك. وفي الحلم… رأيته؛ ذلك الشيء. ظهر أمامي بهيئته الحقيقية، مخلوق ضخم ذو مجسات لا تنتهي، وقال لي: “ما أجرأك على الاعتقاد أن أحدًا سينجو مني”.

ثم أخبرني أنني مختلف عن البقية، وأنني لم أُصب بالكامل مثلهم، ولذلك… يمكن الاستفادة مني.

رفع العجوز نظره نحو إيثان مباشرة:

ــ عرض عليّ صفقة.

صمت إيثان للحظات قبل أن يسأله بصوت خافت:

ــ أي صفقة…؟

ابتسم العجوز ابتسامة باردة مرهقة:

ــ أن أجلب له الغرباء.

ثم رفع عينيه نحو إيثان وقال:

ــ مثلك تمامًا!

تحرير، تدقيق ومراجعة: رنين.

صورة وجرافيك: روميساء طارق البدري.

0 0 الأصوات
Article Rating

مقالات ذات صلة

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x