أخر الأخبار

جونغ يونغ

لم تكن بداية القصة خلاف عائلي، ولا انتقام، ولا سرقة انتهت بمأساة ، بل بدأت بسؤال غريب ظل يتردّد في ذهن شابة كورية لسنوات: كيف يشعر الإنسان عندما يقتل شخص آخر؟

يمكن السؤال شكله قريب من أفلام نفسية، لكن كان السبب الأول لإحدى أكثر الجرائم صدمة في كوريا الجنوبية آخر سنين ، ففي مايو2023 ، استدرجت شابة عمرها 23 سنة معلمة لا تعرفها إطلاقاً ، وقتلتها ببيتها بعد تخطيط استمر أسابيع، وحاولت بعدها إخفاء الجريمة بطريقة مأخوذة من قصص الجرائم التي كانت تقضي ساعات طويلة تتابعها

blank

ولدت جونغ يو جونغ عام 1999، وعاشت عند جدها بمدينة بوسان بعد ما انفصل أهلها وهي صغيرة ، وبعد تخرجها من المدرسة الثانوية عام 2018 ، حاولت الدخول للجامعة ، لتنجح بامتحانات التوظيف الحكومية أكثر من مرّة، لكن لم نجحت، وبقت عاطلة عن العمل وتقضي معظم وقتها بمنزلها ، الذي صدم الرأي العام ليس فقط وحشية الجريمة، بل غياب أي دافع تقليدي؛ فلا يوجد  معرفة سابقة بين القاتلة والضحية ، ولا خصومة شخصية، ولا مصلحة مادية ، ولهذا السبب تحوّلت قضية” جونغ يو جونغ ” لموضوع نقاش بين المحققين وعلماء النفس والإعلام، كلهم حاولوا أن يفهموا كيف لِشابة بعمرها أن ترتكب جريمة بهذا التخطيط والعنف ؟!

حسب ما كشفه التحقيق، أنها كانت تقضي ساعات طويلة تشاهد أفلام وثائقية وبرامج جرائم حقيقية وتقرأ روايات بوليسية، لدرجة إنّ هذا النوع من المحتوى صار جزء أساسي من حياتها اليومية ، أيضاً عثرت الشرطة على أجهزتها الإلكترونية على سجل طويل من عمليات البحث عن جرائم قتل، وطرق التخلّص من الجثث، وكيفية إخفاء الأدلة ، النيابة الكورية رأت إنّ سنوات العزلة والإخفاقات المتكررة، مع هوسها المفرط بقصص الجرائم، ساهموا في تشكيل أفكارها قبل تنفيذ الجريمة، مع التأكيد إنّ متابعة هالنوع من المحتوى ليس معناه إنّها تجعل الشخص العادي يقتل، لأ كانت مجرّد عامل ضمن ظروف نفسية وشخصية أكتر تعقيدًا.

لم يكن قرار جونغ لحظة غضب، بل سبقته أسابيع من التحضير ، بدأت تبحث على ضحية لا تعرفها، باستخدام تطبيق إلكتروني مخصص للربط بين المعلمين الخصوصيين والطلاب ، وعملت حساب مزيف قالت فيه إنّها أمّ تبحث على معلمة لابنتها ، التحقيق كشف إنّها ما تواصلت مع شخص واحد، لكن تواصلت مع 54 معلم ومعلمة عبر التطبيق، وكانت تريد  امرأة تعيش وحدها وتستقبل الطلاب في منزلها، لحد ما وقع اختيارها على معلمة شابة وافقت على إعطائها  درس خصوصي بمنزلها بمدينة بوسان ، ولكي تبدو طالبة ثانوية، اشترت جونغ زي مدرسي مستعمل عبر الإنترنت وارتدته يوم تنفيذ الجريمة، والذي جعل الضحية تستقبلها بدون ما تشكّ بأي شئ.

blank

في 26 مايو 2023، وصلت جونغ لبيت المعلمة بالموعد المتفق عليه، ومعها حقيبة شكلها عادي من الخارج، لكن كانت داخلها سكّين أعدّتها مسبقًا ، وحسب ما ورد بلائحة الاتهام، قالت للضحية ببداية اللقاء إنّها بتمرّ بظروف نفسية صعبة وتفكّر بإنهاء حياتها، وحاولت تهدّئة الأجواء لمّا شعرت إنّ المعلمة انزعجت ، والذي حدث بالدقائق التي بعدها كان كفيل بقلّب الزيارة القصيرة هذه لإحدى أكثر الجرائم التي هزّت كوريا الجنوبية بآخر عقد…

blank

ما إن أصبحا لوحدهم بالشقة، حتى أخرجت جونغ السكّين من حقيبتها وهجمت على المعلمة بشكل مفاجئ ، وحسب الادعاء الكوري، الضحية تعرّضت لأكثر من 110 طعنة، بواحدة من أكثر الجرائم وحشية شهدتها البلاد آخر سنين ، وما انتهت الجريمة عند هذا الحد، إذ خرجت جونغ من الشقة لوقت قصير،ثم عادت ومعها حقيبة سفر سوداء كبيرة اشترتها مسبقًا، مع أكياس زبالة ومواد تنظيف ومبيض حتى تزيل آثار الدم ، بهيك خطوة كشفت إنّ الجريمة ما كانت انفعال لحظي،بل عملية مخطط لها بعناية ، ثم ارتدت ملابس الضحية قبل أن تخرج من الشقة، بعدما تلطخ الزي المدرسي اللي كانت ترتديه بالدم، حتى لا تلفت النظر إليها.

بعد ما أنتهت من  إخفاء أجزاء من الجثة داخل حقيبة السفر، ركبت جونغ سيارة أجرة واتجهت لمنطقة قريبة من نهر ناكدونغ، وحاولت تتخلّص من الحقيبة بمنطقة فيها أشجار. بس تصرفاتها شكّكت سائق التاكسي، اللي لاحظ إنّها بتتعامل مع الحقيبة بشكل مريب، فقام بابلاغ الشرطة ، ولمّا وصلت الدوريات المكان، وجدو الحقيبة وفيها أجزاء من الجثة، ولتبدأ خيوط القضية تنكشف بسرعة. وبالاعتماد على كاميرات المراقبة وسجلات تطبيق الدروس الخصوصية، تمكن المحققين يحدّدوا هوية جونغ ويعتقلوها بوقت قصير.

blank

ببداية التحقيق، حاولت جونغ تقنع الشرطة إنّ الجريمة صارت بعد مشاجرة مع الضحية، بس الأدلة الجنائية وكاميرات المراقبة وسجل مشترياتها الإلكترونية نسفت روايتها بالكامل. وأثناء الاستجواب، اعترفت إنّها كانت مهووسة بقصص الجرائم الحقيقية من سنين، وقالت إنّها كانت تريد أن تعرف “كيف يشعر الإنسان عندما يقتل شخص ثاني.” ومع إنّ هالعبارة تداولت بشكل واسع، أكدت النيابة إنّ الدافع مش الفضول لوحده، بل امتزج كمان بمشاعر غضب وإحباط راكمتها خلال سنين العزلة والفشل الدراسي والمهني.

blank

قضية جونغ يو جونغ أعادت طرح سؤال قديم يتكرر مع كل جريمة غامضة: هل يولد الإنسان مجرمًا، أم تصنعه الظروف؟ ومع إنّ التحقيقات كشفت الكثير من تفاصيل الجريمة، الإ إنها ما قدّمت إجابة قاطعة عن هالسؤال ؟

فالذي حدث لم يكن مجرّد جريمة قتل، بل كان حادثة دفعت المجتمع الكوري أن يعيد التفكير بالصحة النفسية، والعزلة الاجتماعية، وحدود الهوس بمحتوى الجرائم، وأهمية التدخل المبكر قبل ا تتحوّل الأفكار المظلمة لأفعال لا يمكن الرجوع عنها ، وبعد مرور سنين على الحادثة، لا تزال قضية جونغ يو جونغ تدرس بالأوساط القانونية والإعلامية كواحدة من أكثر الجرائم غرابة وإثارة للجدل بتاريخ كوريا الجنوبية الحديث.

تحرير وتدقيق: ‏Be happy

مراجعة وإشراف: روميساء طارق البدري

5 1 تصويت
Article Rating
المصدر
ويكيبيدياوكالة يونهاب الكورية – الحكم النهائيصحيفة كوريا

مقالات ذات صلة

guest
14 تعليقات
سارة فايز
سارة فايز
1 ساعة

ممكن جريمة دارك ويب .. أو ان القاتلة مشروع قاتلة متسلسلة بس فشلت من اول جريمة لانها انثى .. اكيد عاشت طفولة مأساوية بسبب حياتها مع جدها دون اب او ام او اسرة

كرمل
كرمل
9 ساعة

لا الفضول او العزلة يدفعان الإنسان إلى التخطيط لجريمة واستدراج ضحية ثم تنفيذها بدم بارد
يبدو أنها كانت تحمل نزعة سادية من البداية
لم يلحظها احد فالإنسان قد يخفي بداخله جوانب لا تظهر للآخرين بسهولة

مقال رائع .. بالتوفيق في القادم 🌷

ابو العز
ابو العز
7 ساعة
ردّ على  كرمل

وهذا ما جعل القضية محيرة حتى للمختصين فطريقة التخطيط توحي بأن ما حدث لم يكن وليد لحظة وفي المقابل لم يجد المحققون دافع تقليدي يمكن أن يفسر كل شيء وربما لهذا بقيت هذه القضية من أكثر القضايا إثارة للنقاش حتى اليوم

باسم الصعيدي
باسم الصعيدي
11 ساعة

أحسنت أستاذ أبو العز .. مقال ممتع وسلس .. وقد شدّني منذ البداية حتى النهاية

وأنا أقرأ .. وجدت نفسي أتمنى لو تعرّفت أكثر إلى شخصية جونغ يو جونغ نفسها .. لا إلى الجريمة فقط .. كنت أود معرفة تفاصيل أكثر عن حياتها اليومية .. وعزلتها .. وعلاقتها بجدها .. وطريقة تفكيرها .. وكيف تحولت من فتاة تبدو عادية إلى شخص يخطط لجريمة بهذه الوحشية .. أشعر أن هذه الجوانب كانت ستضيف بعدًا نفسيًا أعمق للقصة

كما كنت أتمنى معرفة ما انتهت إليه القضية أمام المحكمة .. وما كان الحكم النهائي الذي صدر بحقها .. لأنني وصلت إلى نهاية المقال وأنا لا أزال أتساءل عن مصيرها القضائي

شكرًا لك على هذا الطرح الجميل .. وبانتظار المزيد من مقالاتك المميزة

باسم

ابو العز
ابو العز
7 ساعة

أخي باسم..هذا النوع من الملاحظات يلفت انتباهي دايما لأنه ينظر إلى ما وراء أحداث القضية نفسها
فعلا كانت هناك تفاصيل أكثر عن حياتها وعلاقتها بجدها وحتى مجريات المحاكمة لكن حاولت أن يبقى تركيز المقال على الخط الذي قاد إلى الجريمة حتى لا تتشعب الأحداث أما الحكم فقد انتهت القضية بالسجن المؤبد
شكراً على قراءتك المتأنية🌹

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
7 ساعة

الحكم الذي نالته هو المؤبد مع ٣٠ سنة مراقبة بالجهاز الالكتروني..

احمد علي
احمد علي
15 ساعة

السلالة الصفراء تعد من اكثر السلالات البشرية ابتكارا وابداعا وتنظيما، سلالة التكنولوجيا والعوالم الاخري، لكن هيهات، ففي داخل جينات كل فردا من البشر اصحاب الاعين الضيقة يوجد جزءا صغيرا من الحمض النووي للجد الاكبر لتلك السلالة ومبيد ثلث سكان الارض، الا وهو تيموجين العظيم “جنكيز خان” ، نعم السلالة الصفراء سلالة عريقة وانيقة للغاية والكوكب بدونها لاشيء اطلاقا، لكن جينات الوحش في داخلهم دوما ويكونون مستعدون للافتراس الذكي الذي تنتج بعده نظريات.. عمتما مساءا

ابو العز
ابو العز
7 ساعة
ردّ على  احمد علي

مساء الخير يصديقي🌹
ربط مثل هذه الجرائم بالأعراق يبقى أمراً يصعب الجزم به فالقضايا التي تحمل هذا القدر من الغرابة نجدها في دول وثقافات مختلفة ولهذا أظن أن شخصية الجاني وظروفه تفسر الجريمة أكثر من أصله

عمانية
عمانية
18 ساعة

القضاء الكوري جداً متساهل مع المجرمين عادي لو تقتل نص كوريا ١٠ سنوات وانت راجع بيتك هذا اذا ما خففوا الحكم حسن سير وسلوك صدق ترا😂

ابو العز
ابو العز
7 ساعة
ردّ على  عمانية

😂 يبدو أن القضاء الكوري كون هذه السمعة عند كثير من الناس.. لكن في هذه القضية تحديداًصدر بحقها السجن المؤبد وربما لأن الجريمة كانت من أكثر القضايا التي هزت الرأي العام هناك

احمد علي
احمد علي
19 ساعة

لي عودة للتعليق، فالامر هنا اضطرابيا جدا.. عمتما مساءا

وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
وميض - مديرة الربط والتواصل للمحتوى
1 يوم

صراحة لم أقتنع أن الفضول كان وراء الجريمة لكن اختيار الضحية كان هو الغريب بالنسبة لي .. جونغ اختارت معلمة دونًا عن باقي المِهن .. المعلمة ببساطة تمثّل كل ما تفتقده جونغ من العلم والاستقرار والنجاح .. والجريمة في عمقها لم تكن سوى رغبة خفية من القاتلة في الانتقام من الشخص الذي يجسد الحياة التي عجزت هي عن الوصول إليها .. و محاولة بائسة منها فقط لجرّ الناجحين إلى قااع الفشل الذي تعيش فيه .. بالنسبة لي لم يكن مجرد فضول..
تحية طيبة وشكرا على تقديم هذا المقال المشوق 🌹..

ابو العز
ابو العز
7 ساعة

أعتقد أن اختيار الضحية من أكثر تفاصيل القضية التي فتحت باب التأويل فلو كان الهدف مجرد التجربة لكان بالإمكان أن تكون الضحية أي شخص..لكن كونها معلمة تعيش وحدها جعل كثيرين يطرحون نفس الفكرة التي ذكرتها وربما لهذا السبب لم يتفق المحققون أنفسهم على تفسير واحد للدافع
شكرا على هذه الإضافة🌹

سارة فايز
سارة فايز
1 ساعة

فعلا كلامك منطقي .. قتلها لمعلمة رمز لانتقامها من العملية التعليمية بكاملها .. وهي شخص مجنون معادي للمجتمع

زر الذهاب إلى الأعلى
14
0
Would love your thoughts, please comment.x