رداء الدخان

الجزء الأول: رماد وانتقام
الفصل الأول: هيبة الدم والحديد
لم يكن اللورد صقر مجرد زعيم عصابة، كان هو “قانون” المدينة غير المكتوب. في الطابق الخمسين من برجه العاجي، كان يجلس هادئاً يراقب أضواء العاصمة من خلف الزجاج المعتم. قبل عشر سنوات، دخل صقر هذه المدينة وفي جيبه مسدس واحد، واليوم، يمتلك نصف عقاراتها والسياسيين في جيبه، ومن يجرؤ على قول “لا” له، يختفي خلف الشمس.
وعلى الطاولة المقابلة له في مكتبه الفخم، كان المحقق “عمر” من إدارة مكافحة الجريمة المنظمة يجلس واضعاً ملفاً أسود بينهما. عمر لم يكن شرطياً تقليدياً؛ كان رجلاً يقرأ العقول، يطارد صقر منذ سنوات دون كلل، ولا ينتمي إلا لعدالته الخاصة.
قال عمر بنبرة هادئة ومحذرة: “البنك المركزي استقبل شحنة سبائك جديدة اليوم يا صقر. وأنا أعلم أن عينك عليها. لكني وضعت رجالي في كل زاوية. أي حركة غبية منك، وسأكون أول من يضع الأصفاد في يدك.”
ابتسم اللورد صقر ببرود ولم تلتفت عيناه عن نافذته: “المحقق عمر.. أنت تطارد شبحاً. البنك المركزي محصن، وأنا رجل أعمال محترم.. لست سارق بنوك.”
في نفس الساعة، وفي قبو مبنى مهجور بضواحي العاصمة، كان الغبار يتطاير تحت ضوء مصباح وحيد متدلٍّ. جلس سلطان وبجانبه خالد، وأمامهم ثلاثة من رجال صقر يوجهون فوهات مسدساتهم نحو صدورهم، يقودهم يده اليمنى الضخم “صخر”. صقر كان يلعب بالجميع؛ يتحدث مع الشرطة ويدير الجريمة في نفس اللحظة.
ضرب صخر بيده على الطاولة وقال بنبرة غليظة: “اللورد صقر لا يحب الانتظار يا سلطان. الشحنة المفروض تسلموها من أسبوع. أين الذهب؟”
أخرج سلطان علبة سجائره، حاولت أصابعه أن تبدو ثابتة وهي تشعل الثقاب، لكن وميض النار كشف عن لمعة جافة في عينيه. نفض الرماد وقال بصوت منخفض: “صخر.. البنك المركزي لا يسرق في ليلة وضحاها. الذهب في الحفظ والصون.”
شحن صخر مسدسه ووضعه مباشرة على جبهة سلطان: “تكلم، وإلا أفرغت هذا المخزن في رأسك.”
تحرك خالد كالظل، وسحب مسدسه المخفي وثبته أسفل ذقن صخر: “جرب أن تضغط الزناد.. ونرى من فينا رصاصته تصل أسرع. أنا لا أخطئ في هذه المسافة.”
في هذه اللحظة، رن هاتف سلطان. جاء صوت اللورد صقر الأجش عبر المكبر، بعد أن غادر المحقق عمر مكتبه: “صخر.. أنزل سلاحك. سلطان، أنا أملك حياتك وحياة فريقك. إذا لم أستلم حصتي من سبائك البنك المركزي غداً، فلن أقتلك.. بل سأبدأ بعائلتك شخصاً شخصاً. 24 ساعة يا سلطان.”
تغيرت ملامح سلطان، ووضع سيجارته في المنفضة ببطء شديد حتى انكسر تبغها. اللورد صقر لم يكن يهدد عبثاً، واللعبة الآن أصبحت سباقاً مع الموت.
الفصل الثاني: فخ الـ 120 ثانية (متاهة البنك)
الساعة الـ 2:00 بعد منتصف الليل. أمام المبنى الخرساني المحصن للبنك المركزي. خلف شاشات الحافلة السوداء، كانت أصابع سارة تطير فوق لوحة المفاتيح، لكن وجهها كان شاحباً. سارة لم تكن هنا من أجل المال؛ كانت صورتها القديمة مع أخيها الصغير “رامي” معلقة فوق الشاشة. رامي الذي توفي بجرعة زائدة من مواد مسمومة يهربها اللورد صقر للمدينة. كان هذا دافعها الحقيقي: أن تلتهم إمبراطورية صقر البرمجية وتدمرها بالكامل.
قالت سارة عبر اللاسلكي بصوت يرتجف: “سلطان.. هناك كارثة! البنك حدّث نظام الحماية اليوم. الكاميرات مرتبطة بنظام ذكاء اصطناعي مستقل، لا أستطيع عرض تسجيل وهمي! الحل الوحيد أن أقوم بـ ‘صدمة كهربائية’ للشبكة بالكامل.. هذا سيعطينا 120 ثانية من الظلام التام، بعدها النظام الاحتياطي سيعمل وتدوي صفارات الإنذار. الحسابات السويسرية الخاصة باللورد صقر محمية بجدار ناري مشفر، أحتاج وقتاً طويلاً.. لن أستطيع نقل إلا جزء بسيط منها! تراجعوا!”
سلطان شد على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله، نظر إلى خالد وقال: “خالد.. خطتنا القديمة ألغيت. الآن نلعب مع الوقت. جاهز؟” خالد وهو يشحن سلاحه بنظرة صلبة: “طوال عمري جاهز.”
سارة ضغطت الزر: “الآن! ابدأ العد التنازلي.”
انطفأت أضواء البنك تماماً. اقتحم سلطان وخالد الباب الخلفي باستخدام صهر الليزر. تحركوا في الظلام الدامس مستخدمين مناظير الرؤية الليلية. 90 ثانية.. وصلوا إلى خزنة السبائك. بدأ خالد بفتح الأقفال الميكانيكية المعقدة، ويداه تسابقان الزمن. 60 ثانية.. انفتح الباب. لمع الذهب في الظلام.
بدأوا بملء الحقائب. فجأة، تحرك حارس لم يكن في الحسبان، كان يحمل كشافاً يدوياً وصرخ: “من هناك؟!” اندفع خالد كالفهد ليتعامل معه، وسدّد له ضربة أفقدته الوعي، لكن في نفس اللحظة.. انتهت الـ 120 ثانية!
دوت صفارات الإنذار في أرجاء البنك كالصاعقة، واشتعلت الأضواء الحمراء الطارئة. الأبواب الإلكترونية الثقيلة بدأت تنغلق تلقائياً لتعزل المخزن.
صرخ سلطان: “خالد! الباب ينغلق! اترك الحقائب واخرج!” خالد سحب الحقيبة الأولى واندفع، لكن الباب الفولاذي كان يهبط بسرعة. في لحظة يأس، رمى خالد بنفسه تحت الباب، لكن ساقه اليمنى علقت للحظة تحت الحافة الثقيلة قبل أن يسحبه سلطان بقوة. صرخ خالد من الألم.. ساقه التوت بشدة ولم يعد قادراً على المشي بكفاءة. الخطة نجحت، لكن الثمن كان إصابة خالد البالغة وضياع نصف كمية الذهب!

الفصل الثالث: التضحية القاسية والكمين
في الفجر، داخل المستودع المهجور. كان اللورد صقر يجلس هادئاً، وبجانبه صخر وعشرون رجلاً مسلحاً. دخل سلطان يجر خالد المصاب، ووضعوا حقيبتين فقط من الذهب بدلاً من أربع. سلطان لم يكن ينظر إلى صقر، كان ينظر إلى الأرض، يحسب خطوات الهروب المتبقية في عقله الذي بدأ يتعب.
نظر اللورد صقر إلى الحقائب، ثم قال بنبرة باردة تميت القلوب: “هذا نصف الذهب يا سلطان. هل تظن أنني رجل يمكنك تقسيط الديون معه؟”
سلطان، وهو يحاول إخفاء نبرة صوته المهتزة، أخرج جهاز التحكم: “اللورد صقر.. سارة اخترقت حساباتك وسحبت جزءاً من أموالك في سويسرا، وإذا لم نخرج من هنا، البلاغ سيصل للشرطة بمكانك.”
ابتسم اللورد صقر ابتسامة مخيفة، ولم يهتز: “سارة؟ تقصد الفتاة المسكينة في الحافلة؟ التي تريد الانتقام لأخيها رامي؟ صخر.. أرِهِ.”
فتح صخر شاشة عرض، لتظهر سارة مقيدة على كرسي داخل حافلتها، ورجال صقر يحيطون بها وجهاز حاسوبها مكسور على الأرض! تجمد الدم في عروق سلطان. لقد أخطأ.. استهان بشبكة جواسيس اللورد صقر التي تملأ أزقة المدينة، والذين رصدوا الحافلة منذ البداية. سارة لم تستطع إكمال الاختراق، واللورد صقر لم يفقد ثروته!
صقر وقف وقال: “أنا لا أخسر يا سلطان. الآن.. سآخذ الذهب المتبقي، وسآخذ حياتكم. صخر.. ابدأ بخالد.”
تقدم صخر نحو خالد المصاب على الأرض. في تلك اللحظة الحرجة، نظر خالد إلى سلطان، لم يتكلم، لكن عينيه المتعبتين كانتا تدفعانه للمغادرة. كانتا تقولان: “أنقذ سارة.. اتركني هنا”.
سلطان، بقلب ممزق، ضغط زراً مخفياً في حزامه.. زر يفجر حزام القنابل الدخانية والحارقة التي زرعها خالد مسبقاً في أركان المستودع كخطة طوارئ أخيرة!
انفجر المكان بنيران ودخان كثيف. خالد، مستغلاً إصابته وقربه من صخر، سحب قنبلة يدوية من حزام صخر وصاح بأعلى صوته: “اخرج يا سلطان! خذ سارة واخرج!” دوى انفجار هائل ثانٍ داخل المستودع. خالد ضحى بحياته ليصنع الفوضى القاتلة.
انطلق سلطان كالمجنون وسط الرماد والدخان، قتل الحارسين اللذين يحرسان سارة باحترافية أعمقها الندم، قطع حبالها، وسحبها نحو سيارة الهروب المخبأة في الأزقة، بينما كانت النيران تلتهم المستودع في الخلف.
الفصل الرابع والأخير: رماد الغد وبداية الحرب
امتزج صوت المروحيات التابعة لقوات مكافحة الإرهاب بدوي صفارات الإنذار التي حاصرت منطقة المستودعات. كانت النيران تتصاعد لتلتهم كل شيء، محولةً المكان إلى جحيم من الإسمنت والحديد الملتوي.
خلف السياج الأمني المحيط بالموقع، كان المحقق “عمر” يقف ووجهه يكتسي بالوجوم وهو يراقب رجال الإطفاء. تقدم نحو الأنقاض، ورفع بيده قطعة من ملابس متفحمة وجد بجانبها قلادة فضية مكسورة، ثم نظر إلى آثار إطارات سيارة دفع رباعي وأخرى لسيارة هروب صغيرة.
قال عمر بنبرة حادة ومصممة لمساعده: “اللورد صقر هرب مجدداً.. صخر مات في الداخل، لكن صقر أفلت بجلده ومعه بضعة جروح. وهناك طرف ثالث دخل اللعبة.. الرجل الذي سرق البنك المركزي هو نفسه من أحرق هذا المستودع. اجمع لي كل المعلومات عن المدعو ‘سلطان’. من اليوم، أنا لا أطارد صقر وحده.. أنا أطارد الاثنين، والمدينة لن تتسع لنا نحن الثلاثة.”
على بعد أميال في عرض البحر.. كان يخت صغير متواضع يشق المياه الصافية مع بزوغ الشمس، التي أشرقت بلون أحمر قانٍ يشبه الدم، كأن السماء تعلن الحداد.
في زاوية اليخت، كانت سارة تجلس واضعةً رأسها بين ركبتيها، جسدها يرتجف بصمت، ودموعها تسقط فوق بقايا رقاقة حاسوبها المحطم.
تقدم سلطان بخطوات ثقيلة. لم يواسِها بالكلمات، ولم يمسح دموعها؛ بل جلس على المقعد الخشبي المقابل لها، وعيناه مثبتتان على الأفق دون أن ترمشا. كانت يده اليمنى ممسكة بقلادة خالد الفضية التي استطاع سحبها قبل الانفجار، يضغط عليها بقوة حتى سال خط دم صغير من كفه، لكن ملامحه بقيت كالحجر، كأنه يعاقب نفسه بالألم.
نظرت إليه سارة بصوت مكسور: “سلطان.. أنا من غيرت الخطة. لو أنني انتبهت للجواسيس.. رامي مات بسبب صقر، والآن خالد مات بسببي..”
قاطعها سلطان، ولم ينظر إليها، بل ظل ينظر إلى الأفق، وجاء صوته منخفضاً كفحيح الأفعى: “لا تلومي نفسك يا سارة. الخطأ خطئي أنا. أنا من استهنت باللورد صقر، وأنا من ظننت أن الذكاء يمكنه حمايتنا دون دفع الثمن. خالد لم يمت بسببك.. خالد مات ليصحح خطئي. واللورد صقر يظن أنه أطفأ نيراننا بخطفك وقتل خالد.. لكنه لا يعرف أنه أشعل عاصفة ستقتلعه من جذوره.”
وقف سلطان بصلابة، ونفض الدم عن يده، ثم التفت إلى سارة وعيونه الأرجوانية الباردة قد تحولت إلى كتلة من الجمر الجاف: “المحقق عمر يطاردنا الآن، والصقر يجمع رجاله في الشمال. عائلتك.. وأخي خالد.. دماؤهم لن تذهب عبثاً. جهزي نفسك يا سارة، المعركة القادمة لن تكون بالبرمجيات فقط.. ستكون بالحديد والنار.”
نظر سلطان إلى الدخان المتصاعد من المدينة البعيدة في الأفق، وقال بالنبرة التي حسمت مصير كل شيء: “اليوم خسر سلطان خالد… وغداً سيخسر اللورد صقر كل شيء.”

الجزء الثاني: رماد وانتقام
الفصل الأول: ملاذ الشمال المظلم
مر شهر كامل على تلك الليلة المشؤومة التي احترق فيها مستودع العاصمة. شهر والمدينة تظن أن سلطان وسارة قد تبخرا مع الدخان، بينما كان الواقع يختبئ في أقصى الشمال، وتحديداً في بلدة ساحلية نائية تصفعها الرياح الباردة والأمطار التي لا تتوقف.
داخل كوخ خشبي قديم يطل على رصيف الميناء المهجور، كان الظلام هو السائد باستثناء الوميض الأزرق الخافت المنبعث من شاشات ثلاثة حواسيب محمولة ومعدلة يدوياً. كانت سارة تجلس وعيناها محاطتان بهالات سوداء من قلة النوم. لم تعد تلك الفتاة التي تبكي؛ الخوف في عينيها تحول إلى برود غريب، وأصابعها صارت أسرع وهي تعيد بناء ترسانتها البرمجية خطوة بخطوة، متتبعةً حسابات واجهات اللورد صقر التجارية التي بدأت تظهر في الشمال.
على الجانب الآخر من الغرفة، كان سلطان يقف عند النافذة، يراقب حركة سفن الشحن في الميناء من خلف الزجاج المضبب. وجهه بدا أكثر نحولاً، وعيناه اكتسبتا قسوة إضافية. كان يمسك في يده قلادة خالد الفضية المكسورة، يمرر إبهامه على حوافها الحادة كأنه يستمد منها طاقته للبقاء.
قالت سارة دون أن تلتفت عن شاشتها، وصوتها هادئ بشكل مخيف: “سلطان.. نجحت في اختراق نظام الميناء الشمالي. اللورد صقر لم يهرب ليختبئ؛ إنه ينقل ثقله بالكامل إلى هنا. بعد ثلاثة أيام، ستصل سفينة شحن باسم شركة وهمية. الشحنة في الأوراق الرسمية أجهزة طبية، لكن التشفير بين رجال صقر يقول إنها أكبر شحنة أسلحة ومواد مهربة دخلت الشمال منذ سنوات. إذا استلمها، سيعيد بناء إمبراطورية أقوى من السابق.”
التفت سلطان ببطء، ووضع قلادة خالد في جيبه، وقال بنبرة منخفضة وقاطعة: “لن يستلمها يا سارة. صقر يظن أن المسافة حمته، ولا يعلم أننا ننتظره في محطته الجديدة. كيف وضع الحماية على السفينة؟”
سارة ضغطت زراً لتظهر خريطة حرارية للميناء: “الحماية ميكانيكية وبشرية؛ طاقم السفينة كله من رجال صقر المسلحين، والميناء مراقب بكاميرات حرارية. والأخطر من ذلك.. صقر عيّن يداً يمنى جديدة له بعد مقتل صخر. رجل يدعى ‘بركان’. رجل عسكري سابق، يعتمد على التخطيط والكمائن ولا يترك خلفه أي أثر.”
ابتسم سلطان ابتسامة باردة لم تصل لعينيه: “بركان؟ دعنا نرى إن كان سيتحمل حرارة الدخان. سنضرب الشحنة في قلب الميناء، لكن هذه المرة لن نسرق الذهب.. سنحرق كل ما يملك.”
وفي تلك الأثناء، وعلى بعد كيلومترات قليلة، داخل فندق صغير وسط البلدة الساحلية، كان المحقق “عمر” يجلس في غرفته وعيناه مثبتتان على سبورة بيضاء علق عليها صور اللورد صقر، سلطان، وسارة، وبينهم خيوط حمراء متشابكة. عمر لم يعد يثق في الأجهزة الأمنية المحلية بعد خيانات العاصمة؛ كان يعلم أن صقر لديه عيون في كل مكان، لذلك جاء إلى الشمال بمفرده، مدفوعاً بحدسه وحسه العالي بالعدالة.
مسك عمر القلم ورسم خطاً يربط بين الميناء الشمالي واسم اللورد صقر، وتمتم بنبرة حاسمة: “أعلم أنك هنا يا صقر، وأعلم أن سلطان يطاردك. اللعبة لم تنتهِ في العاصمة.. بل بدأت للتو في الشمال، ولن أسمح لكما بتحويل هذه البلدة إلى ساحة حرب.”

الفصل الثاني: لعبة القط والفأر (كمين الميناء)
ليلة العملية كانت العاصفة في أوجها، والأمطار تغسل أرصفة الميناء الإسمنتية. رست السفينة المالطية الضخمة، وبدأ رجال “بركان” بتفريغ الصناديق الخشبية الكبيرة تحت حراسة مشددة. بركان نفسه كان يقف بمعطفه الأسود الطويل، يوجه الرجال وعيناه الصقريتان تمسحان المكان بدقة مريبة.
على بعد مائة متر، فوق رافعة حاويات عملاقة، كان سلطان يرتدي قناعاً أسود ويحمل منظاراً ليلياً، بينما كانت سارة في الكوخ تقتحم نظام الإضاءة الرئيسي للميناء. تحدثت سارة عبر اللاسلكي: “سلطان، غرف التحكم تحت سيطرتي الآن. سأقطع الأنوار بعد ثلاث.. اثنان.. واحد.”
غرقت الحاوية والميناء بالكامل في ظلام دامس. ساد الذعر بين رجال صقر، وارتفع صوت بركان حاداً: “انتشروا! هذا فخ! احموا الصناديق!”
في تلك اللحظة، هبط سلطان بحبل سريع وسط الحاويات، وبحركات رشيقة وسريعة بدأ بوضع عبوات متفجرة صغيرة وموقوتة على الشحنات. لم يكن يهدف للسرقة، بل للإبادة المادية. لمح أحد الحراس حركته وأطلق النار، ليرد عليه سلطان برصاصة خاطفة أرشته أرضاً.
لكن المفاجأة لم تكن من رجال صقر. فجأة، أضاءت كشافات قوية من الجهة المقابلة، وظهر المحقق عمر شاهراً سلاحه ومحاطاً بقوة خاصة صغيرة استدعاها سراً في اللحظات الأخيرة. صرخ عمر بمكبر الصوت: “سلطان! صقر! المكان محاصر بالكامل، سلموا أنفسكم!”
تعقدت الأمور. بركان ورجاله فتحوا النار عشوائياً تجاه الشرطة وتجاه مكان سلطان. اشتعلت مواجهة ثلاثية طاحنة في الظلام وتحت المطر. ركض سلطان بين الحاويات متفادياً الرصاص، ليجد نفسه وجهاً لوجه مع المحقق عمر الذي اعترض طريقه.
ثبت عمر السلاح نحو صدر سلطان: “انتهت اللعبة يا سلطان. العدالة ليست بالانتقام.”
نظر إليه سلطان من خلف قناعه وعيناه الأرجوانيتان تتألقان بتحدٍ: “العدالة ماتت يوم مات خالد يا سيادة المحقق.”
قبل أن يضغط عمر على الزناد، ضغط سلطان على زر جهاز التفجير في يده. دوت انفجارات هائلة هزت أرصفة الميناء بالكامل، واشتعلت النيران في شحنة الأسلحة والذخيرة وتصاعدت ألسنة اللهب لتضيء السماء المظلمة. استغل سلطان الانفجار والارتباك، وقفز في مياه البحر الباردة ليختفي تماماً، تاركاً عمر وسط النيران، وبركان يصرخ بغضب بعد خسارة الشحنة بالكامل.
الفصل الثالث: اختراق الحصن
تراجع بركان ورجاله إلى المقر السري للورد صقر؛ قصر قديم مهجور ومحصن يقع على قمة جرف صخري يطل على البحر شمال البلدة. كان اللورد صقر يجلس على كرسي متحرك، وكتفه الأيمن ملفوف بالضمادات إثر إصابته السابقة في المستودع. وجهه كان شاحباً وعيناه تشتعلان بجنون الغضب بعد سماع الأخبار.
وفي الكوخ الخشبي، كانت سارة تبتسم بالنصر وهي ترى شاشتها تظهر بيانات هاتف أحد المساعدين الجدد للصقر. قالت بحماس: “سلطان! نجحت في تتبع الإشارة. اللورد صقر متحصن في القصر المهجور على الجرف الصخري. الحماية هناك ضعيفة لأنهم يظنون أننا لا نعرف المكان.”
قالت سارة بقلق: “الأمر يبدو سهلاً أكثر من اللازم يا سلطان.. انتظر لنحلل البيانات أكثر.”
لكن سلطان لم يعد يستمع لصوت العقل، الرغبة في الثأر لخالد كانت تعمي بصيرته. قال وهو يتجه للباب: “خالد انتظر كثيراً يا سارة. ابقي هنا وراقبي الكاميرات المحيطة بالقصر.”
وصل سلطان إلى الجرف الصخري تحت غطاء المطر المستمر. تسلل عبر الأسلاك الشائكة واقتحم الفناء الخلفي للقصر بهدوء مريب، مستغلاً مهارته العالية في التنقل بين الظلال. دخل الصالة الرئيسية الكبرى، ووجه سلاحه مباشرة نحو اللورد صقر الجالس في نهاية القاعة تحت ضوء ثريا خافتة.
رفع سلطان السلاح بثبات: “انتهت رحلتك يا صقر. هذا من أجل خالد.”
لكن بمجرد أن ضغط سلطان على الزناد، تلاشت صورة صقر فجأة واستقرت الرصاصة في الجدار الإسمنتي؛ لقد كان صقر مجرد إسقاط ضوئي (هولوغرام) ثلاثي الأبعاد!
دوى صوت “بركان” العسكري الصارم والممتلئ بالثقة عبر مكبرات الصوت المخفية: “سلطان.. ظننت أنك أذكى من أن تقع في فخ تتبع إشارة هاتف مكشوف. اللورد صقر ليس هنا أصلاً، إنه في طريقه للمطار مغادراً البلاد. هذا المكان صُمم ليكون مقبرتك.”
انفجرت أبواب القاعة الجانبية، وخرج بركان نفسه محاطاً برجاله المسلحين، لكنه لم يترك المهمة لهم. اندفع بركان نحو سلطان بسرعة خاطفة وبدأت بينهما مواجهة قتالية يدوية شرسة وعنيفة. ظهرت الخلفية العسكرية التكتيكية لبركان؛ حيث تفادى ضربات سلطان ببراعة، واستخدم حركات شل الحركة العنيفة ليسقط سلاح سلطان أرضاً، محكماً قبضته عليه، بينما بدأت أنظمة القصر الآلية بتفعيل نظام التدمير الذاتي، واشتعلت النيران في الأطراف لإخفاء كل أثر وتصفية الحساب نهائياً.

الفصل الرابع والأخير: حافة الهاوية
في الكوخ، صرخت سارة وهي ترى الشاشات تتحول إلى اللون الأحمر معلنةً قطع الإشارة وفقدان الاتصال بسلطان. أدركت أن سلطان وقع في كمين تكنولوجي وعسكري محكم. لكن سارة لم تعد تلك الفتاة التي تقف متفرجة؛ سحبت حاسوبها المحمول وحقيبتها، وركبت السيارة القديمة متجهة بأقصى سرعة نحو الجرف الصخري.
أثناء سيرها، فتحت الحاسوب بجانبها وبدأت حرباً برمجية شرسة وضارية ضد نظام الحماية الذكي للقصر. كان النظام الآلي قد أغلق الأبواب والنوافذ بصفائح فولاذية لمنع أي خروج ومحاصرة الجميع وسط الحريق المشتعل وتصاعد غازات الاختناق.
في تلك الأثناء، اقتحم المحقق عمر الصالة بسيارته المدرعة محطماً الجدار الخارجي بعد أن تتبع مؤشرات سارة البرمجية سراً. دخل عمر وسط النيران والتردد السريع للرصاص، محاولاً فك الاشتباك بين سلطان وبركان.
كادت النيران والصفائح الفولاذية أن تطيح بالجميع، ولكن في الثواني الأخيرة، صرخت سارة بنصر داخل سيارتها وهي تكسر الجدار الأمني للنظام: “ليس اليوم يا بركان!”
انفتحت الأبواب الفولاذية آلياً بفضل اختراق سارة، وعطلت نظام الغاز السام، مما أعطى عمر الفرصة لإطلاق النار نحو بركان وإجبار رجاله على التراجع. وفي وسط الفوضى وتداعي السقف المحترق، انقشع الدخان عن مفاجأة؛ اللورد صقر الحقيقي لم يغادر للمطار، بل كان يختبئ في ممر الشرفة الخلفي السري مستعداً للهرب نحو اليخت!
لمح سلطان صقر الحقيقي، وتحركت داخله كل آلام الماضي. أفلت من بركان باندفاعة انتحارية شق فيها النيران، ولحق بصقر عند حافة الشرفة المطلة على الجرف الصخري والبحر الهائج في الأسفل.
أمسك سلطان بياقة صقر المرعوب بشدة. لحق به المحقق عمر وهو ينزف، وصاح وسط دوي الانهيارات والنيران: “سلطان! لا تفعلها! دعه للقانون، لا تلوث يدك بدمه!”
وصلت سارة صارخة باسمه. التفت سلطان نحو عمر وسارة، وارتسمت على وجهه ابتسامة وداع باردة وهادئة وسط العاصفة، ونظر إلى قلادة خالد في يده وقال: “القانون لم يحمِ خالد، ولن يشفي غليلي.”
وبدفعة قوية واحدة، قفز سلطان بجسده ومعه اللورد صقر من فوق حافة الجرف الساحق، ليتلاشى الاثنان تماماً في ظلام البحر الهائج وأمواجه المتلاطمة في الأسفل، بينما انهار القصر بالكامل وتحول إلى رماد متهاوٍ.
بعد مرور أسبوع على الحادثة، كان المحقق عمر يقف عند رصيف الميناء يراقب الأمواج الصاخبة في صمت. اقترب من سارة التي كانت ترتدي معطفاً أسود، وسلمها ملفاً يحتوي على هوية جديدة وجواز سفر نظيف لحمايتها وتأمين مستقبلها.
مشت سارة مبتعدة في الضباب، وفتح عمر دفتره الصغير ليطب اسم اللورد صقر. وقبل أن يغلق الدفتر، رنّ هاتفه الخاص برسالة من رقم مجهول ومشفّر بالكامل. فتح عمر الرسالة لتتوسع عيناه بصدمة؛ لم تحتوِ الرسالة على أي كلمات، بل كانت مجرد صورة شاشة رادار بحري تظهر وميضاً متحركاً يعبر الحدود البحرية نحو أفق جديد، وتحتها رمز رمادي صغير ومألوف: (شفرة الدخان).
نظر عمر إلى الأفق البعيد، وارتسمت على وجهه ابتسامة غموض مرهقة، وتمتم بصوت خافت: “لقد احترق رداء الدخان.. لكن الرماد لا يموت بسهولة.”
بقلم : مؤيد
إشراف ، التحرير ،الجرافيك : روميساء طارق البدري
واووو، الغلاف اسطوريا هذه المرة، يمكن ان تؤلف حول صورة الغلاف وحدها مءات العناوين المرعبة والافكار، هههه، يشبه تماما اغلفة العاب الرعب الذكية وافلام الرعب والاكشن ذات الميزانيات الكبيرة، ايضا الصور الداخلية اتت مذهلة، تذكرني بلعبة lust of us، والاكثر اذهالا هي دقتها وجمعها لعنصرا الحياة والمقاومة في داخلها الا وهما.. ادم وحواء!
بالنسبة للقصة بها الكثير من الحركة والفوضي، هههه، الامر بداخلها كان رائعا كالصور تماما، ضرب، ورصاص، وسيارات مصفحة، هل لازلتم من البشر بحق السماء؟ ام ان كل كتاب ادب الرعب قد اصبحوا مخرجين عالميين وعرابي مافيا؟ هههه، انتم رائعون حقا، كنت في فترة افضل من يكتب عن تلك الامور، لكن غزا الموقع الان فرقا من النخبة تضم كتابا بارزون، واستكملوا الدرب الدموي باسلوبهم وطريقتهم الخاصة، كتاب النخبة مذهلون حقا، انا حقا فخورا بتلك النخبة هنا 👏🏻👏🏻👏🏻
عمت مساءا 👽👽